الجندر : جدلية العلاقة بين الرجل والمرأة في ظل تحولات الأسرة الجزائرية

                         "مطرقة الاحتواء أم سندان الاستبعاد"

  

  أ/عريف عبد الرزاق                                        أ/ميدني شايب ذراع

     قسم العلوم الإجتماعية

كلية العلوم الإنسانية والإجتماعية

    جامعة قاصدي مرباح/ ورقلة

 

       تعد  الأسرة من أهم النظم الاجتماعية و أقدمها وهي موجودة في كل المجتمعات الإنسانية في العالم ،وعبر التاريخ ،فالأسرة نواة المجتمع ،وهي تعكس صفاته  ،فالعلاقة بين الزوج والزوجة أ و بين الأب و أبنائه أو بين الأم و أبنائها تحددها العوامل البيئية التي  تضمهم فبيئة الصيد من شأنها أن  تحمل الزوج كثير الغياب عن مسكنه  ،في حين بيئة  الزراعة تتطلب الاستقرار و كثرة الأيدي العاملة و يحتاج  الرجل  فيها إلى معونة المرأة فتنشر كثرة الأولاد و تعدد الزوجات وهكذا ،كما يمتد تأثير الأسرة  إلى كافة النظم الاجتماعية الأخرى ،فالسياسة والاقتصاد و تشكيل وق ت الفراغ  والتعليم و الفن والأدب إنما يؤثروا ويتأثروا بنمط الأسرة  وبكفاءتها في أداء وظائفها ،وعليه ظهر فرع من فروع علم الاجتماع  هو علم  الاجتماع الأسري وهو العلم الذي لا ينازع علم الاجتماع فيه أي علم  آخر.

و في  ظل  تنامي ديناميكية المجتمعات واكتساح ظاهرة العولمة معظم مجالات الحياة الإنسانية "الاقتصادية الاجتماعية الأسرية التربوية ..الخ" ما جعل  هذه المجتمعات تشهد عدة ظواهر كانت لعهد قريب تعتبر دخيلة عليها .

وخلال ثمانينات القرن الماضي  طفى إلى السطح  مصطلح الجندر "النوع الاجتماعي" والذي يشير حسب منظمة العمل  الدولية إلى " العلاقات والفرو قات بين الرجل  والمرأة التي ترجع إلى الاختلاف  بين المجتمعات والثقافات  والتي  هي  عرضة طول الوقت  للتغيير "لينسحب  ويتفرع  منه عدة مصطلحات كالعدالة  الجندرية و المساواة الجدنرية ...الخ والتي  تعمل على اعتماد  المساواة بين الرجل والمرأة  في الحقوق  والمكتسبات والحرية المدنية والسياسية ...الخ.

ولا ريب أن هذا المفهوم قد  تباينت فيه  الآراء واحتدمت  فيه النقاشات وخاصة  في المجتمعات  العربية  الإسلامية ذات الخصوصية الثقافية والاجتماعية .ويرى أنصار مفهوم الجندر  (النوع الاجتماعي) أنه يعبر عن آخر الحواجز عن طريق تحقيق العدالة  بين  الرجال والنساء  لأنه يشتمل التحول في المواقف والممارسات في كافة  المجتمعات .

أما معارضوه فيرون أن هذا الأخير يهمل  ما هو متصل بدور المرأة في المجال الفيزيولوجي والإنجابي .

وبين هذا الطرح المؤيد وذاك الرأي المعارض جاءت مداخلتنا لتناقش هذا المفهوم مع عينة من المختصين في هذا المجال ( أساتذة علم الاجتماع التربوي ) من خلال طرح التساؤل الرئيس الآتي :

- ما مدى تأقلم هذا المصطلح مع  خصوصية المجتمع  الجزائري ،و ما هي  مبررات  كلا  من  أنصاره و معارضيه .؟ و ما هي الطرق  و الأساليب الكفيلة  المساعدة لتكيفه  مع هذه الخصوصية؟

أولا مدخل مفاهيمي: الجندر:

على  الرغم  من  أن  الأسرة  مؤسسة  معروفة  لكل  إنسان  ،  إلا  أن  التعريف  الدقيق  والشامل  والواضح  لها  يبقى  يكتنفه  الكثير  من  الصعوبة  والغموض ، وذلك  لتنوع  حجمها  وبنيتها  ووظائفها  وعلاقاتها  من  مجتمع  إلى  آخر ، ومن  فترة  زمنية  إلى  أخرى ، " ورغم  ذلك  تبقى  محاولة  العالم  الأمريكي  جورج  بيتر ميردوك محاولة  جادة  ويتفق  عليها  اغلب  العلماء  حيث  اعتبر  أن  الأسرة تشكل حماية اجتماعية بشرية .

1- 1 مفهوم  الأسرة

وقد عرفها  محمد  عاطف غيث بأنها :" جماعة اجتماعية  بيولوجية نظامية تتكون من رجل  وامرأة (يقوم  بينهما رابطة زوجية مقررة) و أبنائهما .(1) كما يعرفها  برجس و لوك بأنها:" هي  جماعة من  الأشخاص  يرتبطون  بروابط  الزواج  و الدم  أو التبني و يعيشون  معيشة  واحدة و يتفاعلون كل مع الآخر في حدود  أدوار  الزوج  والزوجة ،الأم والأب ، الأخ  والأخت ،و يشكلون  ثقافة  مشتركة "(2)

أ-  أنواع  الأسر:

الأسرة النواة:  وتتكون من رجل و زوجة وذريتهما.

الأسرة الممتدة: تتكون من أسرتين نووتين  فأكثر. 

الأسرة  البوليجامية : تكون  من  أسرتين  نواويتين  أو  أكثر  مرتبطة  بزيجات  جماعية (3)

لذلك  أولى  العلماء أهمية  قصوى لدور  الأسرة  في  تكوين ثقافة الطفل و نشئته  من  خلاله  اكسابه  اللغة  والمفاهيم  والاتجاهات  والقيم  والعادات  والأدوار الاجتماعية وبالتالي

 فالأسرة هي:  الخلية الأساسية لعملية التنشئة الاجتماعية من خلالها تبلور شخصية الطفل  بجوانبها  العقلية  والاجتماعية  والجسمية  والانفعالية .

ب- وظائفها :

وتلخص أهم الوظائف التي تقوم بها الأسرة في  :

1- الوظيفة الجنسية ووظيفة الإنجاب: وذلك من خلال تزويد المجتمع بأعضاء جدد. وهذه الوظيفة تتطلب تنظيم النشاط الجنسي. 

2- الوظيفة الاقتصادية:  وقد فقدت الأسرة في المجتمعات الصناعية الغربية الجزء الأكبر من وظيفتها الاقتصادية، وذلك من تحويلها من وحدة إنتاج وتوزيع إلى مجرد وحدة استهلاك.

3- الوظيفة التربوية:  وذلك من خلال النشأة الاجتماعية ذات الأبعاد السلوكية، الجسمية  

العاطفية...الخ (4)

وقد لخص بعض علماء التربية وظائف الأسرة فيما يلي :

-       وظيفة الانتقاء: أي أنها تتقي من عناصر ومعطيات الواقع الثقافي وتراثه وما تنقله للأبناء.

-       وظيفة التفسير:  وذلك بشرح وتفسير ما تنقله إليهم في إطار معان ثقافية تدرسها. وتهتم  بها  وفق  ثقافتها

-       وظيفة التقويم:  والتي تعتمد على طبيعة طموحاتها وتوجيهيها وإدراكها للتراث الثقافي (5)

وتبقى فعالية  هذه  الوظائف  مرتبطة  بالمستوى  التعليمي  والثقافي  للأسرة  .

ثانيا  الأسرة من المؤسسة إلى العولمة:

       تعتبر الأسرة أحد  أهم مؤسسات التنشئة الاجتماعية و التي تعني (التنشئة الاجتماعية) في ابسط تعريفاتها :العملية التي يكتسب الفرد  من خلالها أنماط محدد ة من الخبرات و السلوك  الاجتماعي أثناء تفاعله مع الآخرين ،وتتضمن عملية التنشئة الاجتماعية ثلاث مهام رئيسية أولاها ضمان انتقال الثقافة بين  الأجيال ،وثانيها إكتساب الأفراد القدرة على التحكم في  اندفاعاتهم (التكييف الإجتماعي) و ثالثها تدريبهم على القيام بالدور.

       إن الأسرة الحالية لم تعد نفسها أسرة العصور السابقة لا من حيث الشكل ولا من حيث الأدوار و الوظائف فمن حيث الشكل كان شكل الأسرة الممتدة.وهي ذلك النوع من الأسرة الذي يضم أكثر من جيلين (الأباء والأبناء) و إنما يضم ثلاثة أجيال أو أربعة في بعض  الأحيان ،بينما حاليا يسود  شكل الأسرة النواة (جيلين  فقط) و استتبع  هذا التحول الهيكلي تحول وظيفي ،حيث فقدت الأسرة الكثير من وظائفها  وأدوارها فقد  كانت الأسرة قديما تقوم بإشباع معظم حاجات أفرادها الصحية و الاجتماعية و الثقافية و الدينية و العسكرية لكن مع استمرار تطور المجتمع  و ظهور المعبد والجيش المنظم و الحكومة المركزية والمدرسة والمستشفى و المصنع كمؤسسات  أخذت العديد من الوظائف التي كانت تقوم  بها الأسرة ،ولم تبقى لها سوى وظيفة تزويد  المجتمع  بأعضاء جدد ومهمته تأنيسهم في مرحلتهم الطفولية و تلقينهم وتدريبهم الأدوار المنسوبة إليهم من مجتمعهم فتحولت الأسرة من كونها مؤسسة اجتماعية إ لى خلية اجتماعية مصغرة.

       إن صفة المؤسسة تعني أن الأسرة تقوم بالوظائف الجوهرية للفرد و المجتمع معا،  فهي تحول الكائن البشري إلى كائن مؤنس متطبع بطباع مجتمعه، أما عندما نقول أن الأس رة خلية أو نواة المجتمع فذلك يعني عند  العلماء الاجتماع أنه لا  يوجد مجتمع إنساني بدون  أسرة لأنها تغذي المجتمع بالأعضاء الجدد ة تقل تراثه الثقافي  والاجتماعي من جيل لآخر لكنها لا تقوم بهذه الوظيفة  منفردة. (6)

إن أهم ما يميز الأسرة كمؤسسة هو تعدد الوظائف إذ تقوم بإنجاب الأطفال وتربيتهم وتعليمهم التعاليم الدينية و الطقوس و المراسيم المقدسة فضلا عن تدريبهم القيام بأعمال منتجة تقوم بصناعتها هي نفسها و تدافع عنهم .وتحرص على ترفيههم ،كل هذه الواجبات  كانت أساسية هي حياتها إلا  أنها مع تقادم الزمن وتطور الحياة الاجتماعية وظهور المخترعات العلمية و التقنية باتت هذه المهام من واجبات مؤسسات أخرى داخل الهيكل المجتمعي .وهذا التحول الوظيفي لم يحصل بسبب ضعف في أداء المؤسسة الأسرية  أو لأن المؤسسات الأخرى تقوم بانجازها بشكل أفضل من  الآسرة ،بل أن حقيقة تطور المجتمع من مرحلة تطورية لأخرى تزيد  من تحضره وتمدنه وعلمنته  و إبعاده  عن المرحلة التقليدية ،فتأفل وظائف أسرية كانت جوهرية في حياتها لصالح مؤسسات أخرى لها علاقة بالوظائف الأسرية.

إن كل هذه التغيرات لا تعني أن الأسرة تقع دائما في خانة المتأثر بل أنها تؤثر بدورها في الهيكل الاجتماعي ،حيث أثرت الأسرة الحديثة و المعاصرة على عمليات ومصالح و أهداف تنظيمات ومؤسسات البناء الاجتماعي ،فقد بلورت شركات  ومصانع بالكيان الصناعي والتجاري لتهيئة الأغذية الجاهزة والمعلبة بقصد  الاستهلاك اليومي والشهري ،وهذا لانشغال المرأة  خارج منزلها وأثرت على الكيان الفني من خلال خضوع  الهندسة المعمارية لمتطلبات الأسرة ،وعلى الكيان الطبي  بإنشاء مصانع  خاصة  بطب الأسرة (تنظيم النسل  الحمل الرضاعة ...) وعلى الكيان الصناعي والترفيهي ...الخ(7)

لكن ورغم كل هذه الأريحية المادية إلا  أن روح المحبة والتضحية بين أفراد الأسرة ضعفت بل والأخطر من  ذلك عوضتها سلوكيات عنيفة وتفاعلات قمعية سماها علماء الاجتماع العنف  المنزلي ،هذه الوضعية المزرية أحسن من يعبر عنها الأسرة الغربية الحالية التي أصبحت مهددة في وجودها ووجود المجتمع الغربي من  الأساس وذلك من خلال ظواهر شاذة جدا كالمعاشرة بدون زواج  أو الزنا كطريقة للحياة و انخفاض  معدلات الزواج  .والحمل قبل الزواج  و ارتفاع معدلات الأطفال الغير الشرعيين والأسر بدون آباء  وغيرها ، و أين هذا من الأسرة التقليدية التي تساعد  المجتمع على أداء وظائفه في مجال الرعاية الاجتماعية للمسنين ،وفي  مجال التربية و تعليم الأبناء المحرمات والمسموحات وتعزز مشاعر الحب والتضحية والتماسك.

ثالثا : الأسرة  العربية بين الحداثة  والتقليد:

اعتبر الباحثون والدارسون الغربيين أن  العائلة  العربية  التقليدية ذات نمط ممتد ،سلطة أبوية وتجنح إلى تفضيل  الزواج  بين  الأقارب وتسمح بتعدد  الزوجات . (8)

إلا أننا  في هدا المقام  لا بد  أن نشير  إلى أن  هده  النظرة قاصرة حيث أن هذه  الأخيرة (العائلة العربية التقليدية) لها  خصائص عدة تنحصر في :

-       العائلة العربية تشكل وحدة  إجتماعية ونواة  ومركز للنشاطات الإقتصادية والاجتماعية القائمة على  التعاون  والإلتزام  المتبادل  والمودة .

-       العائلة العربية أبوية من حيث تمركز السلطة والمسؤوليات ومن حيث  الإنتساب .

-       العائلة العربية هرمية على  أساس الجنس والعمر أي دات  تنظيم طبقي القائم على  أساس إضطهاد المرأة والصغار وسيطرة  الرجال والكبار .

-                  العائلة العربية تتشكل  من  أسر ذات توجه ونمط ممتد من  حيث عدد  أفرادها  . (9)

  • إضافة إلى  أن  هناك  خصائص أخرى تتعلق  بالزواج  والطلاق والإرث ،وبنوعية علاقات العائلة بالمجتمع  ومؤسساته.

 

 

 

3-1 العائلة العربية (نحو توجه نووي)

لقد  اتصفت العائلة  العربية منذ  زمن  بعيد بأنها  ممتدة والمقصود  هنا أن  تعيش أجيالا  ثلاثة تحت  سقف واحد (أهل الزوج  ،الأخوات  والإخوة ، الزوج  والزوجة و الأبناء  والبنات ) إضافة إلى  الأقرباء فتتداخل علاقاتهم  وتتشابك  مصالحهم وممتلكاتهم . ليتطور هذا المفهوم (العائلة الممتدة ) ويصبح يشير إلى العلاقات  الوثيقة  وترابط  المصالح  بين الأقارب ،وما  يرافقه  من  ولاءات وتوقعات  تكون  عدم التقيد  بها  عقوق على العائلة .

إلا  أن  هذا الوضع  سرعان  ما بدأ  يتغير  ويتطور باتجاه  الأسرة  النووية الصغيرة أو استقلالية الزوج  والزوجة و الأولاد  في منزل خاص  بهم في المدينة .

رابعا: الجندر(الدلالات ومقدمات الظهور)

مع بدايات إقحام النظام العالمي الجديد نفسه في مجال الشؤون الاجتماعية بدأت الأمم المتحدة من خلال وكالاتها المتخصصة سواء للثقافة (اليونسكو) أو لشؤون المرأة (اليونيفم) أو الطفولة (اليونيسف) في أن تتجاوز حدود عملها ,وهو تقديم المساعدات المالية، والخدمات الفنية للدول المحتاجة، واتجهت إلى مجال التنظير وسن القوانين الاجتماعية عن طريق إصدار وثائق دورية في شتى المجالات الاجتماعية، وهي ملزمة للدول الأعضاء بقوة المعونات. وهي تحاول من خلال هذه الوثائق توحيد النظم الأخلاقية والاجتماعية للعالم بأسره على منظومة واحدة.

وكانت بوادر تجسيد هذه المواثيق في مؤتمر السكان والتنمية –الذي كان بمثابة صدمة حضارية أخرجت الشرق من براءته الموروثة- حيث ورد مصطلح (جندر) في حوالي خمسين موضعاً بديلاً عن كلمة (الجنسين)، ولكن كان استخدامه في إطار المناداة بإلغاء الفروق واللامساواة بين الرجال والنساء، فمصطلح (Gender Discrimination ) تمت ترجمته على أنه "إزالة التمييز بين الجنسين" وترجم (Gender Equality) على أنها المساواة بين الجنسين وانتهى الأمر. ولكن لم يكن مؤتمر القاهرة إلا مرحلة من مراحل التقديم التدريجي للمصطلح، حيث كانت الرسالة هي أنّ هناك مفهوماً ما يتم تعريفه.

بعد عام عقد في بكين المؤتمر التالي المعروف بمؤتمر المرأة، والذي كان شعاره كما ورد في وثيقته "إعادة صياغة المجتمع عن طريق رؤية العالم من خلال عيون النساء". وفي وثيقة هذا المؤتمر وردت كلمة (جندر) حوالي 233 مرة، ولوحظ أنها تأتي لتعبّر عن أكثر من معنى فهي تارة تشير إلى (الجنسين) وتارة تشير إلى (المرأة) فقط، وتارة للتعبير عن الأدوار المنوطة بالجنسين.

 وهكذا توسع المعنى وتمدد ليشمل معاني كلها تحتشد تحت لواء لفظة (Gender) وتمت بالتبعية ترجمتها في الإصدار العربي للوثيقة على أنها (الجنسين) مما أفقدها منطقية السياق في كثير من المواضع.(10)

4- 1موجة الحركات النسوية المنظمة المبكرة:

وقد شهدت السبعينات من القرن العشرين ظهور "تحرير النساء" وتحالفات النساء العالمية في الولايات المتحدة وأوروبا. إن

الآراء والمواقف التي تم اتخاذها خلال تلك الفترة عن القهر العالمي للنساء وإخضاعهن للسلطة الأبوية ترجع إلى الحركات النسوية المنظمة مبكرا في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، إلا أنه عادة ما يتم النظر إلى "الموجة الثانية" من النسوية التي تعود إلى السبعينات من القرن العشرين باعتبارها فترة نشر المفاهيم النسوية جماهيريا وبالتالي تأسيس الدراسات النسائية في المؤسسة الأكاديمية بالولايات المتحدة. كما أنها هي نفس الفترة التي تم خلالها ترسيخ مفاهيم القرن الثامن عشر والتاسع ودمجها ضمن الخطاب النسوي الغربي بشأن القهر واسع الانتشار الذي تعاني منه النساء المسلمات.

إن الصورة المطلقة للنساء المسلمات باعتبارهن مقهورات ومتخلفات مكنت النساء الغربيات في القرن التاسع عشر من التأكيد على أهمية مشاركتهن الكاملة في المشروع الاستعماري الكولونيالي الذي كان تقليديا مجالا حكرا على الرجال. وعن طريق استخدام جنسهن - أي كونهن نساء - كاستراتيجية لوضعهن الفريد، زعمت النساء الغربيات أنهن بخلاف الرجال سيتمتعن بالدخول إلى أماكن النساء في الشرق، وبالتالي التعرف على أمهات الأمم والأعراق الشرقية. ثم حملت النساء الغربيات على أكتافهن "عبء المرأة البيضاء" الخاص بهن وذلك طبقا للتعبير الذي استخدمته أنطوانيت بيرتون، وذلك بمحاولتهن إحضار نور المسيح إلى النساء في العالم المسلم اللاتي اعتبرهن خاضعات لطغيان الإسلام.

إن خطاب "النسوية التبشيرية" لا يزال مؤثرا في حملات النساء الغربيات من أجل "إنقاذ" النساء في البلدان الإسلامية

ولتحريرهن من سجنهن المحمول أي الحجاب الإسلامي. إن النزعة النسوية الغربية الدافعة إلى إنقاذ النساء المسلمات من عقيدتهن الدينية وميلها إلى تصوير الممارسات الإسلامية باعتبارها غير متماشية مع النسوية أدى مرات إلى عرقلة إمكانية قيام أية تحالفات نسوية عبر الثقافات. إن الصعوبة الرئيسية المتعلقة بهذا النموذج من النسوية المخّلصة تكمن في أن أوجه اللامساواة الهيكلية مبنيةداخل علاقة عمادها الفرضية القائلة بأن هنالك مجموعة من النساء أكثر تقدما واستنارة على الدوام من مجموعة أخرى. إن هذاالنموذج من النسوية، والذي يزعم أن قهر النساء مسألة عالمية في الوقت الذي يضع اختلافات تراتبية بين النساء المنتميات إلى أمم وديانات مختلفة، هو نموذج يضرب بجذوره التاريخية في الكتابات النسوية من القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، كما يواصل التعبير عن نفسه في بعض الخطابات النسوية المعاصرة. إلا أن هذا النموذج الخاص بعلاقات الأخوة التراتبية بين النساء بلغ ذروته.

4-2 الموجةالثانيةمنالنسويةالأمريكيةوالأوروبية.

وعلى الرغم من أن أوج فترة الموجة الثانية من النسوية يرتبط عامة بصدور كتاب كيت ميليت عن السياسات الجنسية

إلا أن العديد من الأفكار التي أثرت على الموجة الثانية من الحركة النسوية، وكذلك (Kate Millett, Sexual Politics 1970)العديد من الأفكار التي سعت بعض النسويات لمواجهتها وتحديها، يمكن تتبع أصولها إلى كتاب سيمون دي بوفوار عن الجنس

Betty Friedan, ) وفي كتاب بيتي فريدان عن الغموض الأنثوي (Simone de Beauvoir, The Second Sex الثاني ( 1949

ففي كتابيهما الرائدين، تعقد كل من سيمون دي بوفوار وبيتي فريدان مقارنات بين مكانة .(The Feminine Mystique 1963

الأمريكيات والأوروبيات وبين الأعراق والثقافات المقهورة. إن الميل إلى الموازاة بين تبعية النساء الغربيات وشعوب الأمم

الخاضعة للاستعمار، وخاصة نساء الأمم الإسلامية، بما له من تاريخ طويل يرجع على الأقل إلى القرن الثامن عشر وعصر التنوير. واستحضار صورة امرأة الحريم باعتبارها تمثل قمة قهر النساء هي استراتيجية لعل أشهر من استخدمتها هي ماري

Mary Wollstonecraft, Vindication of the Rights of Woman  ولستونكرافت في كتابها دفاعا عن حقوق المرأة

1792 ). إلا أن النزعة الدافعة إلى تصوير النساء باعتبارهن مقهورات عالميا بما يشبه حالة الطبقات أو الأمم أو الأعراق المقهورة تمت إعادة نشرها على مستوى أكثر عالمية خلال ستينات وسبعينات القرن العشرين.

وعلى الرغم من أن سيمون دي بوفوار نشرت نصها المؤثر في عام ١٩٤٩ م إلا أن العديد من نسويات الموجة الثانية

يعترفن بامتنانهن تجاه كتابها، حيث تقوم سيمون دي بوفوار بموازاة بين مصير الذات الخاضعة للاستعمار وبين مصير النساء، وهي مقارنة كانت شائعة في أوساط النسويات من الموجة الثانية حيث عقدن مقارنات بين الوضع المتدني للنساء على مستوى العالم وبين الشعوب الخاضعة للاستعمار أو الثقافات ذات الأقلية في مراكز المدن العالمية الكبرى. وطبقا لما تراه سيمون دي بوفوار، توجد أوجه شبه قوية بين موقف النساء وموقف الأمريكيين من ذوي أصول أفريقية.(11)

. كما تقارن بين قوانين جيم كرو في الولايات المتحدة والتي ساندت التمييز المنظم ضد السود والمتخفي وراء خطاب "متساوون ولكن منفصلون" وبين مفهوم القرن التاسع عشر الخاص بالمساواة في الاختلاف فيما يتعلق بالجنسين من الذكور والإناث. وترى سيمون دي بوفوار أن المقولة المعادية للنسوية في القرن التاسع عشر والقائلة بأن النساء متساويات ولكنهن مختلفات عن الرجال هي مقولة تعيد إنتاج صيغ شبيهة من التمييز ضد النساء مثل قوانين الفصل العنصري ضد الأمريكيين من أصول أفريقية، وتنهي كتابها بالتماس تتوجه به داعية إلى وقف ما تطلق عليه عبودية النساء. مثلها مثل سيمون دي بوفوار، تعقد بيتي فريدان مقارنة بين موقف النساء الممنوعات من التصويت والانتخاب وبين الأمريكيين من أصول أفريقية، وتؤكد على أنه من خلال مشاركة النساء في منظمات مناهضة العبودية أدركن أنهن أيضا يعانين من نوع من العبودية، وأنهن أيضا يحتجن إلى التحرر. إن ما قامت به كل من سيمون دي بوفوار وبيتي فريدان من وضع البدايات الأولى للحركة النسوية الخاصة بالطبقة الوسطى البيضاء وهمومها جنبا إلى جنب معاناة العبيد الأفارقة في الولايات المتحدة هي مقارنة تسلط الضوء على ميل الحركة النسوية إلى تعميم أشكال القهر، وبالتالي تجاهل التعقيدات والخصوصيات التي تتعلق بالانتماء إلى الآخر على أساس الجنس أو العرق أو الثقافة في أوروبا والولايات المتحدة.

إن العديد من الكتب التي تضم مقالات مختارة، والكثير من المقالات والكتب ظهرت على السطح مؤخرا للدفاع عن سمعة

النسويات من الموجة الثانية، والراديكاليات الثوريات منهن تحديدا. وقد ظهر مصطلح "النسوية الراديكالية" في الاستخدام الرسمي في عام ١٩٦٨ م، وزعمت النسويات الراديكاليات أن الشكل الأولي للقهر هو قهر النساء، ونجد أن النقد والانتقاد الموجه إلى النسوية الراديكالية يركز على قيام الحركة ببناء كيان جوهري هو "المرأة" باعتبارها فئة تصنيفية، وكذلك تركيز الحركة على قهر النساء باعتباره مسألة أساسية وعالمية. وترى باربرا كرو في كتاب قامت بتحريره يتناول "النسوية الراديكالية أن الحركة النسوية الراديكالية كانت حركة متباينة وحساسة تجاه مسائل العرق والثقافة والطبقة والكولونيالية والحياة الجنسية منذ بدايات الحركة، ولكن يتم منذ تلك الفترة سوء تمثيلها باعتبارها متجانسة في كيان واحد يقوم على الإقصاء. وفي الوقت الذي ترى فيه بعض النسويات أن هذا النقد هو نقد ظالم إلا أن بعض النصوص التأسيسية للحركة النسوية الراديكالية ترسخ المقارنة بين النساء الغربيات وبين الشعوب تحت الاستعمار أو المتعرضة لأي شكل آخر من التهميش. وبعبارة أخرى فإن أوجه التباين والتنوع التي تدعو الحركة النسوية الراديكالية إلى الاحتفاء بها تدمج في كيان واحد متجانس كجزء من الوضع العام للمرأة في كل مكان.(12)

إن النسوية الراديكالية البارزة التي تنتمي إلى الموجة الثانية من الحركة النسوية، روبين مورغان، تعبر عما تراه من قهر

Robin Morgan, On Women as a ) عالمي للنساء في مقالها الذي نشر عام ١٩٧٤ م عن النساء كشعب خاضع للاستعمار

Circle One: A Woman's ) والذي صدر أول مرة في كتاب من المقالات المختارة ،(Colonized People, 1974

وتستهل المقال مستشهدة بكل من فرانتس فانون وألبرت ميمي اللذين، .(Beginning Guide to Self Health and Sexuality

كما تقول، يطرحان الفكرة القائلة بأن السبيل الوحيد أمام الشعوب الخاضعة للاستعمار كي تنال الحرية هو سبيل استعادتهم

لأرضهم. وطبقا لروبين مورغان فإن النساء أيضا شعب خاضع للاستعمار، وقد تم استعمار أرضهم النفيسة - أي أجسادهن - بواسطة الجهود الأبوية في إضفاء الغموض على أجساد النساء. أما الأمر الأكثر أهمية فهو أن تلك الأرض بما فيها من موارد يتم استغلالها: حيث يتم إجبار النساء على الإنجاب دون أي ضمانات يقدمها الرجال تؤكد التزامهم بدعم أو رعاية أو تحمل أية مسؤولية على الإطلاق تجاه الطفل. كما أن النساء قد استوعبن تماما الأفكار المعادية للنساء عن أجساد النساء باعتبارها "نجسة" وفي منتهى الخدمة لتحقيق الرغبات الإنجابية للرجال.

الجندر(الاراء و المواقف):

ولعل أخطر ما يميز خطاب الجندر عن غيره من الخطابات النسوية حتى الراديكالي منها، هو تعامله مع المرأة على أنها فرد، وذلك بإخراجها من سياقها الأسري والاجتماعي على أنها إنسان منفرد في الإرادة والنظام الحياتي والأهداف، بغير ما ارتباط بزوج أو أطفال أو مجتمع كافة. وهذه الصورة الشاذة ليست فقط مرفوضة على مستوى المرأة، ولكن على مستوى الرجل أيضاً، فكلاهما إنسان، والإنسان يعرف أنه كائن اجتماعي أي لا يمكن أن يكتسب قيمته إلا من خلال المجتمع الذي حوله من أسرة نووية وممتدة وجيران ورؤساء ومرؤوسين.. إلخ. لع إنّ هذا المدخل المغرق في فرديته (Individualism) لم تشهده أعتى الفلسفات التي نادت بالحرية الفردية، حتى المذهب الوجودي، الذي نادى سارتر من خلاله بأعلى درجات حرية الفرد، لم يخل من ارتباط الحرية بالمسؤولية،–وأقرت بالمسؤولية تجاهه. ولكن فلسفة (الجندر) تعدّت هذه المرحلة لتحول المجتمع إلى أفراد غير مرتبطين ولا تترتب حياة الواحد منهم على حياة الآخر، ولا تلتقي معها، أو تحسب لها حساباً. وهو نموذج الفرد الغربي الذي نراه الآن تجسيداً حيّاً لمأساة إنسان عصر ما بعد الحداثة.. وإذا استعرضنا الرؤية الإسلامية في قضية حاجة الفرد رجلاً كان أو امرأة إلى توازن كيانه الفردي مع كيانه الاجتماعي –ولعل هناك أيضاً رؤىً أخرى جديرة بالعرض- نجد أنّ الإسلام يكاد يكون النظام الوحيد الذي يعطى للمرأة حقاً فردياً مطلقاً في التعامل مع دخلها المالي سواء كان إرثاً أو مرتباً شهرياً أو مصدر دخل آخر دون تطفل من أفراد أسرتها، فليس لأحد حتى زوجها أو أبيها مشاركتها فيه، أو سؤلها فيم تنفقه، ولكن هذه الإرادة المنفردة تقترن في مواضع أخرى بالمسؤولية تجاه الآخرين، فلا يصح لها مثلاً أن تتخذ قراراً بالإنجاب أو بمنع الإنجاب، واتخاذ تدابير هذا العمل سراً بدون موافقة الزوج –ونلحظ أنّ هذا ينطبق على الزوج أيضاً- وهكذا تسير حياة الرجال والنساء في توازن

فريد بين ما هو فردي وما هو جماعي في حياتهم.(14)

ويجدر بالذكر ان اهم الابعاد او المحاور التي يرتكز عليها الجندر هي:

أ‌-                    التماثل:

هو القول بتماثل الرجل والمرأة، وهو التعبير الذي ينقل إلينا في العربية على أنه المساواة، ولكن المساواة شيء آخر، والهوة سحيقة بين المفهومين، فالمساواة التي ننادي بها جميعاً على اختلاف مشاربنا الثقافية والدينية هي الإنصاف في الحقوق والواجبات وفرص الحياة من تعليم وخدمات ووظائف تصل إلى مراكز اتخاذ القرار.. إلخ. أما القول بالتماثل فهو نتاج نظرية (الجندر) التي أوردناها سلفاً والتي يتخذها الجندر النسوي قاعدة ينطلق منها، ألا وهي إلغاء كل الفروق الطبيعية أو المختصة بالأدوار الحياتية بين الرجال والنساء، والادّعاء بأنّ أي اختلاف في الخصائص والأدوار، إنّما هو مصطنع ومن صنع المجتمع (Socially Constructed). ومن هنا تمّ اختيار مصطلح (الجندر) ليحل محل الجنس؛ لأنّ النوع مصطلح محايد لا يثير أي تداعيات في الذهن لكائنين بشريين بينهما اختلافات، فعندما يسأل أحد آخر ما هو جنس المولود؟ فيتبادر لذهن الشخص صورة لذكر أو لأنثى بكل ما تحمله هاتين الصورتين من فروق في الشكل ووظائف الأعضاء والخصائص النفسية والأدوار المستقبلية التي تنتظر كلاً منهما. وهذا ما أراد تيار (الجندر) تلافيه فاستخدام لفظ (الجندر) لإعطاء صورة محايدة لهذا الكائن البشري

ويسعى منظور (الجندر) إلى الإتيان بكل دليل على عدم وجود عنصر الطبيعة عامل تمييز بين المرأة والرجل، فمن قال: إنّ الأمومة وآلام الحمل والولادة هي قدر المرأة، ومن قال: إنّ الطمث أو بداية سن اليأس قد يسبب لها آلاماً أو اعتلال مزاج قد يؤثّر في تفاعلها مع المجتمع في هذا الوقت المحدد؟ ومن قال: إنّ الطفلة تفتح عينيها على حب اللعب بالعروسة وإظهار مشاعر أمومة، على حين الولد يفضّل اللعب العضلي أو الأشياء التي لها علاقة بالحرب والقتال مثلاً؟ هذه أشياء في رأيهم لم تخلق المرأة بها، ولكننا أدخلناها بطريقة مصطنعة في وعيها فصارت ميراثاً لا وجود له في الأصل. وكم شهدت ساحة الفكر النسائي في القاهرة ندوات ومؤتمرات لسيدات أضعن وقتهن ووقتنا في محاولة لإثبات أنهنّ كنّ يملن عند طفولتهن للعب بالبنادق، ولم يشعرن للحظة واحدة بميل لتصفيف شعر العرائس.. وما شابه من الخطاب السخيف الذي أحطَّ من قدر حركات تحرير المرأة، وأشعر الناس بإحباط اتجاه الآمال المعلقة عليها. وكان من الأجدر لهؤلاء الناشطات بدلاً من محاولة إخفاء أو إنكار حقائق هي واضحة وضوح الشمس –كاختلاف النساء عن الرجال بحدوث اضطرابات هرمونية معينة تؤدّي إلى تغيّر في الطبيعة الجسمانية أو المزاجية –أن يمتلكن الشجاعة الكافية للاعتراف بوجود هذا الاختلاف، ومحاولة مواجهته والتعامل معه، حتى لا يكون عائقاً للمرأة في أداء دورها، أو يكون ذريعة البعض للنيل من المساواة المنشودة بين المرأة والرجل! والنظرة الأرقى من هذا وذاك والتي تعبّر في نظري قمة الشجاعة والثقة في النفس، هي التعامل مع هذه الظواهر من حمل وولادة ونفاس ويأس ليس باعتبارها معوقات للدور النسائي بل باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من الدور النسائي، إن لم يكن أهم دور.

، فتقول شولاميت فايرستون في كتابها الشهير (جدلية الجنس)، وقد تبنت الإسقاط الماركسي على قضية المرأة فيه: "لكي نتأكد جيداً من إلغاء الطبقية الجنسية لا بد وأن تقوم الطبقة الدنيا (المرأة) بالثورة وذلك عن طريق تحكّم المرأة الكامل للمسألة الإنجابية وامتلاكها الكامل أيضاً لحقّها في جسدها. إنّ هذه الثورة النسوية لا بد وأن تعمل ليس فقط على محو المكانة المميزة للذكر على حد قول الحركة النسوية القديمة ولكن أيضاً على إلغاء أي قول بالتمييز القائم على الجنس. فالفارق البيولوجي القائم على العوامل الطبيعية لن يعد ذا أهمية بعد الآن"، أما الناشطة الأخرى بيللا أبزوج ، فتذهب إلى أكثر من هذا فتقول في المحاضرة التي ألقتها في الجلسة التحضيرية في المؤتمر يوم 3 أبريل 1995م: "لن نعود بالمرأة إلى الوراء لتقبل الأدوار الهامشية والدنيا" إشارة إلى دور الأمومة. وإمعاناً منها في إقصاء عنصر الطبيعة وإدخاله قيد البحث التقليدي تقول: "إنّ فكرة الطبيعي لا تعبّر عن قيمة إنسانية ذات بال، لأنّ الإنسانية بدأت في تخطي الطبيعة. فلن نحتاج بعد اليوم إلى تبرير التمييز الطبقي بين الجنسين على أساس طبعي، فيجب علينا لأسباب برجماتية أن نتخلص من مفهوم الطبيعة هذا"، وهنا اعتراف بأنّ إقصاء الطبيعة ليس لأنه فعلاً غير موجود ولكن لأن الأسباب البرجماتية تستدعي ذلك! وتؤكّد الكاتبة نفسها في بحث غير منشور لها "لن نعود مرة أخرى لنخضع لفكرة أنّ القدر البيولوجي وحتميته يحصر المرأة داخل صفات متعلقة بجسدها وجنسها. لذلك فنحن نستخدم كلمة جند (Gender ) بدلاً من جنس Sex  للدلالة على أنّ حقيقة الرجل والمرأة هي من صنع المجتمع "Socially Constructed ومن الممكن تغيرها".(15)

ومن الأدلة التي يحاولون فرضها لتأصيل نظريتهم هي زج المرأة في أعمال عضلية شاقة، كسباقات الجري، ورفع الأثقال، وأعمال قطع أشجار الغابات وغيرها، ومن الأعمال التي يحاولون بها إثبات تماثل قوة المرأة العضلية لقوة الرجل، والقدرة على تحملها للآلام مثل الرجل، وفي هذا غبن للمرأة لأنها ليست متساوية في القوة البدنية مع الرجل، بل تتفوق عليه أحياناً، وها هي الطبيعة تعطينا مثالاً لهذا التفوق، والقدرة على تحمل الآلام مرات أكثر من الرجل، ففي تقديري الخاص أنه لو كان قدر للرجال أن يتولوا هم مهمة الحمل والولادة بآلامها الرهيبة لانقطع نسل البشر بعد أول طفل ولد لأبينا آدم! ولكن المرأة ما إن تضع طفلها وتنتهي آلام الوضع، حتى تبدأ في الحلم بالطفل الذي يليه، كما لو لم تكن قاب قوسين أو أدنى من الموت ألماً منذ أيام! فالمرأة التي لديها هذه القدرة الفائقة غير محتاجة إلى من يبرر قوتها ويضعها في موقف، وهي تحمل مئتي كيلو جرام من الأثقال، وقد برزت عضلاتها بشكل منفر لإثبات أنها متساوية في القوة. ولا المرأة التي حملت على وسطها حزاماً ضخماً من المتفجرات لتفجر به نفسها في وسط العدو لتحرير أرضها بحاجة إلى هذا التبرير الساذج.

ب‌-       المثلية الجنسية:

أما فاليري ريموند "من خلال عدسة (الجندر) يصبح تحدينا أكبر بتنوع وضع المرأة بما فيه ميولها الجنسية" (ديل أوليري، الجندر وتقويض المرأة، ص7) فكلمة الميول الجنسية تعني أن هناك أكثر من هوية جنسية، فالأمر غير محدود بالميل الطبيعي بين الرجل والمرأة، ولكن هناك هويات أخرى مما يفتح الباب لشرعة المثلية الجنسية، لمن لا تتبع ميولهم لا الذكورة ولا الأنوثة، ولذلك فتأمين هذا المطلب واعتباره حقاً من حقوق الإنسان هو من قمة هرم الأولويات لفلسفة (الجندر)، ولعل التأثير القوي لهذا التيار في أروقة الأمم المتحدة جعل من مطلب الاعتراف بالشواذ بنداً ثابتاً في كل وثيقة تصدرها الأمم المتحدة. فوثيقة المرأة (بكين+5) انتزعت هذا الحق في البند الستين، أما وثيقة مؤتمر الطفل (عالم جديد بالأطفال) فانتزعت هذا الحق في البند الخامس عشر عندما أكدت أنّ الأسرة هي المحضن الطبيعي للطفل مع الأخذ في الاعتبار أنّ الأسرة تأخذ أشكالاً متعددة. والغريب أنّ هذا البند في وثيقة الطفل لم يتحفظ عليه أحد من أي وفد من الوفود الرسمية العربية والإسلامية على الرغم من الضغوط الشعبية، كما لو كنا قد تم استئناسنا كاملاً فلم تعد هذه الأشياء تستفزنا.

والمتابع لموقع (الجندر) على الأنترنيت يجد مدى التعاطف الذي تكنّه فلسفة (الجندر) مع هؤلاء المثليين، والاحتجاج على احتكار مفهوم (الطبيعي) على العلاقات السوية بين الرجل والمرأة. فالأشكال الأخرى كلها طبيعية في رأيهم. تلقي الناشطة الجندرية مرلين بيشوب اللوم علينا في مقالها Gender Identity أو هوية النوع، لعدم تفهمنا هذا الأمر ولعدم تقديرنا للحرية الفردية فيه. فتدعي أنّ بداخل كل واحد منا شذوذاً ما يخشى افتضاحه، وأنّ من الأفضل أن نبوح به حرصاً على سلامتنا النفسية: "عليكم أن تعرفوا أننا نتحايل من خلال مظهرنا الخارجي على إخفاء معاناتنا الداخلية. ولكن شتان ما بين من يحاول إخفاء ميوله الجنسية الحقيقة طوال حياته بكل ما في هذا من ألم، وبين من يعلن بصراحة عن هذه الميول من خلال تصرفاته ومظهره الخارجي ليتواءم بذلك ظاهره وباطنه".

ج- التمكين.. دكتاتورية المرأة:            

هناك محور آخر لفكر الجندر ألا وهو "Empowerment Of Women " الذي ترجم على أنه (تمكين المرأة)، أو، والملاحظ هنا أنّ الترجمة العربية (تمكين) تعبر عن مبدأ نبيل، وهو الأخذ بيد المرأة لتتمكن من أخذ فرصها في الحياة، ولكن هلى المعنى الإنكليزي الأصلي الوارد في وثائق (الجندر) يحمل المعنى نفسه؟ كلمة تمكين في العربية هي مرادف "Enabling " في الإنكليزية، أما كلمة "Empowerment" المذكورة في النصوص، فهي تعني التقوية والتسلط والتسويد. فيبدو أنّ المرأة قررت انتقاماً للميراث التاريخي لتسلط الرجال عليها أن تعاقب بمثل ما عوقبت به، والعين بالعين، والسن بالسن والجندر بالجندر!.

إنّ تمكين المرأة في ثقافة (الجندر) لا يتم من خلال دفعها وإعطائها الكفاءة اللازمة للوصول إلى ما تطمح إليه بالأدوات الطبيعية للمنافسة من خبرة وكفاءة... بقدر ما يتم من خلال تطبيق (الحصص النسبية) تحت شعار النصف بالنصف 50/50 أي نصف للرجل ونصف للمرأة في كل مجالات العمل، وبهذا يكون العد الإحصائي هو الهم الشاغل لمفكري (الجندر)، ففي مجال كذا نسبة المرأة للرجل كذا... ويبدؤون في تبكيت صناع القرار وهكذا. وأنا أرى أنّ هذا ليس فقط دكتاتورية يحاول بها هذا الفكر ابتزاز المجتمع، ولكني أراه أيضاً تسولاً غير مقبول للمرأة ذات الكرامة لتنال ما لا تستحق. فالمجتمعات العربية التي أمامنا تعجّ بالسيدات اللاتي يتولين أعلى المناصب الوزارية والإدارية والجامعية بكفاءتهن وطموحاتهن العالية، لم يوقفهن مجتمع ذكوري، أما القول بالحصص فمنبعه عقدة اضطهاد واضحة، ونظرية مؤامرة مخترعة، تتوارى خلفها المرأة الكسول التي لا طموح لها، والتي على الرغم من خمولها تسعى لنيل الوظائف عن طريق الحصص هذه، والناظر لنظام الحصص هذا، يجد أنه ليس فقط معيباً للمرأة ومشجعاً إياه على الخمول وانعدام الطموح، ولكن أيضاً هو دمار للوطن، حيث يتولى قيادته من        لا كفاءة ولا خبرة ولا مطامح، وبذلك نجد أنّ فكرة التمكين هذا مرفوضة على مستوى النساء   أو الرجال، أو أي فئة أخرى من فئات المجتمع تفتئت بها على فرص وحقوق الآخرين.

وبعد فهذه بعض –وليس كلاً لضيق المساحو- من ملامح هذه الفلسفة الغربية المسماة بالجندر، فهل نقلبها لتكون نموذجاً لتحرير المرأة العربية والمسلمة؟ وهل يصلح أصلاً        أي نموذج –جندراً كان أو غيره- أن يكون وحده حاكماً على هذا الكم الكبير من الثقافات والأعراف المختلفة، التي يعجّ بها وطننا العربي والمسلم، فضلاً عن غيره من مجتمعات مسيحية ومادية ووثنية؟(16)

لو تلمسنا واقع المرأة العربية لوجدنا أنّ معاناة المرأة في مصر، ليست هي معاناتها في سورية، ليست هي معاناتها في فلسطين، وفي لبنان لها وضع مختلف أيضاً... وهكذا فكل بلد له طبيعة نفسية فريدة لنسائه ورجاله عن البلد الآخر، فالعروبة والإسلام، وإن كانا بجمعان شعوبهما على مساحة مشتركة كبيرة، إلا أنهما لا يمسان مساحة أخرى من الخصوصية الفكرية والاجتماعية والتراثية المرتبطة بتاريخ وجغرافية كل قطر، فكيف نوحد هذه التباينات تحت لواء نموذج تحرر واحد؟! فالمرأة المصرية يؤرقها الفقر المدقع، وانعدام فرص التعليم والصحة، في كثير من الطبقات الاجتماعية، وتحررها يعني أن تحصل على الحد الأدنى من لقمة العيش وفرص الحياة الكريمة، على حين المرأة في فلسطين والعراق يأتي تحررها من تحرر وطنها الأسير، والمرأة في بعض بلدان الخليج يكمن تحررها في انتزاعها لحقوقها السياسية التي تنفرد بين نساء العالمين في الحرمان منها. فهن ليس فقط محرومات من الأهلية لترشيح أنفسهن، ولكن أيضاً من اختيار من يمثلهن، ولا يمتلكن أصواتاً انتخابية. أما المرأة الإيرانية التي باتت تدخل سباق الترشيح لرئاسة الجمهورية استطاعت أن تحصل على مكاسب ضخمة في مجال تشريع الأحوال الشخصية، ولكن لا تزال تطال بالمزيد. والمرأة التركية والألبانية معاناتها هي ارتفاع نسبة العنف الأسري ضدها... وهكذا فإنّ ادعاء وجود نموذج تحرير واحد يطبق الكل، هو إهدار للوقت والجهد، ويدخل في باب المزايدة والنفاق السياسي.

لا يوجد من يقف عقبة في طريق تحرير المرأة ودفعها للأمام دفعاً وتذليل الصعاب أمامها لتلحق بصنوفها الرجل في ركب التنمية وخدمة المجتمع، ولكن ما نتوقف عنده هو النموذج الذي من خلاله يتحقق هذا. (الجندر)، ليس نموذجاً سوياً للتحرير كما يروج لنا أصحابه، لكنه فلسفة غربية ومنظومة أخلاقية تحتاج إلى تقويم وإعادة تقويم، وعلى من ينادي بتجربتها أن يعرف أنّ المرأة والرجل والطفل هم إنسان مكرم مخلوق من روح الله تعالى، ولن يكونوا فئراناً للتجارب الاجتماعية، التي يؤدي فشلها إلى تشوه نفسي واجتماعي وأخلاقي يحتاج إلى أجيال لعلاجه.

الهوامش:

1- محمد عاطف غيث: قاموس علم الاجتماع، الهيئة المصرية العامة للكتاب،مصر،1979،ص 176.

2- محمد عاطف  غيث :نفس المرجع ،ص 177 .

3- أحمد سالم  الأحمر: علم اجتماع الأسرة بين  التنظير والواقع  المتغير،ط 1 ،دار الكتب  الوطنية بنغازي . ليبيا ،2004. ص ص 16-17.

4- محمد عبد الهادي :التعليم  ما قبل المدرسي ودوره  في تنمية  ثقافة الطفل ،مجلة العلوم  الإنسانية ،عدد 10 ،جامعة بسكرة ،الجزائر،2006 ،ص 100.

5- سعيد  بوشينة: دور  الروضة في  النمو العقلي  لدى طفل ما قبل المدرسة  ، و زارة  الثقافة  والسياحة، عدد 84 ،الجزائر،ديسمبر 1984،ص 223.

6- أحمد سالم الأحمر:مرجع سابق،ص ص 51-56.

7- عبد الحميد دليمي :دراسة في العمران  السكن  والإسكان،مخبر الإنسان  والمدينة ،دار الهدى  للنشر والتوزيع  ،عين  مليلة الجزائر 2007.ص 72.

8-  محمد الحسن الأسرة ومشكلاتها، دار النهضة العربية للطباعة والنشر بيروت 1981.ص 89.

9 - إحسان محمد الحسن: العائلة والقرابة والزواج، دراسة تحليلية في تغيير النظم العائلية والقرابة والزواج في المجتمع العربي،دار الطليعة بيروت  1981.

10- حليم  بركات :المجتمع العربي المعاصر بحث استطلاعي اجتماعي ،مركز دراسات الوحدة العربية  بيروت  لبنان .

11- مطروح  لمين :نحو سكن حضري مشروع 500 مسكن  ،العالية الشمالية  مذكرة  لنيل شهادة مهندس دولة في العمارة.جامعة بسكرة .

12- معن خليل  عمر علم الاجتماع الأسرة  ،دار الشروق عمان 2000.

13- المرأة وتحولات عصر جديد (وقائع ندوة دار الفكر في أسبوعها الثقافي الثالث)، إشراف المكتب الإعلامي بدار الفكر، 2002م

14-نيما تاغيبي,الدراسات النسائية/دراسات الجندر-ترجمة هالة كمال     .www.gender

15- المرأة وتحولات عصر جديد-المرجع السابق

16-  نيما تاغيبي,الدراسات النسائية/دراسات الجندر –المرجع السابق

 

Télécharger l'article