تجليات الثورة ونضال المرأة في الكتابات السردية النسائية في الجزائر

(كتابات زهور ونيسي أنموذجا)

يمينة عجناك (بشي) 

             جامعة الجزائر2

 

تمهيد: المرأة و الكتابة في الجزائر

 

بدأت الإرهاصات الأولى للكتابة النسائية في الجزائر في الظهور مع مجموعة من النساء في شكل نخبة تَصدَّرْنَ الحركة النّسوية الإصلاحية بالجزائر، خاصة بعد الحرب العالمية الثانية، وأصبح البعض منهن يكتبن وينشرن في الصحف والمجلات، ويؤلفن القصص، وينظّمن الأشعار، ويشاركن في النشاط المسرحي، ويمتهنّ التدريس والتمريض ويعالجن الموضوعات النسوية ومشاكلهن، ويفكرن في مصير البلاد والعباد، وكنّ بمثابة رائدات للنساء الجزائريات اللائي سيكون لهن دور فريد من نوعه خلال ثورة التحرير الكبرى، ثورة أول نوفمبر (1954- 1962م)(1)حيث برزت المرأة الجزائرية ببطولة وشجاعة فائقة سجلها لها التاريخ، هذه البطولة التي حررتها من رواسب الماضي أهّلتها بعد ذلك للانطلاق بحثا عن ذاتها لاكتشاف قدراتها الفكرية والأدبية. وتجدر الإشارة إلى أنّ جهود جمعية العلماء في تعليم المرأة أتتبثمارها، ولعل أولها كان بظهور حركة ثقافية سنة 1954م على صفحات جريدة (البصائر) العربية، وبروز الأديبة (زهور ونيسي) التي تخطت الحواجز، وخرجت إلى الحياة الثقافية بكل شجاعة لتُسهم في بناء الحركة الأدبية النسائية في الجزائر.

وحين كان صوت المرأة المناضلة في الجزائر يعلو إلى جانب أخيها وزوجها وابنها غاب صوتها الآخر- أقصد غيابها أدبيا- وبخاصة في الشعر والقصة، على الرغم من  ذلك ظهرت الأديبة (زهور ونيسي) كصوت لا ينافسه أحد، بل استطاع أن يتعدى حدود التقاليد ليكون مناضلا في جبهة التحرير. فتحملت أعباء مسئولياتها كمواطنة، ومسئولية قضيتها الوطنية من خلال الكلمة المقاتلة، خاصة وأنها اتخذت من اللغة العربية سلاحا في وقت أحوج ما تكون فيه الجزائر إلى كلمة عربية، ولهذا نقول: إنها حملت أكثر من سلاح في أتون الثورة (2).

تعتبر(ونيسي) من أوائل الأصوات النسائية البارزة اللاّئي استطعن أن ينطلقن في الساحة الأدبية، ويفرضن وجودهن، ويعبّرن عن آرائهن وأفكارهنّ بكل شجاعة من خلال نضالها الثوري وأعمالها الأدبية في مجال القصة، والرواية، ثم توالت بعدها مجموعة أخرى من الأديبات(3) نذكر منهن: الراحلة (زليخة السعودي)، و(جميلة زنير)، و(أحلام مستغانمي)وغيرهن..

إنّ من يبحث عن الأدب النسوي الجزائري في تلك الفترة سيدرك قلة الأصوات النسائية في الساحة الأدبية، لكن هذا لا يمنع من القول أنّ قصص (الرصيف النائم) (لزهور ونيسي) كتبت قبل الاستقلال، وإن كانت طباعة هذه المجموعة القصصية جاءت فيما بعد.

والملاحظ أن الأدب النسوي لم يخرج عن كونه أدبا ملتزما بقضايا المرأة والمجتمع، بل أكثر تركيزا على عنصر المرأة، وحريصا على تجسيد معاناتها الخاصة كأنثى، والعامة كإنسانة تسعى لتأكيد الهوية و رفع الحيف والجور عنها، نظرا لما عايشته من ظروف قهر وتخلف خلال فترة الاحتلال.

 

- دور المرأة في ثورة التحرير في كتابات ونيسي:

 حضرت الكاتبة والمجاهدة ونيسي أحد الملتقيات الوطنية عن كفاح المرأة الجزائرية فكتبت تقول:"...عندما اندلعت ثورة بلادي، كانت خطوط الأبجديات قد بدأت تنكشف وتتوضح عند الإنسان الجزائري، و قد شحنت بالارهاصات الثورية، و مظاهر المقاومة، والرفض على جميع الأصعدة، وهي تتوالى عبر حركة عملاقة ماردة، عشقها كان للجزائر وحرية الجزائر، و ليس لأي أمر آخر، .. .. لذلك تعتريني،اليوم رهبة كبيرة، وأنا أفكر في الكتابة، عن دور ثورة وحياة الجزائر, تعتريني الرهبة رغم أنني عايشت وبفعالية وعنفوان كبيرين، هذه الحياة، وأي دور سجل عن هذه المرأة، إلا ولي فيه نصيب، سواء في أثناء الثورة، أو بعدها...إنني عشت مراحل النضال، بدءا من العمر الذي يسمح لي بذلك،..

فكان دوري مع رفيقات عمري، متمما ومكملا لأدوار أخرى، لمناضلات ومجاهدات، سبقننا سناً، ومراحل حياة...( 4) و تضيف مسجلة دور المرأة في الثورة قائلة:

" إن أدوار المرأة ومهامها، تكاملت وتنامت مع الأيام، أيام وسنوات ثورة التحرير ...

إنها المرأة، التي ترابط في الشوارع والأرصفة، راصدة تحركات العدو، وإنها التي تفتح بيتها، وتهيء أفراد عائلتها كلهم، لخدمة فوج ما من الفدائيين، لفترة ما من الزمن، كثيرا ما تطول، وإنها التي حملت العتاد والألبسة والمناشير والتقارير، ومختلف الوثائق من مكان إلى مكان، عابرة مختلف الحواجز العسكرية والمعنوية، وإنها التي ربطت القنبلة في بطنها، وكأنها حامل بين خلايا الثوار في المدينة الكبيرة، وإنها التي عندما ينكشف أمرها، بالقبض على أحد رفاقها تشد الرحال إلى الأرياف والجبال والمناطق المحررة، تاركة وراءها الأهل والأولاد، لتشارك في المعارك، بشكل مباشر، وتجرح وتستشهد، وإنها التي تطبخ وتغسل وتغذي، وتحصل على كل ما تحتاج إليه, إنها التي دفعت بأسرتها جميعا، في أتون المعركة، وبكتهم بزغاريد الحماسة، والأناشيد الوطنية، وإنها التي كانت، وكانت،  ... لذلك لا يمكنني أبدا، أن أرصد كل نشاطاتها ونضالاتها، فقط أرصد أحاسيسها ومشاعرها، بكل صدق وأمانة ...

ودرب الثورة في الجزائر كان طويلا وشاقا وآخر معاركه ثورة أول نوفمبر 54 المجيدة.

المرأة كانت حاضرة في كل الثورات المنتصرة والمنتكسة طيلة قرن وربع قرن ضد الاحتلال، كانت صانعة ومؤثرة في الأحداث وعلى أكتافها الصغيرة تقع الأعباء الكبرى.

وبين هذه وتلك تسجل الذاكرة التاريخية أسماء الآلاف من المجاهدات والشهيدات والبطلات المجهولات واللائي لم يعرفهن أحد إلى هذا اليوم..." (5).

 

- نضال المرأة في الثورة في الكتابات السرديةعند ونيسي:

 أ / نضال المرأة في الثورة في قصص ونيسي:

لعل أبرز مجموعة قصصية نسائية في الجزائر تلك التي تناولت قضية نضال المرأة في الثورة في مجموعة "الرصيف النائم" لزهور ونيسي الصادرة عام 1967 بتقديم الدكتورة سهير القلماوي قائلة: ‏

"وكانت المجموعة القصصية الأولى لأديبة جزائرية تكتب باللغة العربية، أما قصص هذه المجموعة فإنها صور عن واقع المؤلفة، بل لِنَقُلْ إنها الجزائر أيام ثورتها التحررية، ولذا جاءت معبرة عما لاقاه الشعب الجزائري بصموده وكبريائه من أجل نصرة قضيته والقصص في هذه المجموعة تنتمي إلى الواقعية الثورية، لأن السمة الشمولية في فكر القصص تستمد من ثورة نوفمبر، بل تكاد أن تشكل ملحمة نضالية,,,ولا يفوتنا أن ننبه إلى شيء وهو أن (زهور ونيسي) أشركت الشعب جميعاً في الجهاد المقدس من خلال قصصها.

فعائلة الشيخ عمر في (زغرودة الملايين) نجد فيها مشاركة أفراد الأسرة من الفتيات والنساء. وفي (لماذا لا تخاف أمي) ينطلق الطفل الذي يحمل الراية ويستشهد، وكذلك تحمل (خرفية) السلاح وتستشهد.. هذه الأمثلة تجعل المجموعة ضمن الواقعية الثورية".

   تدور أقاصيص (ونيسي) التي كتبتها  خاصة في المرحلة الأولى حول موضوع كفاح المرأة الجزائرية في حرب التحرير، وفي أكثر هذه القصص تُركّز القاصّة على دور المرأة في الثورة  في صور مُتعدّدة: أمّاً، و زوجة، وممرضة، أو مناضلة في المدينة أو الريف، وكلّها تعكس الدور الإيجابي للمرأة الجزائرية في حرب التحرير,  فقد تحملت المرأة الجزائرية في بداية انطلاق الثورة مسئولية إدارة العائلة والقرية بأكملها بعد رحيل الرجل إلى الجبال، وبسبب هذه المسؤولية تعرّضت العائلة والقرية إلى الضربات العنيفة، وإلى الترويع والتشريد، في ظروف العزلة وغياب الحامي، وخلو البيت من وسائل الدفاع(6).  

وفي ظل هذه الظروف عاشت المرأة الحرب برعبها وأخطارها، سواء كضحايا أو مقاتلات في الجبال أو ضمن المقاومة المدنية، واجتزن مصاعب ومشاق التّعذيب والإرهاب والنّفي، ولم تعد التقاليد والعادات حاجزا أمام الجهاد وخدمة القضية الوطنية (7).  

وجاءت مرحلة صعود المرأة إلى الجبال ومشاركتها الفعلية في المعارك المسلحة، والتّمريض والطبخ، والقيام بدور الاتصال، وتوزيع المنشورات السرية، وقيادة الخلايا في المدن، وغيرها من المهام الأخرى(8).

صور و نماذج نسائية لنضال المرأة في الثورة:

إن دور الزّوجة المجاهدة والشهيدة و دور الممرضة في كتابات ونيسي السردية القصصية واضحة بارزة ومتعددة وهذه صور عن بعض النماذج النسائية المناضلة في الثورة التي تعكس شجاعتها و بطولتها من خلال صورة الزوجة المجاهدة و الشهيدة التي ترسم بطولتها وملامحها قصة (فاطمة) التي عاشت حقا ثورة أول نوفمبر بكل ما فيها من أبعاد، وهي تقطن في كوخ منعزل عن أكواخ القرية، حيث تداهمه فرقة من الجيش الفرنسي قصد التفتيش، وتسألها بإلحاح عن زوجها من قِبل أحد الجنود، فتجيب بحدّة : " ابتعد أيها الوحش اللئيم، فإن كان لديك واجب، فهو أن تفتّش البيت، لا أن تسألني أين زوجي، إن زوجي جزائري قبل كل شيء، وهو حر في تأدية واجبه, لم ينتظرها تتم حديثها، وإنّما صفعها بوحشية، ليخرج زوجها من الداخل موجها رصاصه إلى الجنود، فيقتل الجميع، وتدور معركة إثر ذلك، ويُعْتَقل زوج فاطمة مُثخَناً بالجراح، وهو الذي تزوّجها بعد استشهاد زوجها الأول، ليرعى ولده من بعده " (9).

لقد حاولت (ونيسي) تسليط الأضواء على الثورة التحريرية، وإبراز المواقف النضالية المشرّفة، وخاصة تلك التي امتازت بها المرأة الجزائرية بوقوفها إلى جانب الثوار ومساندتهم.

وقصة (فاطمة) هي رمز لكل امرأة جزائرية ناضلت وشاركت مع أخيها الرجل، فنالت أقسى العذاب، وتعرضت لأبشع التنكيل في سجون العدو، فأحداث هذه القصة تجري في قرية (أولاد ناصر) التي اتخذها المجاهدون مكانا يلجأون إليه للراحة بعد قيامهم بالعمليات الفدائية، سواء داخل المدينة أو خارجها، وذات يوم هجم المظلّيون على القرية مما أدخل الرعب في نفوس السّكان، ولما تفوّق جنود الاحتلال على الأكواخ للتفتيش، انفرد ثلاثة جنود وقصدوا كوخا، كان بعيدا عن أكواخ القرية فدخلوه وبدأوا التفتيش، وعندما لم يجدوا ما جاءوا من أجله، حاول أحدهم الاقتراب من (فاطمة) والاعتداء على شرفها، فابتعدت عنه ثم رفعت طفلها وضمّته إلى صدرها، ووقفت في ثبات وكبرياء متحدية قوّتهم، ولما تمادى أحدهم وتطاول عليها، انطلق صوت زوجها المجاهد من المخبأ، واختلط بصوت الرصاص الذي انطلق من رشّاشه. فسقط على إثره الجنود الثلاثة قتلى، مما جعل بقية الجنود يسرعون نحو مصدر الرصاص، فأحاطوا بالكوخ، وراحوا يُمطرونه بالنّار فأصيب المجاهد بجروح، وتمكنوا من إلقاء القبض عليه وحمله إلى المعتقل(10).

وقصة (فاطمة) جسّدت وعكست برؤية ثورية نضال المرأة الجزائرية، وجهادها، وعملها الفدائي، فالمرأة التي أنجبت الأبطال الذين دافعوا عن كرامة الوطن وسيادته، لم تقف مكتوفة اليدين أمام قضية وطنها، بل كانت سبّاقة إلى الجهاد على جميع الأصعدة، مساندة ومساعدة للمجاهدين أينما تواجدوا.

 أما صورة الزوجة المجاهدة الشهيدة : فتتمثل في قصة (خَرْفِيَة) المجاهدة التي وقَفت مع إخوانها المجاهدين، ولم تنعم بزواجها سوى خمسة أشهر، حيث استشهد زوجها (عبد القادر) عندما التحق بالمجاهدين.

إن صورة (خرفية) الشهيدة تتصدر قائمة المجاهدات في المجموعة، وقد منحتها القاصة السِّمات العامة والفردية التي تجعلها نموذجا للوطنية العالية، فهي زوج مجاهد قائد، يستشيرها ويطلب عونها، فكانت أهلا لثقته، وتعلم من أسرار الجهاد والمجاهدين الكثير.

أما عن دور الممرضة في الثورة فيتجسد في قصة (المرأة التي تلد البنادق)، حيث يطلب خطيب (زهية) أن تستقبل في مكان عملها في المستشفى واحدة تدعى (فاطمة)، وتفعل ذلك مدّعِية أنها صديقَتَها جاءت قصد المعالجة، وتطلب (فاطمة) من (زهية) أن تحدّثها على انفراد، وتنتقل الاثنتان إلى غرفة أخرى فتجد أن حمل (فاطمة) إنّما هو من نوع آخر، لقد كان السلاح تحت حزامها، وها هو يُحتضن من قِبل(زهية) أمانة ليتسلمه خطيبها في آخر الدّوام، ، لقد نجحت المهمة التي عبّر من خلالها أبطال القصة عن إيمانهم بالكفاح المسلح أيام الثورة (11).وهذا مقطع حواري يُجسّد هذه المواقف الثّورية النضالية، يدور بين شخصيّتين نسائيتين في قصة (المرأة التي تلد البنادق):

" هل أنت خائفة؟ لا تخافي يا صغيرتي المسكينة إنها كنز حصلنا عليه ، ولم أدر إلاّ ويداي تُمسكان الأمانة: إنّها باردة صلبة، تجمّدت لها أصابعي، وجفّ لها حلقي، وقُلت لاهثة:

- ولكنني لم أكن أعلم أن الأمانة من هذا النوع، أو أنها بمثل هذا الحجم، وأين لي أن أخبئها؟

- إنّك ستحملينها، تماما، كما حَملتها أنا لمنزل خطيبك هذا المساء عندما تنتهي نوبتك في المساعدة، وحَمَلْتها كما حَمَلَتها صديقتي(فاطمة) أو (عائشة) أو لست أدري لا يهم، شعرت ساعتها بالقوة والاعتداد بالنفس والسعادة " (12). إنّ شخصية (زهية) في القصة  ليست إلا الوجه الآخر للعفوية التي كانت تدفع الناس تحت ضغط إحساسات ما إلى الاشتراك في الثورة، وهذا ينطبق على النساء كما ينطبق على الرجال.

من خلال هذه النماذج و الصور النضالية، أبرزت(ونيسي) شجاعة المرأة الجزائرية، وكشفت عن  المواقف النضالية المشرّفة التي امتازت بها المرأة الجزائرية بوقوفها إلى جانب الثوار والثورة مساندة ومضحية، داخل المعتقلات والسجون التي تظل راسخة في الذاكرة الجماعية.

كما تتجسد في كتابات ونيسي عدة صور قصصية تعكس صورا للثّكل والتّرمل، التي عانت من ويلاتها المرأة الجزائرية أثناء وبعد حرب التحرير:

ففي قصة (عقيدة وإيمان) تبدو فيها الأم العجوز الثكلى  تقف أمام أحد المساجد، وهي تسأل عن ابنها الذي نال شرف الشهادة في معركة المصير وعيناها لا تكفّان عن البكاء.

أما صورة الأرملة  فتجسدها قصة (وردية)؛ هذه المرأة التي جاءت من الريف إلى المدينة بحثا عن عمل لسد رمق صغارها(كمال، سعيد، صليحة)، بعد أن استشهد زوجها في إحدى المعارك في  حرب التحرير في بلدة (سيدي عيش)، وها هي في شارع (ديدوش مراد) في الجزائر العاصمة، تنتقل من بيت إلى آخر، تتذكر كيف أن دورية عسكرية قضت على زوجها.

...دخلت إحدى البنايات ثم عادت مهرولة لأنها أبت أن تخدم عند فرنسي، وفي وسط الزحام والسيارات تسقط على إثر حادث اصطدام، ويجتمع الناس ولا يُسمع منها وهي تفارق الحياة غير(أولادي)، يتجلى هذا الموقف الدرامي في هذا المقطع القصصي:

"... ولكن (وردية) لا يظهر أنها سمعت شيئا من كل ذلك، كان لسانها فقط يردد بنَفَس متقطع:- أولادي...

ويتهاوى رأسها الصغير ليلمس حافة الرصيف النائم الذي كان لا يزال مبلّلا برطوبة الليل الباردة " (13).

 من خلال هذه القصة يلاحظ أن الكاتبة أبرزت الدور النضالي للمرأة الرّيفية، فبطلة هذه القصة قد تضاعف دورها بعد استشهاد زوجها، فتحمّلت مسؤولية العمل لإعالة أولادها، وكانت مستعدة لمواجهة كل الصعاب من أجل حياة كريمة وسعيدة لأبنائها.

أما صورة المرأة السجينة  فتجسدها ونيسي في قصة (وراء القضبان)عبر  ذكريات سجينة.

وقد أصبحت مسؤولة في مكتبة ثانوية وفي دوامة ذكرياتها أيام الثورة قبل خمسة عشر عاما، يوم أن كانت في سجن (بربروس) (14) مع زميلات مجاهدات، ثم نُقلن إلى فرنسا، وتتذكر الخالة (وردية) التي قتلت جُنديا فرنسيا ومزقت الآخر بأظافرها، ويخيّل إليهم أنها مجنونة فيتركونها لأقبية السجن.وفي شريط الذكريات تتجلى نفسية السجينات و معاناتهن:

"... لقد كانت ساعة الفجر هي ساعة تنفيذ الإعدام عند الطغاة، وساعة الاستشهاد عندنا، نعم إنه كذلك رغم أن (جميلة) جارتي في الزنزانة المجاورة، ضحِكت مني عندما بدأت أحلل لها الفرق بين هذه وتلك، ساعة الإعدام وساعة الاستشهاد، ضحكت مني وهي تقول:  نعم  إنه الموت، والموت وحده ولا شيء غيره يا (خديجة).

قلت:- نعم إنه الموت أوافقك .. ولكنه يختلف مناّ إليهم، إنهم يرونه إعداما، ونراه نحن استشهادا " (15)

هكذا تبرز القصة ذكريات البطلة أيام كفاحها قبل خمسة عشر عاما، يوم كانت مع زميلاتها في سجن (بربروس)، وأعمال الشغب التي قُمن بها، فنُقِلن إلى سجن آخر في فرنسا,وتبقى تلك المعاناة ، وآثارها النّفسية محفورة في الصدور، والسطور لا تمحوها الأيام.

 وهذه صورة أخرى مشرقة لذكريات أم عن الثورة ترويها لأحفادها بعد الاستقلال.

يظل أثر الثورة واضحا ممتدا في أعمال الأديبة (ونيسي) القصصية حتى في مجموعتها (الظلال الممتدة)، وخير ما يُجسّد نضال المرأة في هذه المجموعة  قصة (زينب)، التي تصور الحالة النفسية لصورة الأم (زينب) وهي تتذكر أيام ثورة التحرير، حيث كان ابنها شابا وقد استدعته الإدارة الاستعمارية للتجنيد، وعملت هذه الأم كل ما في وسعها لإلحاقه بالثوار.

وقد بلغت العواطف المتأججة أشد حرارتها عند هذه الأم حين وصلت الجبل بعد العناء الشديد الذي عانته مع ابنها وهما يقطعان الدروب والشِّعاب الوعرة، حتى وصلا إلى مكان مُعسكر المجاهدين وازدادت فرحتها عندما وافق المجاهدون على انضمام ابنها إليهم ليكون

مجاهدا أو مكافحا كما كان أبوه تقول الأم: " لا بأس أن يسير معكم بدون سلاح، حتى يَغْنِم سلاحه في إحدى المعارك، أعطوه سكينا، أعطوه قطعة حديد، يحصل بها على سلاحه، فقط لا تتركوه يتجنّد هناك في الجانب الآخر، ضدّكم وضد أبيه، وابتسمت (زينب) أخيرا وهي تتابع حركات القائد وقسمات وجهه الرّاضية، ونظرته الحنون، وهي تلتقي بنظرة ابنها الشاب القلقة " (16).

 

 

وتَنْتَهي قصة (الظّلال الممتدة) لما أفاقت (زينب) الأم من هذه الذّكريات على صوت حفيدها وهو بلباس عسكري يناديها لتشاركه احتفال ذكرى الاستقلال.

رجعت من رِحلتها القصيرة عبر ماضيها البعيد، رجعت على صوت حبيب عذب يتساءل:

- جدّتي ألا تشاركينا قهوة العصر؟

كان ذلك صوت حفيدها بقامَتِه المديدة، ولباسه العسكري، وقد بدت أزرار البذلة ذهبية لمّاعة وهو يقف مبتسما متسائلا...

وفركَت عينَيْها وهي تجيب:

- هذا أنت يا (أحمد)، ولكن لماذا خرجت اليوم من الثكنة، إنه ليس يوم عطلتك؟ ولكنّ الشاب أجاب بحنان ظاهر:

- ألا تدرين يا جدتي؟ يبدو أنّك أصْبَحت عجوزاً حقا؟

إنّه يوم عُطْلتِنا جميعا؟ إ اليوم ذكرى الحرية يا جدّتي عشرون سنة كاملة قد مرت على الاستقلال.

وأجابته (زينب) بابتسامة كبيرة مشرقة، وهي تمد يدها له ليساعدها على النهوض، وقد استرجعت نَفَسها في الحاضر...

- حقا الحمد لله .." (17).

من خلال صورة الأم الرمز التي تسترجع ذكريات الثورة، وتعيش ذكرى الاستقلال مع حفيدها؛ استطاعت (ونيسي) أن تحيي هذه الذكرى من جديد، وتُرسّخها في ذاكرة الأحفاد بكل أبعادها البطولية والوطنية، فهي تُعتبر من أهم الكتّاب الذين عاشوا أحداث الثورة، واستلهموا موضوعاتهم القصصية منها، لغرض تأصيل قِيَمها في جيل الاستقلال.

 من الواضح في هذه النماذج القصصية  أنّ (ونيسي) قد تمثّلت الواقعية في الصور والمواقف التي تمّ عرضها، بحيث كان التّركيز فيها على معاناة المرأة الجزائرية النفسية والاجتماعية  خلال الثورة التحريرية، وما تركته من آثار وذكريات لا تبرح الذاكرة،  وكأنّ شخصياتها منقولة عن الواقع بكل ما فيه من تضحيات، وآلام، وصخب ثوري.

 

 

ب/نضال المرأة في الثورة في روايات ونيسي:

أما عن كتابات ونيسي الروائية؛ فقد استغلت الروائية الثورة التحريرية لتقديم صورة واضحة عن المساهمة الفعالة للمرأة الجزائرية في الكفاح المسلح، من خلال تقديم نماذج نسائية عن المرأة الثورية فنجدها تعكس الصور النضالية والبعد الثوري لنضال المرأة الجزائرية و هذا من خلال روايتها (من يوميات مدرسة حرة) و( لونجة و الغول)  المفعمة بمواقف و صور لبطولة المرأة الجزائرية في الثورة، وكشفت عن البعد الثوري  والنفسي للشخصيات النسائية الرئيسية والثانوية في كلتا الروايتين، وتؤكد ونيسي على هذا البعد الثوري في مقدمة روايتها (يوميات مدرسة حرة) وهذه المشاركة النضالية بقولها:

"على هذا أمكن للمرأة في مسيرة الثورة أن تُعبّر عن نفسها وترابطها مع متطلبات المجتمع المادية ومعطياته،.. فإن الواجبات قبل الحقوق، وهذا جوهر أساسي قدّمته المرأة أثناء الثورة وأضافته لإثراء الفكر الثوري في خصوصية ثورة أول نوفمبر"(18) .

إنّ الكاتبة سخّرت جميع إمكانياتها لتُبْرِز مواقف المُعلمة الثورية في روايتها (يوميات مدرسة حرة) فغاصت إلى أعماقها الداخلية، وجسّدت ذلك عبر مواقفها وأفكارها وآرائها تجسيدا قويا. و جعلت من المعلمة بطلة متفانية في أعمالها وثابتة في مواقفها فكرا وسلوكا وخاصة في العمل الثوري، الذي جعلها تنفخ روح الثورة والنضال في نفوس زملائها وزميلاتها،  استجابة للواجب المهني والوظيفي معا، وفي هذا المجال تقول الكاتبة على لسان المعلمة:  " نحن مجموعة من الفتيات، نعلّم فتيات أقل منا سنا، لقد قال أحد المعلمين الكبار، من زاروا المدرسة- وهو الشيخ (العربي التبسي)- الذي استشهد فيما بعد، إننا جيل يعلّم نصفه الثاني " (19).

إن (ونيسي) من خلال روايتها جسدت في شخصياتها النسائية الروح الثورية، وكشفت عن نضجها، ووعيها، وموقعها في صفوف المقاومة ضد الاحتلال، كما منحتها دوراً يتناسب مع وعيها ومؤهلاتها، بوصفها شخصيات ثورية خاضت التجربة في صفوف الثورة وعلمتها عدم الاستسلام لليأس، وتجاوز كل العقبات نحو حياة أفضل.

وبهذه المشاركة النضالية احتلت المرأة مكانة بارزة في الرواية الجزائرية، وإذا جئنا نبحث عن معالم صور المرأة، فإننا نجد أنفسنا ملزمين بربط الرواية نشأة وتطورا بأهم الأحداث التاريخية، والتحولات الاجتماعية التي أفرزت هذه الأعمال الروائية.

خــــــاتمــــة:                                                  

 يتضح مما تقدم أنّ كتابات (ونيسي) واكبت واقع المرأة الجزائرية، وأبرزت في كتاباتها صورة المرأة الجزائرية النضالية والثورية ودورها الفعال خلال الثورة التحريرية. وهي محاولة جادة لتغيير النظرة الاجتماعية المنتقصة لدور المرأة النضالي في المجتمع، وإخراجها من أسْر التخلّف بأشكاله المختلفة، وتفعيل دورها في المجتمع وردّ الاعتبار لمكانتها ونبذ الذّهنيات البالية التي لا تقدم نفعا لها وللمجتمع.                                                               

كما أبرزت (ونيسي) في قصصها و رواياتها صورا نضالية حية لبطولات المرأة الجزائرية في الثورة ضد المستعمر, وهذا من خلال تصويرها لوقائع وأحداث حقيقية، ولنماذج نسائية متعددة شاركن من المدينة والريف.

 مما يلاحظ على الأديبة (ونيسي) في قصصها ورواياتها في  تصويرها لنضال المرأة في الثورة؛ وهي تقوم بتنفيذ مهام عديدة خارج ميدان المعركة، حيث تحمل الأخبار والمعلومات، وتقوم بأعمال الطّهي وخياطة الملابس للجنود، من خلال بعض النماذج النسائية المناضلة في الثورة التي تعكس شجاعتها وبطولتها،  فكانت صورة الزوجة المجاهدة، و الشهيدة، و المعلمة، و الممرضة، و السجينة وغيرها من النماذج النسائية الثورية المناضلة.

  وانطلاقا من نضال ونيسي الثوري؛ فإنّ موضوع الثورة، و دور المرأة في حرب التحرير يعدّ من أبرز الموضوعات في أدبها القصصي و الروائي، مما يوحي بأن موضوع المرأة والثورة لدى(ونيسي) هو المسيطر على فكرها و وجدانها مما يجعله يتكرر أحيانا في بعض كتاباتها, والملفت للانتباه  كذلك تركيز (ونيسي) في قصصها ورواياتها على العنصر النسوي، بحيث أنّ معظم شخصياتها القصصية والروائية نسائية، وبذلك تعددت الصور والأسماء حتى تبرز الكاتبة جوانب من بطولات المرأة الجزائرية، وتؤكد على فعاليتها في نضالها الثوري، كما دعت ونيسي  في كتاباتها المرأة الجزائرية إلى ضرورة مواصلتها لمسيرة النضال السياسي خاصة بعد الاستقلال  وهو ما فتِئت تُؤكّد عليه في كتاباتها،  ويُعدّ هذا الموقف تطورا  واضحا في رؤية (ونيسي) النضالية بكل أبعادها واتجاهاتها.

 

ولاشك أن هذه الرؤية تحمل في طياتها تطورا واضحا لمسيرة                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                نضال المرأة العربية أينما كانت، سواء في الجزائر أو خارجها، فالكاتبة ونيسي تدعم بكتاباتها، ومواقفها، النضالات النسوية العربية، خاصة أولئك اللائي مازلن يناضلن من أجل الكرامة والحرية كالمرأة الفلسطينية  وغيرها.

وبهذا تكون ونيسي قد أبرزت  في كتاباتها  شجاعة المرأة الجزائرية، وكشفت عن  المواقف النضالية المشرّفة التي امتازت بها , هذا النضال الذي يظل راسخا في سجل الذاكرة الجماعية الذي يخلد تاريخ الثورة الجزائرية في الكتابات النسائية الجزائرية في العصر الحديث.

 

الإحالات و الهوامش:



1- ينظر: د. بوعزيز يحي، المرأة الجزائرية وحركة الإصلاح النسوية العربية،(لات ط، دار الهدى، الجزائر،2001م)، ص36.2- ينظر: سلامة عبد الرحمن، "ونيسي ألمع أديبات المغرب العربي"، مجلة الموقف الأدبي، جوان 1988م/ع205- 206، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، ص331.3- ينظر: فوغالي باديس، بنية القصة الجزائرية عند المرأة،(رسالة ماجستير مخطوط، جامعة قسنطينة، 1996م)، ص5- 6.4- زهور ونيسي, فاطمات بلادي، مجلة الذاكرة (الدراسات التاريخية للمقاومة و الثورة الجزائرية، العدد06/2000م منشورات المتحف الوطني المجاهد الجزائر).ص151ــ152.وينظر أيضا مقال ونيسي حول المرأة و الثورة في مجلة دراسات وبحوث الملتقى الوطني الأول حول (كفاح المرأة الجزائرية)،المركز الوطني للدراسات و البحث في الحركة الوطنية و ثورة أول نوفمبر1954م, ص205.5ـ- المرجع نفسه.6- ينظر: د.الجابري محمد صالح،الأدب الجزائري المعاصر،(ط:1، دار الجيل، بيروت،2005م)، ص175.
7– ينظر: زغموش عمار،" صورة المرأة في القصة القصيرة قبل الاستقلال"، مجلة الثقافة،(نوفمبر- فيفري) 1995م/ع 105 -106، الجزائر، ص125.8 ـــــ المرجع نفسه ، ص125 ، 126.
9– ونيسي زهور، فاطمة، مجموعة الرصيف النائم ، (لات ط، دار الكاتب العربي، القاهرة،1967م)،                    ص33-38.
10 – ينظر: بلمشري مصطفى، "واقعية القصة الجزائرية الحديثة "، مجلة الثقافة، ديسمبر1983م/ع78، الجزائر، ص251.
11 – ينظر: دوغان أحمد، " الصوت النسائي في الأدب الجزائري المعاصر"، ص21.
12– ونيسي زهور،المرأة التي تلد البنادق، مجموعة على الشاطئ الآخر،(لات ط، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1974م)، ص49.
13–  ونيسي زهور، وردية، مجموعة الرصيف النائم ، ص84.
14– هو سجن عسكري يقع على طريق النصر بالجزائر العاصمة، و يسمى حاليا بسجن سركاجي.
15– ونيسي زهور، وراء القضبان، مجموعة على الشاطئ الآخر، ص101.
16- ونيسي زهور، الظلال الممتدة ،(لات ط، (م.و.ك)، الجزائر،1985م)، ص22-23.
17- ونيسي زهور،  الظلال الممتدة ، ص23.18- ونيسي زهور، من يوميات مدرسة حرة، (الشركة الوطنية للنشر والتوزيع 1979م)، ص16.                            19- زهور ونيسي(من يوميات مدرسة حرة)، ص64.