الثورة الجزائرية في الشعر العراقي

للدكتور عثمان سعدي

"عرض وتحليل"

خديجة زبار الحمداني

جامعة بغداد

كلية التربية للبنات

محمد ضياء الدين خليل إبراهيم

كلية الإمام الأعظم

جامعة بغداد

المقدمة :

الحمد لله رب العالمين وأشرف الصلاة وأتم التسليم على سيد الأولين والآخرين سيدنا ومولانا محمد المصطفى الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين. امّا بعد:

لقد هزت الثورة الجزائرية وجدان الشاعر العربي منذ تفجيرها في نوفمبر 1954، واستمر ذلك إلى زمن مابعد الاستقلال، ولا نبالغ إذا قلنا إنّ الشعر في كل قطر عربي من بغداد إلى مراكش قد حفل بتناول الثورة الجزائرية، وكفاح هذا الشعب الكبير وبكل الأشكال المتاحة.

وليس من الصدفة أنْ نجد أنّ أهم شعر عربي نظم عن الثورة الجزائرية يتمثل في القصائد التي أنشدها الشعراء العراقيون، وإنّ أغزر ماقيل في ثورة نوفمبر هو شعر الثورة الجزائرية بالعراق؛ لأنّ أكثر شعراء العرب في تأريخنا الحديث رافق شعرهم انتفاضات وثورات هم العراقيون، ثم إنّ الشعب العراقي معروف بمواقفه العروبية، وبطولاته الوطنية المساندة للقضايا العربية.

وقد قام الأستاذ الدكتور عثمان سعدي بعمل رائد وجليل، وهو جمع شعر الشعراء العراقيين الذي قيل عن هذه الثورة المباركة فانتهى العمل بمجلدين كبيرين ضم بين دفتيه (255) قصيدة لـ(107) شاعر وشاعرة، إنّ هذا العدد الكبير من القصائد ليدل دلالةً واضحةً على الحضور الكبير للثورة الجزائرية بين الشعراء العراقيين.

ويهدف بحثنا هذا إلى العرض والتحليل لمضامين كتاب "الثورة الجزائرية في الشعر العراقي" بإبراز جهود الشعراء العراقيين في هذا المجال ببيان الكم الهائل الذي قيل عن هذه الثورة المباركة فضلاً عن الكشف عن قيمة الكتاب العلمية والأدبية والتأريخية.

ولأجل الوصول إلى هذا الهدف قسم البحث على ثلاثة مباحث رئيسة، هي:

المبحث الأول: وقد جاء بعنوان "التعريف بالثورة الجزائرية والدكتور عثمان سعدي"، وقد تضمن الإشارة إلى فرنسا واحتلال الجزائر، والثورة الجزائرية الكبرى في نوفمبر 1954، والدكتور عثمان سعدي حياته ومؤلفاته.

والمبحث الثاني: جاء بعنوان "دراسة تحليلية لكتاب "الثورة الجزائرية في الشعر العراقي"، وقد تضمن تعريفاً بالكتاب، وأسباب تأليفه، ومنهج المؤلف فيه، وطريقته في جمع الشعر، ومصادر تأليفه، وقيمة الكتاب.

والمبحث الثالث: جاء بعنوان "تحليل قصائد الثورة الجزائرية" وقد تضمن تحليلاً للقصائد من حيث الشكل وأهم الموضوعات التي طرقها الشعراء العراقيون في قصائدهم عن الثورة الجزائرية.

ونرجوا أن تكون هذه الدراسة قد أعطت الموضوع حقه وأن يفيد منه الباحثون مثلما أفاد البحث من غيره.

والحمد لله ربّ العالمين

 

 

المبحث الأول

التعريف بالثورة الجزائرية، والدكتور عثمان سعدي

المطلب الأول: التعريف بالثورة الجزائرية

أولاً: فرنسا واحتلال الجزائر:

كانت فرنسا تعلم أهمية الجزائر من الناحية الاقتصادية والاستراتيجية والسياسية لها، مِمّا جعلها تطمع في احتلالها، وخاصة في وقت ظهرت فيه آثار الثورة الصناعية، وحتمت الأوضاع الداخلية على فرنسا توجيه انظار ابنائها صوب الخارج، وكان ضعف الولاية الجزائرية سبباً أساسياً في أنْ تقوم فرنسا بعملياتها، خاصةً وأنّها كانت تخشى مِنْ أنْ تسبقها بريطانيا إلى احتلال هذا القطر، ولقد اتخذت فرنسا الذرائع لمحاصرة سواحل الجزائر ثم أرسلت حملة قوية لاحتلالها في سنة 1830م.

وإذا كانت فرنسا قد لقيت مقاومةً عنيفةً من الجزائريين بقيادة الأمير عبد القادر في الداخل إلاّ أنّها واصلت عملياتها وتمكنت في سبعة عشر عاماً من اتمام احتلاله، ودقت بذلك أول إسفين استعماري في قلب العالم العربي، وكانت هذه العملية تعني سقوط أول درع من دروع العرب، وتنذر بنزول القوات الاستعمارية في أقاليم عربية أخرى مع زيادة توغل رؤوس أموالهم وحاجاتهم إلى منتجات هذه الأقاليم التي ضعفت عن مواجهة هذه الهجمات ([1]).

فالاجتياح الفرنسي إذاً محصل منطقي لدوافع متداخلة متراكمة تغور جذورها لتتصل بالحروب الصليبية، وترقى فروعها لتمس المصالح الاستعمارية، وتحقق مطامع الدول الأوربية في ثروات الشعوب الضعيفة، ويمكن أنْ نشير بصورة موجزة إلى أهم الدوافع في الأغراض الآتية ([2]):

  1. وقوع حادثة الكشاشة بعد انسحاب معظم وحدات الأسطول الجزائري التي كانت قد ذهبت لنجدة الدولة العلية في حربها ضد دول أوربا ثم تحطمها في معركة نافرين (1827م) وخسارة الجزائر لجزء مهم من قوتها الدفاعية والهجومية([3]).
  2. القضاء على القرصنة، وضرورة تأمين المواصلات البحرية والتجارية في البحر الابيض المتوسط ([4]).
  3. دخول فرنسا في سباق التوسع مع الدول الأوربية الكبرى، وخصوصاً بريطانيا العظمى.
  4. دعم نظام الملك شارل العاشر (1824-1830م) بعد تعرضه لهزات داخلية.
  5. محاولة خنق أصوات الطبقة المتوسطة الفرنسية المنادية بالعدل والمساواة، واستعادة هيبة الدولة برفع مكانة الجيش بعد هزيمة نابليون.
  6. حاجة التقدم الصناعي ووفرة السلع إلى أسواق والى بلدان غنية بالمواد الأولية الرخيصة الثمن.
  7. التخلص من الديون المترتبة على فرنسا للجزائر، فضلاً عن ثمن شحنات القمح، وكان الوسيطان في المعاملات التجارية اليهوديين (كوهين بكري) و(نفتالي بوشناخ)([5]).

وقد كان احتلال فرنسا للجزائر عام 1830م غزوة ضارية تتجسد بقويٍّ يقهر ضعيفاً، والضعيف يقاوم القويّ حتى الهزيمة العسكرية أولاً، ثم تستمر مقاومته بأشكال واتجاهات مختلفة، ويبقى الهدف الأول والأخير: الحرية والاستقلال.

وهكذا انطلقت ملحمة الشعب الجزائري التي امتدت فصولها ومآسيها عشرات السنين، ليتألف من أحداثها وملابساتها، ونضال محاربيها وأدبائها صفحات مثالية من العناد المستميت للحفاظ على التراث، وإغنائه بجهاد جديد ضد قوىً قاهرة ومدمرة([6]).

ثانيا: الثورة الجزائرية الكبرى نوفمبر 1954:

منذ أنْ خضعت الجزائر للاستعمار الفرنسي عام 1830م، حتى بدأ المستعمر محاولاته في طمس الهوية الوطنية القومية العربية للجزائر من خلال إصدار قوانين تعد بموجبها اللغة العربية لغةً اجنبيةً، كما اعتبرت الجزائريين فرنسيين، والجزائر جزءا من فرنسا وكان ذلك عام 1946م ([7]).

وعملت السلطات الفرنسية منذ احتلالها للجزائر على تجريد الوطنيين من حقوقهم المدنية وسلب أراضيهم وتشريدهم، وقتلهم من اجل أنْ يسكن أرضهم المستوطنون الفرنسيون المهاجرون من فرنسا، ولم يترك الاستعمار الفرنسي للجزائريين غير الصحارى والجبال ([8]).

إنّ هذه العوامل الداخلية قد دفعت الجزائريين إلى القيام بعدة ثورات متتالية منذ احتلال الفرنسيين للجزائر([9])، وفي منتصف حزيران من عام 1954م اجتمع أحرار البلاد من الوطنيين لتنظيم ثورة جديدة، ولوضع صيغة عمل سياسي يأخذ على عاتقه انقاذ وتحرير الجزائر من الاحتلال الفرنسي، وممّا شجع على هذه الثورة عوامل خارجية فضلاً عن العوامل الداخلية التي ذكرناها، ففي عام 1852م قامت ثورة مصر، وتحول الشعب التونسي والمغربي إلى أسلوب الكفاح المسلح ضد الفرنسيين، ثم انتكاسة القوات الفرنسية في معركة (ديانم بيان فو) عام 1954 على أيدي ثوار الشعب الفيتنامي فضلاً عن الانتكاسات الحربية التي تعرضت لها في جنوب شرق آسيا ممّا اضطر فرنسا إلى الاعتراف بحق شعوب الهند الصينية بالاستقلال (فيتنام، كمبوديا، لاوس)([10]).

لقد اتفق الوطنيون الجزائريون على تشكيل "اللجنة الثورية للوحدة والعمل" التي أخذت على عاتقها إقامة جهاز سياسي عسكري، فتم إعلان جبهة التحرير الوطني الجزائرية، وحددت اليوم الأول من تشرين الثاني (نوفمبر) 1954 موعداً لانطلاقة الثورة الجزائرية التي أربكت الفرنسيين واتعبتهم ([11])، واستمرت الثورة تقاوم الاستعمار، وسيطرت على العديد من مناطق الجزائر، وفي هذه الأثناء وقفت بعض العناصر الفرنسية موقفاً معادياً من الثورة، ودعت الحكومة إلى الاستمرار في الحرب ضد الثورة لتصفيتها ممّا اضطر جبهة التحرير الجزائرية إلى نقل عمليات الفدائيين الجزائريين إلى داخل فرنسا نفسها والى إعلان قيام الحكومة الجزائرية المؤقتة في القاهرة في 19 أيلول 1958م.

وخلال هذه المدة وصل شارل ديغول إلى الحكم في فرنسا فأضطر أمام صمود المقاومة إلى رسم سياسة جديدة أقرت مبدأ حق تقرير المصير للشعب الجزائري، وفي أواخر 1959م اعلن الجنرال ديغول استعداده للتفاوض مع الجزائريين لتقرير مصيرهم إلا أن المفاوضات لم تتم إلاّ في عام 1962م، بعد أنْ تصاعدت الثورة بشكل واسع فقبل ديغول مبدأ المفاوضة وفق مبدأ المساواة بين الطرفين بعد الاعتراف بجبهة التحرير الوطنية الجزائرية ممثلا شرعياً للشعب والثورة في الجزائر.

وممّا لاشكَّ فيه أنّ تأييد الشعب العربي في كل الأقطار العربية وبخاصة العراق ومصر، كان له أثره على الثورة الجزائرية في صمودها وعطائها رغم دعم حلف شمال الأطلسي لفرنسا في حربها ضد الشعب الجزائري.

وقد أدت المفاوضات الفرنسية الجزائرية إلى عقد معاهدة (إيفيان) التي نصت على إجراء استفتاء شعبي لتقرير مصير الشعب الجزائري، وكانت نتيجة الاستفتاء اجماع الشعب على الاستقلال.

وهكذا تكللت الثورة الجزائرية بالانتصار بعد إعلان ديغول استقلال الجزائر في 3 تموز 1962م، غير أنّ الثوار الجزائريين رفضوا أنْ يكون هذا الإعلان هو وثيقة الاستقلال فجعلوا من 5 تموز التأريخ الرسمي لإعلان الجمهورية الجزائرية؛ لأنّ هذا اليوم هو ذكرى احتلال الفرنسيين للجزائر من عام 1830م، وبذلك انتصرت ثورة الشعب الجزائري بعد تضحيات جسيمة بلغت مليوناً ونصف المليون من الشهداء، بحيث أصبحت الثورة الجزائرية محط حب وإعجاب كل شعوب العالم لِمَا جسدته من عطاءٍ وبذلٍ في سبيل الحرية والاستقلال وتطهير الوطن من الغزاة ([12]).

المطلب الثاني: الدكتور عثمان سعدي حياته ومؤلفاته

أولا: حياته ([13]):

الدكتور عثمان سعدي جزائري أمازيغي عربي أصيل، وهو ينتمي إلى قبيلة الشاوية الأمازيغية الشهيرة، ومعلوم أن هذه القبيلة من العرب العاربة الذين كانوا يتكلمون إحدى لهجات الجزيرة العربية قبل الاسلام.

وقد ولد في عام 1930م بقرية ثازبنت التابعة لولاية تبسة، ومتخرج من معهد عبد الحميد بن باديس "رئيس جمعية العلماء الجزائريين" في قسنطينة، وتخرج في هذا المعهد سنة 1951م. وعندما تأسست جبهة التحرير الجزائرية انخرط في صفوفها وعمل في ممثلياتها في الشرق العربي، وعهد إليه بمنصب الأمين الدائم لمكتب جيش التحرير بالقاهرة، والتحق في أثناء عمله هناك بجامعة القاهرة_ كلية الآداب، ونال الإجازة في اللغة العربية وآدابها عام 1956م.

ولمّا عين سفيراً لبلاده في بغداد في منتصف عام 1971م وأمضى اربعون شهراً هناك، فاغتنم فرصة وجوده في العراق ليلتحق بجامعة بغداد للحصول على الماجستير في الأدب العربي وقد وقع اختياره على موضوع: "الثورة الجزائرية في الشعر العراقي" موضوعا لرسالته في الماجستير.

وعند نُقل سفيراً لبلاده في دمشق عمل على جمع تراث الثورة الجزائرية في الشعر السوري، وعند انتهاء مهمته في دمشق وعودته إلى الجزائر واصل دراساته العليا حتى نال شهادة الدكتوراه عن "الثورة الجزائرية في الشعر السوري" من جامعة الجزائر.

وهو مناضل في جبهة التحرير الوطنية منذ تأسيسها، وأمين دائم لمكتب جيش التحرير الوطني بالقاهرة في أثناء الثورة المسلحة، ورئيس البعثة الدبلوماسية بالكويت 1963-1964، وقائم بالأعمال بالقاهرة 1968-1971، وسفير في بغداد 1971-1974م، وسفير في دمشق 1974-1977م، وعضو مجمع اللغة العربية الليبي في طرابلس- ليبيا، وعضو المجلس الشعبي الوطني من 1977-1982م، وعضو اللجنة المركزية لجبهة التحرير الوطنية من 1979-1989م، ورئيس الجمعية الجزائرية للدفاع عن اللغة العربية منذ عام 1990، أشرف على اصدار كتاب الجمعية الجزائرية للدفاع عن اللغة العربية: "خمس عشرة سنة من النضال في خدمة اللغة العربية" الذي طبع في الجزائر سنة 2005م، وهو المدير المسؤول على مجلة "الكلمة" لسان حال الجمعية، ورئيس لجنة الإشراف العلمي على إعداد المعجم العربي الحديث الذي تبنى إصداره الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي بالثمانينات إلاّ أنّه لم يكتب له الصدور، وهو حاصل على جائزة أهم مؤسسة فكرية عربية، وهي: مؤسسة الفكر العربي سنة 2005م، وعلى جائزة الريشة الذهبية لبلدية سيدي إمحمد بالجزائر.

إنّ هذه الأعمال الكثيرة والواجبات المتعددة التي كلف بها الدكتور عثمان سعدي لتدل دلالة واضحة على أنّه قد جمع بين النضال الوطني والعمل السياسي وطلب العلم، فلم يطغ عنده جانب على جانب آخر بل قام بها مجتمعة على أحسن وجه.

ثانيا: مؤلفاته:

صنف الدكتور عثمان سعدي مجموعة من الكتب في مختلف الاتجاهات الفنية، والأدبية والروائية، وقضايا التعريب في الجزائر، ويمكن أنْ نذكرها على النحو الأتي:

  1. تحت الجسر المعلق: مجموعة قصصية طبعت سنة 1973م، وهي أحداث حقيقية بالثورة الجزائرية صبغت في قالب قصصي.
  2. دمعة على أم البنين (رواية)، مرثية زوجة المؤلف.
  3. قضية التعريب في الجزائر: دراسة نبهت مباشرة بعد استقلال الجزائر إلى خطورة الابقاء على هيمنة اللغة الفرنسية على إدارة الدولة الجزائرية المستقلة.
  4. عروبة الجزائر عبر التأريخ: دراسة تأريخية تثبت عروبة الجزائر والمغرب العربي منذ التأريخ القديم.
  5. الثورة الجزائرية في الشعر العراقي: وهو ميدان بحثنا.
  6. قضية التعريب في الجزائر: كفاح شعب ضد الهيمنة الفرنكفونية، دراسة تبين استمرار هيمنة اللغة الفرنسية على إدارة الدولة الجزائرية، وتهديدها للسيادة الوطنية ولاستقلال البلاد.
  7. الأمازيغ عرب عاربة: كتاب يؤكد عروبة الأمازيغ البربر، ويبين أنّ التشكيك في ذلك هو مناورة للاستعمار الفرنسي الجديد بهدف شق الوحدة الوطنية، واستمرار سيطرة الفرنكفونية على الجزائر وبلدان المغرب العربي.
  8. الثورة الجزائرية في الشعر السوري: عمل ميداني قام به المؤلف عندما كان سفيراً بدمشق في السبعينيات من القرن الماضي، جمع خلاله 199 قصيدة قالها 64 شاعر وشاعرة في الثورة الجزائرية، ويضم شعراء كباراً من أمثال: سليمان عيسى، ونزار قباني، وغيرهم.
  9. وشم على الصدر (رواية).
  10. معجم الجذور العربية للكلمات الأمازيغية، نشره مجمع اللغة العربية في طرابلس- ليبيا، بين فيه أن الأمازيغية هي لهجة منحدرة من العربية الأم منذ الاف السنين.
  11. التراث الشعبي والشعر الملحون في الجزائر لمحمد البشير الابراهيمي، دراسة وتحقيق.
  12. في ظلال قرطا (قسنطينة): وهي السيرة الذاتية للمؤلف.
  13. الجزائر في التأريخ: يتناول تأريخ الجزائر من العصر الحجري وحتى 1954، يقع في خمسة فصول، وقد حرر للشباب الذي ليس وقت لقراءة المجلات.

وفضلاً عن العديد من المحاضرات والأوراق والأبحاث التي ساهم فيها في ندوات ومؤتمرات عربية وعالمية.

 

 

المبحث الثاني

دراسة تحليلية لكتاب "الثورة الجزائرية في الشعر العراقي"

أولا: التعريف بالكتاب:

كتاب "الثورة الجزائرية في الشعر العراقي"، عمل ميداني قام به الدكتور "عثمان سعدي" عندما كان سفيراً في العراق بالسبعينيات القرن الماضي، وقد جمع فيه شعر الشعراء العراقيين الذي أُنشد عن الثورة الجزائرية، وكانت حصيلة هذه العملية جمع (255) قصيدة نظمها (107) شاعر وشاعرة كلهم من العراق، من أمثال: محمد مهدي الجواهري، وبدر شاكر السياب، ونازك الملائكة، وآخرون غيرهم.

ثانياً: إهداء الكتاب:

أهدى المؤلف الكتاب إلى شقيقه "سليمان الشهيد" وبقية رفقائه من شهداء الثورة الجزائرية بكلمات تعبر عن صدق عاطفته، فقال:

"عزيز سليمان:.

لم أجد أجلّ من هذا العمل أُقدمه لك ولرفاقك الشهداء الذين نحن نعيش الآن بفضل تضحياتهم كرماء أعزاء، ونجلس على كراسٍ صنعت من عظامهم وطليت بدمائهم"([14]).

ثم بعد هذه الكلمات بدأ بسرد قصة استشهاد أخيه "سليمان" التي تعد صورة مشرقة من صور التضحية والفداء التي سجلها الثوار الجزائريون، حيث جُرح في إحدى المعارك ضد العدو المحتل، فتم نقله إلى تونس كي يعالج، وقد نصحه الطبيب بعدم العودة إلى أرض المعركة حتى يتماثل للشفاء التام إلاّ أنّه رفض ذلك قائلاً للطبيب: "إنّ الموت شهيداً هو أعظم ما أتمناه يا سيدي الطبيب"([15]).

وبعد عودته إلى الجزائر دارت معركة غير متكافئة بين المناضلين الأحرار وبين جحفل كامل من جيش العدو إلاّ أنّ العدو لم يتمكن من المناضلين إلاّ بعد استعماله قنابل الغاز المفقد للوعي فتم على إثر ذلك أسره.

وقد وصلت لأسماع العدو معلومات استخباراتية تفيد أنّ سليمان من أهل الجزائر ومن قرية "دشرة ذراع البقرات" فأنكر سليمان ذلك مدعياً أنّه مجاهد تونسي متطوع في جيش التحرير الجزائري.

وقد سيق إلى قريته للتأكد من صحة المعلومة، وكان خيط من الدماء نازل من رأسه، فغسل بالسائل الأحمر وجهه حتى لا يتعرف أحد من أطفال الأسرة عليه، ثم قام الأعداء بإجراء مواجهة بينه وبين أُمِّهِ بحضور ضباط من جيش العدو النفسانيين، فأنكرت الأم أمومتها انقاذاً للقرية وأهلها من الدمار، وقالت لهم: "لاأعرفه، ولأول مرة أشاهد هذا الوجه"([16])، وهكذا أنقذت الأم وابنها القرية من دمار محقق.

ونتيجة لهذا مارس المحتلون صنوف التعذيب على سليمان حتى يعترف بانتمائه إلاّ أنّه أبى ذلك، وتحمل هذا العذاب، فضرب أروع الأمثلة في قوة التضحية حيث يذوب جدول (الأنا) في محيط (نحن)، فمات شهيداً وهو في زهرة شبابه دون أنْ يتجاوز عمره الخامسة والعشرين ربيعاً، فترك للجزائريين الزمن كله ربيعاً.

ثم ختم المؤلف إهداءه الرائع، قائلاً: "لم تُخَلِّف وراءك قبراً أضع عليه باقات الزهور، فَعِملتُ على جمع هذه الباقة من الشعر فيك وفي رفاقك الشهداء من أقصى قطر في وطننا العربي الكبير، فأقبل مني يا أغلى انسان على قلبي، وقُلْ لرفاقك أنْ يقبلوا مني هذا العمل"([17]).

ثالثاً: أسباب تأليف الكتاب:

سطر المؤلف في مقدمته للكتاب الأسباب التي كانت تقف وراء جمعه لهذا الشعر وتأليفه لهذا الكتاب، وهي ترجع إلى سببين رئيسين، هما:

1-   الواجب الوطني من جهة الجزائريين جزءاً من ردِّ الجميل للعراقيين الذين ساندوا ثورتهم، فقال: "إنّ الاهتمام بهؤلاء الشعراء العراقيين والعرب من طرفنا نحن الجزائريين واجب يفرضه علينا ما أدوه من خدمات لثورتنا، أليسوا هم الذين تغنوا ببطولاتها وأمجادها؟، وسجلوها في كلام منغوم وموزون ستبقى الأجيال الجزائرية وابناء لغة الضاد وقراؤها يترنمون به ويتغنون إلى أن يرث الله الأرض ومن معها"([18]).

2-   الرد على دعوات المغرضين الذين أرادوا التشكيك في عروبة دول المغرب العربي "تونس، الجزائر، المغرب"، والفصل بينها وبين العالم الذي ينتمي اليه ألآ وهو الوطن العربي، فكان هذا الكتاب رداً على هؤلاء المتخرصين، يقول المؤلف: "ولعل أحد العوامل التي استفزتني، ودفعتني إلى إعداد هذا البحث دعوة هؤلاء المنحرفين الدخلاء تلاميذ رواد التبشير الاستعماري ضد عروبة الجزائر والمغرب العربي"، ثم أضاف قائلاً: "وأنا على يقين أنّ هذه الدراسة تمثل الدليل الحيّ على عروبة الجزائر والمغرب العربي، وعروبة الجزائر وعروبة ثورتها، وأنّ قصائدها شواهد مفحمة على أنّ الذين خلّدوا ثورة أول تشرين الثاني (نوفمبر) العظيمة هم شعراء اللغة العربية، وفي المشرق العربي على الخصوص، هؤلاء الذين تغنوا بأحداث ثورتنا بأجمل ما صيغ في لغات الدنيا من ألحان، وبأعذب مانظم في شعر الضاد من أنغام"([19]).

رابعاً: منهجه في الكتاب:

وأمّا منهجه في الكتاب، فقد تم ترتيب أسماء الشعراء على النظام الألف بائي معتمداً الأسم لا اللقب، فمثلاً: بدر شاكر السياب، يدخل في باب "الباء" وهكذا، وهذا النظام في الترتيب هو الأَولى؛ لأنّ الكتاب قائم على أساس الجمع، وهو بهذا العمل أقرب إلى العمل الموسوعي من غيره، يقول المؤلف: "وقد اقترح عليّ بعض الأصدقاء بأنْ أبدأ بالأسماء اللامعة، فلم استمع لنصيحته؛ لأنَّني أرى أنّ أسلوب البحث الذي اعتمدته في جمع هذا الشعر يدخل في الإطار الموسوعي أكثر ما يدخل في إطار المختارات"([20]).

وقبل أنْ يثبت المؤلف قصيدة الشاعر يُدرج نبذة مختصرة في حدود صفحة واحدة تقريباً عن حياة الشاعر وسيرته الذاتية، تتضمن مكان مولد الشاعر وسنة ولادته، ودراسته، ومؤلفاته، وما إذا كان الشاعر قد زار الجزائر أم لا، وانطباعاته عن الثورة الجزائرية، وكانت هذه المعلومات يتحصل عليها من خلال استمارة كانت ترسل إلى الشعراء بعد وصول قصائدهم، وقد أثبت المؤلف نسخة من هذه الاستمارة التي كانت على النحو الآتي ([21]):

معلومات عن الأدباء العراقيين الذين ساهموا بانتاجهم في الثورة الجزائرية

الاسم الكامل:..........................

تأريخ الميلاد: .......................

العنوان: .......................

المهنة: ........................

هل سبق لكم أنْ زرتم الجزائر:...............

المناسبة التي ألقي فيها هذا الانتاج:...........................

مؤلفاتكم إنْ كان لكم ذلك:........................

اهتماماتكم الأدبية:.................

وصف مشاعركم أثناء تأليفكم لهذه القطع الأدبية عن الثورة الجزائرية:............

وقد كانت هذه الاستمارة ترسل بعد استلام المؤلف القصيدة التي قالها الشاعر ضمن جواب خطي، وهذا نص الجواب ([22]):

السيد الفاضل....

تحية أخوية، وبعد:

لقد تلقيت.... التي قلتموها في الثورة الجزائرية المسلحة، ولا تتصوروا مدى تأثري وأنا أقرأ هذا الانتاج الذي عبّر بعمق عن تجاوبكم الصادق مع الثورة الجزائرية التي تعتبر مآثرها ملكاً لا للشعب الجزائري فقط، وإنّما للأمة العربية جمعاء، وانتصاراتها حصيلة لدماء عربية سالت بغزارة على جزء من الوطن العربي الكبير، وساهم في بناء صرحها كل ابن من ابناء أمتنا، وأدت الكلمة العربية في مشارق الأرض ومغاربها دورها الذي يليق بالكلمة الحرة الصادقة.

وتجدون طيّ هذه الرسالة نموذجاً يضم بعض الاستفسارات المرجو ملؤه وإرساله لي؛ لأنّني عازم على إعداد موسوعة بعنوان "ديوان شعراء الثورة الجزائرية بالعراق".

وتفضلوا بقبول فائق تقديري واحترامي

                                                              عثمان سعدي

                                                        سفير الجزائر في بغداد

وقد وصلت إلى المؤلف الكثير من الاستمارات التي تحوي في طياتها معلومات عن الشعراء، يقول المؤلف: "وبمجرد أنْ بدأت أتلقى هذه القصائد، حررت استبياناً سحبته على الحرير (استينسل) ثم أرسلته لكل شاعر تمكنت من الحصول على عنوانه، ويهدف توزيع الاستبيان المذكور إلى جمع معلومات حية ميدانية مرتبطة بموضوع البحث، وتلقيت واحداً وخمسين استبياناً مملوءاً من الشعراء أنفسهم أو من أقاربهم وأصدقائهم، وهو نصف عدد الشعراء تقريباً المجتمعة قصائدهم في ملفاتي"([23]).

وأضاف في موضع آخر، قائلاً: "والموسوعة تضم تراجم للشعراء، وجاءت ترجمة كل شاعر مختصرة بحيث لا تتعدى صفحة استمددت أربعة وخمسين ترجمة من الاستبيان الذي وزعته على الشعراء، وهي ترجمة مرتبطة بموضوع البحث، وموجهة وفقاً لِمَا يهدف إليه الباحث من جمعه الموسوعي، كما قمت بجمع عناصر لخمس وأربعين ترجمة أخرى من مراجع مختلفة، أمّا الشعراء الباقون والبالغ عددهم تسعة شعراء ([24])، فلم أتمكن من الحصول على عناصر لتراجمهم، ولهذا فإنّ القارئ سيلاحظ أن الموسوعة جاءت خلواً من تراجمهم" ([25]).

إذاً الشعراء الذين كتبوا تراجمهم بأنفسهم هم أربعة وخمسون شاعراً، والشعراء الذين ترجم لهم المؤلف هم خمسة وأربعون شاعراً، وتسعة شعراء آخرون لم يعثر لهم المؤلف على ترجمة معينة إمّا لكونهم قد توفوا، أو أنّ قصائدهم قد وصلت في أوقات متأخرة، أو وصلت عن طريق صديق، أو أنّ الشاعر لم يرد أنْ يذكر اسمه وعنوانه إخلاصاً منه لقضايا أمته المصيرية كما فعل الشاعر الذي لقب نفسه بـ"عربي"، يقول المؤلف: "وردتني قصيدة من شاعر رفض ذكر اسمه، نظمت في عام 1958، وهي تعتبر من أجمل ما ضمت هذه المجموعة..."([26])، وأضاف: "لم يشأ هذا الشاعر أنْ يذكر اسمه، ووقع باسم عربي، وأصر على أنْ يبقى مجهولاً"([27]).

ثم بعد ذلك يذكر المؤلف عدد القصائد التي كتبها الشاعر عن الثورة الجزائرية، ويذكر كذلك مضامين هذه القصائد وموضوعاتها وشكل القصيدة، وهل هي من الشعر العمودي أم من الشعر الحر، ثم يذكر انطباعه الشخصي عنها، فمثلاً: علّق المؤلف على قصيدة الشاعر "حافظ جميل" الموسومة بـ"من أعلى الجزائر"([28])، قائلاً: "... للشاعر بهذه المجموعة قصيدة عصماء عمودية، ذات قافية موحدة (نونية) طويلة، تقع في واحد وتسعين بيتاً، والقصيدة تركز على التشهير بالاستعمار وجرائمه ضد الشعوب من خلال سرد جرائم فرنسا بالجزائر التي اعتبرها خيانة لمبادئ ثورتها وتأريخها، من خلال مخاطبته لفرنسا يستعرض بطولات الثورة الجزائرية وانجازاتها العربية والإنسانية الكبيرة"([29]).

وكذلك ذكر معلقاً على قصائد الشاعر كاظم جواد، فقال: ".. للشاعر ست قصائد عن الثورة الجزائرية، جاءت جمعيها على نمط الشعر الحر، وهي من أجمل وأغنى القصائد التي ضمتها هذه المجموعة، والقصائد طرقت مواضيع متنوعة في تأريخ الثورة الجزائرية، التي تذكر بإسلوب ملحمي انجازات الثورة الجزائرية عربياً وإنسانياً من خلال مواضيع متنوعة، ولعلّ قصيدته "الشمس تشرق على المغرب" تعتبر من أهم القصائد الملحمية التي قيلت في الثورة الجزائرية، بل وفي الشعر العربي الحديث" ([30]).

إذاً فالدكتور عثمان سعدي في كتابه لم يكن جمّاعةً للشعر فقط، بل وجد في كثير من الأحيان يحكم على القصائد من يحث الجمال الفني والتعبيري أو يصدر عليها بعض الأحكام النقدية ([31])، وكل هذا يدل على أنّه كان يتذوق هذه الأشعار التي قيلت.

وأما منهجه في ترتيب القصائد، فلم يكن للمؤلف أسلوب أو منهج يعتمد على الكم أو النوع في ترتيبها بل كانت تاتي مدرجة مع الشاعر، وقد أتت القصائد مشكولة ومذيلة بهوامش تشرح الكلمات الغريبة، وتعرف بالأشخاص والأماكن، يقول المؤلف: "........ أمّا بالنسبة لتقديم البحث إلى القراء، فنظراً لغزارة المادة التي استطعت جمعها، فإنّني رأيت أنّ أسلم طريقة لنشر هذا التراث أنْ تجمع جميع القصائد محققة ومشكولة ومذيلة بهوامش تشرح الكلمات والأحداث، وتعرف بالأشخاص ..."([32])، إلاّ أنّ المؤلف قد بالغ في هذا الشكل والشرح، فشرح بعض الكلمات الواضحة، وقد اعتذر عن هذه المسألة، بقوله: .."وسوف يعجب القارئ لشرح بعض الكلمات التي يرى فيها وضوحاً وسهولة، والحقيقة أنّ المبالغة في الشكل والمبالغة في الشرح والتوضيح مردهما إلى اقتناعي بأنّ ذلك سيسهل على القارئ الجزائري قراءة النصوص وفهمها وتذوقها بالتالي"([33]).

خامساً: طريقته في جمع الشعر:

ولأجل أنْ يصل المؤلف إلى القصائد التي أنشدها شعراء العراق عن الثورة الجزائرية، أعلن في وسائل الإعلام العراقية طلباً من كل شاعر تفتقت قريحته الشعرية عن الثورة الجزائرية بموافاته بنص ما قاله مع ذكر تأريخ النظم والمناسبة التي قيلت أو نظمت من أجلها القصيدة، وتم تكرار هذا الإعلان في أكثر من مرة، وقد قُدِّرَ عدد مرات ظهور هذا الإعلان في وسائل الإعلام المختلفة بسبعين مرة، وهذا نص الاعلان ([34]):

اعلان

إلى كل الشعراء الذين ساهموا بشعرهم في الثورة الجزائرية

يقوم السيد عثمان سعدي سفير الجمهورية الجزائرية في بغداد بعملية جمع واسعة لكل الشعر الذي قيل بالقطر العراقي في الثورة الجزائرية خلال مرحلتها المسلحة، فالمرجو من الإخوة الشعراء إرسال قصائدهم حول الثورة الجزائرية إلى العنوان التالي:

السيد عثمان سعدي- السفارة الجزائرية

ص.ب/ 444/بغداد

وما إنْ ظهر أول إعلان حتى بدأت الرسائل تنهال على المؤلف، وهي تحمل أختام العديد من المدن والقرى العراقية، وتحوي مظاريفها على عشرات القصائد التي تعبر بصدق عن إحساس الشاعر العراقي تجاه الثورة الجزائرية وتفاعله مع أحداثها، وانفاعله ببطولاتها ومعاناتها.

وفضلاً عن هذه الطريقة الأولى والأساس في عملية جمع هذا النوع من الشعر، فقد اعتمد المؤلف على بعض الدوريات الأدبية العراقية التي كانت تصدر في وقت قيام الثورة وضمت طياتها العديد من القصائد والأشعار. مثل: مجلة "المعرفة" التي كانت تصدر عن وزارة المعارف العراقية، ومجلة "الرابطة الادبية" التي كانت تصدر بالنجف الأشرف، ويشرف على إصدارها الشيخ "محمد علي اليعقوبي" مؤسس هذه الجمعية ورئيسها، وقد خصّ الثورة الجزائرية بعدد خاص من هذه المجلة التي تعد من أهم السجلات الأدبية التي حفظت قصائد كثيرة عن هذه الثورة، ثم أنّ الشيخ اليعقوبي له ديوان شعر كامل بعنوان: "جهاد المغرب العربي"، وكذلك اعتمد المؤلف على كتاب الأستاذ جمال الدين الآلوسي: "الجزائر بلد المليون شهيد"، الذي تناول فيه جهاد الشعب الجزائري ضد الاحتلال الفرنسي، وقد أفرد الأستاذ جمال الدين الآلوسي في كتابه باباً خاصاً جمع فيه قصائد لعشرين شاعراً عراقياً عن الثورة الجزائرية.

وكان من المتحمسين لجمع هذه القصائد ومساعدة المؤلف الأستاذ "خضر الولي"، وهو أحد أعلام الحركة الأدبية في العراق بالخمسينيات والستينيات "سنوات أحداث الثورة الجزائرية" القرن الماضي، وهو صاحب مجلة "الرسالة" البغدادية التي كان لها دور جليل في تأريخ الحركة الأدبية العربية، فقد فتحت المجلة صفحاتها لشعراء الثورة الجزائرية العراقيين ([35]).

وقد كان تحمس الأستاذ خضر الولي للثورة الجزائرية واضحاً، فلم يكتف بما كان ينشر في مجلته من قصائد ومقالات عن الجزائر، وإنّما أصدر عدداً خاصاً من مجلته عن الثورة الجزائرية في سنة 1960م الذي يعد أحد السجلات الهامة التي حفظت تفاعل الكلمة العراقية وتفاعلها مع أحداث الثورة الجزائرية، فزود الأستاذ خضر الولي المؤلف بهذه القصائد وغيرها من القصائد التي لم تنشر وهي من محفوظات مجلته، وفضلاً عن ذلك فقد فتح الأستاذ خضر الولي أبواب مكتبته للمؤلف وأرشده إلى بعض الدوريات ودواوين الشعراء مِمَّا ساعد في اكتشاف شعراء جدد أو على إكمال قصائد فيها نقص ([36]).

يظهر مِمَّا تقدم ذكره أنّ الطريقة التي اتبعها المؤلف في جمع هذه الأشعار هي طريقة البحث الميداني الذي يمتاز بدقته؛ لأنّه يستند إلى معطيات حقيقية وواقعية، وبهذا الصدد يقول: "لم أسلك في البحث والتقصي الطريق الأكاديمي الذي يتمثل في التركيز على الشعراء المعروفين وعلى انتاجهم عن طريق العودة إلى دواوينهم والى ماكتب عنهم، وإنّما اتبعت طريق البحث الميداني، وهو يعتبر من أحدث طرق البحث والدرس، لِمَا يتميز به من حيوية وشمول وحداثة"([37]).

وقد اوضح المؤلف هذه الطرق في عملية جمعه للشعر بقوله: "أمّا عن طريقة ثبت النصوص وتحقيقها، فيمكن أنْ أُصَنِفَ القصائد إلى ثلاثة أنواع: نوع وصلني بخط يد الشاعر نفسه وهو يضم اكثر من نصف العدد المجموع، والنوع الثاني: هو ما وصلني بواسطة أصدقاء الشعراء أو ابنائهم أو أقاربهم، والنوع الثالث: استدللت بنفسي عليه أو دلني عليه بعض رجال الفكر والأدب المطلعين والمساهمين في الحركة الأدبية بالعراق أثناء سنوات الثورة الجزائرية .."،([38])، ثم استدرك قائلاً: "لكنْ في جميع الحالات كنت أعود إلى دواوين الشعراء لمقابلة نص القصيدة المخطوط في ملفاتي كلما علمت بوجود ديوان مطبوع للشاعر"([39]).

إن هذه الطرق الثلاث المتبعة في عملية الجمع مجتمعة، قادت المؤلف إلى جمع (255) قصيدة لـ(107) شاعر وشاعرة يقيمون في أكثر من عشرين مدينة وبلدة، موزعة على كامل خريطة العراق، منها على سبيل المثال: "بغداد، النجف، جيكور، كربلاء، عانة، الصويرة، الديوانية، الموصل، الناصرية، الحسينة، العمارة، البصرة، بدره، الكوت، القرنة، سامراء، الحلة، بعقوبة".

وقد اختلفت هذه القصائد من حيث الكم، فبعض الشعراء من نظم قصيدة، ومنهم من نظم قصيدتين، ومنهم من نظم أكثر من ذلك، ومنهم من أصدر ديوانين كاملين عن الثورة الجزائرية كالأستاذ علي الحلي، أو ديواناً كاملاً كالأستاذ كاظم محمد حسين ([40]).

إنّ هؤلاء الشعراء الـ(107) لا يحتلون إلاّ نسبة قليلة من شعراء العراق إذا ما علمنا ان الشعر من الطباع التي تجري على ألسنة كثير من العراقيين، كما أنّ القصائد التي قيلت لا تمثل جميع القصائد التي قيلت في الثورة الجزائرية، وهذا ما أكده المؤلف نفسه، إذ قال: "انّني أشعر أنّ الموسوعة رغم هذا العدد الكبير الذي ضمته من الشعراء غير كاملة، فأنا على يقين مِنْ أنّ الكثير من الشعراء الذين لم اتمكن من الاتصال بهم لهم قصائد أخرى غير مثبتة في هذا الديوان، كما أنّني على يقين من أنه يوجد شعراء آخرون بالعراق قالوا شعراً في الثورة الجزائرية لم تساعدني الظروف على الاتصال بهم سواء عن طريق مباشر أو غير مباشر..."، ويعلل المؤلف لهذا قائلاً: "ولعل السبب في عدم اتمام هذا الكمال –كمال الموسوعة- عائد إلى مهنة الدبلوماسي التي تناقض في كثير من الأحيان مع مهنة الباحث، فما إنْ استقر بي المقام في بغداد حتى تقرر نقلي منها، وقد وصلتني العشرات من القصائد بالبريد وأنا في منصبي المنقول إليه في دمشق" ([41])، أو أنّ قسماً من هؤلاء الشعراء قد فارقوا الدنيا أو تركوا الديار وانتقلوا إلى بلدان أخرى، أو أنّ بعضهم لم تصل إلى أسماعهم الإعلان الذي نشره المؤلف، أو أنّ الشاعر لم ينشر هذه القصائد فضاعت مع الأيام مثل ماجرى مع الشاعر الذي لقب نفسه بـ"عربي" إذ قال في معرض اجابته عن إعلان المؤلف: "قرأت إعلانكم المنشور في جريدة الثورة بتأريخ 19/5/1974، لقد أثار شجوني هذا الإعلان، وأعاد بي الذكرى إلى ماضٍ عشناه ليس ببعيد، عادت بي الذكرى فنهضت أنفض الغبار عن مكتبتي وعدت إلى كتبي، لأفتش بين طياتها عن بعض القصائد التي لديّ، والتي تتناول مختلف قضيانا القومية والمصيرية، ولكن للأسف لم أعثر سوى على هذه القصيدة. أمّا البقية فلم أجدها، لقد أضاعتها الأيام فيما أضاعت، لقد بحثت عن قصيدة لا أزال اتذكر منها البيتين الأولين، وهما:

ضَجَّ الرصاصُ وزمجرَ الإعْصَارُ
ضَجَّ الرصاصُ فيا دِماءُ تَفجّرِي

 

وَعَلا النَّشيدُ وقَهْقَة الجَزّارُ
غَضَباً وزَمْجَرَهَا دَرا يَا ثارُ

إنها قيلت في الثورة الجزائرية، ولكن لم أجدها كغيرها من القصائد، سأبحث عنها وأرسلها إن وجدتها..."([42]).

سادساً: مصادره في الكتاب:

تعددت وتنوعت المصادر التي اعتمد عليها المؤلف في بناء مادة الكتاب العلمية، ويمكن تقسيم هذه المصادر على النحو الآتي:

1) الكتب:

اعتمد المؤلف على مجموعة من الكتب التي نقل منها مسائل تتعلق إمّا بتراجم الشعراء أو تتعلق بقضايا الشعر وفنونه وأنواعه، وقد بلغت قائمة مصادره من الكتب ستة عشر كتابا، ومن أكثر الكتب التي اعتمد عليها، كتاب "معجم المؤلفين العراقيين" لكوركيس عواد ([43])، إذ نقل منه كثيراً من المواد التي تتعلق بتراجم الشعراء، ويليه كتاب "شعراء عراقيون" لمنذر الجبوري، وكتاب "شعراء العراق المعاصرون" لغازي عبد الحميد كنين، وكتاب "شعراء العراق في القرن العشرين" ليوسف عز الدين.

2) الأعلام:

اعتمد المؤلف في عملية جمع الشعر على الاستمارة التي وزعت وتم الإعلان عنها في وسائل الإعلام، وقد وصله ما يقرب من أربع وخمسين استمارة تحمل في طياتها أشعار وتراجم الشعراء كتبت بخط أيديهم، وبعض هذه القصائد والتراجم قد وصلت عن طريق أصدقاء الشاعر أو ذويه، إمّا لكونه خارج القطر، أو قد فارق هذه الدنيا ([44]).

3) الدواوين:

بلغت أعداد الدواوين التي اعتمد عليها المؤلف 38 ديواناً، إذ كان المؤلف يقوم بالنقل من الديوان مباشرة ولاسيما الشعراء الذين لم يتمكن من الوصول إليهم، أو يقوم بعملية مطابقة لِمَا كان يرده من قصائد الشعراء بدواوينهم المطبوعة إن كان لهم ديوان مطبوع، يقول المؤلف وهو يتحدث عن منهجه في إثبات القصائد: ".. ولكنْ في جميع الحالات كنت أعود إلى دواوين الشعراء لمقابلة نص القصيدة المخطوط في ملفاتي، كلما علمت بوجود ديوان مطبوع للشاعر"([45]).

4) المجلات والدوريات:

كانت المجلات والدوريات التي تصدر ببغداد في زمن الخمسينيات والستينيات القرن الماضي مكانا رحبا لنشر القصائد والأفكار التحررية، وقد شاركت هذه المجلات بدور فعّال في مساندة الثورة الجزائرية بالكلمة، فعلى سبيل المثال نشرت مجلة "الرسالة البغدادية" عدداً خاصاً عن الثورة الجزائرية في تشرين عام 1960، وكذلك مجلة الرابطة الأدبية في النجف، إذ نشرت عدداً خاصاً عن الجزائر المجاهدة في عام 1960، وقد بلغت أعداد هذه المجلات التي نقل منها المؤلف واعتمد عليها عشر مجلات ([46]).

وكذلك اعتمد المؤلف في نقل بعض النصوص الشعرية على مجلة "الآداب" البيروتية التي كانت تستقطب عدداً من الكتاب والشعراء العراقيين، وقد بلغ مجموع الأعداد التي نقل منها ثمانية أعداد ([47]).

5) الجرائد:

بلغت عدد الجرائد التي اعتمد عليها المؤلف في نقل بعض النصوص الشعرية والإشارة إلى تأريخ نشرها، والصحيفة التي نشرت فيها، سبع جرائد مثلاً: جريدة التضامن العراقي، الاستقلال "البغدادية"، والحرية "البغدادية" وغيرها ([48]).

سابعاً: أسلوب المؤلف في الكتاب:

جاء أسلوب المؤلف في كتابه سهلاً بسيطاً غير معقد، كما أنّ كلماته خالية من التعقيد والتعميم، لدرجة أنّها لا تحتاج إلى شرح أو تعليق أو توضيح، ممّا يتناسب مع طبيعة الموضوع الأدبي الذي يتناوله.

ثامناً: قيمة الكتاب:

لا يخفى على كل منصف أنّ لكلّ كتاب قيمة علمية لا ينكرها إلا ّجاهل بتلك القيمة، ولا شكّ أنّ هذه القيمة العلمية تختلف من كتاب إلى كتاب آخر وإنْ كانت هناك عوامل مشتركة، إلاّ أنّ لكل كتاب تبقى له خصوصية، وكلما وضحت هذه الخصوصية كلما زادت قيمة الكتاب، ففي بعض الأحيان تكون قيمة الكتاب في مؤلفه، وأحياناً تكون قيمة الكتاب فيما يحويه من علم ورُبّما جمع بين الحسنيين، وكتاب "الثورة الجزائرية في الشعر العراقي" للدكتور عثمان سعدي تكمن قيمته العلمية في ما يأتي:

1-   يعد هذا الكتاب من المصادر الأدبية والتأريخية المهمة، لأنّ موضوعه هو الشعر الذي تناول الثورة الجزائرية، هذه الثورة التي طبقت شهرتها الآفاق، وقدم لها أبناءها أرواحهم وأموالهم، حتى سميت بثورة المليون شهيد.

2-   تكمن أهمية الكتاب في أنّه جمع بين دفتيه الاشعار التي قالها العراقيون عن الثورة الجزائرية، إذ عدت القصائد التي قالها شعراء العراق أكثر القصائد بالموازنة مع شعراء البلدان العربية الأخرى، فكشف الكتاب عن هذه الحقيقة تضاف إلى قيمته العلمية والتأريخية.

3-   إنّ الكتاب جمع بين دفتيه (255) قصيدة لـ(107) شاعر وشاعرة قيلت عن الثورة الجزائرية، ومن بينهم شعراء كبار، أمثال: محمد مهدي الجواهري، وبدر شاكر السياب، ونازك الملائكة... وغيرهم.

4-   وتكمن قيمة الكتاب كذلك في مؤلفه الذي يعد من قادة الثورة الجزائرية الذين شاركوا مشاركةً واضحةً في التصدي للاحتلال الفرنسي وعايشوا مشاهد هذه الثورة المباركة حتى نالت الجزائر حريتها واستقلالها.

5-   يعد الكتاب صورةً تعكس لنا آمال وهموم الشعوب العربية ولاسيما العراق في تلك الحقبة، وتطلعات الشعوب العربية نحو الحرية والاستقلال.

6-   تعد الموسوعة مصدراً مهماً لتأريخ الشعر في العراق، إذ أُثبت فيها قصائد لـ107 شاعر وشاعرة، وهذا العدد من الشعراء لايمكن التقليل من شأنه لمرحلة استمرت ثماني سنوات.

7-   كشف الكتاب عن مواهب كثيرة لشعراء عراقيين لهم قصائد وأشعار يمكن أنْ تنافس قصائد وأشعار كبار الشعراء، ضمتهم صفحات هذا الديوان ولأول مرة، إنّ هذا الكشف ليؤكد تأكيداً واضحاً أنّ بيئة العراق الشعرية هي أغنى بيئة شعرية بالعالم العربي، ورثت هذه الثورة منذ فجر النهضة العربية الإسلامية، ولا زالتْ محافظةً عليها حتى الآن.

 

المبحث الثالث

تحليل قصائد الثورة الجزائرية

المطلب الاول: تحليل القصائد من حيث الشكل

إنّ الحقبة التأريخية التي جرت فيها أحداث الثورة الجزائرية كانت أواسط الخمسينيات "مابين تشرين الثاني 1954 وآذار 1962""، حيث كان الغليان في أوجه على الساحة العربية، وقد تمكن خلالها دعاة التجديد في الشعر العربي ([49])، ودعاة الشعر الحر الذين خاضوا المعركة منذ أواخر الأربعينيات من شق طريقهم وايجاد نمط جديد من القصيدة الشعرية ([50])، وكذلك معركة الالتزام في الأدب والشعر، مرت من الحملات الكلامية إلى الممارسة والتطبيق، ففي مثل هذا الجو نظمت القصائد العراقية عن الثورة الجزائرية، فجاءت زاخرة بالالتزام السياسي.

وقد بلغت عدد القصائد التي ضمتها هذه الموسوعة "الثورة الجزائرية في الشعر العراقي" 255 قصيدة، وقد جاءت هذه القصائد غنية بتنوع أشكالها البنيوية، فمنها مائة وسبع وسبعون قصيدة عمودية، واثنتان وستون قصيدة تدخل في إطار الشعر الحر، وسبع موشحات ما بين مخمسات ورباعيات، وقصيدة نثرية واحدة، ومنها أيضاً ثلاث ملاحم إحداها عمودية وهي قصيدة "معجزة العروبة" لمصطفى نعمان البدري التي تقع في ثلاثمائة بيت تقريبا ([51])، واثنتان من الشعر الحر، وهما "الشمس تشرق على المغرب" لكاظم جواد التي بلغ عدد أسطرها مائة وأربعين سطراً([52])، و"إلى جميلة" لبدر شاكر السياب التي بلغ عدد أسطرها مائة وأربعة وأربعين سطراً([53]).

والقصائد العمودية التي أخذت حيزاً كبيراً في الموسوعة جاءت متنوعة أيضاً، منها العمودي ذو القافية الواحدة، كقصائد محمد مهدي الجواهري ([54])، وحافظ جميل([55])، وعبد الكريم الدجيلي ([56])، ومحمد بهجة الأثري([57])، وغيرها من القصائد، ومنها القصائد ذات القوافي المتنوعة كـ"نداء الام" لامال الزهاوي ([58])، و"يافتاتي" لإسماعيل القاضي ([59])، و"تحيا الجزائر" لأميرة نور الدين ([60])، و"جميلة" لحاتم غنيم([61])، و"فتى من الجزائر" لحسن البياتي ([62])، وغيرهم.

كما ضمت هذه الموسوعة شعراء نظموا أكثر من قصيدة في الثورة الجزائرية بالنمط العمودي فقط، كالدكتور أحمد حسن الرحيم ([63])، وأحمد الدجيلي ([64])، وإسماعيل القاضي ([65])، وبرهان الدين العبوشي ([66])، وجلال الحنفي ([67])،  وحارث طه الراوي([68])، وحميد فرج الله ([69])، وخالد الشواف ([70])، وخضر عباس الصالحي([71])، وغيرهم من الشعراء الذين قالوا أكثر من قصيدة عمودية فقط.

كما يوجد شعراء ضمتهم هذه الموسوعة قالوا أكثر من قصيدة في الثورة الجزائرية بنمط الشعر الحر فقط، كبدر شاكر السياب ([72])، وعبد الوهاب البياتي([73])، وكاظم جواد ([74])، وسعدي يوسف ([75])، وشاذل طاقة ([76]).

أمّا شعراء الذين لهم في الموسوعة أكثر من قصيدة، وجاء شعرهم متنوعاً بين النمطين العمودي والحر، فهم: حبيب حسين الحسني، الذي له ثلاث قصائد عمودية، والثانية موشح والثالثة من الشعر الحر ([77])، وحميد حبيب الفؤادي الذي له عشر قصائد، أربع منها على نمط الشعر الحر ([78])، وحسين بحر العلوم الذي له قصيدتان أحداهما من الشعر الحر ([79])، وحياة النهر التي لها ست قصائد منها قصيدتان من الشعر الحر ([80])، وراضي مهدي السعيد الذي له قصيدتان من الشعر الحر ([81])، وعلي الحلي الذي له بهذه الموسوعة ست عشرة قصيدة أربع منها تنتمي إلى الشعر الحر ([82])، ومحمد جميل شلش الذي له ثلاث قصائد إحداهما من الشعر الحر ([83])، وكاظم محمد حسين الذي له ثماني عشرة قصيدة، تسع منها عمودية، وتسع من الشعر الحر ([84]).

يظهر لنا ممّا تقدم ذكره أنّ القصائد التي قيلت في الثورة الجزائرية قد تنوعت أشكالها، واتخذ العشرات منها نمط الشعر الحر أسلوباً وإطاراً فنياً، جاء معبراً أصدق تعبير وأوفاه عن نقطة التحول في مسار الحركة الشعرية العربية في هذا القرن وفي العصر الحديث ([85]).

 

المطلب الثاني: موضوعات قصائد الثورة الجزائرية في الشعر العراقي

حظيت الثورة الجزائرية باجماع الوجدان العربي، ووقف منها المواطن العربي موقف المتحمس لأحداثها أيّاً كان اتجاهه السياسي أو العقائدي أو القومي أو المستقل، وهذا هو سر غنى الشعر الذي قيل في الثورة الجزائرية؛ لأنَّ شعراء الثورة الجزائرية ينتمون إلى جميع التيارات والأحزاب والفئات، والكل وجد فيها ضالته، فراح يعزز بأحداثها ما يؤمن به، وكل فئة من هذه الفئات المتصارعة فيما بينها تغنت بأحداث ثورة أول نوفمبر من زاوية انتمائها الحزبي أو لا انتمائها لأيِّ فئة كانت، وهذه هو سر عظمة الثورة الجزائرية وسر غنى التراث الشعري الذي قيل في أحداثها.

فلذا يصعب على الباحث حصر سائر الموضوعات التي تطرق إليها شعراء الثورة الجزائرية بالعراق؛ لأنّها موضوعات كثيرة ومتعددة ومتنوعة ومتشعبة، فعدد هذه القصائد يربو على مائتين وأربعين قصيدة، منها القصيدة الموغلة في التقليدية والعمودية، ومنها القصيدة العمودية المتجددة أو الحديثة، ومنها القصيدة المتحررة من جميع قيود القافية وقوالب شطري البيت، وشعر كهذا غني بموضوعاته؛ لأنّه تناول أحداث الثورة الجزائرية وما أكثرها، فضلاً عن تطرقها لحوادث المخاض الذي عاشته أمتنا العربية في الخمسينيات والستينيات في هذين العقدين اللذين يعدان من أهم عقود القرن العشرين التي مرّت على أُمتنا العربية بصورة عامة وعلى حركة الشعر العربي بصورة خاصة، ولهذا نرى أنّ المؤلف قد اقتصر في هذا الباب بالإشارة إلى أهم الموضوعات التي لها علاقة مباشرة بالثورة الجزائرية، فقال: "ولقد رأيت أن أركز في هذا الباب على عدد قليل من الموضوعات المتصلة اتصالاً مباشراً بالثورة الجزائرية، أي: تلك الموضوعات التي تدخل في إطار الالتزام السياسي والنضالي والعقائدي للشعر العربي الحديث" ([86]).

وفيما يأتي عرض لهذه الموضوعات بصورة موجزة مع عرض نماذج شعرية لكل موضوع بالاعتماد على ماذكره المؤلف:

أولا: قوة الثورة وصلابتها:

رسم الشاعر العراقي الثورة الجزائرية بألوان من برق ورعد فجاءت كلماته كجبال أوراس وجرجرة، معبراً عن إرادة الثائر الجزائري وعن تصميم الشعب الجزائري وإصراره على النصر، كما عبر عن الأهوال التي تحملها جماهيره من أجل تحقيق هدف الثورة، وقد كان الشاعر العراقي يغني للثورة الجزائرية ولقوة أحداثها وصلابة أبنائها، فجاء شعره صادقا في تعبيره عميقاً في معانيه، جزلاً في تراكيبه متنوعا في صوره.

فالشاعر أحمد الدجيلي يقول: إنّ الثورة الكبرى فاجاءت المستعمر بالجزائر، فانتشرت بين جماهير شعبها وتغلغلت في قلب كلّ رجل وامرأة، وسرت في نفوس الجزائريين وفي دمائهم، وانطلقت نيرانها تقطر إصراراً في إرادة الجزائريين وتحمل الفناء لأعدائهم، فقال:

فَإذا بالثّورة الكُبرَى وَقَد
ومَشَتْ فِي كُلِّ روحٍ ودمٍ

 

عَمَّتِ الشَّعبَ رجَالاً ونِسَاءا
لهبها يَقطُرُ عَزماً وفَنَاءا
([87])

ويتغنى جلال الحنفي بأمجاد سنوات الثورة السبع التي يعدها تساوي الزمان وتساوي الناس كلهم، كما أنّها تساوي الدهر جميعه والتأريخ وأجيال البشرية، فالأبطال هم الجزائريون فقط؛ لأنّهم بالسلاح حولوا الأقوال إلى أفعالٍ فاعلةٍ، يقول:

سَبعٌ يعادلن الزَّمَانَ وأهْلَهُ
يا قومُ مَا الأبْطَال إلاّ أنتُمُ
إنَّ السيوفُ إذا شهرن فإنَّمَا

 

والدَّهَر والتأريخَ والأجيَالا
لَو أنَّ شَعبَاً كافَ الأبطَالا
يَجعَلْنَ أقوالَ الرِّجالِ فِعَالا
([88])

وعبد الوهاب البياتي الشاعر المجدد، يصور قوة الثورة بأنّها عملاقة، وبأنّها فكرة مبدعة تكتسح العملاء الذين يسميهم بالمسوخ والطبول والجيف، فالثورة تفلح الحقول من خلال أهوال العواصف، وتصنع فوق الأنقاض كل ماهو جميل ونبيل، فالثورة إذا عند البياتي فكرة تبني وتفلح؛ لأنّه يستقرئ الأحداث ويستطلع المستقبل، مستقبل الجزائر سيكون بناءاً جميلاً وسبكاً رائعاً لكل ماهدم، يقول:

الثَّورةُ العِملاقه

الفِكرةُ الخلاقه

تَجرِفُ في طريقها المُسَوخَ والطُبَولَ

والجيفِ المُعَطّرة

والنصبَ الشَّائعةِ المُبَعْثَره

تُحْدثُ في إعْصَارِها الحُقُولَ

تعيدُ صنعَ الرائع النبيلِ([89]).

 


ثانيا: وصف بطولات الثوار:

تغنى شعراء الثورة الجزائرية بالعراق ببطولات الجزائر، وبطولات أبنائها المجاهدين، ولا تكاد تخلو قصيدة من الإشارة بهذه البطولات، والتغني بأمجادها والترنم بمآثرها.

فهذا الشاعر أحمد حسن الرحيم في "سيف الجزائر" يكنى الجزائر بـ"أم البطولات" ويوجه لسيفها الذي لا يعرف الوهن والضعف بسبب عمله المتواصل في رقاب الأعداء ألف مرحباً، فالجزائر رفعت جبين كل عربي وجعلت وجهه تعلوه البهجة والسرور، كما جعلته ينسى الآمه وحزنه، يقول:

فيا أمَّ البطولةُ ألفُ مَرحَى
رَفَعتْ جَبِينَ مَوتُودٌ كئيبُ
فبان بوجهِهِ ألقٌ بَهيّ

 

لِسَيفٍ لَيسَ تضعفه الفُلُولُ
أَضرَّ بِهِ التمزَّقُ والثُكُولُ
وفَارقَه التَّوجعُ والنُكولُ
([90])

وأميرة نور الدين تقسم تسع مرات بأنّ الأعداء لن يحققوا أهدافهم، فهي تقسم بعزم الجزائر، وبالمناضل، وبتصميم الشباب، وبإيمان الشعوب، وبنور النصر، وبالعروبة، وبأعمدة المشانق، وبدماء الشهداء، وبالنار في الضلوع وفي دموع فتيات الجزائر تقول:

قَسَماً بعزمك يا جزائرُ بالحقّ بالشّعبِ المثابرِ
قَسماً بكل مناضل وبكلِّ ثَائرةٍ وثائرِ
قَسماً بتصميم الشّبابِ بكُلّ صَابرةٍ وصَابرِ
قَسماً بنورِ النَّصرِ يَلمَعُ في الثغورِ وفي المَحَاجرِ
قَسماً بأصداءِ العروبةِ في هتافاتِ الحَنَاجرِ
قَسماً بأعوادِ المشانق بالسُّجونِ وبالمَقَابرِ
بِدمِ شهيدٍ على الثَّرَى للثأرِ يهتفُ بالضَمَائرِ
بالنَّارِ مَا بين الضلوع بأدمعِ غيدِ الجزائرِ
لا لن ينالَ الطَّامِعونَ مَوطِئَاً بَينَ المَجازرِ
([91])

وهذا حبيب حسين الحسني، يخاطب الجزائر في قصيدته (جزائر الجريحة) فيقول: فيك عرفنا نحن العرب ملاحم البطولة وآيات العزة والسمو، فمن جروحك يتضرع المجد والنور:

لَنَا فيكِ المَلاِحمُ والاباءُ
جزائُرنَا الجَرِيحَةِ أيُّ نَصرِ

 

وفِيكِ لَنَا البُطُولَةُ والسَّناءُ
سَيَعبِقُ فِيهِ مَجدٌ أو ضِياءُ
([92])

ثالثاً: أمجاد جيش التحرير ومعاركه:

كان جيش التحرير الوطني الجزائري، محور قصائد شعراء الثورة الجزائرية بالعراق، إذ لم يكتفوا بتمجيد بطولات المعارك فقط، بل أشادوا بمعاناة جنود جيش التحرير، وكيف صمدوا أمام برد ليالي الشتاء، ولهيب أيام الصيف، وكيف تحملوا الجوع والعري والحرمان، والبعد عن الابناء والأهل أشهراً بل سنوات في سبيل قهر المستعمر وتحرير البلاد.

وقد لقب الشعراء العراقيون جيش التحرير بعدة ألقاب، فهو "الجيش الصعق، وجيش النصر، وهو أسد تزول الجبال ولا يزول صموده، وهو الراقص على أنغام الحرب، يحارب بعقيدة قوية وإيمان صلب، وبأنّه أقوى من الجبال، وبأنّ أيَّ جيش على وجه الأرض يعجز أنْ ينازله أو ينال من صموده"([93]).

كما وصفوا جنود جيش التحرير بأنّهم: أصدقاء الليل؛ لأنّهم ينفذون عملياتهم تحت جناحه، وكل جندي يقول: إذا نحن لم نفترق أو نحترق فكيف يضيء طريق الأمل للأجيال؟

فالشاعر حميد فرج الله يقول بأنّ جيش التحرير أعلنها حرباً على فرنسا وفي صفوفه شبان وشيوخ، رفض الخنوع والذل، واختار طريق ميتة الأحرار، فهو يزأر في الجبال صارخا: (جزائر الخلد يا أنشودة العرب):

وجيشُ تحريرهِ شَعواء أعْلَنَها
لا يَسْتَكينُ على ذل ومَسْكَنَة
يَظَلُّ يزأرُ كالآسَادِ مُرتَعِدَاً

 

عَلَى فَرَنْسةَ أشياخٌ وشُبَّانُ
تَرَاهُ في ميتة الأحْرَارِ يَزْدَانُ
جزائرُ الخُلدِ يا أُنْشودَة العربِ
([94])

وبرهان الدين العبوشي في قصيدته "انجدوا الجزائر" يصف المجاهدين جنود جيش التحرير، فيقول: "بأنّهم يسيرون للموت كما سار أجدادهم إليها، ومنهم: طارق بن زياد، ولم يبالوا بالدبابة وبالنيران التي تنطلق منها، فتراهم يتواثبون عليها تواثب الموت، كثر شهداؤهم، وتدفقت دماؤهم غزيرة غزارة الأنهر التي شرفت بها الأرض، فيقول:

يَمشُونَ للموتِ الزُّؤام كَمَا مَشَى
(والتنك) يَحْصَدُهُم وَهُم مثل الرَّدى
والأرضُ قَد شرفَتْ بِفيضِ دِمائِهمِ

 

أجْدَادُهم والطَّارق المِغَوارُ
يَتَواثَبُون عَليهِ إذ يَنْهَارُ
جَادُوا بِها فكأنّهَا أنهارُ
([95])

وحارث طه الراوي، يربط النصر بالمجد ويجعلهما أمرين متلازمين، فيقول:

أومأ النَّصرُ لَهَا فِي سَاحةٍ
وَمَشى المَجْدُ إليها رَاكِعةً

 

عَبَقتْ منَهَا الدِّماءُ العَربيةِ
بِخُشُوعٍ يلثَمُ الأرضَ النديةِ
([96])

رابعاً: ثورة الجزائر أمل العروبة ومثل الإنسانية:

تغنى شعراء العراق بأمجاد الثورة الجزائرية التي اعتبروها أمجاداً للأمة العربية ومآثرها للإنسانية كلها، فقد اندلعت الثورة الجزائرية بعد هزيمة الأربعينيات التي لحقت بالجيوش العربية في فلسطين، بسبب ضعف بعض أنظمة الحكم في المشرق العربي، وتواطئ بعضها الآخر مع القوى التي خلقت الكيان الصهيوني ولحق المواطن العربي سواء بالمشرق أو المغرب، نوع من الاذلال وانكسار الجناح.

واندلعت الثورة الجزائرية لتعيد الثقة إلى كلِّ نفس عربية، ولتبرهن للعالم كله أنّ الأُمة العربية لا زالت بحيويتها التأريخية، وبصلابة عودها في النضال، أُمة تستحق كل ما انجزته في تأريخ البشرية ضد الشر والظلم والظلام، وما ثورة الجزائر سوى تعبير صادق عن الذات العربية التواقة إلى الحرية، النزاعة إلى العزة والدفاع عن الكرامة القومية، وجدت أرضية مناسبة وقيادة حكيمة في قطر عربي، فأتيحت لها فرصة إبراز عطائها المبدع، ونزعتها الثورية الخلاقة، هكذا استقبل الثائر العربي أحداث تشرين الثاني 1954م.

فبدر شاكر السياب يعبر عن هذا المعنى في قصيدته "إلى جميلة" حيث يخاطب الثورة الجزائرية من خلال المناضلة الجزائرية، فيقول لها لولاك ما جادت أغصاننا القاحلة بالثمار، ولَمَا تدفقت قوافينا البديعة، فنحن (أي: العراقيون والعرب) نعيش في هوة مظلمة، وعن طريقك تسرب لنا الإشعاع الذي يبدد ظلامها، فقال:

والله لَولا أنّها يَا فَاديَة
ما أثْمَرت أغْصَانُنُا العَاريَة
أو زَنْبَقتْ أشْعَارُنا القَافِية
إنَّا هنا.... في هوة راجية
ما طَافَ لَولا مُقْلَتاك الشعاعُ
([97])

ومحمد علي اليعقوبي في قصيدته (أبطالنا في الجزائر)، يقول بأنّ العالم العربي فخور ببطولات أبطال الجزائر، وبأن الدنيا كلها بسائر أُممها، تثني عليكم أيها الجزائريون، وعلى ثورتكم التي انتشر ذكرها كما ينتشر عبير الورد، وبأن مآثركم سجلت في كتاب الخلود بالدماء، فلقد أصبحت حديث الشعوب والأمم، وصارت أخباركم تسيطر على ما تبثه الإذاعات، فأرواحنا، نحن العرب حاضر بينكم في جهادكم، ولو كانت أجسامنا بعيدة عنكم، يقول:

فالعَالمُ العَربيّ في
تَتَضوعُ الدُّنيا بذِكركُم
فَرَطَتْ عَلَى صُحُفِ الخُلُودِ
أَضْحَت يَدُ السِّتِ الجَها
وَبِكُلٍ آنٍ يَملأ الدُّ
وبِفَوزكُم هَزَّ العَوَا
أرواحُنا إنْ غَابت

 

أعمَالكُم زاهٍ فَخُورُ
كَمَا ضَاعَ العَبيرُ
مِنَ الدِّماءِ لَكُم سُطُورُ
تِ إلى بُطُولَتكُم تَسِيرُ
نَيا بِنَصْرِكُم البَشَيِرُ
لِمَ في إذَاعَته الأثيرُ
الأجسَام عِندكُم حضورُ(1)

([98]) ويقسم يوسف عز الدين بالثورة الجزائرية التي هي نور للنصر في الليل الطويل الحالك، فيقول:

قَسَماً بِثَورَتكم وثَوَرتكُم سَنَى
حَفِظَ الحُقُوقُ وصَانَ حَقَّ بِلادهِ

 

للنَّصرِ فِي اللَّيلِ الطَّويلِ المُظْلمِ
مَن صَانَ حَقَّ بِلادِهِ لَم يَنْدمِ
([99])

خامسا: جميلة ونضال المراة الجزائرية:

نالت المناضلة الجزائرية (جميلة) حيزاً كبيراً في الشعر العراقي الذي قيل في الثورة الجزائرية، فأكثر من ثلاثين قصيدة حملت عنوان (جميلة)، وحديث الشعراء عن جميلة كان تمجيداً لنضال المراة الجزائرية، فالنساء الجزائريات (صغن من قطع الحديد، وهن يتزين لا بالجواهر وإنّما بالشجاعة، ويضئنَ للرجال جوانب الطريق المؤدية للخلود).

وقدمها الشعراء أيضاً في صورة إنسانية، فهي "عشتار، ربة الخصب، والخير عند البابليين، وهي نغمة جميلة يتغنى بها الدهر والزمن، وهي لحن قدسي، وهي نشيدة البحر المتلاطم الأمواج، وظلام السجن نور بين عينيها"([100]).

وقصيدة "أنا فكرة" للدكتور جواد البدري، التي نظمها وأهداها لجميلة عام 1958 تعد من أجمل ما قيل في نضال جميلة، فقد جسد الشاعر الثورة الجزائرية في جميلة المناضلة، وعد الثورة فكرة وليست كائناً من لحم ودم، ولهذا فإنّها لا تموت بموت الأشخاص، وهي فكرة كامنة في العقول والنفوس وفي دموع الكادحين، منذ أنْ ظهر الإنسان على سطح الأرض، يقول:

اقْتلُونُي

أنا فكرَه

في العُقولِ النيِّره

في النُّفُوس الخَيِّره

في دُموعِ الكَادحِين

في قلوبِ الطّيبين

عَبْرَ الآفَ السِّنينِ

مُسْتَقرِة

أنا فِكَره

إنّ الثورة فكرة، نور تضيء للشعوب طريق الانعتاق وبناء مصير عادل، وهي نار تحرق أعداءها وأعداء الأنسان، وهي زهرة تنثر عطرها بين الشعب عبر النسيم، لتروي الملايين من البشر، وهي أمل الناس ودفء أحلامهم.

أنا أنوارٌ وَنَارٌ

أنا فَكْره

اسْحَقُونِي

أنا زَهْره

عِطرُها تَنْثُره الأنْسَامُ

فِي كلِّ مَكان

تَرْتَوي مِنْها الملايينُ

عَبيرُ النَّسمَاتِ

تَبْعَثُ النَّشْوةَ والدِفء

وأحلامَ الأمل

لِبَنِي الأرض جَمِيعاً

 ويطلب الشاعر منا أنْ نسأل التأريخ كم إنسان حر كريم مزق الطاغية، ودقّ وشقّ صدره، لكنّ الجلاد انقرض مشيعاً باللعنات ويبقى الأحرار الشهداء فكرة يستلهمها الناس:

اسْألُوا التأريخ

واستوهوه ذكره

كَم فَتَىً حُرٍّ كريمٍ

مَزّقُ الجَلاّدُ جِسْمَه

دَقَّ عَظْمَهُ

شَقَّ صَدْرَهُ

وَمَضَى الجَلاَّدُ مَلْعُوناً

وَلَكنْ

بَقي الأحرارُ فِكره

اقْتُلوني

أنا فِكْرَه

ويستمر الشاعر في التحدث باسم جميلة التي تعلن للأعداء، اقتلوني فأنا فكره، والفكرة لاتموت، أنا رمز لنضال الشعب من أجل تحقيق سلام يتخلص فيه الإنسان من الحروب والاستغلال معاً، حيث يسود حياته الحب بين الناس والوئام بين الشعب، فأنا أُضحي من اجل الحق:

اقْتَلُوني أنا فْكَره

اسْحَقُوني أنا زَهْرَه

أنا رمزٌ لنضالِ الشِّعبِ مِنْ أجل السلامِ

وَشِعارٌ الودِّ والإخلاصِ، في دنيا الوئامِ

أنا إنْ ضحيتُ بالنّفسِ، وغاياتِ المرامِ

فِلأجل الحقِّ أمْضِي وأضَحَي

بِثباتِي

وعزمي ([101])

وعبد الغني الجبوري يتحدث عن النساء الجزائريات، فيقول: "بأنّ كلّ امرأة بالجزائر هبت لمصارعة الاستعمار غير مبالية بالموت، والمرأة التي عرفت بالدلال والغنج، تحولت بالجزائر إلى ثورة بجهادها وصارت أقوى من الجبال، وهي الجميلة الرزينة:

حَدثينَا عَن كُلّ حَواءَ خَفَتْ
واسْتَخفَّتْ بالموتِ مَا أَجْملَ المَوتَ
رَبّةُ الخدْرِ والدَّلالِ اسْتَحَالتْ
فِهَي أَرْسَى مِن الرُّبَى والجِبَالِ

 

لِقَرَاعِ المُسْتَعْمَر المُتَعَالِي
إِذا كَانَ فِي سَبيلِ المَعَالِي
ثَورةً فِي كِفَاحَها وَالنِّزَالِ
وَهي ذاتُ الحِجَى وذَاتُ الجَمَالِ
([102])

سادساً: فرنسا وحلفاؤها كما صورها الشعراء العراقيون:

لم تُهاجَم فرنسا وحلفاؤها، مثلما هوجمت في الشعر العربي الذي قيل في الثورة الجزائرية، وخاصة بالشعر العراقي، إذ تخللت هذا الهجوم عبارات مشهرة، وأحياناً نابية، نعتت بها فرنسا، فإنّ الطابع العام لهذا الشعر يتلخص في معنى واحد هو أنّ فرنسا تخون تأريخها وثورتها وتراثها الإنساني، الذي أورثته إياها مبادئ الثورة الفرنسية، وذلك من خلال ما تقوم به من جرائم ضد الشعب الجزائري في حربه التحررية العادلة، ولا تكاد قصيدة من قصائد هذه المجموعة تخلو من هذا المعنى، معنى خيانة فرنسا لمبادئ ثورتها.

وقد لقب الشعراء فرنسا بألقاب ساخرة مثل "أم الشرائع، وأم المساواة، ومحررة الشعوب" كما لقبت بألقاب تهجمية بل ونانية، مثل: "متكبرة، مغرورة، أُخت نيرون" كما وصف سلوكها بحرب الجزائر بصفات شديدة، مثل "شريعة الغاب".

ويستعرض الشعراء جرائم الفرنسيين: فهم يقتلون العزل، ويعذبون السجناء، حاولوا قتل اللغة العربية والقضاء على الإسلام، أقاموا حزام الموت المتمثل في الأسلاك الشائكة المكهربة الملغومة حول الحدود الجزائرية، وفجروا أول قنبلة ذرية فرنسية في صحرائها".

وتعرض الشعراء العراقيون أيضاً للحلف الأطلسي الذي كان يساند فرنسا في حربها الظالمة ضد الشعب الجزائري، فأي سلاح حديث كانت تخرجه المصانع الأمريكية أو الأوربية، يرسل للحلف الأطلسي، ثم يوجه للجزائر لتجربته على أكواخ الفلاحين العزل، أو ضد جنود الجيش التحرير، ويصف الشعراء حليفات فرنسا بعدة أوصاف، مثل: "حليفاتها على شاكلتها، الحلف الاطلسي دعامة لكل ظالم".

وحميد حبيب الفؤادي يذكر فرنسا بثورتها العظيمة، وبدورها في النضال البشري من أجل العدل، حيث هبَّ الشعب الفرنسي كرجل واحد ثائراً ضد الظلم، ويلفت نظر فرنسا إلى أنّها نسيت (14) تموز العظيم، وكيف سجل فيه الشعب الفرنسي الأمجاد والفخار، كما نسيت بطولة "جان دارك" ثم يحذر الشاعر فرنسا من أنّ العربي لا يرضى الذل والعار، ويتعجب كيف نسيت فرنسا جنود هتلر وهم سكارى في باريس مستهترين بشعبها، وسوف لن تنسى فرنسا أبداً ما يلحق بسمعتها في الجزائر من اندحار وخزي وعار:

أنَسِيتِ ثَورَتَك الجَلِيلةِ
أَنَسِيتِ تَموَز العَظيمَ
أَنَسِيتِ (جانِ دارك) البُطُولةِ
هَلاَ نَسيتِ؟ فَشَعْبُنا العَرِبـ
هَلا نسيتِ؟ جنود هِتْلَر
وَسَتَذْكُرِين غَداً بِسوحِ

 

يَومَ هَبَّ الشَّعْبُ ثَارَا
وفِيهِ سَجَّلَتِ الفِخَارَا
وَهِيَ لا تَأبَى العِثَارَا
ـي لاَ يَرْضَى الشَّنَارَا
عِنْدَ بَارِيسِ سُكُارَى
المَجْدِ خِزْيَانا وعَارَا
([103])

وطارق الطاهري يثور غضبا عندما تبلغه جرائم فرنسا بالجزائر، فيوجه لها في قصيدة "دم الشهداء" أقسى النعوت، ولديغول رئيسها أقسى الألقاب، فيقول:

وأينَ لكِ الضَميرُ أَيَا فَرَنْسَا
وأينَ لكِ الضَميرُ وَلَو قَلِيلُ
وأنتِ صَريعةُ الشَّهوات دَومَاً
وديغولُ السِفِيه غَدَا رَئيسَاً
بِهِم يَسْطُوا عَلَى دُوُلٍ ضِعَافٍ

 

وَقَد شَبَّتْ حَياتُك في الجُنَاحِ
وَعَاركِ طَارَ في الأُفُقِ الفَساحِ
رِجالكِ فوقَ أقِدامِ المِلاحِ
لِذَوبان مُخَنَّثَة قَبَاحِ
وَيُجَارُ بالسِّلامِ عَلَى انْفِضَاحِ
([104])

سابعاً: فرحة إعلان الجمهورية وتحقيق الاستقلال:

في سنة 1958 أعلنت الجمهورية الجزائرية وتألفت الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية بالمنفى، واستقبل العديد من الشعراء بالعراق هذا النبأ بالفرحة والابتهاج، فهي حلم، وهي بمثابة شمس أشرقت في مغرب الشمس، وهي عروس هزج الشرق لها، وهي شجرة دماء الشهداء.

لكنّ الفرحة الكبرى التي غناها الشعراء العراقيون هي فرحة اعلان الاستقلال عام 1962، إنّ الكثير من الجزائريين والكثير من العرب كانوا ينظرون إلى استقلال الجزائر على أنّه أمر بعيد المنال، بل إنّ مِمّن فجروا الثورة أنفسهم كانوا يتصورون أنّ النضال سيطول وأنّ الاستقلال سوف لن يراه ويتمتع به إلاّ الجيل التالي لجيلهم.

ولهذا فأنّ إعلان الاستقلال الجزائر كان بمثابة المعجزة، جعلت الكثيرين لا يصدقون أذانهم وهم يستمعون إلى نبأ الاستقلال.

فالشاعر محمد جميل شلش ينشد قصيدة بهذه المناسبة عنوانها "تحية للجمهورية الجزائرية" من الشعر الحر، فيقول فيها على لسان المجاهد الجزائري، أنا أغني فجر جمهوريتي، وأغني للسلاح الذي حققها، أغني من أوراس مجد الرجال، من حيث انطلق النضال، وتدفق سبيل الثائرين:

وأنا أُغنِي فَجْرَ جَمْهُورِيَّتي الكُبرَى

وأُغنَي للسِّلاح سيَصِيح التَأريُخ زَندي

سَيُحِّدثُ الدُّنيا لهيبي، إنّ مَجْدَ الشَّمس مجدي

فَلتَكْتبِ الأجيالُ بَعْدِي

مِنْ هاهُنا مَجْد الرِّجال

مِنْ هاهُنا انْطَلقُ النِّضالُ

وَسالَ سَبِيلُ الثَّائِرينَ

ويختم الشاعر قصيدته بأنْ يعلن أنّ الجزائريين سيقضون على جميع أسلحة الفناء التي يسلطها علهم العدو، وسينسون الآلام والمحن، وترفرف رايات السلام والرخاء على ربوع بلادهم.

وَلَسَوفَ نَطْرحُ كَلّ آلاتِ الفَنَاء

ولَسَوفَ نَنْسَى الدَّمَ والظَلامَ

ونَفي الدُّنْيا بِرَاياتِ السَّلامِ([105])

ونوري القيسي في قصيدته "تحية لجمهورية الجزائر الحرة" يعد الشعب الجزائري الذي أعلن ميلاد جمهوريته، هو الذي صنع التأريخ، ويطلب منه أن يردد على قمم الأرواس أنشودة "الجمهورية الجزائرية" التي كان العرب مشتاقون لميلادها، وأنْ يسكب على هضاب الجزائر قيماً ثورية يتضاءل نور الشمس إزاء وهج إشعاعها.

يَا صَانِع التَّأرِيخ مُرْتَسِماً
ردّد عَلَى "الأوراس" مُنْطَلِقَاً
واسْفَح عَلَى هَضَبَاتِها قِيَماً

 

في وَجْنَتِيك الفَجْرِ والحَسَبُ
أُنَشودةٌ كُنَّا لَهَا نَصْبُو
الشَّمْسُ فِي جَنَبَاتِهَا تَخْبُو
([106])

والشاعر زهير غازي زاهد، في قصيدته "فجر الجزائر" يقول: بأنَّ فجر الاستقلال طلع، وهو عرس البشائر، واختلط في أفق هذا اليوم اشراق الاستقلال، مع حمرة دم الشهداء، والاستقلال كان حلم كل شهيد، فلترددي النصر ياحناجر شعب العراق، ولتهتفي "عاشت الجزائر".

طَلَعَ الفَجرُ وهو عُرْسُ بَشَائِرُ
وَارْقُبِي الأفقَ جَانِبَان سُرورِ
فَهُو يومٌ عَلَى تلولِ الضَّحَايا
فَجْرُه حلمُ ألفُ شَهيدٍ
رددي النَّصْرَ يِا حَنَاجِرُ شَعْبِي

 

رَددي النَّصْرَ واهْزِجِي يَا حَنَاجِرُ
مُشْرقٌ أو دَمٌ أبِي ثَائِرُ
جَاءَ يُخْتَالُ بِالجهادِ الظَّافِرِ
قَدْ تَلأْلأ مِن الدِّماءِ السَّواعِرُ
وَاهتِفِي عَالِياً لِتَحْيَا الجَزائِرُ
([107])

 

 

نتائج البحث

وأمّا النتائج التي توصل إليها البحث، فيمكن ذكرها على النحو الآتي:

  1. إنّ القصائد التي نظمها الشعراء العراقيون في التغني بالثورة الجزائرية الكبرى، هي من أكثر القصائد التي قيلت من قبل شعراء البلدان العربية الأخرى.
  2. إنّ لكتاب "الثورة الجزائرية في الشعر العراقي" قيمة علمية وأدبية وتأريخية، فهي قد جمعت بين دفتيها (255) قصيدة لـ(107) شاعر وشاعر قيلت عن الثورة الجزائرية.
  3. تناول الشعراء العراقيون في قصائدهم عن الثورة الجزائرية موضوعات متعددة، مثل: وصف بطولات الثوار وأمجادهم في معاركهم، وجميلة ونضال المرأة الجزائرية، وفرحة إعلان الجمهورية وتحقيق الاستقلال ...الخ.
  4. تنوعت أشكال قصائد الثورة الجزائرية التي أنشدها الشعراء العرقيون، واتخذت أشكالاً متعددة، فمنها مَنْ سلك طريق الشعر العمودي، وآخر سلك طريق الشعر الحر، وآخر سلك طريق الملحمة، وآخر سلك طريق الموشحات وهكذا.
  5. إنّ الشعراء الذين نظموا قصائد عن الثورة الجزائرية كانوا متعددي المشارب، فمنهم الأستاذ الجامعي، والموظف الحكومي، والمدرس، والمعلم، والتاجر، وكذلك هم مختلفوا المذاهب والاتجاهات الايدولوجية إلاّ أنّ الثورة الجزائرية لعظمتها وتأثيرها في النفوس استطاعت أنْ توحد جهودهم في نصرتها والدفاع عنها.
  6. لم يكن المؤلف في كتابه جماعة للشعر والشعراء فقط، بل وجد في معظم الأحيان يطلق بعض الأحكام النقدية على القصائد التي نقلها، وهذا دليل على تذوقه للقصائد.
  7. كشف الكتاب عن مواهب كثيرة لشعراء عراقيين لهم قصائد من الممكن أنْ تنافس قصائد لشعراء كبار إلاّ أنّ الظروف لم تساعدهم في نشر نتاجهم، وإنّ هذا الكشف ليؤكد أنّ بيئة العراق الشعرية هي بيئة خصبة.
  8. إنّ الشعراء الذين ضمتهم الموسوعة لم يزوروا الجزائر إلاّ باستثناء نفر قليل منهم، وعلى الرغم من ذلك فقد وقف هؤلاء الشعراء جميعاً موقفاً واحداً في الدفاع عن كرامة الشعر الجزائري ونصرته في قضيته المصيرية، وهذا خير دليل على وحدة وتماسك الشعوب العربية.

وآخر دعوانا إن الحمد لله ربِّ العالمين

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

 

 

هوامش البحث

 



([1]) ينظر: العالم العربي والحديث والمعاصر: 1/129.

([2]) ينظر: الأدب الجزائري في رحاب الرفض والتحرير: 26-27.

([3]) ينظر: تأريخ الجزائر الحديث: 147، 150.

([4]) ينظر: العالم العربي والحديث المعاصر: 1/129.

([5]) ينظر: هذه هي الجزائر: 16.

([6]) ينظر: الأدب الجزائري في رحاب الرفض والتحرير: 29.

([7]) ينظر: الحركة الوطنية الجزائرية: 339.

([8]) ينظر: تأريخ الجزائر المعاصر: 2/10.

([9]) ينظر: تأريخ الجزائر الحديث: 235، ومن أعلام الحرية في العالم العربي الحديث: 430، والتأريخ الحديث والمعاصر للوطن العربي: 51، 75.

([10]) ينظر: التأريخ الحديث والمعاصر للوطن العربي: 75.

([11]) ينظر: الجزائر الثائرة: 120، 135.

([12]) ينظر: التأريخ الحديث والمعاصر للوطن العربي: 75.

([13]) نقلا عن الموسوعة الحرة (ويكيبيديا).

([14]) الثورة الجزائرية في الشعر العراقي: 1/5.

([15]) المصدر نفسه: 1/5.

([16]) الثورة الجزائرية في الشعر العراقي: 1/6.

([17]) المصدر نفسه: 1/6.

([18]) المصدر نفسه: 1/7.

([19]) المصدر نفسه: 1/7-8.

([20]) المصدر نفسه: 1/213-214.

([21]) المصدر نفسه: 2/477.

([22]) المصدر نفسه: 1/476.

([23]) المصدر نفسه: 1/212.

([24]) ينظر على سبيل المثال: المصدر نفسه: 1/315، 326، 495، 2/101، 103، 168، 291.

([25]) المصدر نفسه: 1/114.

([26]) المصدر نفسه: 2/168.

([27]) المصدر نفسه: 2/169.

([28]) من ديوان: اللهب القفى: 46.

([29]) الثورة الجزائرية في الشعر العراقي: 1/333.

([30]) المصدر نفسه: 2/225.

([31]) ينظر: المصدر نفسه: 1/378، 380.

([32]) المصدر نفسه: 1/213.

([33]) المصدر نفسه: 1/213.

([34]) المصدر نفسه: 2/475.

([35]) المصدر نفسه: 1/210-211.

([36]) المصدر نفسه: 1/211.

([37]) المصدر نفسه: 1/212.

([38]) المصدر نفسه: 1/215.

([39]) المصدر نفسه.

([40]) المصدر نفسه: 1/212.

([41]) المصدر نفسه: 1/214.

([42]) المصدر نفسه: 2/458.

([43]) ينظر: كوركيس عواد: 4-5.

([44]) ينظر على سبيل المثال: الثورة الجزائرية في الشعر العراقي: 2/69، 172، 336، 380.

([45]) المصدر نفسه: 1/215.

([46]) ينظر: المصدر نفسه: 2/481-482.

([47]) المصدر نفسه: 2/482.

([48]) ينظر: المصدر نفسه:  2/482.

([49]) ينظر: فصول في الشعر والنقد: 305.

([50]) ينظر: المصدر نفسه: 30، والنقد الأدبي الحديث في العراق: 238-240.

([51]) ينظر: الثورة الجزائرية في الشعر العراقي: 2/386-410.

([52]) ينظر: المصدر نفسه: 2/229-237.

([53]) المصدر نفسه: 1/272-279.

([54]) المصدر نفسه:  2/350-357.

([55]) المصدر نفسه: 1/334-339.

([56]) المصدر نفسه: 2/119-125.

([57]) المصدر نفسه: 2/299-302.

([58]) المصدر نفسه: 1/220-221.

([59]) المصدر نفسه: 1/255-256.

([60]) المصدر نفسه: 1/260-261.

([61]) المصدر نفسه: 1/327.

([62]) المصدر نفسه: 1/348.

([63]) المصدر نفسه: 1/238-242.

([64]) المصدر نفسه: 1/244-250.

([65]) المصدر نفسه: 1/255-258.

([66]) المصدر نفسه: 1/293-298.

([67]) المصدر نفسه: 1/301-314.

([68]) المصدر نفسه: 1/329-331.

([69]) المصدر نفسه: 1/388-396.

([70]) المصدر نفسه: 1/418-444.

([71]) المصدر نفسه: 1/447-459.

([72]) المصدر نفسه: 1/268-291.

([73]) المصدر نفسه: 2/150-158.

([74]) المصدر نفسه: 2/226-246.

([75]) المصدر نفسه: 1/479-482.

([76]) المصدر نفسه: 1/500-503.

([77]) المصدر نفسه: 341-345.

([78]) المصدر نفسه: 1/348-356.

([79]) المصدر نفسه: 1/367-385.

([80]) المصدر نفسه: 1/398-416.

([81]) المصدر نفسه: 1/461-467.

([82]) المصدر نفسه:  2/177-225.

([83]) المصدر نفسه: 2/304-310.

([84]) المصدر نفسه: 2/254-281.

([85]) المصدر نفسه: 1/41.

([86]) المصدر نفسه: 1/44.

([87]) المصدر نفسه: 1/247.

([88]) المصدر نفسه: 1/301.

([89]) ديوان النار والكلمات.

([90]) مجلة المعرفة: ج45، ص20.

([91]) جريدة التضامن العراقي: عدد 3.

([92]) الثورة الجزائرية في الشعر العراقي: 1/341.

([93]) المصدر نفسه: 1/83.

([94]) جريدة الاستقلال البغدادية: عدد 222.

([95]) جريدة اليقظة العراقية: عدد 25.

([96]) الثورة الجزائرية في الشعر العراقي: 1/329.

([97]) ديوان انشودة المطر.

([98]) الثورة الجزائرية في الشعر العراقي: 2/344.

([99]) المصدر نفسه: 2/452.

([100]) المصدر نفسه: 1/127.

([101]) ديوان كلمات طيبة.

([102]) الثورة الجزائرية في الشعر العراقي: 2/116.

([103]) المصدر نفسه: 1/377.

([104]) المصدر نفسه: 2/50.

([105]) المصدر نفسه: 2/309-310.

([106]) المصدر نفسه: 2/428.

([107]) ديوان اللهيب: 123

 

المصادر

أولاً: الكتب:

1-              النقد الأدبي الحديث في العراق، د. أحمد مطلوب، القاهرة، 1968م.

2-              فصول في الشعر والنقد، د. شوقي ضيف، دار المعارف، القاهرة- مصر، 1971م.

3-              ديوان النار والكلمات، عبد الوهاب البياتي، بيروت- لبنان، 1964.

4-              ديوان أنشودة المطر، بدر شاكر السياب، ط2، بيروت- لبنان، 1969.

5-              ديوان كلمات طيبة، الدكتور جواد البدري وآخرون، بغداد، 1958م.

6-              ديوان اللهيب، زهير غازي زاهد، مطبعة الأزهر، بغداد- العراق، 1962م.

7-              الثورة الجزائرية في الشعر العراقي، د. عثمان سعدي، دار الحرية للطباعة، بغداد- العراق، 1401هـ/1981م.

8-              ديوان اللهيب المقفى، حافظ جميل، بغداد، 1966م.

9-              كوركيس عواد، حميد المطبعي، ط1، دار الشؤون الثفافية، بغداد- العراق، 1987م.

10-         تأريخ الجزائر المعاصر، 1954-1962، د. محمد العربي الزبيدي، اتحاد الكتاب العرب، دمشق- سوريا، 1999م.

11-         من أعلام الحرية في العالم العربي المعاصر، أنور الجندي، دار المعارف، القاهرة- مصر، 1964م.

12-         تأريخ الجزائر الحديث، محمد خير فارس، مطبعة الفباء الأديب، دمشق- سوريا، 1969م.

13-         العالم العربي والحديث المعاصر، د. جلال يحيى، المكتب الجامعي الحديث، محطة الرمل- الإسكندرية، 2001م.

14-   الأدب الجزائري في رحاب الرفض والتحرير، د. نور سلمان، ط1، دار العلم للملايين، بيروت- لبنان، كانون الثاني (يناير)، 1981م.

15-         هذه هي الجزائر، حسين تريكي، تعريب: زكريا محمد عراقي، دار القاهرة للطباعة، القاهرة- مصر، 1958م.

16-   الجزائر الثائرة، محمد علي خليقة العيد، تعريب: خيري حماد، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، مطبعة البعث، قسنطينة، 1967م.

17-         الحركة الوطنية الجزائرية، أبو القاسم سعد الله، دار الآداب، بيروت- لبنان، 1969م.

18-   التأريخ الحديث والمعاصر للوطن العربي، د. محمد مظفر الأدهمي، ود. خليل إبراهيم أحمد، وجاسم محمد هادي، ط19، مطبعة الجمل، بغداد- العراق، 1431هـ/2010م.

 

ثانياً: الجرائد والمجلات:

19-         مجلة المعرفة، وزارة المعارف، السنة الثانية، 15 تشرين الثاني، 1962م.

20-         جريدة التضامن العراقي، العدد 3، 1960.

21-         جريدة الاستقلال البغدادية، عدد 2222، 20/8/1959.

22-         جريدة اليقظة العراقية، العدد 25، 1958.

 

Télécharger l'article