ملامح الثورة الجزائرية في الأدب العربي بين الفني والتاريخي

 

محمد خرماش

مكناس  المغرب 

1- طرح الإشكالية

               عرفت الجزائر في تاريخها الحديث والمعاصر أحداثا كثيرة استأثرت باهتمام المؤرخين والسياسيين وعلماء الاجتماع وغيرهم، كما تناولها الأدب شعرا وروايات وقصصا ومسرحيات وغيرها، ومن ذلك مثلا ما جمعه عثمان سعدي في كتاب:" الثورة الجزائرية في الشعر العراقي"، وقصائد سليمان العيسي في الثورة الجزائرية، ومقطعات حنا أبو حنا وسميح القاسم، وصلاح عبد الصبور ونزار قباني وغيرهم كثير؛ وفي الموضوع أعدت في المغرب أطروحات جامعية منها أطروحة بعنوان :" الثورة الجزائرية في الشعر المغربي" ، من إعداد الباحثة خديجة أكومي ، كما لا يخلو الإنتاج الروائي والمسرحي من إبداعات في موضوع الجزائر بعامة وفي الثورة الجزائرية على وجه الخصوص، مثل مسرحية "مأساة جميلة "لعبد الرحمان الشرقاوي، ومثل رائعة "خيول الشمس...ملحمة الجزائر" للأديب الفرنسي جول روا، والأمثلة العديدة من مختلف الأقطار العربية، تنضح بدلالاتها الأدبية والفكرية والعاطفية والتخييلية التي لا يخطئها التحليل الرصين .

      بيد أن السؤال الذي يظل قائما من وجهة النقد الأدبي في مثل هذه المناسبات هو ما يتعلق بحقيقة الخطاب الأدبي بعامة وكيف يمكنه أن يستوعب معطيات الواقع والتاريخ دون أن يتنازل عن خصوصياته التعبيرية والفنية أو يتحول إلى مجرد وثيقة تاريخية أو سياسية أو فكرية كما تريد بعض الدراسات المتسرعة في استخلاص  المضمون العام بكيفية سطحية ومباشرة  ومتعسفة  في التأويل.... ولا بد للدراسات المنصفة  لمثل هذه الإبداعات أن تستخدم المنهج الذي يحقق المعادلة الصعبة بين الشكل والمضمون أو بين الفن والفكر أو بين ما هو أدبي وما هو تاريخي كما في النصوص التي تعود مرجعياتها إلى الثورة الجزائرية  لكنها  قد انتهت إلى القارئ في صياغاتها الفنية المستقلة التي لا بد من مراعاتها والاحتفاظ عليها.

ومن ثمَّ تجدر الإشارة بدءا إلى قضية العلاقة بين الأدب والتاريخ أو بين الفني والتاريخي ،    إذ الأدب كما يقال:  "صياغة فنية لتجربة بشرية"، فأمّا الصياغة الفنية ففيها كلام يطول ولا يسعه المقام، وأما التجربة البشرية فقد تكون تجربة الكاتب وقد يستوحيها من المجتمع أومن الوقائع التاريخية، وبذلك يتفاعل نظام الأدب مع نظام التاريخ كما يتفاعل مع غيره من الأنظمة في عملية تناص كبرى لا تجوز إلا له ولا يليق إلا لها.

ومن ثَمَّ أيضا البحثُ عن المنهج الذي يحقق الانسجام المطلوب بين طبيعة الأثر الأدبي ووظيفته، كما قد يتسنى في النظرية الاجتماعية بمختلفِ مراحلِها وتعديلاتهِا، وباعتبارها الوريث الشرعي لكلٍّ من النقد التاريخيِّ والنقد الواقعيِّ مطعمةً بالمفاهيمِ النصيةِ والسوسيونصيةِ المعاصرةِ.

       ولا أظننا بحاجة إلى التذكير بأن أصول هذه النظرية تعود إلى الفكر اليونانيِّ القديمِ وبخاصةٍ إلى مفهومَي " المحاكاة" Mimésis و مشابهة الواقع "Eikos" اللذَين كان لهما تأثيرٌ كبيرٌ في نظرية الأدب والفنِّ وفي التأكيد على تجذرهما في البيئات الاجتماعيةِ كما تؤطرُها الوضعياتُ الزمانية والمكانية…

 وقد عمِلت التعديلات اللاّحقة على تجاوزِ مفهومِ التوصيفِ التاريخي والاجتماعيِّ في العمل الأدبي إلى ما يُقرِّب الفهمَ بين المُتخيَّلِ والواقعيِّ، وبين لغةِ التصريحِ ولغةِ التلميح؛ ومن ثمَّ  اتجاهُ التفكير النقدي إلى التلاحمِ القائمِ بين القيمِ الجماليةِ والقيمِ الاجتماعيةِ في الأدب، والى تقديرِ خصوصيةِ الخطابِ الأدبيِّ الذي يتضمنُ حقيقةً اجتماعيةً في حقيقةٍ فنيةٍ، وعلى الناقد الحصيفِ أن يتسلّحَ بالمفاهيمِ والإجراءاتِ التي تمكنُه من حَلِّ تلكَ المعادلةِ الصعبةِ، مثلَ مفهوم الوسائطِ ومفهومِ التناصِّ ومفهومِ الذاتِ المبدعةِ، والتي من شأنها أن تكشفَ عن ميكانزماتِ استثمارِ الحقيقةِ الاجتماعيةِ في التركيبة الأدبية، فلا يتخلى الأدبُ عن أدبيَّتِه ولا يتحولُ إلى وثائقَ تعيينيةٍ. ولعل مفتاحَ المفاتيحِ في هذه التعديلاتِ هو معرفةُ اللغةِ التي تمُثل دائما وحتى في أدنى حدودِها وقائعَ اجتماعيةً وأصواتا إيديولوجيةً كما يقول"باختين"، وهذا المنظور هو ما دفع الدراساتِ السوسيونصيةَ المعاصرةَ إلى أن تبدأ من الدليل الاجتماعي في اللغة لتنتهيَ إلى جوقةِ المدْلولاتِ المتراكبةِ في النص الأدبي بحسبِ توليفاتِه الجامعةِ؛ ولذلك تستعينُ بفلسفة اللغة وبالأبحاث اللسانيةِ والسوسيولسانية وبالتاريخ والأنتروبولوجيا وعلمِ الدلالة وغيرِها من أجل أن تُقاربَ إشكاليةَ الأدبِ ومرجعياتِه، فتحفظَ له بُعدَه الاجتماعيَّ دون أن تَسلُبَه حقَّه الجماليَّ.

    وباستثناء بعضِ الأطروحات الجامعيةِ القليلةِ،أو بعضِ الكتاباتِ المعدودةِ، فقد يجوز القولُ بأن النقد العربي لمَّا يتجرأ كثيرا على هذه النظريةِ في صيغتِها السوسيونصيةِ، وما زال يستسهلُ الصيغةَ التقليديةَ التي تقول باستخلاص المضمون الاجتماعي المباشرِ من النص الأدبي بكيفية تقديريةٍ استنتاجيةٍ وكفى.

وعلى كل فمن المعروف أن العلوم الإنسانية تتداخل وتتفاعل فيما بينها، ومن ذلك ما تعرفه علاقة الأدب بالتاريخ والتاريخ بالأدب، وهي علاقة صميمة وقديمة وحميمة، إذ لم يقم أدب بدون تاريخ ولم يقم تاريخ بدون أدب،وكثيرا ما اعتمد المؤرخون على مصادر أدبية من أجل إقامة تاريخ مّا ، كما اعتمد النقاد ويعتمدون على التاريخ من أجل مقاربة نصوص أدبية وفهمها، وخاصة حينما تكون محاذية للتاريخ أو مسترفدة منه، أي تمتح من أحداثه ووقائعه، أو تتخذها موضوعا للتسجيل أو الإشادة أو الاستنكار، لكن الأدب وبحكم خصوصيته في التعبير وإمكانياته في توظيف اللغة وتفجير طاقاتها الإبداعية، لا يمكن أن يكون نقلا حرفيا أو انعكاسا مباشرا للواقع أو للتاريخ مهما كان متشبعا به أو مندمجا فيه أو معه، فهو لا يقدم لنا التاريخ أو الأحداث كما هي ، وإنما يستغورها ويحاول إدراك كنهها وأبعادها، فينتقي منها ما يرى له أهمية وتأثيرا،ويلفه في صياغته الإيحائية الجميلة ثم يخرجه إلى المتلقي في شكل جديد وربما على قدر غير قليل من الغموض أو الاستعصاء، وبذلك يحقق للخطاب الأدبي حقيقته وتميزه وخصوصيته، ويحقق للخطاب التاريخي أثره ومفعوله ودروسه. ومن ثم فلا ينبغي أن ننتظر من الأدب أن يكون تمجيدا فجا أو دعاية مباشرة أو خطبة رنانة،وإلا انقلب السحر على الساحر، فيضيع الأدب ويضيع التاريخ . صحيح أن التاريخ رافد مبجل وخاصة إذا كان تاريخ الشعوب والثورات وتحقيق الانتصارات، وصحيح أن بعض الفنون التعبيرية الحديثة قد استمسك به ونُسب إليه مثلما نقول سيرة العظماء أو السيرة الذاتية أو الرواية التأريخية، وصحيح أن بعض الأدباء والقصاصين كانت له سجلات ببعض المعلومات التي يستثمرها في كتاباته، لكن الحصيلة في المنتج الأدبي لا تأتي أو لا ينبغي أن تأتي وقع الحافر على الحافر كما يقال،وإنما هي تمثلات وتمثيلات قد تنطلق ممّا كان لاستشراف ما  قد يكون أوما ينبغي أن يكون؛ وإذا كان الواقع والوقائع بمثابة المرجع الأساس أو الإحالات المقصودة في النص الأدبي  فهو قادر وقد عمل على امتصاصها ودمجها بطريقة الأسلبة والتدليل حتى لتكاد تبهت أو تختفي وراء المكونات الفنية والجمالية ولا تُكتشف إلا بعملية تحليل دقيق واستقراء حصيف لسلسلة المدلولات المتضافرة في تداعيات تركيبية معقدة .

2- أصداء ثورة الجزائر في الأدب العربي:

       شكلت الجزائر والثورة الجزائرية موضوعا وموضوعة في كثير من الإبداعات العربية وغير العربية كما أسلفنا ، وقد كانت استجابة الأدب العربي استجابة وجدانية بالأساس لأنه كان طافحا بالإحباطات والخيبات،ولأن الظرفية المساوقة كانت محرجة ومشجعة كذلك ،  فوجد في موضوع الثورة وفي أبعادها التاريخية والسياسية والجيو سياسية مرتكزا للتغني بما يعيد له الثقة في النفس وبما يمكن أن يُرهص بواقع مغاير وبمستقبل أحسن ، ولذلك فقد اعتمد لغة الصراع والملاحم، وصور البطولات والتضحيات والانتصارات في تكوين بنياته وتضمين رؤيته لحركية التاريخ الجديد. وسنحاول استعراض بعض النماذج فقط، ومعرفة مقدار التلاقح بين الفني والتاريخي في تركيبتها الإجمالية ، وكيف اشتغلت الصناعة على مادة التصنيع...

-  في الشعر:

 وسنبتدئ بنموذج أو اثنين من كتاب عثمان سعدي:"الثورة الجزائرية في الشعر العراقي" حيث يورد قصائد كثيرة ومختلفة من حيث المستوى والجودة والتركيب،وقد تناولت الثورة في أبعادها وأمجادها وأبطالها وبطولاتها ورموزها مثل الأوراس ومثل الجميلات (جميلة بوحيرد، وجميلة بوباشا، وجميلة بوعزة) وغيرها، ومنها قصيدة للجواهري جاء في مطلعها:

رِدِى علقَم الموتِ لا تجزعي

 ولا ترهبي جمرةَ

    فما سَعُرَتْ جمراتُ الكفاحِ لغـيرِ خلـيقٍ بـها أروعِ
       دعي شفراتِ سيوفِ الطغاةِ تُطبِّقُ منكِ على المقطـعِ
  فأنشودةُ المجدِ ما وقِّعـتْ على غير أوردةٍ قُطَّــعِ

وهي قصيدة حماسية تستخدم لغة التحريض والتشجيع على التضحية وتحدي أخطار الحرب مهما كانت صعبة ومجابهة الموت مهما كان قاسيا،لأن ذلك هو السبيل الأمثل لبلوغ المجد وتحقيق الذات، وفي استعارات كثيرة يعبر المقطع بالمعروف شدته في الحياة مثل العلقم والجمرات والشفرات، ويصور عملية الاستبسال والاستشهاد من أجل الهدف الأسمى كأنها قطعة موسيقية بإيقاع فريد ، فيعتبر أن "أنشودة المجد" لا توقع إلاَّ على الأوردة النازفة، وهي صورة غريبة وموجعة، لكن الشاعر يستثمر فيها واقع مجريات الحرب الضروس ليخز بذلك ضمير العالم والناس ، وتلك مطية الأدب وهو يلتحم بمعطيات الكفاح والتاريخ. 

ومن ذلك أيضا " النشيد القومي العربي" الذى نظمه الشاعر صفاء الحيدرى ولحّنه الموسيقار

 علاء كامل لدار الإذاعة العراقية وفيه:

هذا النجيعُ الأسودُ المتخثِّرُ القاني الطهورْ
هو من دمائك يا جزائرُ مشعلٌ حيٌّ ونورْ
من ضوئه القُدسيِّ تستهدى الشعوبُ وتستنيرْ
فى كلِّ وقتٍ أو زمانْ، فى كلِّ آنْ
فى القدس أو فى حضرموت وفى الجزائر أو عُمانْ...

 

وهو ينطلق كذلك من تسجيل ما اقتضته الثورة من تضحيات ومن استرخاص للدماء القانية التي ستنير دروب الحرية والانعتاق، فيمتح من لغة الاستشفاف والاستشراق وكأن حالة، الاستعمار والاستبداد ظلمة حالكة لا تنيرها إلاَّ الدماء الزكية التي تستهدي بنورها الشعوب المقهورة في كل زمان وفي كل مكان ؛ فالمرجعية هي مرجعية الجزائر المناضلة ومرجعية أوطان مغتصبة، لكن بناء النشيد يعتمد ألفاظا مستعارة متصادية مثل النجيع الطهور، ويركبها في صور مبتكرة مثل الضوء القدسي الذي ينبثق من دماء الشهداء لينير طريق  المجاهدين، وهكذا تشتغل الوظيفة الشعرية بنسقها الفني الخاص لتحيل على الوظيفة المرجعية بنسقها التاريخي العام...

ويقول الدكتور عثمان سعدي في كتابه الذي قدمه الدكتور علي ألقاسمي تقديما بارعا عن قصيدة المرحوم حميد فرج الله " في عيد استقلال الجزائر 1962" إنها " من أجمل ما نُظم في هذه المناسبة ".
وتقع هذه القصيدة فى 33 بيتاً ألقاها الشاعر فى مهرجان عُقد بمدينته احتفاءً باستقلال الجزائر:
بُشراكِ وهران حيّا اللهُ وهــرانَ هيا احصدي ثمرات النصرِ ألوانا
يجنى الثمارَ، ثمارَ المـجدِ، يانعةً مَن يزرعُ الأرضَ أبطالاً ونيرانا
نحن الذين غمرنا الأرضَ من دمنا فأثمرَ النصرُ من أشلاء قتـلانا
للّهِ طلابُ مجــدٍ لن يضيعً لهم حقٌّ وما عرفوا فى الحقِِّ خِذلانا
للهِ درّك من شـعب تثور بـهِ حميّةُ العُربِ ما لانت وما لانـا
يستبسـلُ الصيدُ من أبطالهِ أبداً لا يرتضون له ذُلاً وإذعـانـا
بوركتِ يا قلعـةً للعُربِ صامدةً وبارك اللهُ من وهرانَ شُبّانـا

وفي هذا المقطع ثلاث سمات بارزة تسجل دور الفضاءات في بنيته الفنية ،فالتحية بدءا لوهران المجاهدة التي زرعت بطولات أثمرت انتصارات ، كما تسجل إصرار الثورة والثوار على تحقيق النصر الذي هم أهل له وأحق به، ومن طبيعة الأمور ومنطق الأشياء أن تكون الغلبة لصاحب الحق الذي يدافع من أجله.

 وبطبيعة الخطاب الأدبي فلم يقدم الشاعر هذه المعطيات التاريخية مباشرة وإنما توسل بوسائل شعرية تشبيهية إيحائية فجعل الحرب المقدسة شجرة قوية تُسقى بدماء زكية فتثمر أمجادا خالدة وانتصارات باهرة ، وهكذا يقول الشعر شيئا ويعني أشياء.ا ولشدة اندماج الشاعر مع موضوعه فهو يدعو للشعب القدوة بالخير والبركات وبذلك يقرر حقيقة التاريخ المبجل بأحرف الشعر المتوهج...
 وقد سمي الشاعر السوري سليمان العيسي كذلك  شاعر الثورة الجزائرية لأنه قال فيها حوالي  سبع و ثلاثين قصيدة جاء في إحداها بعنوان "ميلاد شعب":

سر معي فوق الدروب الحمر نستهدي الأضاحي
يلتقي المشرق و المغرب فيها بالصباح
في ثرى تونس, في مراكش, عبر البطاح
و الصحارى الجرد, كم نسر تردى و جناح
حنت الشام تشد الجرح منه بالجراح
أيها الساقون في “الأوراس” ساحات الكفاح
بدماكم أورق الفجر على حد السلاح
******************
لكأني أبصر الغصب مسعور النياب
ينشر الموت على شعبي في كل الدروب
جثث تنهال, أطفال على أشلاء شيب
و عذارى في حراب الجند أوصال جيوب
قطعت بين ارتعاشات شهيق و نحيب
أيها السفاح, ضاق الغدر بالجرم الرهيب
لحظة…وانقض بركان من النيران فاجر
صمتوا, كي ينطقوك اليوم يا أرض الجزائر
و تكلمت, فهز الدهر أصوات الرفاق
ضربوا فوق الذرى السمراء و عدا للتلاقي
أيها المجد, لقد عدنا, فهيء للسباق
لم يعد في وطني في ساحات الفتح عبيد
في ذرى الأطلس فجر راح ينشق جديد
ألف سفاح على خفقته البكر يبيد
******************
أيها العبء الذي يجثو على صدر بلادي
أيها المستعمر الماضي إلى غير ميعاد
عبثا تشحذ أظفارك حمرا للحصاد
موجة البعث…تنصت…إنها في كل واد
تتحداك….جهادا ذاب في نار جهاد
أيها المستعمر الماضي: إلى غير ميعاد

ألقيت في العاشر من تموز/يوليو 1955

وهنا أيضا نجد التاريخ يتلبس بالفن فلا نقرأ سردا للأحداث وهي تستحق ذلك، لكننا نعيشها من خلال توصيف أجوائها ومناخاتها بطريقة إيحائية وغير مباشرة لأن الأدب لا يقدم الواقع على طبق من فضة وإنما يقدم ما يساعد على إدراكه بجهد ممتع وجميل. إن الشاعر يستعدي حضورا لأمكنة القوي ورمزيتها الدالة وإشعاعها الوجداني من أجل تحريك المشاعروالأفهام، والضرب على وتر الارتباط الوطني المقدس الذي يقدح زناد النُّعرة القومية الصارخة المتهيئة لمواجهة كل غاصب شرير أو معتد أثيم يوغل في العدوان والتنكيل، بكل شدة وحزم وصرامة حتى لا يبقى مطمع لطامع ولا مكان لمستعمر أو مستعبد أو جائر. لقد زاوج الشاعر بين التصريح والتلميح ، فهناك موت وجثث وأشلاء وشهيق ونحيب ، لكن التصدي بركان ونيران وفتح وشروق ، وما على المستعمر الغاصب إلا أن يرحل مذؤوما مدحورا وإلى أبد الآبدين. إن التاريخ يكتبه السيّاف والشعر يكتبه العرّاف .ا وحينما يتعانقان فإن القارئ يستمتع بالفن لغة وخيالا وعاطفة وأسلوبا ويستمرئ التاريخ أحداثا وعظمة وجلالا.

- في المسرح:

        المسرح أبو الفنون كما يقال ولا يمكن أن يكون هناك حدث في مثل أهمية الثورة الجزائرية ولا يجد له صدىً في الإنتاج المسرحي، إن على المستوى الوطني أو العربي أو العالمي، ولعل من أجود ما أنتج في الموضوع وما له صلة أيضا بالشعر هو المسرحية الشعرية التي كتبها عبد الرحمان الشرقاوي تحت عنوان:" مأساة جميلة " سنة 1961 وعرضت بالمسرح القومي المصري سنة 1962 بإخراج حمدي غيث ، وهي قائمة على قصة نضال جميلة بوحيرد و صمودها وصبرها وتضحياتها، وتتخذ من شخصيتها رمزا أسطوريا يرفعها إلى مصاف الأبطال العظام كما في التراجيديات الكبرى التي ربما كان أكثرها من صنع الإبداع والخيال، في حين أن "مأساة جميلة" تستلهم حقيقة الواقع والتاريخ، ووقائعها من الأفعال النبيلة السامية أصلا وحقا، والتي  تَخلُد في الوجدان وفي  العقول وفي التاريخ. وقد  صور فيها الشرقاوي  مدى صلابة وقوة شخصية تلك الفتاة الطالبة الرقيقة الجميلة التي اختارت التطوع للعمل الفدائي والانضمام إلى خلية صغيرة من المجاهدين، والتي كانت تشيع جو التحريض على الأنفة والوطنية والغيرة والشجاعة والتصدي للمستعمر الغاشم بالمواجهة والسلاح، و لمّا اعتقلت كانت تواجه بالتحدي والصبر على التعذيب وعدم تمكين الجلاد مما يريد انتزاعه من اعترافات بجميع أنواع الاستنطاق، و أثناء المحاكمة الصورية كانت تفحم هيأة المحكمة المصطنعة  بالمنطق الصارم  والتاريخ الشاهد والحجج المبكتة . هذا عن موضوع المسرحية ومضمونها وأما عن تمثلاتها الفنية لهذه الحقائق التاريخية فهي من المسرح الشعري أو الشعر المسرحي الحر الذي يعتمد الإيقاع داخليا وخارجيا، ويؤسس المشاهد المثيرة واللوحات العنيفة، ويرتكز على التوازنات الأسلوبية القوية ، كما يوظف لغة حماسية من حقل الكفاح والتحريض الذي هو السمة الغالبة، ولغة الخطابة والإقناع الذي يعتمد بلاغة الحجاج القوي بالاستدلال والنصح والتمثيل وتأكيد وجهة النظر والضرب على وتر النعرة الوطنية ونخوة الرجولة والشهامة والغيرة وما إلى ذلك. تقول جميلة محرضة عمها :

                      " أنا لا أبالي سأظل أصرخ وأصرخ كي أحرك نخوتك

                         وأثير فيك عروبتك     قم يارجل

                          أطلق صراخ الاحتجاج على الأقل

                          ما كل هذا الصمت  .. هل هرب الدم العربي منك؟( ص 99)

وهي لغة خطية مباشرة تجمع بين الحجاج والاحتجاج والعتاب والتقريع لكنها تمتح من قاموس التمرد والرفض وعدم الاستسلام للواقع المفروض، وفي لهجة تتسم بالعنف والصرامة والعزم الأكيد:" سأظل أصرخ...قم يا رجل...الخ" ومن الوجهة السوسيو لسانية فهي ألفاظ ذات حمولات ثورية وتمثل إيديولوجية المقاومة والتحدي ، لكن تركيباتها الشعرية لا تخلو من استعارات فنية مثل قولها " أحرك نخوتك" وكأن النخوة شيء ملموس يمكن هزه وتحريكه ، وكأن عملية التحريك  يمكن أن تقع حتى على شيء في النفس أو في الطبع أو في الوجدان، وهي صورة لقوة الدفع والإثارة تجمع بين ما هو مادي وما هم معنوي، وقولها" هل هرب الدم العربي منك؟" وهي صورة قاسية أيضا لأن هروب الدم وكأنه شيء حي وعاقل وذو إرادة، يوحي بنفوره من كيان لايستحقه،كما يوحي بتركه الجسم ممتقعا منهارا وربما ميتا أو كالميت، ولما كان هو الدم العربي فالانزياح مركب والدلالة أقوى على التخاذل والاستكانة والانصياع،  لأن الدم العربي(ومعناه الإحساس القوي بالشرف والكرامة وعزة النفس) دم ساخن وفوار ولا يتعايش مع الجبن والذل والمواقف السلبية،وهروبه يعني فقدان صاحبه لهويته وأصالة شخصيته، وهي معرةٌ، الموتُ أهون من الاتصاف بها، والمقصود في الخطاب على كل حال هو تحريك السِّكِّين في الجرح والضغط على مكمن الإحساس لتحقيق الاستجابة المطلوبة وهي المرجعية الأساس. على أن العم لم يكن بمثل ما ظنت من التواكل والجحود وإنما كان مجاهدا مُداريا لوطنيته ولا يريد لاندفاعها أن يوردها موارد غير محمودة ، وستُفاجأ بانتسابه وانتساب آخرين من محيطها لشعبة المقاومين فتفرح وتضطرب وتزداد شجاعة وعزما وإيمانا بالقضية، وعلى أي ففصول المسرحية عبارة عن لوحات فنية "تُشاكل" أحداث التاريخ وتعكس إرهاصات الثورة، وقد بلغت ذروة التمَثل الجيد في فصول المحاكمة حينما أنطقت الظنينةَ جميلة باستشهادات من سلوكات المستعمر وتواطؤ القضاة تُسَوّد وجه فرنسا الحالك وتمرغ تاريخها المنكر في الوحل، وقد ختمت بحوار أغنية أو حوار نشيد بين بطلين خالدين في ضمير التاريخ والأجيال هما جاسر وجميلة المحكوم عليهما بالموت وهو رمز للحياة لأنه في سبيل الحق ومن أجل الوطن:

          جميلة: الوداع ..يا..

          جاسر: الوداع

          جميلة: والتحيات إلى الإنسان في كل مكان

   وهما معا والجنود يجرون كلا في اتجاه: وسلام لأخي الإنسان في كل مكان..وزمان.ا

  ولعل ما يُقرن بهذا، والشيء بالشيء يذكر، ما جاء في قصيدة نزار قباني الرائعة في جميلة بوحيرد حيث يقول:

                         الاسم جميلة بوحيرد

                         أجمل أغنية في المغرب            

                          أطول نخلة

                        لمحتها واحات المغرب 

                         أجمل طفلة

                        أتعبت الشمس ولم تتعب

                        ياربي. هل تحت الكوكب   يوجد انسان؟ (الأعمال الكاملة)

فالصورة متشابهة لأن الموضوع واحد والرفد واحد والمرجعية التاريخية واحدة، إلا أن لغة المسرحية عنيفة متصلبة لأنها متراوحة بين الضحية والجلاد، بين إصرار المناضل وتعنت الغاصب، ولغة القباني رقيقة توصيفية شاعرية تستجدي القلوب والانفعالات والمشاعر لكن المستهدف في نهاية الخطاب هو الإنسان وضمير الإنسان وإنسانية الإنسان..ا

  في الرواية:  

       كثيرة هي الروايات التي اتخذت من الجزائر أو من الثورة الجزائرية موضوعا لها، ولا نتحدث عن الأدب الجزائري مكتوبا بالعربية أو بالفرنسية ،فهو حافل بعطاءات جمة ومتميزة تعرض بصورة أو بأخرى وقائع الاستعمار والكفاح وحتى ما بعد الاستعمار، لكننا نشير فقط إلى ما زخرت به الرواية العربية في مختلف أقطارها ، من اتصال مباشر أو غير مباشر بأحداث الجزائر بعامة أو بأحداث الثورة ومواجهة الاستعمار على الخصوص ، كما أقيمت دراسات كثيرة حول روايات جزائرية أو عربية ذات صلة بالموضوع، الأمر الذي جعل موضوع الثورة الجزائرية ماثلا بشكل قوي في الإنتاجات الروائية إن على مستوى الإبداع أو على مستوى النقد ، والأمثلة كثيرة نكتفي منها بنماذج أو إشارات إلى مضامين بعضها وكيف تضمنتها ، كي نلامس علاقة الرواية بالتاريخ أو خصوصية الرواية التاريخية، وهي الإشكالية الأقرب إلى جدلية التاريخ والفن في الإبداع الأدبي.  وهناك قاسم يكاد أن يكون مشتركا بين الروايات التي تناولت هذا الموضوع  أو التي كان التاريخ القريب قائما في أذهان مبدعيها ، وهو العمل على تضمين صورة المستعمر الغاشم وصورة المقاوم الباسل بالسلوك والمواقف وبالأحداث والوقائع وحتى بالفضاءات والأماكن والأزمنة والذكريات والتجارب؛ فرواية حيدر حيدر " وليمة لأعشاب البحر" مثلا التي كتبت في الجزائر والتي أقامت الدنيا ولمَّا تقعدها بسبب جرأتها الموضوعاتية وتطاولها على بعض الطابوهات ، لا تخلو من مقاطع بليغة  في معاني الكفاح والاستبسال من أجل الكرامة والانعتاق ، وهي ولا ريب من وحي الأرض الساخنة التي أنبتتها ومن وحي التاريخ الحي الذي لفها بقوة الدفع المستمرة. من ص 264 الى ص267 من الرواية سرد مثير لقصة أحد أبطال الثورة الذي هرب بسلاحه من ثكنة الجيش الفرنسي فطورد وقبض عليه وعذب حتى الجنون ثم رسم خطة شُجاعة في المستشفى فقتل الحراس واستولى على أسلحتهم والتحق بالجبل حيث استقبل بالأحضان واستحق لقب ثوري بامتياز،و" بعد الترحيب تراجع وأدى التحية العسكرية ثم قدم البنادق الخمس وانحنى خاشعا كمن يصلي وقبل تراب الأرض"(ص267). هل كان ذلك كذلك أم لم يكن ، علمه عند الله والتاريخ لكن الأدب الروائي يقدمه لنا كأنه هو أو كما يمكن أن يكون أو كما ينبغي أن يكون ، وقد نجد تأثيره في النفوس وفي الدروس أبلغ وأعمق وأفيد وأقوى....  

وفي المجموعة الأولى للروائية السورية غادة السمان "عيناك قدري" الصادرة سنة 1962  يبدو الأجنبي الكاسر في المستعمر الفرنسي، بممارساته الوحشية، وانحطاط قيمه كما في قصتي "مغارة النسور" و"براري شقائق النعمان"، حيث تستند الأولى إلى قصة مناضلة جزائرية، كانت تعمل  لدى ضابط فرنسي سكّير، فتراقب حركاته وسكناته، وتجمع المعلومات لتنقلها إلى الثوار، ومن ذلك مسألة قطع الآذان من أجل مكافأة تقدمها سلطات الاحتلال. تقول المناضلة "بسمة": "ثلاثة أعوام وأنا أشهد قراصنة فرنسيين يقبضون ثمن صناديق معبأة بالقطع الغضروفية". وتستمر القصة في سرد مظاهر وحشية المستعمر الفرنسي والتي ستعود عليه بالويل والثبور كما تعتقد تلك المناضلة:

 "وأرى اللهيب والعواصف تهزّ برج إيفل، وأرى الثلوج حمراء دامية التهطال".‏

والمعنى طبعا يعود إلى العمليات الفدائية التي ستلحق به الهزائم النكراء، لكن ما بين الفن والتاريخ صور الاستعارات الموحية التي تقدم الإخبار عن طريق التمثلات التي تحتاج إلى فك ترميزاتها وقراءة أبعادها المنضوية في ثنايا التدليل والأسلبة والتكثيف والانزياحات المختلفة كما العواصف التي تهز برج إيفل والثلوج "الحمراء"التي تتساقط على"السين".

و في قصة "براري شقائق النعمان" صورة مرتزق ألماني التحق بالجيش الفرنسي بعد ارتكابه جريمة شنعاء، مما يعني أن ذلك الجيش كان موئلا لشذاذ الآفاق الذين يتربص بهم الموت الزؤام ، كما يتربص العار والشنار بسمعة فرنسا الغاصبة .

 وعلى أي فالمواجهة قائمة بشراسة ضد الأجنبي المعتدي إما عسكريا بلا ضمير أو غانية بلا أخلاق، وتلك هي الحقيقة التاريخية التي تطل من وراء الحقيقة الفنية في صرح البناء الروائي المشيد...

ومن المعلوم أن الرواية قد نافست التاريخ زمنا طويلا في استيعاب وتوصيل الوقائع الاجتماعية، وكانت معتمد كثير من المؤرخين في تسطير معالم الأحداث الجارية، وخاصة على عهد الواقعية التسجيلية والطبيعية وما إليهما، حينما كانت الموضوعية والصدق والأمانة واستقصاء الدقائق والتفاصيل والجزئيات من أبرز سمات الواقعية في الرواية لتكون واقعية حقا وصدقا، وكثيرا ما هدم النقد روايات جمة بسبب ثبوت مخالفتها الصريحة لحقيقة علمية معروفة أو معلومة تاريخية موثقة، ولم تكن شطحات الخيال أو المبالغات الأدبية قد حصلت بعد على شهادة المقام في عالمها الفسيح؛ أما اليوم فقد تنازلت الرواية عن تلك المسؤولية الاستعراضية الصارمة من أجل أن تتفرغ لبناء عالمها التكويني الخاص، ولم تعد صلتها بالتاريخ وأحداثه إلا كصلة الصانع بمادته الخام التي سيُجري عليها من حذقه ومهارته ما قد يحولها إلى شيء جديد لكنه لا يستطيع أن يطمس عناصرها الأولية أو مكوناتها الأساسية، وعلى الخبير بالصنعة والسلعة أن يكتشف جوهرها وعَرَضها، أو مبتداها ومنتهاها، ومن ثمَّ السؤال المشروع عن مدى تاريخانية الأدب وأدبية التاريخ...

وهكذا يمكن القول بأن الأدب العربي شعرا وسردا ومسرحا قد تفاعل تفاعلا وجدانيا وفنيا مع أحداث الثورة الجزائرية فاستقطبها من حيز التاريخ العام كي يصنع منها نشيدا قوميا تصدح به الأجيال على مر الأحقاب، و لوحات شفافة تقرؤها الشعوب عبر العصور والأزمان .... 

 

Télécharger l'article