نظرية التحليل البنيوي للنص الشعري في كتابات

النقاد العرب المعاصرين

 

 بشير تاوريريت

–بسكرة- (الجزائر)

 

ملخص المداخلة:

 

يقف القارئ في هذه المداخلة عند أهم الأفكار أو الآليات النظرية لمشروع التحليل البنيوي للنصوص الشعرية، وذلك من خلال تسليط الأضواء على مختلف المجهودات النقدية العربية الهادفة إلى تأسيس نظرية بنيوية متماسكة. وقد جرى التركيز في هذه المداخلة على كتابات عبد السلام المسدي ويمنى العيد ومحمد بنيس وصلاح فضل، وتبعا لذلك فقد عملنا على هندسة وتصميم أفكار هذه المداخلة في المحطات التالية:

-  توطئة: إرهاصات التحليل البنيوي للنص الشعري.

- التحليل البنيوي للنص الشعري في كتابات يمنى العيد ومحمد بنيس.

- التحليل البنيوي للنص الشعري في تصور صلاح فضل.

- نقد ومناقشة.

 

في البدء يجب الاعتراف أنه ليس ثمة قواعد أو آليات بنيوية محددة أو مضبوطة ينتهجها الناقد البنيوي في مقاربة النص الأدبي فقد غدا من المحال العثور ـ داخل المؤسسة البنيوية ـ على قواعد أو مبادئ تمكننا من القبض على جماليات نبض النص في عنفوانه وتمرده. الأمر الذي جعل النصية تمارس سحرها اللامحدود. أمام المادة النقدية، وتبعا لذلك نشأت مطاردة خطيرة بين مختلف الاتجاهات النقدية والنص الأدبي في رحلته وترحاله إلى عالم سحري يتسم بالغرابة واللااستقرار، في مكان ثابت ومعلوم وليس ذلك بغريب ما دامت القصيدة الشعرية هي قصيدة الارتماء في المجهول، وبرغم هذا الاستعصاء بين النقد والنص الأدبي فقد حاولت البنيوية باتجاهاتها المتباينة ـ أن تعلن ترشحها في مسابقة القبض على الأرواح الجمالية المتمردة في عالم النص الأدبي.

إن التحليل البنيوي تحليل ينبثق من النص نفسه، وذلك عن طريق تأمل الناقد عناصر النص وطرق أدائها لوظائفها وعلاقات بعضها ببعض دون أن يتجاوز حدود النص إلى أي موقع آخر.و البنيوية لا تؤمن بفكرة الفصل بين ثنائية (الشكل والمضمون) فهما يستحقان العناية في التحليل، إذ إن المضمون يكسب مضمونيته من البنية، وما يسمى شكلا ليس في الحقيقة سوى بنية تتألف من أبنية موضعية أخرى توحي بفكرة المحتوى([1]).

أما إجرائيا فإن البنيوية تتيح للناقد القيام بعملية مزدوجة هي الاقتطاع والترتيب،أي أنها تتوقف عند جزء من النص ترى فيه بنية موضعية للكشف عن وظيفة هذا الجزء وصلته بالأجزاء الأخرى وتأثيره في الكل وتأثره به.

و تحاول "يمنى" العيد الاقتراب من مدار المقاربة البنيوية للنص الأدبي، حيث تحاول تعرية المادة الجمالية للنصوص الأدبية، وفي ضوء المنهج البنيوي ـ من خلال سؤال مؤداه: كيف يقارب إذا المنهج البنيوي موضوعه الذي قد يكون النص الأدبي؟. وتقدم جوابا لهذه المسألة الحائرة فتنيط اللثام عن ضرورة التمسك بأدوات وآليات ذات طبيعة بنيوية، وأول خطوة في المنهج هي تحديد البنية أو النظر إلى موضوع البحث كبنية مستقلة. وقد تكون هذه البنية نصا شعريا واحدا أو رواية... إلخ.

وترى "يمنى" أن دراسة هذه البنية (المجتمع أو النص أو مجموعة نصوص) يشترط عزلها عن مجالها الذي هو بالنسبة لها خارج وهي خطوة أساسية؛ لأنها خطوة التحضير للعمل أو خطوة ما قبل الدخول إلى المختبر. أما الخطوة الثانية فهي تحليل البنية ويشترط في هذا التحليل أن يكون الناقد البنيوي متسلحا بالعلوم التي تخص موضوعه، ولاسيما علم اللسانيات؛ لأن التحليل البنيوي هو تحليل ألسني بالأساس يجري على اللغة التي ينبني منها النص، ويستهدف التحليل البنيوي كشف عناصر البنية التي تكمن في دراسة الرمز والصورة ، والموسيقى، وذلك من خلال النظر في نسيج العلاقات اللغوية وفي أنساقها، ويجب النظر في البنية العميقة للنص، وأشكال التكرار فيه وكذلك أنساق التركيب للصورة الشعرية التي يوضحها محورا بنية الدلالات اللغوية تعني بذلك المحور الأفقي والعمودي كأن ندرس الصورة الشعرية على مستواها اللغوي، ونكشف الدلالات التي ينتظمها المحور الأفقي، وهي دلالات تتعلق بالجذر التركيبي، ثم الدلالات التي ينتظمها المحور العمودي وهي دلالات تتعلق بالتداعيات أو الإيحاءات ([2]). ومع دراسته هذه العناصر وكشف أنساق العلاقات في ما بينها نصل إلى القانون العام الذي يحكم منطق هذه العلاقات وما يجعلها تنبئ في هذا النسق. نكشف آلية الحركة بين عناصر النص، نكشف الرؤية التي تحكمها، وقد يصل الباحث إلى قانون عام مشترك يحكم مجموعة من البنيات النصية لنصوص متعددة، مثلما توصل «بروب» في دراسته للحكايات الشعبية إلى مفاصل واحدة واشتملت عليها تلك الحكايات الشعبية جميعا، وهي المفاصل التي نسج على منوالها بعض النقاد العرب المعاصرين قوانين أخرى في التطلع إلى الرحيق الجمالي لعالم النص الأدبي، ومن تلك المحاولات نذكر يمنى العيد محاولة الناقد المغربي محمد بنيس في مقاربته بظاهرة الشعر المعاصر بالمغرب، حيث توصل فيها إلى القول بأن المتن الشعري المعاصر في المغرب محكوم بقوانين ثلاثة هي: قانون التجريب، وقانون السقوط والانتظار وقانون الغرابة ([3]).

و ما يستخلصه محمد بنيس في حديثه عن المقاربة البنيوية للنصوص، أن البنيوية باتجاهاتها المتباينة « تعامل النص كعامل ذري مغلق على نفسه، وموجود بذاته، فتدخل تبعا لهذا المفهوم في مغامرة الكشف عن لعبة الدلالات» ([4]) ولعل رؤية هذه الحدود التي تقف عندها البنيوية في دراسة النص واكتفائها بدراسة العلاقات القائمة على مستوى اللغة، وهو ما جعل بنيس إلى أن يعرض الاتجاه الثاني وأعني به البنيوية التكوينية، بوصفه اتجاها جديدا للبنيوية والشكلانية.

و ثمة صوت ثالث من أصوات النقد الأدبي حاول متعاليا ومدويا التأسيس لمقاربة بنيوية تستهدف هذه المرة قراءة النص الأدبي انطلاقا من مستويات متعددة يؤدي تضافرها إلى الكشف عن الدلالات الخفية التي تتضمنها بنيات النص وذلك من خلال النظر إلى مختلف العلاقات التي تربط بنيان النص بدءا بالوحدات الصغيرة كالفونيم انتهاء بالنص الأدبي ككل بوصفه بنية كبرى، وقد تجلى ذلك في القول بمستويات عدة، عرضها صلاح فضل على النحو التالي:

1- المستوى الصوتي: حيث تدرس الحروف ورمزيتها وتكوينها الموسيقي من نبر وتنغيم وإيقاع.

2- المستوى الصرفي: وتدرس فيه الوحدات الصرفية ووظيفتها في التكوين اللغوي والأدبي نفسه.

3- المستوى المعجمي: وتدرس فيه الكلمات لمعرفة خصائصها الحسية التجريدية والحيوية والمستوى الأسلوبي لها.

4- المستوى النحوي: وهو خاص بدراسة تأليف وتركيب الجمل وطرائق تكوينها وخصائصها الدلالية والجمالية.

5- مستوى القول: لتحليل تراكيب الجمل الكبرى لمعرفة خصائصها الأساسية والثانوية.

6- المستوى الدلالي: وهو ينشغل بتحليل المعاني المباشرة وغير المباشرة والصور المتصلة بالأنظمة الخارجية عن حدود اللغة والتي ترتبط بعلوم النفس والاجتماع وتمارس وظيفتها على درجات في الأدب والشعر.

7-المستوى الرمزي: الذي تقوم فيه المستويات السابقة بدور الدال الجديد الذي ينتج مدلولا أدبيا جديدا يقود بدوره إلى المعنى الثاني، أو ما يسمى باللغة داخل اللغة.

و لكل مستوى من هذه المستويات قوانينه الثابتة مثل قواعد النحو والعروض والبلاغة وشبكات التداعي، وقوانين الدلالة ومنطق الصور والمواقف الأيديولوجية والثقافية المتطورة، ولعل دراسة جميع هذه المستويات كل واحدة على حده من جهة أو في علاقاتها المتبادلة وتوافقاتها والتداعي الحر فيما بينها والأنشطة الخلاقة المتمثلة فيها من جهة أخرى، هو ما يحدد في النهاية البنية الأدبية المتكاملة.

إن ما يجب مراعاته في التحليل البنيوي هو المحور الأفقي والاستبدالي، ففي التقسيم للشعر مثلا يقام هيكل النظم وتوزيعه. أما في النثر فإن الوحدة تبدأ من الفقرة إلى الفصل حتى تشمل الكتاب بأكمله، ويمكن رصد الروابط النحوية التي تصل ما بين هذه الوحدات، وبخاصة تلك التي تعود إلى الأجزاء السابقة من النص؛ أما المحور الإستبدالي، فإن اختيار المؤلف لإنشاء عمل أدبي ما إنما هو نقطة الانطلاق في دراسته، إذ إن اختيار جنس أدبي معين يؤثر على قواعد استخدام الرمز. ويبقى تحليل المستوى الإستبدالي، ابتداء من الاختيار الأول للجنس الأدبي وجملة الاختيارات الفنية والأسلوبية الأخرى هو الذي يؤدي إلى اكتشاف مجمل القواعد الدلالية التوليدية ويطلعنا على كيفية عبور المؤلف من الأفكار المجردة التي تتصل بقيمه الأخلاقية والجمالية إلى التجسيمات الأدبية وضروراتها وما يقتضيه من تحولات وانتقالات ([5]).

و الواقع أن هذه المستويات السبعة هي بمثابة معالم عريضة للدخول إلى عالم النص الأدبي بهدف استجلاء مكامنه الجمالية وستائره الخفية، وقد أجاد صلاح فضل في استنباط هذه المستويات من مختلف المقاربات البنيوية، حين عدها بهذه الكيفية وهذا التركيب ابتداء من الحرف انتهاء بالتراكيب الكبرى التي يشغلها ملفوظ القول، وما يكتنزه نسيج ذلك الملفوظ من إيحاءات وإيماءات تجعل النص الأدبي ذا لغتين: اللغة الأولى ؛ هي اللغة التي كتب بها النص، أما اللغة الثانية فهي اللغة التي تختفي خلف النص أو هي ميتافيزيقا النص، والقارئ البنيوي هو الذي يجعل هذه المستويات مفيدة أو غير مفيدة فاستخدامها يبقى  رهينا بثقافة موسوعية تنحدر من علوم ومعارف مختلفة كعلم الأصوات والعروض وعلم النحو والصرف والدلالة والسيميائية. وما إلى ذلك من العلوم الأخرى، وبرغم إجادة صلاح فضل في عرضه لهذه المستويات إلا أن هذا العرض لا يخلو من التعميم المباغت، لأن  هذه المستويات قبل أن تكون بنيوية هي مستويات علم اللغة بامتياز، وقل إن شئت أيضا هي مستويات علم الدلالة فقد تجاهل صلاح فضل مرجعية هذه المستويات وأمومتها اللغوية والدلالية، متناسيا في الوقت نفسه الدلالات العميقة لهذه المستويات، ويتجلى ذلك في عرضه المحتشم لميدان مقاربتها يضاف إلى ذلك أن كلامه عن هذه المستويات جاء محتشما خاليا من الأمثلة والشواهد التي تتيح للقارئ مداعبة النص الأدبي مداعبة بنيوية، وبأشرعة نقدية متميزة، فمعجم الشعراء الرومانسية مثلا هو غير معجم شعراء الواقعية، والأصوات المستخدمة في البنية النصية لشعراء الرومانسية هي غير الأصوات المستخدمة في البنية النصية لشعراء الرمزية مثل هذه الأمثلة كانت غائبة في طرح صلاح فضل لهذه المستويات التي إذا ما وجدت قارئا يحسن السفر في سفينة النص سيجعلها مفيدة حتما.

 

هوامش المداخلة:



([1]) – ينظر: صلاح فضل: نظرية البنيائية في النقد الأدبي، منشورات الآفاق الجديدة، بيروت، ط3، 1997، ص 203.

([2]) – ينظر: يمنى العيد: في معرفة النص، دراسات في النقد الأدبي، دار الآفاق الجديدة، بيروت، د ت، ص 35، 36.

([3]) – المرجع نفسه، ص 36، 37.

([4]) – محمد بنيس، ظاهرة الشعر المعاصر بالمغرب،  مقاربة بنيوية تكوينية، دار العودة، بيرون، لبنان، ط 1، ص1979

([5]) -  ينظر: صلاح فضل: نظرية البنائية في النقد الأدبي، ص 321 – 324.

 

Télécharger l'article