تلقي الخطاب النقدي السوسيولوجي في الجزائر

 

                                                    أ/سليم بركان-

 جامعة جيجل(الجزائر)

 

إن الحديث عن خطاب نقدي جزائري يأخذنا للحديث عن حركية الخطاب النقدي الجزائري عموما و تلقي الخطاب النقدي السوسيولوجي خصوصا , إذ يسجل الباحث ضمن  مسار الحركة النقدية الجزائرية ، ذلك الاحتشام النقدي في مجال تلقي النقد البنيوي التكويني و هذا باستثناء بعض الكتابات و المقالات و الدراسات المتناثرة هنا و هناك ، و يمكن أن نجد صدى لهذه النوع من الكتابات و الدراسات عند بعض البحاثة الجزائريين ، ك:د/ عمرو عيلان و أ/ عمار بلحسن  أ/ صالح ولعة و غيرهم , فالأستاذ عيلان  في كتابه الموسوم : الإيديولوجيا و بنية الخطاب الروائي، الذي حاول فيه أن  يمارس نقدا سوسيو بنائي على نصوص عبد الحميد بن هدوقة , فلقد كانت مساهمته التنظيرية و التطبيقة الأبرز في الساحة النقدية الجزائرية , إذ عالج في هذه الدراسة مفاهيم و مقولات الخطاب النقدي السوسيولوجي سواء من حيث أصوله المعرفية و الفلسفية أو من حيث مساراته السوسيونقدية , كما أفصح بجدية عن سبيله النقدي في هذه الدراسة النقدية , بحيث أشار في البداية إلى علاقة علم اجتماع الأدب (فيزياء الأدب ) بالظاهرة الأدبية و إلى بعض الإسهامات النظرية العربية التي تندرج ضمن ما سماه "تودوروف" بنقد النقد وكذا في تحليل الخطاب الأدبي و كذا للإسهامات الشكلانية و البنيوية و السوسيونصية , ثم انتقل بعد ذلك ليبين لنا إسهام النقد الغولدماني وسط هذه المذارس و النظريات النقدية المختلفة , كما عني بتوضيح الجهاز المفهومي للمنهج البنيوي التكويني خاصة مقولة رؤية العالم , هذه الأخيرة التي أعدها غولدمان بوصفها المفهوم المفتاحي و المركزي و المحوري للممارسات النقدية السوسيولوجية , كما حاول أ/ عيلان آن يعطي قراءة و توضيحا لخطاب النقد البنيوي التكويني الغولدماني خاصة الجهاز الإجرائي لبقية المقولات النقدية السوسيولوجية , كما لم يكتف بعرض النواحي النظرية بل تجاوزها إلى تلك الممارسات النقدية التي تمثلها غولدمان و هو في ذلك يمارس نقدا على بعض النقد الذي أقره غولدمان خاصة في قراءته لرؤية العالم المأساوية في أفكار "باسكال" و مسرحيات "راسين". أما على مستوى الجانب التطبيقي في دراسته فلقد خصصه للتحليل البنيوي التكويني لنصوص روايات عبد الحميد بن هدوقة , فوزع هذه الممارسة التطبيقية على ثلاثة فصول تناول في الأول السياقات الإديولوجية في نص الرواية و في الفصلين الثاني و الثالث بين البنية الدلالية للفكرة في نصوص الروايات ومن ثمة رسم رؤية للعالم في الروايات من خلال تلمسه لأنمناط الوعي الثلاثة المتمفصلة في ثنايا نصوص بن هدوقة , كتحديده لمسارات الوعي الممكن في نص رواية "نهاية الأمس" فلقد تمكن إلى حد ما تلمس جزئيات الوعي الكائن ليصل إلى استكمال دلالة الفكرة من جهة و بناء رؤية للعالم في نص الرواية من جهة أخرى , أما في بقية النصوص الروائية الأخرى , فلقد تلمس مظاهر الوعي الخاطئ و الوعي الكائن و هو في ذلك يعتمد القراءة التفسيرية و التأويلية التي أقرها غولدمان , فما يمكن قوله أن الأستاذ عيلان قد تمكن من  تلقي الخطاب السوسيولوجي فكان في ممارساته صارما و حذرا في تمثل المقولات النقدية السوسيولوجية إدراكا منه لذلك البون بين بيئة النقد السوسيولوجي الغربي و ببيئة النقد العربي هذا ما يجعل الباحث أكثر فطنة و شك في تمثله و ممارسته على النصوص الأدبية العربية . إن محاولة الأستاذ قد راوحت بين التحليل الشكلي من جهة و التحليل الإجتماعي من جهة أخرى فهذه الدراسة على الرغم من عدم احتكامها لمنهجية واضحة المعالم إلا أنها أسست بطريقة أو بأخرى ميلاد خطاب نقدي سوسيولوجي ضمن مسار الحركة النقدية الجزائرية والذي يجعلنا نعتقد أنها تفتقر إلى حد ما إلى مثل هذه الدراسات النقدية السوسيولوجية  و في المجال نفسه نجد ذلك التأسيس الفلسفي الصّرف لهذا الفرع من النقد الأدبي عند الأستاذ : عمار بلحسن ، الذي حاول في كتابه المعنون بـ: الأدب و الإيديولوجيا أن يؤسس لنقد سوسيو بنائي  جزائري من منظور فلسفي و فكري ، ثم تلتها ترجمة قيمة قام بها الأستاذ تتمحور حول بعض الرؤى النقدية التي نادى بها "بيتر زيما "  في مجال النقد السوسيو نصي ، و من بعض الدراسات نعتقد أنها اهتمت بهذا الفرع من النقد ما كتبه الأستاذ : صالح ولعة ، الذي حاول هو الآخر أن يعطي دفعا نقديا صحيحا لتمثل مقولات هذا النقد على النص الأدبي.

إن ما يلاحظ على هذه الدراسات و الكتابات النقدية الأدبية في هذا المجال ، أنها لم تعتمد خطة منهجية واضحة المعالم خاصة في كيفية ممارستها و تمثلها لمقولات و طرائق هذا النقد على النص الأدبي ،   فهي إشارات عامة أكثر منها متخصصة ، فعلى الرغم من إدراك البحاثة لأهمية و فعالية هذا الفرع من النقد الأدبي خاصة في فتح مجالات أوسع و أرحب لقراءة و تأويل النص الأدبي، إلا أنها بقيت حبيسة القراءة الجاهزة التي تلهث وراء المضمون الإيديولوجي ، فهل مردّ هذه السطحية  النقدية في الممارسة السوسيو بنائية في الجزائر تعود إلى عدم استعابها للخلفيات النظرية أو صعوبة تمثلها على مستوى الممارسة التطبيقية  على النص ؟ أم أن النقد الجزائري عاجز عن تمثل هذه المقولات أو أنه قد تجاوزها إلى نقد ثقافي شمولي ؟ أو بعبارة أخرى أن البحث في هذا النقد الأدبي مازال حديث النشأة في الجزائر؟ و إذا كان كذلك ، فهل يمكننا القول أن ممارسة هذا النقد لبعض البحاثة الجزائريين تعني أنه اكتمل بناء صرحه و من ثم يمكن تمثله و ممارسته باحترافية كبيرة  على النص الأدبي ، هذه الأسئلة و غيرها سنحاول مناقشتها ضمن مسار حركة النقد الأدبي الجزائري و حتى المغاربي و ذلك لعرض بعض الآراء النقدية لهذا الفرع من النقد الأدبي الذي أقره : "لوسيان غولدمان" في كثير من دراساته في هذا المجال.

لعل الاهتمام بالنقد السوسيو بنائي تنظيرا و تطبيقا في الساحة النقدية الجزائرية و المغاربية ، يعطى للناقد مشروعية القراءة و التأويل للنص الأدبي من جانبيه الداخلي و الخارجي. فالبحث في الأصول الفلسفية لهذا النقد كما  سبق ذكره عند آ/ عمار بلحسن ، و السوسيو نقدية و هنا نسجل بعض الأسماء النقدية الجزائرية كـ:  آ/واسيني الأعرج ، محمد ساري ، عمرو عيدان و غيرهم ، جعلت النقد الجزائري يتدعم أكثر و يتطلع لآفاق واسعة و رحبة ، فكما هو متعارف عليه أن النقد الأدبي لم يقم من فراغ بل له مرجعياته الفلسفية و الفكرية و النقدية ، إذًا فالرجوع إلى فهم تكوينية هذا النقد السوسيو بنائي تمنح الدارس مشروعية تمثل نقد بناء و فعال ، و على أهمية هذا النقد يقول : آ/ محمد برادة : "أنه قادر على كشف ما لم يكن معروفا من خصائص النص ، و أنه مناسب لدراسة الأعمال الأدبية و الفكرية ، لأنه يتيح الربط بين العمل الفني و بين المرحلة الاجتماعية و التاريخية مع تجنب الأحكام الجاهزة التي اعتاد عليها بعض النقاد ... و أن يلصقوها بالإنتاجيات المنقودة اعتماد على دراسة المضمون وحده و دون اعتبار للعوالم الخاصة التي ينسجها المبدعون شكلا و مظمونا" 1 بل و يذهب أكثر من ذلك ، د/محمد خرماش إلى أن هذا النقد : " ... لا يلغي الفن لحساب المضمون و إنما يقيم بينهما جدلية ماثلة في عالم تكويني ..."2، فعلى فعالية النقد السوسيو بنائي على النص الأدبي سنحاول تتبع الجذور المعرفية و النقدية لهذا الفرع من النقد الأدبي ، و الذي نعتقد أنه لم يجد العناية و الاهتمام في جامعاتنا  ، لان هذه الأخيرة تبقى الوسيلة الوحيدة لإعطاء شرعية الحضور و الممارسة لهذا النقد سوى على المستوى التنظيري أو التطبيقي ، كما تجعل الخطاب النقدي الجزائري مفتوح على كل جبهات الفكر و النقد الأدبيين اللذين يعطيان بٌعدا  تثاقفيا : " لا ينبغي إغفاله ، حيث أن جميع الذين تبنوا هذا النقد ، قد تحدثوا بطريقة أو بأخرى عن مدى استفادتهم من الدراسات النقدية الحديثة و المعاصرة و عن تخيرهم له للجمع بين فوائد الدراسة المحايثة و معرفة قوانين التركيب التي يقول بها البنيويين..."3 .

إن النقد السوسيو بنائي يأخذ بعين الاعتبار دراسة بنية العمل الأدبي دراسة تكشف عن الدرجة التي يجسد بها هذا العمل البنية الذهنية التي تتمتع بها الطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها المبدع ، هذا ما جعل النقد السوسيو بنائي للنص الأدبي يعتمد في الكشف عن هذه البنية الذهنية على :" المعطيات المعرفية و التي تشكل حيثيات النص من تاريخ و علم اجتماع و علم نفس اجتماع و أنثروبولوجيا أي بعامة ما تقدمه الحقول الإنسانية في نطاق المعرفة و كأن هذه القراءة تهدف أساسا إلى الوقوف في وجه الشكلانية لترد الاعتبار للأثر الأدبي مركزة على خصوصياته "4 بمعنى أن مسار التحليل وفق هذا المنظور النقدي يأخذ بعين الاعتبار تكوينية النص من تاريخ و مجتمع و لغة كمرحلة أولى و التي يتم فيها فهم  المسارات الفكرية و الأدبية للنص ثم تليها مرحلة القراءة التأويلية لتلك الرؤى المتخفية في سراديب النص ، فالنقد السوسيو بنائي جاء كرد فعل على النقد الشكلاني الذي ألغى دور التاريخ و همش المجتمع و غيب عبقرية النص في عملية التشكيل الفني و الجمالي و الفكري بالنص الأدبي، كل هذه الاعتبارات وغيرها جعلت "غولدمان لا يعزف عن فصل النص من: " ... علائقه بالمجتمع والتاريخ، وعن جدلية التفاعل الكامنة وراء استمرار الحياة وتجددها " 5 وبعبارة أخرى حاول أن يوفق في عملية التحليل بين ما هو لغوي وما هو فكري وأن يجعل من هذه القراءة أكثر حيوية و إنتاجية تتأسس لغة تحليليها على عناصر تشويقية وتبتعد عن جفاف لغة في تحليلها الشكلاني، وقد صاغ هذه الأفكار النقدية وفق منهج البنيوية التكوينية " génétique  structuralisme" الذي يأخذ بعين الاعتبار في عملية التحليل للنص الأدبي ما هو لساني واجتماعي على السواء .

وعن أهمية هذا المنهج يقول " غولدمان ": " إن التحليل البنيوي التكويني، في تاريخ الأدب، ما هو إلا تطبيق لمنهج عام في هذا الميدان على الخصوص، والذي نعتقد أنه المنهج الوحيد المقبول في العلوم الإنسانية ... "6 وعلى هذا الأساس سنحاول تلمس مفاهيم ومقولات منهج البنيوية التكوينية مع الحرص على تبين فعالية المقولات الغولدمانية عند مباشرة التحليل السوسيو بنائي للنص الأدبي.

إن ما يجب أن نشير إليه هو أن " غولدمان " أعاد قراءة المشروع النقدي اللوكاتشي وسَوَغَهُ وفق مقولات نقدية سوسيولوجية كـ : رؤية العالم    vision du monde   البنية الدالة " structure significatif  ، الفهم comprehension  ، التفسير explication  ، أنماط الوعي وبدراسة هذه المقولات الغولدمانية يمكن أن نؤكد على الصلة التي تربط العلاقات الاجتماعية بالإبداع الأدبي وبعبارة أخرى فإن البنى الذهنية للطبقة الاجتماعية تتمفصل عبر البنى النصية للنص الأدبي وتأخذ بذلك شكل رؤية كونية يحاول المبدع العظم بثها عبر رسالة أدبية وافية، هذا ما جعل تصور " غولدمان لذلك النقد الاجتماعي التقليدي للأدب يتجاوز تلك المرآوية  والانعكاسية اللوكاتشية ، ومن ثم فإن النص الأدبي  يتجاوز ما هو إيديولوجي إلى رؤية كونية يصوغها الكاتب العظيم وفق تشكيل لغوي ممتاز مع محاولة خلق عالم جمالي متلاحم تتجاوب فيه بنيتها لفكرية مع تلك الطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها الأديب العظيم .

من أجل تلق للنقد البنيوي التكويني :

يعد " غولدمان " بحق مؤسس المدرسة الجديدة في النقد الاجتماعي للنص الأدبي ولعل ما تميز به " غولدمان " عن أستاذه" لوكاتش " هو الدقة في التحليل والتقيد بإجراءات المنهج في مباشرة النصوص الأدبية من زاوية معماريتها اللغوية ودلالاتها الفكرية ، هذا ما جعله يعد رائد التجديد للنقد السوسيولوجي وكذا لبعض التصورات الهيجيلية والمفاهيم اللوكاتشية ، فإذا بمشروع النقد الاجتماعي للأدب ، قد اعترته بعض النقائص المنهجية والمفاهيم  في الإحاطة ببنية النص الأدبي ،فقد تكفل " غولدمان " بإعادة صياغة بعض المفاهيم اللوكاتشية ، كمفهوم البنية ، الشكل ، المنظور ، وهو يهدف من وراء ذلك إلى دراسة النص الأدبي دراسة تكشف عن البنية  التي يجسد بها النص الأدبي البنية الذهنية للطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها الأديب العبقري ، هذا ما يعني أن " غولدمان "  تعدى بمشروعه السوسيو بنائي تلك الآلية و الانعكاسية التي وقع فيها تيار النقد الاجتماعي للأدب ،وبالتركيز في عملية التحليل على البنية الذهنية التي تتمثل في الرؤية الكونية التي يحملها النص الأدبي والتي تأخذ شكل الوسيط بين الطبقة الاجتماعية التي تصدر عنه ولتلك الأنساق الفنية والثقافية التي تحكمها هذه الرؤية ، وبهذا يكون " غولدمان " قد صاغ :" مشروعا نقديا ذا طبيعة موضوعاتية وسوسيولوجية "7  وجعله أساسا  لتحليل النصوص الأدبية وبالكشف عن الأنظمة الفكرية التي تتبناها الطبقة الاجتماعية وعن أنظمة الصياغة الفنية التيس يعتمدها الأديب العظيم في نمذجة رؤيته للعالم ، وهذا ما تبلور في منهج البنيوية التكوينية الذي يعد: " من أشهر مناهج علم اجتماع الأدب ، وهي  تعنى بمحاولة فهم العلاقة بين النص الأدب والمجتمع"8 وبعبارة أخرى ، فإن هذا المنهج يتميز عن باقي المناهج البنيوية الشكلانية ، كون هذه الأخيرة تنظر للنص الأدبي : " كتجريد مطلق أو كنظام مستقل عما عداه ومكتف بنفسه ، بل تفهمه من حيث وظيفية دالة على مستوى التلاحم الداخلي نفسه ."9 وبالمقابل فإن التحليل البنيوي التكويني: يتعمق في الكشف عن وظيفة التلاحم الداخلي،  كما يضطر للعودة إلى الخارج، حيث الطبقة أو المجموعة الاجتماعية للأديب المنتج "10 وبعبارة أخرى فإن التحليل البنيوي التكويني يعتمد على الوصف المعماري للنص مع التركيز على دوري التاريخ والمجتمع من أجل إعطاء إنتاجية دلالية أوسع للنص الأدبي، ذلك أن بنياته الصغرى تتوالد من بنياته الكبرى والتي تمثل البنى الاجتماعية وعادة ما تكون ممثلة بطبقة اجتماعية ينتمي إليها الأديب الممتاز.

ولهذه الأسباب الشكلية وغيرها رفض " غولدمان " تلك التحاليل التي تلهث وراء المضمون الأيديولوجي أو ما سماه بـ:  سوسيولوجيا المضامين، التي تعول في التحليل على المرآوية والانعكاسية وبالمقابل رفض القراءات الشكلانية الصرفة التي يغدو فيها التحليل جافا وساكنا بل وقاصرا في أحايين كثيرة لإلغائه لدوري المجتمع و التاريخ، وعلى هذا الأساس اعتمد " غولدمان " التحليل البنيوي التكويني وهو يهدف من وراء ذلك إلى إعطاء مصداقية ومشروعية أكبر لقراءة النص الأدبي من جانبيه الداخلي والخارجي بمعنى عدم تغييب جانب على آخر، لذلك يرى أن: " البنيوية التكوينية قد بينت تغييرا كليا في توجيه الفرضيات الأساسية، والتي هي بالتحديد أن الوعي الجمالي في عملية الخلق الأدبي يأتي بتفاعل بنيات الفضاء الأدبي، والتي هي متماثلة مع بنيات الذهنية لبعض الفئات الاجتماعية، أو بعلاقة واضحة فيما بينها، إذا على مستوى المحتويات أي خلق الفضاء المتخيل الذي يتمظهر من خلال البنيات الفنية، فالكاتب لديه الحرية الكاملة في اختيار البنيات... 11" فهذا تأكيد واضح على أهمية وفعالية النهج البنيوي التكويني في تحليل النصوص الأدبية، سواء على المستوى النصي الداخلي أو على مستوى البناء الفكري الخارجي للنص، وهو يهدف أساسا إلى الكشف عن تلك الرؤية الكونية المتوارية في ثنايا النص الأدبي بمعنى آخر أن يتجاوز بطريقة أو بأخرى المنظور الأيديو نقدي، الذي ينظر إلى النص كخطاب إيديولوجي أو كانعكاس مرآوي لإيديولوجيا المؤلف أو الشريحة الاجتماعية.

لعل هذه الأفكار الفلسفية وغيرها، هي التي بنى عليها " غولدمان " منهجه البنيوي التكويني، المتصل بطبيعة البحث عن الوعي الاجتماعي وكذا للبنية الدالة ولأصناف الوعي المختلفة كل هذه المقولات قادته إلى الصياغة النهائية لمفاهيم هذا المنهج والذي يرتكز على أسس ومفاهيم تاريخية محددة: كرؤية العالم التي تتميز طبيعتها بأنها: " مفهوم تاريخي، يصف الاتجاه الذي تتجه الطبقة أو المجموعة الاجتماعية في فهم واقعها الاجتماعي ككل، بحيث يصل هذا المفهوم مابين قيم هذه الطبقة - المجموعة الاجتماعية – وأفعالها في وحدة تصورية من ناحية وتميز مابينها وبين غيرها من ناحية أخرى "12 أما من ناحية المنظور الإيديولوجي فإن رؤية العالم هي: " مفهوم بديل عن الأيديولوجيا، ومتميزة عنها إذ أنها لا تعني فقط نسق الأفكار، وإنما تحتوي – أيضا – على كل المشاعر والأحاسيس... فهذه الأفكار على الرغم من انتمائها إلى الكاتب، فهي بذلك تجسيد لرؤية العالم الخاصة لطبقة الكاتب "13 وبمعنى آخر أن رؤية العالم قد تشاكل الأيديولوجيا في أحايين كثيرة، فإذا تبنتها شريحة في المجتمع فهي إيديولوجيا أما إذا تبنتها طبقة اجتماعية فهي تشكل رؤية للعالم يحاول الكاتب العظيم تجسيدها في نصه عبر تشكيل لغوي فني رفيع، ذلك أن:" الأعمال الأدبية التي تُكتب في حقبة من الزمن، تسعى إلى تكوين بينية ذات دلالة، وهذه الدلالة تشير إلى رؤية الكتاب والفنانين والمثقفين أو شريحة الأنتليجنسيا للعالم "14، وبعبارة أخرى فإن صياغة الرؤية الكونية في النص الأدبي ليست بالعملية السهلة بل هي أصعب من ذلك بكثير، ذلك أن الكاتب العظيم عليه أن يأخذ بعين الاعتبار الجوانب الفنية والجمالية والاجتماعية والتاريخية للنص، إنه مطالب بعدم توظيف نواياه الإيديولوجية لأن حضورها المكثف يفقد النص الأدبي جماليته الفنية فيغدو النص مجرد خطاب إيديولوجي مؤجل ومؤقت على السواء، وبالمقابل عليه أن يفتح مجالا واسعا للحوار الفكري مع باقي أشكال الوعي الأخرى،  هذا ما يعطي لنصه ديمقراطية القراءة والتأويل وفي السياق نفسه يرى" غولدمان ": " أن كل انتصار للنوايا الواعية للكاتب سيكون مميتا للعمل الأدبي، الذي تتوقف قيمته الإستيطيقية على المقياس الذي يعبر عنه "15 هذا ما يشير إلى أن الخلفية النظرية النقدية التي اعتمدها " غولدمان " في تصوره لمفهوم الرؤية الكونية أنه لا يتشكل عبر مسار أحادي بل ويتأسس على مسارات فنية وذهنية على السواء، فاعتمادا على هذا التصور المفهومي النقدي يجد الناقد نفسه مدعوا للبحث والكشف عن" البنية الدالة " التي تعد من أهم المقولات الأساسية التي يرتكز عليها النهج البنيوي التكويني، فمفهوم البنية وفق تصور" بياجيه " تعني: أنها نسق متحول له قوانينه الخاصة باعتباره نسقا، علما بأن من شأن هذا النسق أن يضل قائما ويزداد ثراءا بفضل الدور الذي تقوم به تلك التحولات نفسها، دون أن يكون من شأن هذه التحولات أن تخرج عن حدود ذلك النسق أو أن تهب بأية عناصر أخرى تكون خارجة عنه... كما تتسم بخصائص ثلاث: الكلية، التحول، التنظيم الذاتي " 16.

أما " غولدمان " فإنه عندما يتحدث عن البنية فإنه يفكر في البنية التي تتيح لنا فهم شمولية الظاهرة الاجتماعية التي يعبر عنها الكاتب لا لكونه فردا بكونه يتكلم باسم الطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها، فهي تعني: "ذلك الترابط الحاصل بين رؤية العالم التي يعبر عنها النص في الواقع وبعناصره الداخلية شكلية كانت أم فكرية كما أن الوصول إليها يستلزم بحثا جديا للأحداث الواقعية، بالإضافة إلى معرفة معمقة للقيم الإيديولوجية، ويتحقق ذلك عبر محاور في النص الأدبي وهي: الحياة الاجتماعية والاقتصادية والفكرية التي تعيشها الطبقة والتي يعبر عنها الأديب في نصه " 17 فالوصول إلى فهم البنية الدالة للنص يعني فهم طبيعة دلالة النص الأدبي، ذلك أن:" مفهوم البنية الدالة يعني دراسة البناء في ضوء دلالاته المختلفة " 18 وبالمقابل تسمح لنا بأن نطلق بعض الأحكام على القيمة الفنية و الجمالية للنص و من ثم على مقدار الرؤية الكونية المنسجمة إما على مستوى الفنية للصور الخطابية أو على مستوى تكوينيتها: "فالبنية الدلالية ذات منظور واسع لا يغفل التحليل الداخلي للنتاج و اندراجه ضمن البيانات التاريخية والاجتماعية، ..... و في المقام الأخير يدعو إلى إدخال النتاج في علاقة مع البنيات الأساسية للواقع الاجتماعي و التاريخي"19، بمعنى آخر أن مفهوم البنية الدلالية، وفق المنظور الغولدماني، هو أداة أساسية للبحث عن تكيونية النص الأدبي، إما على المستوى الداخلي أو على المستوى الخارجي، هذا ما يعني أن: "الأعمال الأدبية التي تكتب في حقبة من الزمن تسعى إلى تكوين بنسبة ذات دلالية، و هذه الدلالة تشير إلى رؤية الكتاب و الفنانين و المثقفين أو شريحة الأنتلجنسيا للعالم"20، و على الرغم من الصعوبة التي يلاقيها الناقد في استكشاف البنية الدلالية للنص الأدبي، إلا أنها ضرورية لمعرفة مختلف الدلالات التي يحملها النص، و عبر استكشاف البنية الدلالية للنص المسرحي، استطاع غولدمان: "اكتشاف الرؤية التراجيدية لمسرح "راسن" و لأفكار "باسكال " و هي نتائج لرؤية كونية لطبقة " نبالة الرداءة " التي ينتمي إليها الكاتبان، بالإضافة إلى تداركه ذالك التوازن بين تطور المجتمع البرجوازي، و تطور مفهوم البطل الإشكالي من خلال أعمال " مالرو " و كذا سيطرة الرأسمالية بإقصاء القيمة الإنسانية للفرد."21

لعل الحديث غير مفهوم الدالة، يقودنا للحديث عن مفهوم الوعي، الذي يعد هو الآخر من المقولات الأساسية للمنهج البنيوي التكويني، ذلك أنه يمثل مظهرا من المظاهر السلوكية البشرية، فكل فعل أو واقعة اجتماعية يستتبع عنه بعض أشكال الوعي سواء أكانت سلبية أم ايجابية، فدراسة هذه الوقائع بكيفية إجرائية تمنح النقد فعالية و إنتاجية كبيرة، و في سياق حديثه عن الوعي، يميز -غولدمان- بين صنفين رئيسيين للوعي هما الوعي الممكن و الوعي الكائن، فالأول يعني به ذلك الوعي الذي:" يمكن أن تفعله طبقة اجتماعية ما، بعد أن تتعرض لمتغيرات مختلفة، دون أن تفقد طابعها الطبقي"22، بمعنى أنه ذلك الوعي الممتاز، الذي يميز نظام فكر الطبقة الاجتماعية، و الذي عبره تتغير الأنظمة الاجتماعية السائدة، و هذا بعد أن تتعرض لبعض التغيرات الفكرية، و مع عدم تخليها لانتمائها الطبقي، فهو: "وعي شمولي قادر على تغيير التاريخ، كما لن يتحقق هذا إلا بفعل عبقرية الأديب، الذي يستطيع أن يعبر عن رؤية العالم لطبقة معينة، و هذا الوعي الممكن هو الرؤية للعالم"23، و بعبارة أخرى، انه ذلك الوعي الفعال القادر على التجديد و التغيير للواقع في المجتمع، و بالمقابل، قد تبقى هذه الطبقة الاجتماعية عاجزة في -أحايين كثيرة- عن تحقيق أو تجسيد رؤيتها على أرض الواقع، ذلك أنها تعيش تحت سيطرة فكر سائد، هو نظام فكر الطبقة المضادة، و التي تحاول حجب حقيقة رؤاها الفكرية بالنسبة للطبقة المسحوقة، و التي هي الأخرى تعيش على الوهم الفكري الساذج أو الحاملة لوعي خطئ عل حد مقولة ماركس، هذا ما يجعلها ترضخ تحت تأثير الطبقة السائدة.

أما فيما يخص مفهوم "الوعي الكائن" فهو حسب –غولدمان- يعني ذلك الوعي: " الناجم عن الماضي بمختلف أبعاده و ظروفه و أحداثه، بما تسعى كل مجموعة اجتماعية لفهم واقعها انطلاقا من ظروفها المعيشية و الاقتصادية و الفكرية و الدينية... "24، و بين هذا و ذاك يرى –غولدمان- أنه يجب: " البدء بالتمييز الأولي بين الوعي القائم بما له من مضمون ثري متعدد، و بين الوعي الممكن باعتباره الحد الأعلى من التلاؤم الذي يمكن أن تدركه الجماعة دون أن تغير طبيعتها "25 فالعلاقة بينهما هي أن الوعي الممكن يتجاوز الوعي الكائن و إضافة عليه، فالوعي الكائن يتميز بأنه و عي ساذج و منحبس في الواقع، كما أنه لا يتعدى الواقع إلى أفق رحب و واسع، بل و إنه يستنجد بالماضي أو بمعنى آخر أنه ذلك الوعي المجتمعي الذي يمتلكه كل أفراد المجتمع، بحيث أنهم لا يمتلكون القدرة الكافية على تكوين رؤية كونية، و هو أمر لا يتأتى إلا إذا بلغ هؤلاء قمة الوعي الممكن مع استيعابهم لحقيقة فكرهم ضمن الطبقة الاجتماعية التي ينتمون إليها. و من هنا يمكن القول إن الوعي الكائن مرتبط أشد الارتباط بمفهوم الشريحة الاجتماعية، على غرار الوعي الممكن المرتبط بمفهوم الطبقة الاجتماعية التي تطمح إلى التغيير و التجديد وفق رؤية كونية فعالة.

من هذا و ذاك يمكن تحسس طبيعة العلاقة بين الوعيين – باعتبارها ضمنية – بمعنى أن الوعي الممكن يتضمن الوعي الكائن و إضافة عليه، أي يستند عليه و يتجاوزه في الوقت نفسه إلى أفق أوسع و شامل، و بعبارة أخرى إنه الوعي الممتاز الذي يمثل رؤية كونية للطبقة الاجتماعية القادرة على تحريك التاريخ و تجديد نظام فكر المجتمع، و بالتالي فإن الطبقة الاجتماعية الحاملة لهذا الوعي الراقي قابلة للتغيير و التجديد بالاعتماد على بعض الأشكال الأدبية و الثقافية و التي عبرها تحاول: "تجسيد و بلورة رؤية للعالم لدى هذه الطبقة أو تلك، و بجعلها تنتقل من الوعي الفعلي الذي بلغته إلى الوعي الممكن، و لا يتوفر ذلك إلا للكتاب و المفكرين الكبار دون الصغار منهم، الذين يتوقفون عند الوعي الفعلي لدى طبقة ما و يقتصرون على وصفه "26. و مما سبق يتبين لنا أن –غولدمان- توصل بهذه المقولات إلى بناء منهج قادر على احتواء النص من جميع جوانبه سواء أكانت داخلية أم خارجية، بمعنى أن مسار التحليل وفق هذا التصور يزاوج بين: " ... الإنتاج الفكري أو المادي من خلال مرحلتين أساسيتين و متلازمتين هما مرحلتي الفهم و التفسير..."27، أما الأولى فتقتضي البحث عن معمارية و توزيع البنى الداخلية للنص وفق المستويات الأسلوبية و التركيبية و السردية، دون ربطها بالمكونات الخارجية لها، فإذا كنا بصدد البحث عن التمثلات الفكرية في النص، فيلزمنا فهم معمارية البنيات التركيبية الناقلة للخطاب، ثم ربط هذه البنيات بمكوناتها الخارجية/التكوينية من أجل استكناه مختلف الدلالات التي يحملها النص، فالفهم الجيد و التفسير الحصيف للنص يعني: " ذلك البحث في أجزاء بنيته الداخلية و الخارجية التي تتسم بالتماسك، لكي يتسنى لنا بعد ذلك ربط البنيات الداخلية بمثيلاتها الخارجية "28، هذا ما يعني أنه في المرحلة الأولى يكون الاعتداد بالنص و لا شيء سوى النص، ثم تليها المرحلة الثانية التي تربط البنيات الداخلية بمثيلاتها الخارجية من اجل إعطاء دلالات مفتوحة و متنوعة على مستوى هذه البنيات النصية، و في هذا السياق أشار –غولدمان- إلى نقطة أساسية أثناء مباشرة التحليل من خلال مرحلتي: الفهم و التفسير، مع عدم إعطاء الأهمية الكبيرة في الكشف عن القناعات الإيديولوجية التي يعبر عنها الكاتب لان ذلك يجعل الدراسة تحيد عن طابعها الحقيقي و الفعال هذا ما جعل النقد البنيوي التكويني يتجاوز تصور و أفكار النقد الاجتماعي التقليدي للأدب، إلى تصور سوسيو بنائي يأخذ بعين الاعتبار ما هو داخل نصي و ما هو خارج نصي، فمنهج البنيوية التكوينية يتحرك وفق مسارين اثنين من حيث الظاهر، لكنه في حقيقة الأمر يتحرك وفق مسار واحد هو المزاوجة بين الداخلي و الخارجي في قراءة و تأويل النص الأدبي.

     و صفوة القول : إن هذه الدراسات و عيرها و التي قام بها بعض البحاثة الجزائريين تشير إلى حد ما إلى حضور وعي نقدي متميز من جهة , و إلى تجربة نقدية متواضعة سعت للارتقاء  بالخطاب النقدي الاجتماعي في الجزائر من حيث تلويناته المختلفة و تطوراته المختلفة و في رسم آفاق خطاب نقدي في تحليل النصوص الأدبية , فهذه التجارب و غيرها على الرغم من حداثتها إلا أنها تشير بطريقة أو بأخرى إلى طريق احترافية في تلقي الخطاب النقدي السوسيولوجي و الذي بقي أسير ممارستين : الأولى هي النزوع التوفيقي لمزج من الخطابات النقدية مع رؤى و اتجاهات أخرى والثانية تدخل ضمن الممارسة الآلية و التعليمية باعتماد منهج أو آخر في تفسير و تأويل النص الأدبي .

الإحالات:

1) عمر عيلان  . الإيديولوجيا و بنية الخطاب الروائي . منشورات جامعة قسنطينة . ط.2001.1

2)محمد برادة . تقديم ترجمة كتاب الرواية المغربية. لعبد الكبير الخطيبي . المركز الجامعي للبحث العلمي. الرباط .1997.ص:7

3)محمد خرماش: إشكالية المناهج في النقد الأدبي المغربي. مطبعة أنفو. فاس. 2001. ط1 ص01

4)المرجع نفسه ص 02

5)عاطف أحمد فؤاد:علم اجتماع الأدب.دار المعرفة الجامعة –الإسكندرية – دط.القاهرة 1996 ص82

6)مجموعة من المؤلفين: البنيوية التكوينية، مؤسسة الأبحاث العربية.ط2 بيروت. 1984.ص 45

7)Lucien Goldman: pour une sociologie du roman. Ed. Gallimard. Paris 1964. P:337

8)أنظر: الطاهر رواينية: القراءة الموضوعاتية للنص الأدبي، مجلة اللغة و الأدب،جامعة الجزائر 1997 ص 76.

9)عاطف أحمد فؤاد: المرجع السابق. ص.82 .83

10)  جابر عصفور: عن البنيوية التكوينية. مجلة فصول. القاهرة. يناير. 1981.ص80

11)  المرجع نفسه. ص.80

12)  Ibid. P:386

13)  جابر عصفور: المرجع نفسه. ص85

14)  عاطف أحمد فؤاد: المرجع السابق. ص80

15)  إبراهيم خليل: في النقد و النقد الألسني. 55

16)  مجموعة من المؤلفين: المرجع السابق. ص-17

17)  لوسيان غولدمان: المادية الجدلية وتاريخ الأدب. ص29

18)  إبراهيم خليل: المرجع نفسه. ص 183

19)  Ibid. P:111            

20)  محمد علي البدوي: علم اجتماع الأدب. دار المعرفة . القاهرة 2002. ص183

21)   إبراهيم خليل:المرجع السابق. ص55

22)   جمال شحيد: في البنيوية التركيبية. دار ابن رشد ط1 .بيروت .1982 ص58

23)  المرجع نفسه. ص40

24)  صالح ولعة: البنيوية التكوينية و لوسيان غولدمان. مجلة التواصل. جامعة عنابة. 2001 ص255

25)  المرجع نفسه. ص 255

26)  المرجع نفسه. ص 256

27)  جمال شحيد: المرجع السابق. ص: 41

28)  محمد خرماش:  المرجع السابق . ص: 291

29)  حميد لحميداني: النقد الروائي و الإيديولوجيا.المركز الثقافي العربي. ط1. بيروت. ص68

 

Télécharger l'article