المنهج النقدي بين الصرامة العلمية والحمولة الإيديولوجية

الأستاذة د. نورة بعيو

كلية الآداب واللغات

جامعة مولود معمري، تيزي وزو

 
لقد بات من الواضح أنّ الثقافة والمثقف العربي يقفان اليوم أمام تحديات جديدة وحتمية لا جدال فيها، فرضها التوجه العولمي الذي ما انفك يُسهم مساهمة رئيسة في صناعة الرأي العام العالمي، واتخاذ القرارات المصيرية لصالح دول على حساب دول أخرى مغلوبة على أمرها، لذلك يجب البحث عن أنجع وسيلة تمكن هذه الدول – المجتمعات من مواجهة هذا المشروع وخطورته على أكثر من صعيد، لاسيما وأن فعل التواصل اليوم أضحى متطورا جدا، بحكم ما استحدث في قنواته من وسائط الاتصال المكتوبة والمسموعة المرئية والإلكترونية، وبالتالي من شأن هذا الفعل التواصلي أن يحفزنا على الاتصال والتواصل مع الآخر، لنعرف قيمة وقوة ما عنده في مختلف الحقول المعرفية، حتى نتزود بها ونكون في مستوى الحركة الحضارية والعلمية(1).
ولعل أخطر عامل يحول دون بلوغ هذا المستوى من المواجهة، الصراع الفكري البعيد القريب في فكرنا العربي، ولاسيما حين نتعامل والحال هذه مع أي مصطلح نقدي أو مجموعة من المصطلحات العلمية، هذا جانب، والجانب الآخر هو تلك العلاقة بين منهج نقدي ما والمصطلح، فهل يشتغل هذا المنهج بغياب أو تغييب حمولة اصطلاحية؟!
وللإجابة عن هذا التساؤل، وإيضاح العلاقة المتبادلة بين المجالين تستوقفنا النقاط الآتية: ماهية المصطلح، شروطه وأقسامه، ثمّ علاقته بالترجمة وبالمنهج، وفي الأخير علاقة كل ذلك بالأسس النظرية المرتبطة برؤية إيديولوجية معينة.
وقبل تحليل مختلف هذه النقاط نتوقف عند كلمة مفهوم طالما أنّ لكل مصطلح مفاهيمه الخاصة به. فالمفهوم Concept هو كيان كلي يجمع كل أجزائه ويحركها في نسق واحد بتوجيه قدراته الداخلية للتعبير عن فعل يجد استجابة من كل تلك الأجزاء التي تكتسب قوة داخلية، بحكم تعاضدها والتئامها في المفهوم المستخلص منها، وغالبا ما تعزى قوة مفهوم ما إلى تلك القوة الجزئية التي تنتجه، ومن هنا تختلف قوة مفهوم ما عن مفهوم آخر في التعبير عن فعل إنساني أو علمي أو فني.
ولكي يتجسد المفهوم لغويا لا بد من تأطيره وتسميته بالمصطلح الذي يسمي المفهوم ويخرجه إلى عالم التواصل اللغوي في حقل ما، كما يمنحه إمكانية التداول الخطابي والمتخصص(2).
فالمصطلح وليس كلمة المعجمية إذ يتكون من محمولات مقيدة لأنها تشير إلى الأشياء التي تؤخذ من عالم معين، وقد تتخذ هذه الأشياء أبعادا تصورية، كما تمثّلها المفاهيم التي لها إشارة في اللغة وإشارة في لغة أخرى، وبذلك فترجمة المفاهيم والمصطلحات ممكنة، لأن الترجمة تقوم بنقل معادلات تلك الإشارات والتصورات المفهومية والاصطلاحية من لغة ما إلى أخرى.
ومن هنا تنتقل المفاهيم من حقل معرفي إلى آخر، فيمكن نقلها مثلا من حقل معرفي أوروبي إلى حقل معرفي عربي. إلا أنّ هذه العملية معقدة جدا « لأن عملية النقل هذه تخضع لإجراء متشابك يتمثل في إيجاد معادلات مصطلحية للمفهوم المراد نقله، وكذلك تبين حقل المفهوم الذي ولّد أجزاء المفهوم وصاغه، ثم أدرك القنوات التي أوصلته من المصدر إلى الهدف كقناة الترجمة ومشاكلها، ثم اشتغال هذا المفهوم في الحقل المعرفي العربي الهدف ونتائج ذلك الاشتغال »(3).
وهكذا فإنّ المفاهيم تتأطر داخل مصطلحات معينة وقد أوردت العديد من المؤلفات التراثية القديمة والمراجع الحديثة تعريفات متنوعة لكلمة مصطلح.
فقد ذهب عبد القادر الجرجاني في كتابه "التعريفات" إلى « أنّ الاصطلاح هو عبارة عند اتفاق قوم على تسمية شيء باسم بعد نقله عن موضوعه الأول لمناسبة بينهما أو مشابهتهما في وصفٍ أو غيرها «(4).
فالمصطلح لا يكون إلا عن اتفاق وإجماع المتخصصين المعنيين على دلالته الدقيقة المناسبة لموضوعه المنقول عنه.
أمّا تعريفات المصطلح حديثًا فهي عديدة، منها:
« إنّ المصطلح كلمة أو مجموعة من الكلمات من لغة متخصصة علمية أو تقنية، موروثًا أو مفترضًا يستخدم للتعبير بدقة عن المفاهيم وليدل على أشياء مادية محددة، وأما التعريف المتداول بين المتخصصين في علم المصطلح، فيتمثل في كون الكلمة الاصطلاحية مفهومًا مفردًا أو عبارة مركبة، استقر استخدامها وحدّد في وضوح، فهو تعبير خاص ضيق في دلالته المتخصصة، وواضح إلى أقصى درجة ممكنة، وله ما يقابله في اللغات الأخرى «(5).
وعليه فالمصطلح هو كلمة أو مجموعة من الكلمات تتجاوز دلالتها اللفظية والمعجمية إلى تأطير تصورات فكرية وتسميتها في إطار معين، تقوى على تشخيص وضبط المفاهيم التي تنتجها ممارسة ما. في لحظات معينة، وبهذا يستطيع المصطلح الإمساك بالعناصر الموحدة للمفهوم، والتمكن من انتظامها في قالب لفظي يمتلك قوة تجميعية وتكثيفية، لما قد يبدو مشتتًا في التصور.
ومن هنا تتبين لنا خطورة الاستعمال الاعتباطي والعشوائي للمشتغلين بهذه الأداة/المصطلح. « بل عكسًا يجب أن يحافظ المصطلح على العناصر المفهومية التي شكلته، ويتمكن من خلق تواصل متبادل بينه وبين اللغة التي ينتجها ويدفعها، وبين الموضوع الذي يريد معالجته »(6).
وحسب تقسيم الباحث الألماني "ڤوستر" فإن مجال علم المصطلح يمكن تقسيمه إلى قسمين:
أ – علم المصطلح العام: ويتناول طبيعة وخصائص وعلاقات، نظم ووصف المفاهيم (تعريفًا وشرحًا)، طبيعة ومكونات المصطلحات وعلاقاتها الممكنة، كذلك اختصار المصطلحات إلى علامات ورموز ثمّ تدوين المصطلحات ومناهج إعداد المعاجم الاصطلاحية... الخ.
ب – علم المصطلح الخاص: ويتضمن تلك القواعد الخاصة بالمصطلحات في لغة مفردة مثل اللغة العربية أو الفرنسية أو الألمانية(7). وتتحدد المصطلحات على كثرة وتنوع مجالات استخدامها بواسطة مكانتها بين المصطلحات الأخرى في إطار التخصص نفسه، فالمصطلحات العلمية تتحدد دلالتها وعباراتها في إطار نظرية متكاملة وهي لا تظهر إلا باعتبارها عناصر مكملة للنظرية، ومن ثمّ فإنّ المصطلح يخضع في تطوره للتخصص نفسه، ولا يتحدد إلا في داخل النظام الذي يكوّنه ذلك التخصص.
فما هي السمات المميزة للغات التخصص؟!
إنّ لغات التخصص ليست مجرد مصطلحات، فهذه لا تقيم لغة بل تتواجد فيها، ولا شكّ أن السمة الجوهرية للعبارة المتخصصة تتوخى الدقة والدلالة المباشرة، وهما سمتان بارزتان في المصطلحات العلمية والمهنية، وهي ما يجعل لغات التخصص تختلف عن اللغة العامة واللغة الأدبية والفنية، وكذا اللغات الفئوية، مثل لغات جماعات الشباب، والجماعات المهمشة(8)...
فالمصطلح من الوسائط التي ذكرها "دوبوغراند" في منتصف التسعينيات من القرن العشرين، والتي تكوّن جسرا بين الرصيد اللغوي المفترض والرصيد اللغوي الفعلي، وهو يدخل في مجال اللغة التخصصية/العلمية، إذ إنّ المصطلحات هي أساس أي تخصص في العلوم أو التقنيات ولاسيما في مرحلة تتميز بالانفجار الإعلامي والمعلوماتي(9). وتكمن أهميته في أنّه وثيق الصلة بالمنهج، حيث يفقد شرعيته خارج منهجه، ومن ثم فتوظيف مصطلحات من مناهج مغايرة علامة من علامات عدم التحكم في المنهج، ويؤدي ذلك إلى خلط في المفاهيم وفوضى واضحة في النتائج.
لقد أجمعت مراجع كثيرة على الطابع المنطقي والعلمي للمنهج باعتباره مجموعة من الآليات والإجراءات العقلية التي تؤدي عند تطبيقها إلى نتائج لا تناقض فيها، طبقا لتأثير الفلسفة الصورية الأرسطية، بالإضافة إلى تأثير الاتجاه العلمي بعد عصر النهضة الأوروبية، والذي تدعم أكثر بالفكر الديكارتي. وهكذا اقترن المنهج بالمنطق والعلم والواقع بمعطياته وقوانينه المختلفة.
وللمنهج مفهومان: عام، يرتبط بطبيعة الفكر النقدي ذاته في حقول العلوم الإنسانية بعامة، والتي أسس لها ديكارت بمقولته: "الشك يؤدي إلى اليقين" وهو منطلق يرفض كلية أية مسلمات إلا إذا صحت البرهنة عليها عقليا، وخاص، يتعلق بالدرس الأدبي والنظر في القضايا الأدبية ومظاهر الإبداع بكل أشكاله، وبذلك فهو يتحرك بمنظومة خاصة به تتألف من مستويات عديدة، أبرزها مستوى النظرية الأدبية، وبالتالي فكل منهج نقدي لا بد له من نظرية في الأدب، وما هي علاقاته بالمجتمع والمبدع والقارئ(10).
إنّ المنهج يختبر مبادئ هذه النظرية ويمارس فاعليته من خلال جهاز اصطلاحي ينتمي إليه، الأمر الذي يجعل أي تحويل في نظرية معينة يؤدي إلى تعديل ولو نسبي في المنهج وتغيير في المصطلح.
ففي الأول، كان الحديث عن المحاكاة الأرسطية، وفي القرنين السابع والثامن عشر صارت الرومانية تهتم بعلاقة الفرد والمجتمع، وبعد أن كان التركيز على الماضي المجيد والمطلق، صار الاهتمام أكثر بالحاضر المأساوي المعقد والمستقبل المرتقب، وإلى غاية القرن العشرين حيث ظهر علم اللغة كعنصر مهم في النظرية الأدبية.
والجدير بالملاحظة أن النظرية الأدبية يمكن أن تجمع مناهج عديدة بمصطلحات متنوعة تعود إلى أساس معرفي واحد لا تناقض فيها أثناء الممارسة(11)، كما يجوز تبادل بعض المصطلحات لذلك يجب عدم الخلط بين مصطلحات تعود إلى مناهج ذات أصول معرفية مختلفة بحجة التوافق والتكامل والإثراء، كما هو الشأن مثلا في مصطلح التأويل في النقد العربي المعاصر. ذلك أنّ أصول التأويل في الحقل التراثي العربي لا تتقاطع مع نظيرتها في الفكر الغربي، وبالتالي كيف لي أن أطبق هذا المصطلح بمفهومه الغربي على مدونة تراثية أو قرآنية، وأطمح إلى تحقيق نتائج منطقية مقنعة.
وهكذا، وفي أواخر السبعينات، لم يعد تأليف المعاجم ووضع المؤلفات المصطلحية يشكل أهمية بقدر ما أصبح تقبل هذا المنهج أو ذاك بمحتواه المصطلحي، نقطة تثير الكثير من السؤال والجدال ولا سيما في خطابنا النقدي المعاصر، حيث يعاني أزمة خانقة ويعيش إشكالية واضحة نتيجة الانفتاح اللامشروط الذي عرفته الساحة النقدية العربية على التيارات الفكرية المختلفة، وابتلاعها دون هضم ولا استيعاب أحيانًا، مع ما صاحبها من تهافت على أحدث المناهج الغربية بدون نقد ولا غربلة... بحجة حتمية الانفتاح نحو الآخر. فالانفتاح وسيلة لاكتشاف الذات عبر الآخر لا لتضييعها كما هو شائع الآن، حيث إقبال الباحثين على توظيف المناهج الغربية في الدراسات الأدبية، وكان وقوع الخللِ الذي مرده سوء التطبيق بسبب تلك المفارقة بين الأرضية الحضارية والتاريخية(12).
وإذا أدركنا أنّ من نتائج التعامل العلمي مع المصطلح هي الغاية المنهجية والعلمية والمعرفية، فلا شك أن تقديم المصطلح هو من صميم المثاقفة، إذ يدرك الباحث بأنّه يقدم مصطلحًا جديدًا، وغالبًا ما يتطلب ذلك تكوين قارئ جديد أيضًا... فمسؤولية تقديم المصطلح من حقل أجنبي غربي إلى حقل عربي، هي ذات أهمية بالغة، فكلما سعينا إلى توضيح المصطلح وتبسطيه توضيحًا منهجيًا مقصودًا، فإنّ ذلك سيعبر أولاً عن وعي صاحب الخطاب، مقدّم المصطلح بالمادة التي يقدمها، ويحقق ثانية ذلك التعاقد الضمني الموجود بينه وبين القارئ، ثمّ إنّ التوقف عند المصطلح في دقائق مكوناته وأصوله المرجعية، واستجلاء القصد منه لإزالة اللبس فيه، أمر ضروري لخلق موسوعة جديدة في خطابنا وفي تعاملنا مع المصطلح(13).
إذن فالصلة وثيقة بين المنهج ومصطلحاته من جهة، وعدم براءتها الإيديولوجية من جهة أخرى، ذلك أن ثمة مشكلة تتعلق بتعاملنا مع منهج نقدي ما، وحلّها يستلزم ضرورة فهم المنهج في شموليته، فمسألة اختيار منهج من المناهج ليس بالأمر الهيّن والسهل من حيث علاقته بالخلفية الابستمولوجية المؤطرة له، والتي غالبًا ما يهملها الباحث/الناقد، فكلّ مصطلح أو منهج إلا ويحمل في طياته مجموعة من القناعات، وهذا يعني وجود خلفية فكرية تختصر نفسها ورؤيتها وتفسيرها من خلال المصطلح النقدي(14).
فالعلاقة بين النظرية والمنهج يمكن فهمها من خلال علاقة المنهج بالمذهب من حيث هو عبارة عن مجموع المبادئ التي تعطي صورة كلية وإجابة تامة عن ماهية الأدب وعلاقاته المتعددة التي يؤمن بها المبدع والناقد، ومن هنا ارتبطت الإيديولوجية بالمذاهب الغربية، فأثر ذلك على مناهج النقد قبل القرن العشرين(15)، والسبب هو أن الفكرة الأدبية تسهل مراجعتها وتغييرها ولكن رؤية الإنسان للحياة وموقفه منها من الصعب تغييرها بسهولة، لذلك فالمذهب له بطانة إيديولوجية معقدة وثابتة، وبالتالي فالأديب الذي يعتنق مذهبا لا يتخلص منه بسهولة، بينما المفكر الذي يقتنع بمنهج محدد يمكن أن يعدل فيه ويضيف عليه بكل مرونة، لأن علمية المنهج تخول له رفض المسلمات والوثوقيات المطلقة، إلى أن جاء العصر الحديث، حيث تراجع التيار المذهبي وحل محله التيار العلمي.
لقد صارت غالبية النقاد العرب مولعة بما حققته المناهج الغربية في مجال الدراسات النقدية، وأصابنا العمى عن إدراك أن المنهج شأنه شأن باقي الإفرازات الحضارية الأخرى، فهو ثمرة مرحلة تاريخية ذات خصوصيات اجتماعية واقتصادية وحضارية معينة، ومن ثمّ فإنّ كل تعامل معه يغيّب هذه الحقيقة، تتولد عنه نتائج لا صلة لها ببيئة الأدب العربي في أبعادها الاجتماعية والنفسية والاقتصادية وحتّى اللغوية، كما أقرّ ذلك أحد الباحثين(16).
وعليه من الاستحالة بمكان تطبيق منهج بخصوصيته الاصطلاحية على أي موضوع في كلّ العصور، بل يجب الفحص والمراجعة والمقارنة بوعي نقدي حاد جدًا، بالإضافة إلى النقائص الواضحة في استيعاب بعض المفاهيم الاصطلاحية، وتلك الفوضى العارمة في نقل وترجمة المصطلحات النقدية.
ولنتوقف عند بعض المصطلحات العربية نقل الحواري La dialogisme عند ميخائيل باختين التي أخذت عدة تسميات في نقدنا العربي المعاصر كالتناص والتعددية الصوتية والتفاعلات النصية والمثاقفة وتداخل المعارف والحضارات... وإن كان في كل لفظة من هذه الألفاظ صلة قريبة أو بعيدة من المصطلح الأصلي.
كذلك مصطلح التفكيكيةdeconstruction  عند "جاك دريدا" فقد نقل إلى العربية باسم التشريحية والتقويض وإعادة البناء والهدم مع أنّ أول من استعمل مصطلح التفكيكية بمفهومها الدريدي (1966 بأمريكا)، كان سامي محمد سنة 1980 في مجلة "أقلام"(17).
كذلك مصطلح التلقي (Réception) حيث ترجم إلى الاستقبال والتقبل، والملاحظ أن بعض الدارسين العرب يأخذون بالتلقي الذي يضمن الاهتمام بالمتلقي ودوره في عملية التواصل الأدبي بين المبدع والنص والقارئ، في حين إن الاستقبال أو التقبل قد يأخذان أبعادا غير تواصلية، ومن ثم لا يحققان جمالية التلقي... الخ.
أما إذا عدنا إلى الأصول النظرية لبعض المناهج، وبالتالي مصطلحاتها الكثيرة، أمكننا إدراك أنها وفي الكثير منها تنقصها البراءة الإيديولوجية، فالبنيوية التكوينية مثلا لا يمكن التفاعل مع إجراءاتها المنهجية، إلا إذا استوعبتها الفلسفة المادية من جهة والفكر الماركسي من جهة ثانية، ذلك أن رائدها "لوسيان غولدمان" قد استفاد، بل تأثر كثيرا بأستاذه "جورج لوكاس" والطرح الماركسي، وبالتالي عندما نذهب لمقاربة مثل هذه، علينا أن نحتاط من طبيعة هذه  المدونة والأهداف المنتظرة من ذلك، فرؤية العالم، والوعي القائم والوعي الممكن والتشيؤ، هي مصطلحات لها خصوصيتها عندما ندرجها ضمن النقد الغولدماني.
والأمر نفسه ينطبق على حوارية "باختين"، المصطلح الذي ظهر في مرحلة تميزت باستبداد في الرأي، واستلاب للحريات والاعتقاد المطلق والكلي بقناعات الحزب الشيوعي المتسلط في الاتحاد السوفياتي / روسيا الآن.
لقد رفضت حوارية "باختين" كل المركزيات والوثوقيات، والأحاديات المسيطرة فكرا وممارسة سياسيا وثقافيا، فدعت إلى تقبل الآخر، بواسطة الحوار والنقاش، مقرة بالفكر التعددي في الإيديولوجيا والثقافة واللغة والوعي، نابذة مختلف أشكال الإقصاء، فمدونة تعج بالفكر الوثوقي والمسلمات الثابتة والرؤى المنغلقة على ذاتها، لا يمكن أن توظف فيها آلية من آليات التوجه الحواري الباختيني، وإلا كنّا كالذي يحفر في منجم وبيده فأس صدئة.
كذلك الظروف والمعطيات التي أدت إلى ظهور نظرية التلقي في ألمانيا في فترة الستينيات، ولاسيما على الصعيد السياسي، من خلال جماعتي "نومان" و"كونستنس"، حيث أوضحت أنّ النقد الأدبي على وشك الموت بل الأدب أيضا، كما كانت ترى الدائرة الرسمية لأغلبية دور النشر الألمانية، مما دفع إلى إيجاد مقاربات أدبية جديدة، وبالتالي إيجاد معايير نقدية جديدة، فمن التركيز على رسالة الأدب، صار الاهتمام بالقراءة والتلقي وانتشر هذا المفهوم في أوروبا وأمريكا وحتى آسيا(18).
والسؤال كيف تعامل النقد العربي مع نظرية القراءة ممثلة بـ"إيزر" و"ياوس"؟ نلاحظ أن الانتقال تم عن الألمانية إلى الفرنسية ثم العربية وخصوصا مع التقاء المغاربة مثل: عبد الفتاح كليطو في "الأدب والغرابة"، ورشيد بن حدو "قراءة القراءة" وغيرهما...
على أن هذه الترجمات ولنقل هذا الاستثمار للإجراء النقدي الغربي كان جزئيا وغير منتظم، فوجدنا أنفسنا أمام مادة خام عن الآخر راسخة في ذهن نخبة ليس باستطاعتها أن تقرأ في واقعنا الأدبي والجمالي والحياتي، وتخلق تواصلا إيجابيا بين الناقد المترجم والمتلقي، لأن أغلب هذه النظريات تعرفنا عليها كاملة جاهزة بكل تراكمها النقدي الذي واكبها في ألمانيا وخارجها، فقد تعاملنا مع النظرية ونقد النظرية في الآن نفسه(19). هل الناقد العربي استشعر الوضعية، التي عاشتها جماعة "كونستنس" عندما أحدثت ثورة في مجال الدراسة العلمية بشكل منظم ودائم، من خلال الاجتماعات والنقاشات بين الأعضاء بعد الحرب العالمية الثانية؟!
بالطبع لا، فالناقد العربي لم يستشعر مثل هذه الحالات إلا في وقت متأخر (بداية الثمانينات) عندما أدرك ضرورة « التنحي عن سلطة النقد المشرقي »(20)، هذه السلطة التي غيبت الأبعاد الديمقراطية، وعدم إلغاء الآخر/القارئ مثلما طرحته نظرية التلقي، كما أن وضعيات مماثلة ومتكررة مرت بها المجتمعات العربية منذ الخمسينيات، ولم تدفع بالنقد العربي إلى الثورة وتجاوز الرؤية النقدية القديمة، وربما يعود السبب في ذلك إلى انعدام الوعي النقدي الصحيح للاختلاف بين منظومة القيم العربية والغربية. والخلاصة كيف نضع مقاربات بإجراءات غريبة عن بيئتنا وطريقة تفكيرنا ونظرتنا إلى الحياة؟!
إنّ إهمال هذا الشرط/الشروط هو الذي أدى بالكثير من المحاولات التطبيقية لمختلف الإجراءات المنهجية المعاصرة بأن توصف بالنقص والفشل، فضيّعت المفهوم الأصلي للمصطلح، كما شوهت حقيقة نص المدونة العربية « عندما نستهلك ما تبقى من فتات يلفظه غيرنا الملقن والآمر ونحن بمثابة الببغاء المقلد لا غير »(21)، بل أحيانا يبحث الناقد عن أنجع الوسائل لخدمة المنهج، فيطاوع النص الإبداعي، لتحقيق أهداف هذا المنهج أو ذاك، ونمثل لذلك بما حاول "إبراهيم الخطيب" لما أسهم بقصد أو بدون قصد في إثبات نجاعة المنهج الشكلاني من خلال مقاربته لرواية "رفقة السلاح" 1977 لمبارك الربيع بتوظيفه لبعض المصطلحات كتقنية السرد والتوازي وغير ذلك(22).
إنّ التخلف صفة للمقلد التابع مقابل التقدم المذهل الذي حققه الغرب الغالب في مجال العلوم والمعارف المختلفة، فالمصطلح كما رأينا وثيق الصلة بالعلم « فالأول يدفع الثاني للمضي أكثر نحو الأمام، والثاني يساعد المصطلح على تداوله وضبطه أكثر »(23).
إنّ الغرب لا يوزع المعارف على غير أبنائه الذين صنع لهم ويصنع لهم وبهم حضارة الرقي والتقدم، هذا فضلا عن أن مريديها من مثقفينا صاروا يستهلكون أوروبا في أوطانهم(24)، ناهيك عن غربة أخرى نلمسها من الانكفاء على الماضي بسبب القطيعة الحتمية والشرخ الذين فُرضا على سيرورة الفكر العربي.
 
وأخيرا، ومع أنّ المناهج النقدية هي محصلة إنسانية عامة تشمل كل الآداب الغربية والعربية وثقافتها، إلا أنّ هذا لا يبرر وجوب التعامل مع مصطلح نقدي غربي بمدونة عربية إسلامية بالطريقة التي يشتغل بها على أخرى غربية، ذلك أن المقومات الفكرية والأسس الفلسفية وأشكال التطور التي خضعت لها في الحضارة العربية ليس هي نفسها في نظريتها الغربية، حيث لكل دائرة خصوصيتها المحلية. وعليه، فالمصطلح لا يركب تركيبا اعتباطيا أو يأتي من الخارج، وإنما ينبثق من رحم المنابع الأصلية لهذه الثقافة أو تلك، وفضائها المعرفي(25). فالحذر ضروري أمام تراكم المناهج النقدية الغربية من جهة، وكثافة المصطلحات من جهة أخرى، ذلك أن المصطلح يكون بطريقة أو بأخرى معبأً إيديولوجيا أكثر من أنه يحمل توجها علميا صارما، هو مبتغى أي ناقد موضوعي في مقاربته النصية.
إحالات الموضوع:
[1] - انظر: أحمد أبو حسن: في المناهج النقدية المعاصرة، دار الأمان، الرباط، ط 1، 2005، ص 6.
 
2 – انظر: المرجع نفسه، ص 75.
 
3 – Voir : Isabelle STENGERS : D’un science à l’autre, des concepts nomades "La propagation des concepts", éds. du Seuil, Paris, 1987, pp 18 – 25.
 
4 - عبد القادر الجرجاني، كتاب التعريفات، نقلا عن: د. محمود فهمي حجازي، الأسس اللغوية لعلم المصطلح، دار غريب للطباعة والنشر، (د. م)، (د. ت)، ص 10.
 
5 – محمود فهمي حجازي، الأسس اللغوية لعلم المصطلح، ص ص. 10 - 12.
 
6 - أحمد أبو حسن، المصطلح والنقد العربي الحديث، الفكر العربي المعاصر، عدد 60، فبراير 1989، مركز الإنماء القومي بيروت، لبنان، ص 83 - 84.
 
7 - لمعلومات إضافية، انظر: الأسس اللغوية لعلم المصطلح، ص 18.
 
8 – انظر: المرجع نفسه، ص 14.
 
9 – انظر: محمد الديداوي: الترجمة والتواصل، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، بيروت، ط 1، 2000، ص 45.
 
10 - انظر: صلاح فضل: مناهج النقد المعاصر، إفريقيا الشرق، الدار البيضاء، بيروت، 2002، ص ص 9 - 11.
 
11 - انظر: المرجع نفسه، ص ص 12 - 13.
 
12 - انظر: عبد العالي بو طيب: "إشكالية المنهج في الخطاب العربي الحديث"، مجلة عالم الفكر، المجلد 23، ع 1 و2، جويلية سبتمبر، أكتوبر ديسمبر 1994، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، ص ص 456 – 457.
 
13 - انظر: مجلة الفكر العربي المعاصر، ص 90.
 
14 – انظر: مجلة عالم الفكر، ص 457 - 458.
 
15 - انظر: صلاح فضل: مناهج النقد المعاصر، ص ص 14 - 15.
 
16 - انظر: عباس الجراري: خطاب المنهج، منشورات السفير، ط 1، 1990، ص 24.
 
17 – انظر: يوسف وغليسي: إشكالية المصطلح في الخطاب النقدي العربي الجديد، الدار العربية للعلوم ناشرون، ومنشورات الاختلاف، ط 1، 2008، ص ص 344 – 352.
 
18 – انظر: أحمد أبو حسن، في المناهج النقدية المعاصرة، ص ص 79 - 80.
 
19 - انظر: المرجع نفسه، ص ص 82 - 85.
 
20 – انظر: نفسه، ص 86.
 
21 - خلدون الشمعة، المنهج والمصطلح، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 1979، ص 31.
 
22 - انظر: أحمد بوحسن، في المناهج النقدية المعاصرة، ص 113.
 
23 – محمود فهمي حجازي، الأسس اللغوية لعلم المصطلح، ص ص 16 - 17.
 
24 - انظر: عبد الله بلقزيز، إشكالية المرجع في الفكر العربي المعاصر، دار المنتخب العربي، بيروت، 1992، ص ص 53 - 54.
25 - انظر: محمود محفوظ: الحضور والمثاقفة، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، بيروت، ط 1، 2000، ص ص 20 - 21.