من قضايا النقد الأدبي لدى البيئة الفلسفيّة بالأندلس

محمد التجاني محجوبي

جامعة محمد بوضياف ـ المسيلة

     علاقة الفن والأدب بالفلسفة من القضايا التي تساءل فيها المفكّرون قديما وحديثا، وأسفرت أسئلتهم في ذلك عن مواقف متطرفة وأخرى معتدلة ، وقد يبدو تساؤلهم أمرا طبيعيا ومنهجيّا إذا ما نظرنا إلى تلك الركائز الثلاث التي تتوازن بها حياة الإنسان ، وهي : الفنّوالدين والفلسفة (1) ؛ فهناك تداخل وتكامل واضح بين تلك المستويات المعرفية والوجدانية في الحياة ، ولذلك حظيت بنقاش واسع منذ العهود الأولى للفكر اليوناني ، وجاء الفكر الإسلامي فيما بعد ليقوم بدوره الحاسم في إحداث التوازن المنشود وسدّ أبواب التطرّف في تفسير الظواهر المختلفة التي واجهها الإنسان في معركة الوعي بالذات وبالوجود .

     وباعتبار الأدب فنّا من الفنون الجميلة ، فإنّ العلاقة بينه وبين الفلسفة تبدو أمرا طبيعيا ، انطلاقا من النظرة التكامليّة الآنفة الذكر، رغم تطرّف أفلاطون قديما وهيجل حديثا ، وغيرهما من المثاليين والأخلاقيين ، في رمي الفنّ والأدب وما دار في فلكهما بالدّونيّة .

     وإذا سلّمنا بطبيعة هذه العلاقة ، ففي أيّ سياق يا ترى ، تأتّى للفلاسفة الحديث عن الفنّ والأدب ، أو إصدار أحكام نقديّة بشأنهما ؟ لا شكّ أنّ ذلك إنّما تمّ في سياق تفسيرهم للظاهرة الجماليّة ؛ لقد تحدّث الفلاسفة من قديم في سرّ الجمال ، إن في الطبيعة أو في الفنّ ، وقد جرّهم ذلك ـ طائعين أو مكرهين ، وبحكم اهتمامهم بالكليّات ـ إلى قول كلمتهم في الفنّ والشعر والأدب ، ولا غرو بعد ذلك أن ترد إلينا فيما خلّفوا من كتابات ، بعض الأحكام النقديّة الخاصّة ببيئتهم ، نعني البيئة الفلسفيّة والمنطقيّة 

     فهل كان للفلاسفة المسلمين حقا آراء واضحة في النقد الأدبي ؟ وإن كان ذلك ففي أيّ سياق تمّ تناولهم إياه ؟ ثمّ ما مدى تمثيلهم للنقد العربي والبيان العربي في كلّ ذلك ؟ وأخيرا هل تأثر الأدب الأندلسي ونقده بشيء من طروحاتهم ؟ تلك هي الأسئلة الجوهريّة التي نروم الإجابة عنها من خلال مقالنا المتواضع هذا : " من قضايا النقد الأدبيّ في البيئة الفلسفيّة الأندلسيّة " .

     إنّ محاولة الفصل بين الفلسفة من جهة والفنّ والأدب من جهة هو ضرب من الوهم ، ومرده فيما نرى إلى تلك المعركة القديمة بين أنصار العقل من مناطقة وفلاسفة وعلماء ، وأنصار الخيال من متصوفة وأدباء وشعراء وفنانين ، وهو من التطرف الذي يتنافى مع تكامل قوى النفس الإنسانية ، وربما أفضى بأصحابه ، دون شعور، إلى الفصل الفاضح بين اللغة والفكر(2)  وإن كان التفصيل في هذه القضيّة بالذات ممّا لا يتسع له السياق ههنا ، ولكنّ له موضعه المناسب فيما يلي من فقرات.

     إنّ قائمة فلاسفة الإسلام في الأندلس طويلة بعض الشيء ، ولذلك ملنا إلى تمثيلهم بتلك العينة التي أثر عنها اتصال واضح بالأدب ونقده ، كابن حزم الظاهريّ، وابن رشد الحفيد ، وحازم القرطاجنّي كناقد متفلسف ، ثمّ ابن خلدون ، دون إهمال طبعا ، لغير هؤلاء ممّن يمكن الاستئناس بآرائهم ، من أولئك الذين مثلوا آراء البيئة الفلسفية في النقد الأدبي في بلاد الأندلس .

من ملامح الفلسفة العربيّة الإسلاميّة :

     وإذا كانت الفلسفة العربية الإسلاميّة هي الإطار الثقافيّ العامّ الذي تندرج تحته القضايا النقديّّة المزمع عرضها في هذا المقام ، فإنّ من حقّ تلك الفلسفة علينا أن نشير إشارة خاطفة إلى بعض ملامحها العامّة ، ونعني من ذلك ارتكاز تلك الفلسفة على كتاب الله وسنة رسوله ، وعلى التراث البيانيّ العربيّ الأصيل ، كما أنّ منها أيضا شموليّة تلك الفلسفة وسعيها الحثيث لتحقيق الفضائل ، التي تنبع كلها من تقوى الله ، التي جعلها الرّسول الكريم رأس الحكمة (3).

     وقد وجد الجوّ الفلسفيّ الإسلاميّ الأصيل منذ أيّام الحسن البصريّ وعمرو بن عبيد وواصل بن عطاء ، وما أثاروا من مسائل تتعلّق بعلاقة العبد بخالقه ، وعلاقة العقيدة بالعمل والسلوك ، وحقيقة الخير والشرّ ، والجبر والاختيار ، وغير ذلك من أسئلة العقل في اتفاقه أو تعارضه مع النقل ، لقد خاض القوم في ذلك كلّه قبل أن ينغمس المترجمون في نقل فلسفة اليونان (4) نقلا مضطربا عن السريان .

     ولم تستغن الثقافة العربيّة الإسلاميّة عن الإفادة من الثقافات الوافدة عليها في عصر الترجمة ، في حدود ما يوافق طابعها العامّ ومزاياها الأصيلة ، وممّا يوحي برحابتها وقدرتها على استيعاب الآخر وتثمين إنتاجه وتمحيصه في الوقت ذاته .

     لقد أنتجت الثقافة العربيّة الإسلاميّة فكرا عريقا سجّل مآثرها قبل عصر التدوين، وأبرز عبقريّتها ومزاياها أثناء عصر التدوين ، وكان الأدب العربيّ ونقده حلقة واسعة من حلقات ذلك الفكر ، وكان لفلاسفة الإسلام من متكلّمين وغيرهم دور بارز في إعلاء صرح ذلك الفكر ، انطلاقا من الواقع الثقافي العربي الإسلامي .

علاقة الفلاسفة المسلمين بالأدب ونقده :

     لقد كان متكلّمو الإسلام أرباب النقد والبلاغة بلا منازع ، ومن ثمّ فحديثهم في الأدب ونقده ـ دون بقية الفنون الجميلة ـ  من صميم نشاطهم الفكريّ والعقديّ ، دفاعا عن الكلام الجميل وعن دور العقل في صنعه ، وعن الإعجاز القرآني وعن المجاز. لقد استعان هؤلاء بآليات المنطق والفلسفة في خطابهم ذاك ، ولم تكن علاقتهم بالخطاب الأدبي والشعري محلّ تساؤل إذ كان القرآن منطلقهم بما فيه من إعجاز فنيّ ، وإنّما التساؤل في علاقة الفلاسفة المسلمين خاصّة بالأدب ونقده ، فلقد تأسّست علاقة هؤلاء بالفنّ والأدب ونقده بشكل  عرضيّ (5) ، من خلال شروحهم وتلخيصاتهم لأرسطو وغيره  من فلاسفة اليونان ؛ فلولا ما ورد في كتابي الشعر والخطابة لأرسطو لغاب الحديث عن الأدب والنقد والبلاغة غيابا شبه كلّي في طروحاتهم . وحين كان الشعر والخطابة آخر حلقات المنطق الأرسطي، فإنّ الفلاسفة تعاملوا معهما بأحكام المنطق وخصوصياته .

     وبنظرة سريعة إلى حلقات المنطق الأرسطيّ في ترتيبه الموروث عن السريان نجد أنّ الخطابة والشعر قد عدّا آخر حلقتين فيه، وكان ترتيب تلك الحلقات كالآتي :

 1 ـ  المقولات العشر : ( قاطيغورياس ) .

 2 ـ  العــــبارة  : ( باري آرمينياس ) .                                                                                         3ـ  القــــياس أو التحليلات الأولى : ( أنالوطيقا الاولى )

4 ـ  البرهـــان أو التحليلات الثانية : ( أنالوطيقا الثـانية )

5 ـ  الجــــدل أو صناعة الحجاج : ( طوبيــقا ) .

 6 ـ  الأغالـــيط أو الحكمة المموّهة : ( سوفيسطيقا ) ، وهي إثبات الخداع        الموجود في منطق السوفسطائيّين القائم على القياس الظاهريّ لا الحقيقيّ .

 7 ـ  نظريّة المعرفة : أي صلة التفكير بالمعرفة ، يعني كيف يعرف الإنسان ؟ 

8 ـ  الخطــــابة : ( ريطــوريقا ) .

 9 ـ  الشـــــعر : ( بوييـــطيقا ) .

     وقد أطلق على كتب المنطق هذه كلمة " الأورجانون " التي تعني الآلة في لغتهم، ويصرّ الأرسطيون المحدثون على إخراج الخطابة والشعر من جملة الأورجانون هذه .

     ومن ثمّ نظر الفلاسفة المسلمون إلى الشعر خاصّة على أنّه نوع من أنواع القياس ، فالأقاويل عندهم لا تخرج عن أحد الوجوه التالية وهي ما أسموه بالصّنائع الخمس :

     1 ـ  صادقة كليّة : فهي برهانيّة ، ونتيجتها / يقينيّة .                                                                                  2 ـ  صادقة بالبعض على الأكثر : فهي جدليّة ، ونتيجتها / ظنيّة .                                                       3 ـ  صادقة بالبعض على الأقلّ : فهي سوفسطائيّة ، ونتيجتها / مغلّطة .                                            4 ـ  متساوية الصدق والكذب : فهي خطبيّة ، ونتيجتها / مقنعة .                                                 5 ـ  كاذبة كليّة : فهي شعريّة ، ونتيجتها / مخيّلة .

     فالشعر إذن ، يأتي في آخر رتبة من هذه القياسات الخمسة ، وهو لا يوقع تصديقا وإنّما يوقع تخيّلا محرّكا للنّفس إلى انقباض أو انبساط تجاه ما يخيّل لها ، ومن ثمّ يتّضح من أين جاءت كلمة " التخييل " التي قارنت عند الفلاسفة المسلمين معنى " المحاكاة " ، وهي بنت البيئة المنطقيّة أوّلا وقبل كلّ شيء .

تسرّب النزعة العقليّة والفلسفيّة إلى الأدب و" الشعر" خاصّة :

     وإذن فقد كانت ترجمات منطق أرسطو والتلخيصات التي أجريت على خطابته وشعره إحدى البوّابات التي تعانق من خلالها الفنّ والأدب مع الفلسفة ، وربّ رمية من غير رام ، إلاّ أنّ علاقة المتكلّمين بذلك كانت علاقة إيديولوجيّة ، ارتبطت في الأساس بتعليل ظاهرة الإعجاز في القرآن الكريم . ولكنّ الذي يعنينا ههنا هو أنّ جسرا واضحا قد امتدّ ـ عبر الترجمات والشروح والتلخيصات ـ بين الفلسفة من جهة والشعر والأدب والفنّ من جهة أخرى ، ومن خلال هذا الجسر نفسه أخذت الفلسفة ومعانيها تتسرّب شيئا فشيئا إلى نصوص الأدب والشعر خاصّة .

     وإذا كان في النثر ذلك الوعاء الطيّع الذي تقبّل المعاني والأفكار الفلسفيّة بيسر، فإنّ طبيعة الشعر العربيّ لم تتقبّل ذلك بسهولة ، خصوصا وقد وقف التيّار النقدي المحافظ موقفه المتصلّب الرّافض للمعاني الفلسفيّة في الشعر .

     والأمثلة على تسرّب الفلسفة إلى الشعر كثيرة جدّا ، نلحظها بوضوح في تلك الهجومات المسعورة التي شنّها بعض قدماء النقّاد على أمثال أبي تمّام والمتنبي والمعرّي ... وغيرهم من المحدثين بتهمة خرقهم لعمود الشعر والتقاليد الفنيّة الموروثة فيه ، وغمسهم إيّاه في مقولات الفلسفة والكلام ، ويأتي على رأس تلك الهجومات ما اتّهم به الحاتميّ المتنبي من أخذ بعض معانيه من مقولات أرسطو ، فيورد من ذلك مثلا قوله :

     يراد من القلب نسيانـكم        وتأبى الطّباع على النـّـاقل

فالمعنى هنا ، على زعم الحاتميّ ، مأخوذ من قول الفلاسفة : " روم نقل الطّباع عن ذوي الأطماع شديد الامتناع " ، ومنه قول أرسطو : " وكلّ شيء يستطاع نقله إلاّ الطّباع " (6).

ومن ذلك قوله أيضا :

     وإذا كانت النفوس كـبارا       تعبت في مرادها الأجسام

فمردّه عندهم إلى قول الفلاسفة : " إذا كانت الشهوة فوق القدرة كان هلاك الجسم دون بلوغها " (7).

ومنه قوله أيضا :

     أعـيذها نظرات منـك صادقة      أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم

فمردّه عندهم إلى قول الفلاسفة : " الفقير إذا تشبّه بالغنيّ في الهيئة كان مثل الوارم الذي يوهم النّاس أنّه سمين " (8).

      ونحن لا نقف من المتنبي ، في مسألة التأثر هذه ، موقف الحاتمي الذي أثبته كليّة ، ولا موقف أحمد أمين الذي نفاه كليّة (9) ، وإنّما ينزّل الأمر بين بين فيما نرى؛ ويعني ذلك أنّ التأثر بالجوّ الفلسفي العامّ وارد بقوّة ، ويؤكّده النهم الذي عرف به المتنبي إلى المطالعة ، وأمّا القصد إلى معان جزئيّة بعينها أرسطيّة كانت أو غيرها، فغير وارد إطلاقا لما عرف به الرجل من معاناة وجدانيّة ونفسيّة حقيقيّة من شأنها أن تنتج ما أثر عنه من حكم ومعان عميقة ، ولعلّ منها قوله :       

     والظّلم من شيم النفوس فإن تجد      ذا عفـّة فلـعلـّة لا يظـلمُ .

فالبيت هنا محض فكر وفلسفة إذا ما جرّد من الوزن والقافية ؛ وفحواه ما ذهب إليه بعضهم ،  من أنّ الشرّ أصل في هذا الوجود والخير فرع طارئ عنه ، ولكن ما الذي يحوج مجرّبا كالمتنبي إلى اقتباس مثل هذا المعنى من الفلاسفة ؟!

     ولم يسلم شعر أبي تمّام أيضا من هذه الخطرات الفلسفيّة والكلاميّة ، في سياق من الغموض والتعقيد ، كما في قوله يصف الخمر :

    جهــميّة الأوصاف إلاّ أنّــهم     قـد لقـّبوها جـوهر الأشـياء                      وقديمة قـبل الزمـان حديــثة     جاءت وما نسـبت إلى آنــاء .

فجهميّة الأوصاف ، وجوهر الأشياء ، والزمان والقدم والحدوث ، كلّها مصطلحات من إفراز البيئة الكلاميّة والفلسفيّة ، يفسد إعمال الفكر فيها جمال البيت الشعريّ ، كما استقرّ في أذهان النقاد والبلاغيين يومها .

     ويضمّ إلى هؤلاء حكيم المعرّة وشاعر الفلاسفة ، الذي مزج بين الفلسفة والشعر مزجا ظاهرا في مثل قوله مفنّدا قول الفلاسفة بخلود الرّوح دون الجسد :

     قـال المنجّم والطبيب كلاهـما      لا تحشر الأجساد قلـت إليكما                                            إن كان رأيكـما فلست بخاسـر     وإن صحّ قولي فالخسار عليكما .

وقس على ذلك ما ورد في أشعار المتكلّمين ، من معتزلة ومن احتكّ بهم ، ممّا يضيق المقام عن ذكره .

     وكما عرفت تلك الخطرات الفلسفيّة طريقها إلى الشعر فإنّ طريقها إلى النثر قبل ذلك كان أيسر وأسرع ، بدءا بكتابات الجاحظ ومرورا بقدامة بن جعفر فعبد القاهر الجرجاني ثمّ وصولا إلى حازم القرطاجني ؛ فقد أفاد قدامة من مبحث " المادة والصّورة " في الفلسفة الأولى ، كما أفاد حازم فيما بعد من فلسفة أرسطو في المحاكاة والتخييل ، كما سيأتي .

نقطة التّقاطع بين الفلسفة والفنّ عموما :

     وإذا أثبتت النصوص هذا الاتّصال والتقاطع الواضح بين الفلسفة والأدب في مستوى المعاني والأفكار، تعيّن علينا بعد ذلك رصد نقطة التقاطع بين النشاطين المذكورين في المستوى المنهجي والدّراسيّ ، وقد ألمحنا سابقا إلى أنّ نقطة التقاطع تلك قد تمثلت في عنصر الجمال أي الظاهرة الجماليّة ، التي سوّغت للفلاسفة الحديث في الفنّ والإبداع والتذوّق والنقد . وتلحّ علينا الظاهرة الجماليّة هنا ببسط شيء عن فلسفة الجمال وبعض ما أفرزته منذ أفلاطون وحتى المدارس الحديثة التي أقحمت المنهج التجريبيّ على الظاهرة الجماليّة .

     لقد تساءل الفلاسفة من قديم في سرّ الجمال سواء في الطبيعة أو في الفنّ ، فجاء أفلاطون بفكرة النفع والخيريّة والقرب من صورة المثال ، فورثنا عنه فكرة الجمع بين المفيد والممتع، وعلى النقيض منه يأتي كانط في العصر الحديث بفكرة الجميل لذاته ولتكوينه ، مزيحا بذلك فكرة الغائيّة في الجمال ؛ فالجميل جميل لتكوينه الخاصّ لا لأنّه يحقّق غاية بعينها أو نفعا بعينه ، فإذا ما عدنا إلى أفلوطين وجدنا أنّ الشيء الجميل هو جميل لما يكون فيه من روح ومعنى يجعلانه وسيطا يصل الإنسان المتأمّل بالله ؛ فسرّ الجمال عنده كامن في الصّورة التي تدرك بالعقل لا بالحواسّ . ثمّ جاء الجماليّون المعاصرون باتجاه نظريّ ميتافيزيقيّ يقول بمصدر للجمال الموضوعيّ يعلو فوق الواقع الحسّيّ ، ومنهم : ب. كروتشي ، وروسكين ، وتولستوي ، ونيتشه ، وج. سانتيانا ، على اختلاف بينهم في التفاصيل ، وباتجاه ثان تجريبيّ تعامل أصحابه مع الظاهرة الجماليّة على أنّها موضوع من مواضيع العلم الصّرفة ، مطبّقين عليها مناهج العلم التجريبيّ ، ومن أعلام هذا الاتجاه : فخنر بإحصائيّاته ، وبياناته ، وقطاعه الذهبيّ ، ودوركايم بفكرة علم الاجتماع الجمالي ، ثمّ جرانت ألن بفكرة علم الجمال الفسيولوجي ، ثمّ فوندت بفكرة علم الجمال النفسي، ثمّ هاربرت سبينسر صاحب النظرة الاجتماعية الجادّة ، ثمّ تين ، مخضعا الجمال للعناصر التاريخية الحضارية : البيئة والزمان والجنس ، وأخيرا يأتي شارل لالو ، متأثرا بمثاليّة هيجل ، ليعمّق فكرة التفسير الاجتماعي للجمال ، لولا أنّه انقلب فيما بعد إلى التفسير الصّوفيّ متنائيا بالجمال عن العلم ومناهجه .

     وقد قال بعض هؤلاء المحدثين بموضوعيّة الجمال وعينيّته ، وقال آخرون بذاتيّته متأثرين بعلم النفس ، كما قال فريق ثالث بالجمع بين الصّفتين ؛ أي أنّ هذه الظاهرة موضوعيّة ذاتيّة في آن واحد (10).

     وكما استفظع بعض النقّاد إقحام المناهج العلميّة على الظاهرة الجماليّة ومنهم شال لالو بعد ردّته ، فإنّ منهم أيضا من بالغ في تأييده مشبّها ضرورة ذلك التفكير النّقديّ بضرورة الانتقال من شفافيّة الحدس إلى صرامة العقل ، ومن آفاق عالم الحقيقة إلى ضوابط عالم الشريعة كما يقول المتصوّفة (11).

     وقد كان لأبي حامد الغزاليّ (12) موقف متميّز في هذا الباب ، يمكن حسبانه في النظريّة الجماليّة الإسلاميّة ، وذلك حين قسّمها إلى ثلاثة أقسام : جمال حسّيّ ، وجمال عقلي ّ ، وجمال وجدانيّ أو روحيّ ، وقد فصل الغزاليّ بوضوح بين الظاهرة الجماليّة وأحكام الحلال والحرام التي تتعلّق بموضوع الظاهرة لا بالظاهرة نفسها ، وجعل ظاهرة الجمال كلّها آية ساطعة على الجميل المطلق الله عزّ في علاه. 

     وممّا يؤكّد علاقة الفلسفة بالأدب ، ما تمّ بين الاثنين من تأثر رصده بعض الدّارسين في رؤى المدرسة التكعيبيّة المتأثرة بالمذهب الفلسفيّ الفيثاغوريّ ، الذي فسّر الكون تفسيرا عدديّا وهندسيّا ، وكذا في رؤى المدارس التجريديّة الحديثة التي ترتدّ في أصولها إلى فكرة " المثل " عند أفلاطون ؛ فالفنّان التجريديّ يثبت من الشجرة جوهرها ومثالها العاري من الأوراق والثمار . ونجد ذلك أيضا في تأثر الفنّ الكلاسيكيّ بفكرة " الفورم " أو الصّورة والشكل عند أرسطو ، أي انتقال الأشياء من الوجود بالقوّة إلى الوجود بالفعل ؛ أي تحسس ملامح العامّ في الخاصّ ، وقد تمثل ذلك في المدارس التعبيريّة والسرياليّة التي تعدّ صدى لمدارس علم النفس وفكرة الشعور واللاشعور (13).

من ملامح نقدنا القديم بين الأصالة والتجديد :

     ممّا سبق يتأكّد لنا التقاطع الطبيعيّ بين تلك الأنساق المعرفيّة : الفلسفة والفنّ والأدب والنّقد ، كما يبدو لنا بشكل خاصّ أنّ النّقد الأدبيّ قد استلهم عبر تاريخه الفلسفة فيما حدّدته من مفاهيم وغايات ، متتبّعا مدى تحقيق الفنّ عموما لتلك الأسس والتحديدات ؛ وإذا كان ذلك شأن النقد الأدبيّ عموما فما مدى انطباقه على النقد الأدبيّ عند العرب ؟

     كان الشعر ديوان العرب وسجلّ مفاخرهم ومآثرهم ، وقد عرفت الحياة الأدبيّة في العصر الجاهليّ إلى جانب الشعر الرّائق خطرات نقديّة انبنت أساسا على الذوق والانطباع العامّ ، تحت سلطة جمهور الأسواق الأدبيّة التي عرفتها مكّة خاصّة ، وكان من أحكامهم النقديّة غير المعلّلة آنذاك إجماعهم على تفضيل سبع أو عشر من القصائد الطّوال التي سمّيت بـ " المعلّقات " ، ولم تخرج أحكامهم تلك عن طابع الموازنات بين الشعراء ، ولم تخل أحيانا من بعض التعليل ، وخير مثال على ذلك تلك الموازنة التي أجراها النّابغة بين الأعشى والخنساء وحسّان ، فقدّم الأعشى على الخنساء، وقدّم هذه على حسّان ، ممّا جعل حسّانا يتحدّى ببيته الشهير :

     لنا الجفنات الغرّ يلمعن بالضحى      وأسيافـنا يقطرن من نجدة دمـا

ولكنّه عرّض نفسه بهذا التحدّي إلى نقد بلاغيّ دقيق من قبل النّابغة ، لعلّه يعدّ من بواكير النقد المعلّل ؛ وذلك حين أوحى إليه بأنّ الجفان أبلغ في الدلالة على الكثرة من الجفنات لما بين جمع الكثرة وجمع القلّة من فرق ، وأنّ ( يبرقن بالدّجى ) أبلغ في المدح من ( يلمعن بالضحى ) ، لأنّ الضيف أكثر طروقا بالليل ، وأنّ كلمة ( يجرين ) أبلغ في الإيحاء بانصباب الدم من كلمة ( يقطرن ) ... إلى آخر الرّواية ، التي شهدت الأحياء العربيّة ، فضلا عن أسواقها ، مثيلات لها (14).

     وجاء الإسلام بعد ذلك ليحدث تغييره الشامل لجميع جوانب الحياة ، بفعل نصّي القرآن الكريم والحديث الشريف ، اللذين أثّرا في اللغة والأدب تأثيرا بالغا ، طال الألفاظ والمعاني والأساليب وكذا المقاييس النقديّة والبلاغيّة ، وازداد الذوق الفنيّ رقيّا في ظلّ البيان القرآنيّ ، وحمل الشعر رسالة جديدة أخرج بها من بهرج العبارة وتافه المواضيع ، ورجحت فيه كفّة المعنى على اللفظ ، وانحسرت دائرة الكذب وكذا الغلوّ والتناقض ، ولعلّ خير مثال على نقد هذا العصر ما يروى عن سيّدنا عمر بن الخطّاب ، حين سأل ابن عبّاس : هل تروي لشاعر الشعراء ؟ فقال ابن عبّاس : ومن هو يا أمير المؤمنين ، قال الذي يقول :

     ولو أنّ حمدا يخلد النّاس أخلدوا      ولكنّ حمـد النّـاس ليس بمخـلد

قال ابن عبّاس : ذلك زهير ، فبم كان شاعر الشعراء ؟! وأجابه عمر : لأنّه لم يكن يعاضل في الكلام ، وكان يتجنّب وحشيّ الشعر ، ولم يمدح أحدا إلاّ بما فيه (15). وتوحي هذه الرّواية وما شاكلها بالأساس الدّينيّ والأخلاقيّ الذي قام عليه النقد في هذا العصر ، وقد استمرّ الأمر على ذلك طوال العهد الرّاشديّ ؛ فقبلوا من الشعر ما لم يخالف مضمونه الدّين والأخلاق دون تدنّ في الذوق ، لقد قيّم الشعر يومها بجماله المألوف في الجاهليّة ولكن بشرط ألاّ يتعارض مع القيم الإسلاميّة الجديدة ، ولذلك كان جزاء الحطيئة ـ مقابل هجائه الجميل والدّامغ للزبرقان ـ السجن حتى يكون عبرة لمن تسوّل له نفسه خرق صرح أخلاق المجتمع الفاضل ، ولو بسبائك الفنّ الرّائق .

     وبداية من أواخر العصر الأمويّ وطوال العصر العبّاسيّ ، أي من القرن الثاني إلى نهاية القرن الخامس للهجرة تقريبا ، فقد نشطت حركة التدوين في الحديث واللغة والشعر ، وكانت الانطلاقة المدهشة لعلوم كثيرة اتخذت من فهم القرآن الكريم نواة وهدفا ، وقد حظيت علوم العربيّة بحظ وافر من ذلك النشاط ، ويأتي النقد وسليلته البلاغة في الدرجة الثانية بعد النحو واللغة لتناولهما جماليات الكلام وشروط تأثيره انطلاقا من القرآن ورجوعا على الشعر العربيّ في حدود عصر الاحتجاج .

     ولم يلبث ذلك النشاط أن تأثّر بالجوّ الثقافيّ الجديد وما عرفه من تنوّع عبر الترجمات ، ولم ينج الأدب ونقده خلال ذلك من تجديد وتأثّر ، وانقسم الناس في مواجهة ذلك الجديد فريقين : فريق ارتمى في أحضانه ولم يرض به بديلا ، وفريق وقف متحفظا تجاهه مدافعا عن أصالته وقيمه العربيّة الصّافية في الحياة وفي الأدب ونقده .

     ومن علامات تأثر النقد برياح التجديد تلك تبلوره في تيّارين كبيرين : أوّلهما التيّار العربيّ الأصيل ويشمل اتّجاه اللغويّين الرواة ، الذين كان لهم فضل الرّيادة في النقد العربيّ المتخصّص ، ثمّ اتجاه النقاد المحافظين كامتداد له ، ثمّ الاتجاه الفنيّ ممثلا في الشعراء والكتاب ومن وقف إلى جانبهم ، ثمّ الاتجاه الكلاميّ الذي تكفّل بقضايا الإعجاز وكانت له بالتيّار اليونانيّ صلات ، أمّا ثاني التيّارين فالتيّار اليونانيّ الذي شمل الفلاسفة الشرّاح ومن حذا حذوهم من الشعراء والأدباء المحدثين أو النقاد المناصرين لهم .

     أمّا اتجاه الرّواة اللغويّين ، فقد تزامن تشكّله مع بدء حركة جمع الشعر القديم وتدوينه ، وضمّ لفيفا من علماء اللغة والنحو ورواة الشعر والقرّاء ؛ منهم أبو عمرو بن العلاء أحد القرّاء السّبعة (ت.154هـ) ، ومنهم الأصمعيّ (ت.214هـ) الذي لقّب بالبلبل لما روى من الشعر الحسن ، ومنهم أبو عبيدة معمر بن المثنّى (ت.209هـ) ، ومنهم خلف الأحمر(ت.180هـ) واضع لاميّة العرب فيما يروون، وقد ورد نقد هؤلاء في شكل الملاحظات النحويّة واللغويّة والعروضيّة ، التي سجّل ابن سلاّم في طبقاته شيئا منها . ومن أهمّ سمات هذا النقد أنّه كان في معظمه جزئيّا ذوقيّا غير معلّل ، كما أنّه عني بفرز صحيح الشعر من منحوله قبل كلّ شيء ، وانصبّ على التمييز بين أساليب الشعراء ومناحيهم في الألفاظ والمعاني ، ولكنّ هذا الاتجاه بزعامة ابن سلاّم الجمحيّ (ت. 232هـ) وطبقاته يعدّ بحقّ بداية النقد العربيّ المتخصّص ، لقد قسّم ابن سلام الشعراء في طبقاته إلى جاهليّين وإسلاميّين، وهوّن من شأن الشعراء المحدثين الذين حادوا عن اللغة الصّافية والذوق السليم ، فكانت أشعارهم « كأبعار الظباء تشمّ لها ريحا طيّبة أوّل عهدها ثمّ تعود إلى رائحة الأبعار ، أمّا أشعار القدماء فهي كالمسك كلّما حرّكته ازداد طيبا » (16)، وبمثل هذه الأحكام اندلعت المعركة الطّاحنة بين القدماء والمحدثين ، وصوّر كلّ من" البديع " و" الوساطة " و" نقد  الشعر" جانبا كبيرا منها .

     ويأتي امتدادا لهذا الاتجاه اتجاه النقاد المحافظين بزعامة ابن قتيبة (ت.276هـ) تلميذ الجاحظ ، وقد تحدّدت خصائص هذا الاتجاه كما ذكرنا بكونه امتدادا لاتجاه الرواة اللغويين ، دون رفض لذوق الجمهور الجديد ، كما قبلوا أطرافا من الثقافة الدّخيلة مع مقاومة عنيفة لطغيانها على الثقافة العربيّة الأصيلة ، وقد وقف شيخ المحافظين ابن قتيبة في وجه أولئك المحدثين الذين خرقوا نظام القصيدة العربيّة أمثال بشّار ثمّ أبي نوّاس ، ولقد كان لأبي تمّام بصنعته المعنويّة ، ثمّ المتنبي بتجبّره على اللغة دور بارز في تسعير نيران النقد المحافظ ، وكان ركوب الجدل وسيلة هؤلاء النقاد في مواجهة تمرّد المحدثين ومؤيّديهم من أنصار الثقافة اليونانيّة ، كما أنّهم وقفوا مع الطّبع ضدّ الصّنعة (17) ، وما الطّبع إلاّ العذوبة ـ وهي صفة في الأصوات اللغويّة ـ مضافا إليها السهولة وهي صفة في المعاني والتراكيب النحويّة، أمّا الصّنعة فهي ثمرة إعمال الذهن في المعاني والتراكيب لابتكار الجديد ، ولذلك كانت منافية عندهم لجودة الصّياغة .

     ولقد ترتّب على الصّدام الساخن بين المحافظين والمحدثين دفاع قدامة عن أبي تمّام فيما عابه به ابن المعتز، كما كان من ثمار ذلك بروز أهمّ كتابين في النقد التطبيقيّ وهما : الموازنة للآمدي والوساطة للقاضي الجرجانيّ (18).

     أمّا أصحاب الاتجاه الفني فيمثلهم من الشعراء أمثال أبي تمّام والمتنبي الذين غمسوا الشعر في الفلسفة وتجاوزوا ما حسن سبكه في عرف المحافظين وآثر الطّبع على الصّنعة ، كما يمثله من الكتّاب أمثال ابن الزيّات والصّابي وغيرهما من أولئك الذين أشاد الجاحظ بذوقهم ، وأمثال قدامة بن جعفر ممّن اشتغل بديوان الخراج وألمّ بشيء من علوم الأوائل ، وهؤلاء هم الذين هاجمهم ابن قتيبة بشدّة في بعض  كتاباته (19) ، وقد عكست هذه الفئة البيئة الفنيّة الجديدة ، في حرصها على الطّرافة للفت الأنظار، والأناقة أو الرّونق لتحوز الإعجاب، والسهولة لتخفّ على القلوب ، وقد غلب على هؤلاء النقاد العزوف عن المناقشات اللغويّة والفلسفيّة إلاّ في القليل النّادر ، ولم يهتمّوا كثيرا بالسرقات ، وإنّما اهتمّوا بمزايا الصّناعة والأسلوب ، كما تجاوزوا التفريعات وأكثروا من الشواهد ، دون مبالغة في التحليل ، ويعدّ ابن المعتز بما سجّله من البديع في كتابه ، وبما صوّر من بؤر الصّراع بين القدماء والمحدثين  خير مثال لهذا الاتجاه .

     ويأتي الاتجاه الكلاميّ بعد ذلك ، متمركزا حول قضيّة الإعجاز القرآنيّ ، فقد تأسّست مباحثهم في هذا المجال على التفكير في طبيعة الوحي : هل الموحى به هو المعنى واللفظ معا أم المعنى فقط واللفظ للرّسول (20) ؟ وقد دفع هذا الاتجاه إلى الظهور نضج علوم اللغة وحاجة المستعربين خاصّة إلى فهم القرآن الكريم .

     وقد مرّ التأليف في إعجاز القرآن بمرحلة التفسير اللغوي لمعاني القرآن عبر " مجاز القرآن " لأبي عبيدة ، و " معاني القرآن " للفرّاء ، و" تأويل مشكل القرآن " لابن قتيبة ، ثمّ صار إلى مرحلة التصنيف العلميّ المبوّب في موضوع الإعجاز في نهاية القرن الرّابع للهجرة ، عبر ثلاثة كتب مشهورة (21) ، هي :

1 ـ النّكت في إعجاز القرآن : للرمّاني  ( ت. 386هـ.)

2- بيـان إعجـاز الـقرآن: للخطّابي ( ت. 388هـ.)

3- إعجـاز القــــرآن : للباقلاّنيّ ( ت. 403هـ.)

     وقد أفادت هذه الكتب من التفاسير اللغوية السابقة لها ومن نقاد الشعر، وتميّزت عنها بشيئين : دقة التفصيل للأقسام البلاغيّة مع حسن التعليل لأسباب التأثير في الأساليب ، وبصرف النظر عمّا تميّز به كلّ من تلك الكتب الثلاثة ، فإنّ علاقة أصحابها وغيرهم من علماء الكلام بالفلاسفة أمر ثابت بقوّة ، إذ نجد الجاحظ  وهو واحد منهم يؤكّد منذ البدايات أنّ العالم عندهم هو الذي يجمع بين علم الكلام أو الدّين والفلسفة (22).

     ولكنّ المنطلقات الاعتقاديّة لدى المتكلّمين حصرت مباحثهم في المجاز القرآني وما تفرّع عنه ، وصرفتهم عن تفصيل القول في الخصائص النوعيّة للشّعر كما فعل الفلاسفة .

     أمّا التيّار الثاني أي اليوناني فيبدأ تشكّله انطلاقا من معرفة العرب بكتابي الخطابة والشّعر لأرسطو؛ أمّا كتاب الخطابة فقد ترجم على ما يبدو بين نهاية القـــرن الثّاني وبداية الـــقرن الثالث  للهجرة ، كما يعزى للفارابي تفسيره أيضا في بداية القرن الرّابع الهجري ، وقد رجّح بعضهم (23) تأثر الجاحظ خاصة بكتاب الخطابة ومنطق أرسطو . أمّا كتاب الشّعر فــقد بــات التــأثر به أمــرا مقطوعا به بعد معرفة كتاب: " منهاج البلغاء وسراج الأدباء " لحازم القرطاجني .( القرن السابع للهجرة ) ، وقد ترجم كتاب الشّعر من قبل أبي بشر متى ابن يونس القنّائي في بداية القرن الرابع الهجري (ت.328هـ .) ، كما اختصره الكندي أيضا في أوائل القرن الثالث الهجري حسب فهرست ابن النديم (24).

     وحين كان قدامة بن جعفر هو نفسه شارحا لمنطق أرسطو ، فقد بدت آثار الفكر اليوناني واضحة في كتابه " نقد الشّعر " ، وقد تجلى ذلك في حدّه الشّعر بالطريقة الفلسفيّة ، ثمّ بيان أقسامه ، ثمّ وصف نعوت كلّ قسم ، ثمّ عيوب كلّ قسم ، في سبيل إقامة علم للشّعر يميّز جيّده من رديئه ، ويبدو قدامة أكثر تأثيرا بتلك الفلسفة الأولى حين يأخذ بفكره " المادة والصورة " لحدّ الشّعر بأنه : " الكلام الموزون المقفى الذي له معنى " ؛ فالمادة عنده هي المعاني والأغراض ، والصورة هي نظم الشّاعر لتلك الأغراض والمعاني . ويتعرّض من خلال ذلك إلى علاقة الشّعر بالأخلاق ، فالرّفعة والضعة والشّرف والخسّة صفات للأغراض والمعاني أي للمادة ، وإنّما يحسن الشعر أو يقبح بالنظر إلى صورته وصياغته .

     ويبدو الآمدي أيضا متأثّرا بتلك الفلسفة حين طبّق فكرة أرسطو حول العلل الأربع : الهيولانيّة والصوريّة والفاعلة والتماميّة على نقد الشّعر ، وانتهى إلى أنّ المعاني اللطيفة نافلة في الشّعر وليست بأصل ولكنّ قدامة كان أعمق فهما منه للفكرة.

     وتأثّر قدامة في كتابه " نقد الشّعر " بالفلسفة اليونانيّة أمر لا تخفى مواضعه على مطّلع ، ولكنّ العجيب ألاّ يرد للمحاكاة ذكر من تعريفه الآنف الذّكر للشّعر .

     ويأتي حازم القرطاجني في القرن السابع الهجري ليكشف لنا عبر " منهاجه " التأثر السّافر بفلسفة أرسطو خاصة دون استغناء عن سابقيه من النقاد العرب أمثال الجاحظ والآمدي وقدامة وغيرهم من الفلاسفة الشرّاح ، وقد قسّم حازم منهاجه أربعة أقسام ،جعل أوّلها للألفاظ ، وثانيها للمعاني وثالثها للنظم أمّا رابعها فللطّرق الشّعريّة وقد غلب عليه الطابع النّظري والميل إلى المحدّثين . كما بدا في بحث المحاكاة والتّخييل تأثّره الواضح بالفلاسفة الشرّاح وعلى رأسهم ابن سينا ، وإذا كانت المحاكاة عند أرسطو محاكاة أفعال ، فإنّها قد انقلبت عند حازم ومن تأثّر بهم الشرّاح إلى محاكاة ذوات لأنّ المنطلق كان الشّعر العربي الذّاتي في معظمه .

     هكذا يتبيّن لنا كيف تشكّل التيّار النّقديّ اليونانيّ عبر ترجمات السّريان أوّلا ، ثمّ شروح الفلاسفة وتلخيصاتهم ثانيا ، ثمّ تطبيق البلاغيين والنّقاد لكلّ ذلك على الشّعر العربيّ ثالثا وأخيرا ؛ ومن ثمّ عرف النّقد العربي مصطلحات مثل : المحاكاة، والتّخييل ، والتّغيير ... وغيرها ممّا يبدو أنّ نقدنا القديم لم يهظمه جيّدا ، وهو ما سنرى مدى تسرّبه إلى النّقد الأندلسي فيما بعد .

تعثّر النّشاط الفلسفي في الأندلس وأسبابه :

     تلك نبذة وجيزة عن نقدنا العربي القديم ومدى تأثّره بالتيّار اليوناني خاصة ، ولنا أن نقفز بعدها إلى بلاد الأندلس ، لنعرف شيئا عن الفلاسفة المسلمين هناك ، وعن علاقتهم بالأدب ونقده ، ولنتحسّس من خلال ذلك الهامش الذي مثّلته الأندلس من علاقة الفلسفة والفلاسفة بالأدب ونقده هناك .

     لقد تعثّر النّشاط الفلسفيّ عموما ، في رحلته من فتح الأندلس إلى سقوطها ، تعثّرا كبيرا ، وتواطأت المؤسّستان السياسيّة والدينيّة على رفضه طوال عهد الولاة وردحا غير يسير من العهد الأموي ، ولم تتحرّك الهمم إلى طلب علوم الأوائل إلاّ في عهد الحكم المستنصر (350 ـ 366هـ.) ، الذي مال إلى صنع المجد الأدبي والعلمي بعد أن حققّ أبوه عبد الرّحمن النّاصر الاستقرار السّياسي الكافي ، وساهم الحكم في دفع عجلة النّشاط الفلسفي حتّى عرف عند الدّارسين بـ " مأمون   الأندلس " ، وغنيّ عن البيان ما بذله هذا الرّجل في استجلاب الكتب والمساهمة في التعليق عليها برأيّ حصيف وذوق رفيع .

     ولكن ما أن تولّى المنصور العامريّ زمام الأمور حتّى نكبت الفلسفة من جديد، وأصبحت مكافحتها ومطاردة أهلها شيئا رسميّا في الدّولة (25) ، لحاجة في نفس المنصور ، وبقي أمر الفلاسفة على أسوإ ما يكون ترميهم العامّة بالزّندقة ، إلى أيّام أبي يعقوب يوسف المنصور الموحّديّ ، الذي اهتمّ بالفلسفة والفلاسفة ، ومثل ابن طفيل حلقة وصل بينه وبينهم ، واجتمع له من كتب الفلسفة الشّيء الكثير .

     وعلى الرّغم من كلّ أنواع الحصار التي ضربت على هذا النّشاط المعرفي في الأندلس ، فقد تظافر من العوامل الظّاهرة والخفيّة ما أبقى على حياته ، ويأتي على رأس تلك العوامل ولع النّاس بكلّ ممنوع ، فهو من طبيعة الإنسان ، يضاف إلى ذلك طبيعة الإنسان الجدليّة التي يشير إليها قوله تعالى : " وكان الإنسان أكثر شيء جدلا " (26) ، أضف إلى ذلك انشغال المراقبين لهذا النّشاط في الغالب بالقلاقل والفتن التي عرفتها الأندلس . ولا يخفى ما لأبي يعقوب يوسف المنصور من دور في رعاية هذا النّشاط وجمع متفرّقه .

     ومما يؤكد بقاء هذا النّشاط الفلسفي ، تسرّبه فيما بعد إلى الشّعر ، وهو ما توحي به أبيات أوردها صاحب الدّخيرة للشّاعر أبي عامر بن نوار ، في تأكيد فكرة إنكار الفلاسفة لحشر الأجساد وخلود النّفس الفردية ، يقول أبو عامر هذا :

     يا لَقومي دفـنوني ومضـوا        وبنوا في الطّين فوقي ما بنوا    ليت شعري إذ رأوني ميـّتا        وبكـوني أيّ جزأيّ بكــوا

إلى أن يقول :

     ما أراهـم ندبـوا فيّ  سوى       " فرقة التأليف " إن كانوا دروا                                                                                  

     ولكنّ رياح التّعصّب الدّيني والانقلابات السّياسيّة والحروب الصّليبيّة التّنصيريّة التي عرفتها الأندلس يضاف إليها هجومات الغزالي في المشرق كانت أقوى وأعتى من شجرة الفلسفة التي راحت أوراقها تذوي تدريجيّا هناك ، وبوفاة ابن رشد سنة 495هـ / 1198م ، تسقط آخر أوراق تلك الفلسفة ، إلاّ أنّها تركت آثارها فيمن جاء بعد ذلك من النّقاد أمثال حازم القرطاجنيّ والمكلاتي والسّجلماسي ، وابن عميرة ... وغيرهم ، ويمكن القول إنّ المدرسة المغربيّة في النّقد قد استأنفت الطّرح الفلسفي في أنساق معرفيّة مختلفة حين أفل نجمه في الأندلس  .

     هذا شأن الفلسفة والفلاسفة في الأندلس فماذا عن علاقة أولئك الفلاسفة بالأدب ونقده ؟ لقد كانت لأولئك الفلاسفة علاقة بالأدب ، فقد أثر عن بعضهم أشعار في أغراض مختلفة ، وربّما مؤلّفات تاريخيّة ونقديّة في الأدب ، ومن هؤلاء الفلاسفة الذين حسبوا في القائمة الأندلسيّة ابن عبد ربّه ابن أخ صاحب " العقد الفريد " ، وابن خمسين (ت.454هـ) ، وابن سيدة الأندلسي (ت.458هـ) ، وحسداي أبو الفضل بن يوسف (ت.458هـ) ، وابن حزم الظّاهريّ (ت.456هـ) ، وابن الوقشي (ت. بعد سنة 438هـ) ، وابن السيّد البطليوسيّ (ت. 521هـ) ، وأبو الصّلت أميّة بن عبد العزيز (ت.529هـ) ، وابن باجة (ت.533هـ) ، وابن طفيل صاحب رسالة "حيّ بن يقظان" ، ثمّ ابن رشد الحفيد (ت.595هـ) ، وابن عربي كبير المتصوّفة (ت. 638هـ) ، ثمّ العلاّمة ابن خلدون (ت.808هـ) الذي كان خاتمة النّشاط الفلسفي هناك .

     وليس يعنينا من هذه القائمة الطّويلة سوى الفلاسفة الذين كانت لهم علاقة صريحة بالنّقد الأدبي ، كابن حزم الذي مثّل الاتّجاه الأخلاقي في النّقد ، ثمّ ابن رشد الذي مثّلت تلخيصاته خلاصة الاتجاه الأرسطي في النّقد ، ثمّ حازم القرطاجنيّ الذي مثّل تأثّر النّقد العربي بالاتجاه الفنّي الأرسطي ، ثمّ ابن خلدون بمذهبه الانتقائيّ الذي لم يخرج في آرائه النّقديّة عن مقولات الاتجاه المحافظ .

     والملاحظ هنا أنّ هامش النّقد الأدبي لدى البيئة الفلسفيّة في الأندلس بدا هزيلا بعض الشّيء ، ولولا حضور ابن رشد الحفيد وحازم القرطاجنّي لقطعنا بغيابه كلّية . لولا ما أكّدنا عليه من البدء وهو تناول الموضوع من منظور الفلسفة العربيّة الإسلاميّة ، وما ائتلف تحتها من مشارب مختلفة لا تخرج عن طابعها الإسلاميّ العام . باستثناء الاتجاه الصوفي طبعا الذي يختلف عن كلّ تلك المشارب باستناده إلى الذّوق والتّجربة الذاتيّة والخيال ، ولذلك كلّه لم يكن مستهدفا في مقامنا هذا .

المساهمة النّقديّة لفلاسفة الأندلس قبل مجيء ابن رشد :

     إنّ منظومة القيم التي تتحكّم في السّلوك الاجتماعي لأيّ مجتمع ، وتمثّل مشروعه الحضاري الذي يروم تحقيقه بطريقة واعية أو غير واعية ، تتوحّد فيه جميع أنشطته الفكريّة والوجدانيّة، أقول إنّ هذه القيم قد تكون من تسطير الأديان السماويّة ، وقد تكون من تنظير المفكّرين والفلاسفة ، وأيا كان الأمر فإنّ الذي يرعى ذلك السّلوك الاجتماعي تهذيبا وتثقيفا أو العكس ، في حدود المعطيات الزّمكانيّة ، ثلاثة أقطاب متفاعلة فيما بينها هي : الحاكم ثمّ المثقّف ثمّ عموم الرّعيّة.

     وقد عرفت المجتمعات الإسلاميّة عبر تاريخها المديد تفاعلا مثمرا بين تلك الأقطاب الثّلاثة ، رسم صفحات مشرقة في التّاريخ الإنساني كما يتّضح ذلك من خلال سيرة الرّسول والخلفاء الرّاشدين وقد تمثّل من خلال ذلك التّفاعل المشرق والمشرّف مع المشروع الإسلامي العريق ممثّلا في القرآن الكريم وسنّة الرّسول (ص) برسالتهما الدّينيّة الأخلاقيّة وبيانهما السّاحر .           

                      ولم يكن تشكّل الأدب كمؤسّسة اجتماعيّة أخلاقيّة جماليّة بمعزل عن ذلك المشروع الحضاري الرّاقي . ولم يكن للأدب تأثيره الإيجابي إلا ّفي حضور المؤسّسات الإجتماعيّة الفاعلة ، من جهاز سياسي بتأثيره الرّادع ، وجهاز ديني دائم الحضور في كلّ شاردة  وواردة ، وجهاز جمهوري أو شعبي يشكّل الرّأي العام وثقافة المجتمع ، بضغطهما الذي يمثّل تفاعل كل الأطراف ، كما يمثّل كلّ ذلك في نهاية المطاف سنّة اللّه في خلقه ، وقد ضمن المؤسّس الأوّل للمجتمع الإسلاميّ سيّدنا محمّد (ص) التّفاعل المثمر لتلك الأطراف حين قال : "... وكلّكم راع وكلّ راع مسؤول عن رعيّته " (27).                                      

                      من هذا المنظور يستمدّ التيّار الأخلاقي الذي سيطر على النّقد الأندلسي بريادة ابن حزم مشروعيّته وقوّته ، لأنّ الأدب الذي هو مادة ذلك النّقد ظلّ موصولا بمشروعه الحضاري الإسلامي ، يتنفّس برئة الجوّ الأخلاقي كما وصفه إحسان عبّاس (28) ، وفي ظلّ ضعف عرى التّفاعل بين الأقطاب الاجتماعية الآنفة الذّكر يحدث ذلك الانفلات إلى بعض ظواهر الأدب المكشوف الذي رفضته المشاريع الاجتماعية الأصيلة في كلّ العصور والبيئات دون أيّ استثناء ، رغم حضوره كرمز للشّذوذ والهامشيّة دوما 

لقد ربط المشروع الحضاري الإسلامي بين الأدب والحياة ربطا وثيقا ، ودعا إلى ضرب من الإلزام يتعانق فيه المبدأ الأخلاقي والمبدأ الجمالي في الحياة وفي الأدب ، فالقرآن الكريم قد جمع بين جمال المعنى وجمال العبارة ، وبين الصّدق والجمال الفنّي ، كما اصطفى الرّسول الكريم من الشّعر ما فيه الحكمة وسحر البيان.

ولقد تنبّه العرب كغيرهم من اليونان إلى الطبيعة المزدوجة للأدب والشّعر خاصّة ، فهو أداة يمكن أن تستغل في البناء ويمكن أن تكون معول هدم ، ولعلّ ذلك ما توحي به (من) التّبعيضيّة في الحديث الشّريف : " إنّ من الشّعر لحكمة وإنّ من البيان لسحرا " (29).

وتوحي بتلك الازدواجية نصوص كثيرة في تراثنا منها : قول معاوية لعبد الرّحمن بن الحكم ( وكان شاعرا ) : " إياك والتّشبيب بالنّساء ، فإنّك تعرّ الشّريفة في قومها ، والعفيفة في نفسها ، والهجاء فإنّك لا تعدو أن تعادي به كريما ، أو تستثير به لئيما ، ولكن افخر بمآثر قومك ، وقل من الأمثال ما توقّر به نفسك ، وتؤدّب به غيرك " (30).

وانطلاقا من تلك الازدواجية أيضا أصدر الأخلاقيون والمثاليون من أفلاطون إلى تولستوي وروسكين ، ومن جاء بعدهم ، حكمهم القاسي على الأدب والفنّ عموما .

     نصل مما سبق إلى أنّ الوازع الأخلاقي كان حاضرا بقوّة في وجدان الأديب والشّاعر الأندلسي وهو المسؤول قطعا عن قلّة الإنتاج الأدبي المكشوف والهدّام في الأندلس ، كما نرجّح أن يكون المسؤول عن ميل معظم الشّعراء إلى الطّبيعة وعن الإسراف في الجمالية الحسيّة التي لا تروم تحسينا أو تقبيحا فيما تصوّر ، والهروب إلى الطّبيعة هو ميل بالنّفس عن تلك الهوامش السّلبيّة التي فتحتها البيئة الأندلسيّة أمام الأديب والشّاعر .

ولئن مال الأدب الأندلسي في بعض مراحله إلى الزّهد والحكمة والمدائح النّبويّة والأدب الدّيني التّعليمي عموما ثمّ إلى التّصوّف بعدها ، فليس ذلك تدنّيا في المستوى أو انحرافا عن المسار وإنّما هو استجابة لظروف اجتماعيّة ونفسيّة مرّت بها تلك البيئات التي أنتجت أولئك المبدعين والشّعراء .

ونحن لسنا مع الذين يجعلون من سيطرة التيّار الأخلاقي سببا في جفاف وانحدار الأدب والإبداع الشّعري خاصّة ، أمثال غوتيي (31) وبودلير وغيرهم ممّن دعا إلى إبعاد الأخلاق عن الفنّ ، ولسنا في الوقت ذاته مع المبالغين في إقحام الجانب الأخلاقي إلى درجة تنطمس فيها جماليّة الإبداع ، وإنّما ملخّص رأينا أن تكون الغاية الأخلاقيّة حاضرة في الخطاب الذي يتوجّه إلى مجتمع ويسعى إلى تحقيق الفضائل في الحياة من خلال المشروع المحدّد سلفا المناسب لما فطرت عليه النّفس الإنسانيّة المتمثل في المشروع الحضاري الإسلامي مشروع تنمية الفطرة الإيجابيّة في الإنسان .

الفيلسوف الأصوليّ ابن حزم وآراؤه النّقديّة :

     يمثّل ابن حزم الظّاهريّ رمزا من رموز الفكر والفلسفة العربيّة الإسلاميّة ، ونحن نأخذه هنا كنموذج للطّروحات النّقديّة التي أنتجتها البيئة الفلسفيّة قبل مجيء ابن رشد الحفيد ، وابن حزم رجل موسوعيّ ، وصاحب إنتاج فكري غزير في الأصول والفقه واللغة والأدب والتّاريخ والمنطق ، ويمثّل كتابه " طوق الحمامة " وما ضمنه من أشعاره خطوة نوعيّة في مجال التّحليل الفلسفيّ والنّفسيّ والإبداع الأدبيّ كما يرى بعضهم (32).

ويعدّ هذا الرّجل رائد التيّار الأخلاقيّ في النّقد ، فقد كان واضحا في ضبط الإنتاج الأدبيّ والشّعريّ بمقاييس الدّين والأخلاق والفقه ، فقد حدّ الشّعر بقوله : " إنّما يسميّ النّاس شعرا ما ضمّته الأعاريض " (33)، وهو في تعريفه هذا قداميّ الاتجاه يفصل بين الشّعر والنّثر بالوزن والقافية فلا مكان لمصطلحات المدرسة الأرسطيّة من محاكاة وتخييل وتطهير ... وغيرها .

وينطلق ابن حزم إلى أبعد الحدود في تسييج التّجربة الشّعريّة بمعاييره الأخلاقيّة والفقهيّة، وأوّل تلك المعايير نهيه عن الإكثار من رواية الشّعر ، لأنّ معظمه كذب ، ولقوله (ص) : " لأن يمتلئ ( أو يملأ في رواية أخرى ) جوف أحدكم قيحا فيريه خير له من أن يمتلئ شعرا " (34). ويخرج ابن حزم من حدّ الشّعر ما جاء مجيء الحكم والمواعظ ومدح النّبيّ صلى الله عليه وسلّم . ويتمادى الرّجل في التزام الأخلاق الإسلاميّة ، محذّرا الشّعراء من الخوض في أغراض بعينها ، مثل الأغزال والرّقيق من الشّعر ، وخاصّة منها الغزل بالمذكّر ووصف الخمر ، لما في كلّ ذلك من فتنة وانحطاط للهمّة وإتلاف للدّين ، ومثل أشعار التّصعلك والتّغرّب وذكر الحروب ،وقد بالغ الرّجل هنا ، إذ في أشعار التّصعلك والتّغرّب وذكر الحروب دروس وعبر في الصّبر وشحذ الهمّة كما في ذكر الحروب في سياق الإشادة بالنّصر ، ففيه رفع للمعنويات ، خصوصا إذا كان ذلك في سياق وصف انتصار المسلمين وأهل الحقّ على أعدائهم ، مثل ما سجّلته بائية أبي تمّام في فتح عمّوريّة ، أو ميميّة المتنبّي في وصف معركة الحدث . ولابن حزم أن يلحق بقائمته تلك أشعار الهجاء المفحش والممجوج فطرة ، ولكن لا ينسينّ الرّجل أنّ من الهجاء ما كان وقودا لمعركة الدّعوة الإسلاميّة في أيّامها الأولى . ويتأرجح المدح والرّثاء في مقاييس ابن حزم بين مباح ومكروه (35).

وفي قضيّة " الصّدق والكذب في الشّعر " يتبنّى ابن حزم المعيار الفنّي ، فيصرّح بأنّ أعذب الشّعر أكذبه ، ويبني على ذلك أنّ الشّعر في أغلبه مبالغات وأكاذيب لا أساس لها في الواقع ؛ فرقائق الغزل مثلا مؤسّسة على الغلوّ والمبالغة في تصوير النّحول وأمطار الدّموع والانقطاع عن الغذاء ، وانعدام النّوم ، فالرّجل كما نرى يدعو إلى الاعتدال في هذا الباب ، ولذلك فقول القائل مثلا :

     اللّـيل لـيل والنّهار نـهار       والبغل بغل والحمار حمار   والديك ديك  والحمامة مثله        وكلاهـما طير له منقـار يخرج من حدّ الشّعر بسبب إيغاله في الصّدق ، فابن حزم يقف مع القائلين بأنّ " كلّ شيء يزينه الصّدق إلاّ السّاعي والشّاعر فإنّ الصّدق يشينهما " . وفي مقابل ذلك يرمي ابن حزم صاحب الأبيات الآتية بالحمق والسّذاجة ، وهي قول القائل :

    ألف السّقم جسمه والأنــين      وبــراه الهوى  فـما يستبـين لا تراه الظّّـنون إلاّ ظنونـا وهـو أخفى من أن تراه الظّنون  قد سمعنا أنيـنه من قريـب  فاطلبوا الشخص حيث كان الأنين     لم يعـش أنّه جلـيد ولكـن ذاب سقـما  فلم تجـده المنـون .

فابن حزم ، رغم ما رمي به من تناقض (36) في حدّه الشّعر ، يبدو ميّالا إلى صدق التّجربة والاعتدال في التّصوير وبراعة التّعبير ، فقيمة الشّعر عنده إذن ترتبط ارتباطا وثيقا بالغاية التّربويّة الأخلاقيّة ؛ فهو يدعو كلاّ من المبدع والمتلقّي إلى تمثّل القيم الإسلاميّة السّامية في نشاطهما ، وإلاّ تسرّب الخراب إلى النّفس الإنسانيّة فالمجتمع الإنساني .

ويترتّب على ذلك أنّ الغاية الأخلاقيّة تبقى أمرا حاضرا في وعي الفلاسفة بالمهمّة التي ينبغي أن يتكفّل بها الشّاعر والفنّان عموما ، ويمكن سحب هذا الموقف دون تردّد على فلاسفة الأندلس جميعهم ، بل إنّ الأمر لم يعزب عن ذلك منذ أفلاطون وأرسطو .

ولقد تجلّت هذه النّظرة الأخلاقيّة للفنّ والشّعر والتي تجعل معظم الفن كذبا وخداعا أيضا عند لفيف من الأدباء والنّقاد أمثال ابن بسّام والكلاعي والمواعينيي .

ولم يشذ عن ذلك أولئك الفلاسفة الذين سبقوا ابن رشد هناك مثل ابن ماجة في القرن6 الذي قال :  « وأمّا ما يقصد به الشّاعر فلا مدخل له في العمل الفاضل , وإنّما هو شوقي أو يجري مجرى الشّوقي » (37) فالتّخييل عنده يستند إلى المعرفة الحسيّة ولذلك فهو أدنى درجة من الفكر كما هو عند أرسطو وعند الرواقيين بعده ، الذين شكّكوا في قيمة التخييل والخيال الإنساني .

     ويطالعنا البطليوسي في القرن السادس أيضا بالرأي نفسه حين يقول في الشّعر« بأنه مؤسس على المحال مبنيّ على تزوير المقال , ولأجل ذلك إذا سلك الشّاعر المطبوع مسلك الزهد وخرج عن طريق الهزل إلى طريق الحد غاض رونق قوله وماؤه ونقصت طلاوته وبهاؤه... حتى إذا أفرط إفراط المحال , وأغرق وقال ما لا يمكن أن يتوهّم أو يتحقق عدّ من أهل الصّناعة وشهد له بالتقدّم   والبراعة » (38) .

وإذن فالنّقد الأندلسي على أيّام ابن حزم كان وليد بيئة فنّيّة تقدّس العقل وتهوّن من شأن الخيال والتّخييل , ولذا كان الشعر في منظورهم أكاذيب وأباطيل لابد لها من رقابة عقلية وأخلاقية صارمة لألاّ يحيد الإنسان عن الهدف الأسمى في الحياة ألا وهو الفضائل .

خطابة أرسطو وشعره في الساحة النقدية العربية :

لم تعرف الأندلس ـ كما يرجح كثير من الدارسين ـ الطّرح الفلسفي الأرسطي في الأدب إلا من خلال كتاب الشعر لأرسطو , الذي لم يكن معروفا هناك قبل مجيء ابن رشد بشروحه وتلخيصاته ممثلا آخر محاولة للأرسطيين العرب في وصل الثقافة العربية بالثقافة اليونانية .

ولقد سبق ابن رشد إلى كتاب "الشعر" ترجمة وتلخيصا ـ كما أسلفنا ـ كلّ من إسحق بن حنين ثم أبي بشير متى ابن يونس , الذين ترجماه ترجمات متفاوتة أمانة ووضوحا , ثم الفارابي الذي لخّصه تلخيصا مختصرا , ثمّ ابن سينا الذي لخّصه تلخيصا مفصّلا , دون إغفال للكندي الذي لم يصلنا اختصاره للكتاب .

ويأتي تلخيص ابن رشد للكتابين المذكورين في سياق تلخيصه لمنطق أرسطو , ويؤكّد الدّارسون أنّه كان في تلخيصه لكتاب الشعر خاصة , أحرص من ابن سينا على تقريب أفكار أرسطو في لغة فنية قريبة المتناول رغم ما نسب إليه من بعض الاضطراب في فهم أرسطو وذلك يقينا منه بقيمة الكتاب وضرورته للحياة النقدية العربية ,  كما كان الرجل أوعى من ابن سينا باختلاف البيئة الأدبية اليونانية التي ينظّّّر لها الكتاب عن البيئة الشعرية العربية ذلك أنّ العرب على حدّ رأيه ورأي سابقيه أبعد ما يكونون عن مدح الفضائل والحث عليها في شعرها ، إلا ما جاء في شكل افتخار بها (39) فمعظم أشعار العرب كما يؤكّد هؤلاء الفلاسفة إنّما هي في الـنّهم الكريه , فكان حريّا بهم أن يجنّبوا الولدان معظمها , لما فيها من حثّ على الفسوق , كما كان حريّا بهم أن يؤدّبوهم بالشعر الذي يحثّ على الشجاعة والكرم , وهما أبرز فضيلتين تناولتهما أشعار العرب من طريق الفخر لا الحث (40). ويكاد هؤلاء الفلاسفة يجمعون على أنّ كتاب الشّعر لأرسطو نفسه كان ناقصا لأنّ المعلّم الأوّل تحدّث فيه عن المديح أمّا الهجاء فقد بقي وعدا منه , حالت المنيّة دون  تحقيقه (41).

     والأمثلة على حرص ابن رشد على نقل أمين لكتاب الشّعر كثيرة جدّا , نكتفي منها بعدوله عن مصطلحي (طراغوذيا) و(قوموذيا) عند ابن سينا إلى مصطلحي (المديح) و(الهجاء) كما ورد , عند متى ابن يونس. ومنها حديثه عن اعتماد بعض الشّعر أفعالا أو انفعالات إلى أشياء مخترعة إذ يقول : « ومن جيّد ما في هذا الباب للعرب ، وإن لم يكن عن طريق الحث على الفضيلة ، قول الأعشى :        

     لعمرك لقد لاحت عيون نواظر         إلى ضوء نـار باليفاع  تحرّق

     تشـبّ لمقرورين يصطلـيانها         وبات على النّار النّدى والمحلّق

     رضيعي لبان ثـدي أمّ  تحالفا          بأسـحم داج عوض لا  نتفرّق

ويظهر ابن رشد أكثر قربا من أرسطو وفهما من متّى بن يونس في فكرة " التغيير" في الأسلوب الشّعري ، التي تجاوزها ابن سينا في تلخيصه , ويتجلّى فهمه ذاك خاصّة حين يتناول استعمال الألفاظ الحقيقية والألفاظ المنقولة في الشّعر , فيرى أنّ من الشّعراء من غلب عليه النوع الأوّل , وأنّ الشّعر إذا تعرّى كلّه من الألفاظ (المستولية) الحقيقيّة كان رمزا ولغزا , ويضرب بذي الرّمّة مثلا لذلك ، وفضيلة الشّعر العفيفي عنده ما ائتلف من تلك الألفاظ المستولية ومن غيرها ؛ فالمستولية تحسّن من الشّاعر حيث يريد الإيضاح أمّا المنقولة فضروريّة حيث يراد الإلذاد والتّعجيب . ثمّ يبيّن ابن رشد أنّ إخراج الألفاظ والعبارات غير مخرجها المألوف يوجد للكلام صفة الشّعر , وذلك ما سمّاه "التغيير" ومثّل له بقول القائل :

     ولمّا قضينا من منى  كلّ حاجة      ومسح بالأركان من هو مـاسح

     أخذنا بأطراف الأحاديث بيـننا      وسالت بأعناق المطيّ الأباطـح

فالذي صيّر الكلام شعرا هنا هو التّغيير الذي طال العبارة الحقيقيّة " تحدّثنا ومشينا " فقد عمل فيها إلى قوله : " أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا وسالت بأعناق المطيّ الأباطح " ويدخل في التغيير عنده أشياء كثيرة منها : القلب والحذف والزّيادة والنّقصان , والتّقديم والتّأخير وتغيير القول من السلب إلى الإيجاب والعكس , وجمع الأضداد ، وركوب العروض... وغيرها (42), وهذا النوع من الأقاويل الشّعرية هو الذي يفيد الإفهام والتّخييل معا , وهو لا يتأتي إلاّ لذوي المقدرة الشعريّة الفائقة .

نخلص من ذلك إلى أنّ الفلاسفة المسلمين بذلوا جهدهم في نقل محتوى الشّعر ـ نقلا فيه قدر كبير من التّوفيق ـ إلى السّاحة النّقديّة العربيّة , ورسموا بذلك صورة عربية متميّزة لكتاب الشّعر كان لابن رشد فيها دور بارز , ولم يكن ابن رشد نسخة لأرسطو كما اتّهمه بذلك ابن سبعين (43) ، كما أنّ اضطراب الرّجل في المطابقة بين النّظرية الفنّيّة الأرسطيّة والأدب العربي , لا يبرّر أبدا ما رماه به رنان ودي بور (44) وغيرهما من سوء فهم لكتاب الشّعر, إذ يعلن ابن رشد نفسه أنّ ما لخّصه من كتاب الشّعر هو حصيلة فهمه الخاصّ لذلك الكتاب الشّعر، فيقول : « وقد لخّصنا منها ما تأتّى إلينا فهمه وغلب على ظنّنا أنّه مقصوده، وعسى الله أن يمنّ بالتّفرّغ التّام للفحص عن فصّ أقاويله في هذه الأشياء » (45).

ذلك عن كتاب الشعر، أمّا كتاب الخطابة ,فهو أيضا يعدّ من مفاخر الثّقافة اليونانيّة , وقد حظي بالعناية الأوروبيّة منذ القرن الثاني عشر الميلادي ، إثر ظهور ترجمة لاتينيّة له , وتوالي الترجمات إلى اللّغة الأوروبّيّة الحديثة بعدها ، أمّا الثقافة العربية فقد عرفت الكتاب أوائل القرن الهجري الثّالث , يقول ابن النّديم : « الكلام على ريطواريقا ومعناه الخطابة يصاب بنقل قديم وقيل إن اسحق نقله إلى العربي , ونقله إبراهيم بن عبيد الله , وفسّره الفارابي أبو نصر، ورأيت بخطّ أحمد بن الطّيّب هذا الكتاب نحو مائة ورقة بنقل قديم » (46) وتشير عبارة نقل قديم إلى ترجمة مبكّرة مجهولة سبقت كلّ الترجمات , وقد تعلّق أمين الخولي بهذه العبارة لتأكيد علاقة البلاغة العربية في نشأتها بترجمة كتاب الخطابة (47).

فكتاب الخطابة إذن أشهر في السّاحة العربية من كتاب الشّعر , وقد ألف ابن سينا أيضا كتاب "المجموع" أو "الحكمة العروضيّة في معاني كتاب ريطوريقا" , وتضمن الكتاب دراسة وافية للخطابة كما صنّفها أرسطو وفسّرها الفلاسفة العرب .

وقد ظهرت النسخة الكاملة لهذا الكتاب سنة 1960م بتحقيق عبد الرحمن بدوي, يلي ذلك تحقيق محمّد سليم سالم سنة 1967م , ثمّ ترجم ع.ر.بدوي الكتاب عن اليونانيّة مباشرة , وظهرت الطّبعة الأولى لذلك سنة 1977م.

وكتاب الخطابة وإن كان أشهر في السّاحة العربية من كتاب الشّعر , إلا أنّه خلا من كثير من النّظريّات العامة التي وضّحها المعلم الأوّل في كتاب الشّعر.

وقد كان أرسطو ابن بيئته حين تناول النّثر بالمعايير الخطابيّة التي ضخّمها السوفسطائيّون وشوّهوها ، وبذلك يغدو الشّعر أوفر حظّا من الخطابة عند المعلّم الأول .

وتؤكّد آراء ابن رشد في الشّعر والخطابة مجاراته لآراء المعلّم الأوّل , خاصّة حين يقرّر أنّ الكلام أو الموقف الخطابي « مركّب من ثلاثة : من القائل وهو الخطيب , ومن المقول فيه وهو الذي يعمل فيه القول , ومن الذين يوجّه إليهم القول وهم السّامعون . والغاية بالمقول متوجّهة لأولئك السّامعين ، والسّامعون لا محالة إمّا مناظر , وإمّا حاكم , وإمّا المقصود إقناعه , والحاكم في الأمور المستقبلية هو الرّئيس , والحاكم في الأمور الكائنة هو الذي ينصّبه الرّئيس مثل القاضي في مدننا هذه وهي مدن الإسلام , وأمّا المناظر فإنّما يناظر بقوّة الملكة الخطابيّة » (48).

من قضايا النّقد في البيئة الفلسفيّة الأندلسيّة :

سبق أن ذكرنا بأنّ المدرسة الأرسطيّة العربية التي يمثّل ابن رشد الحفيد أحد رحالها , إنّما انطلقت في مداخلاتها النّقديّة من كتابي الشّعر والخطابة لأرسطو , إذ يوحي ما تناولته التّلخيصات والشّروحات ببعض التّأثّر بالكتابين خصوصا في تلك المسائل السّاخنة التي عرفتها الطّروحات الفلسفيّة مثل : المحاكاة والتّخيّل , والصّدق والكذب , والوحدة الفتيّة والطّول المستحسن في القصائد , والعلاقة بين الأساليب والأغراض الشّعريّة ... وغيرها .

لقد وجّه الفلاسفة البحث ناحية التأصيل النّظري للأدب والشّعر , ولذلك أغرموا أكثر من غيرهم بتحديد الماهيات وضبط تعريف الأشياء قبل الخوض في أيّ نقاش حولها , ومن ثمّ يفسّر حديثهم العريض حول الخصائص النوعيّة للشّعر , ولقد سعوا في ضبط مفهوم متكامل في هذا الباب مرتبط بالمفهوم الشّامل للحياة والوجود , ممّا فتح أمامهم باب الإفادة من التراث الفلسفي الإنساني دون تمييز .

 في ماهية الشّعر:

ويأتي مفهوم الشعر على رأس القضايا التي تناولها الفلاسفة محاولين التّفريق بينه وبين الخطابة وبقيّة الفنون مؤكّدين على المهمّة الأخلاقيّة المستهدفة من خلال المحاكاة والتّخيل , وهي المهمّة التي تجاوزها التّعريف القدامي للشّعر ومن المنطلق الفلسفي ذاته أي من فكرة المادة والصّورة ؛ فقد ارتد ذلك التعريف بشرف الشّعر أو سقوطه إلى الصّورة والشّكل لا إلى المادة , مبعدا الشّعر بذلك عن الأخلاق , وإن كان قد تناءى به أيضا عن المحاكاة كمصطلح أرسطي .

إنّ الفارابي ـ وإن لم يكن من فلاسفة الأندلس الذين نحن بصددهم ـ بعدّ أوّل فيلسوف مسلم وصلنا تعريفه الأرسطي للشّعر، وقد جعل المحاكاة جوهره والوزن شيئا عرضيّا ومحسّنا زائدا فيه , ثمّ جاء بعده ابن سينا معرّفا الشّعر بأنّه التّخييل جاعلا من القافيّة عنصرا أساسيا مميّزا للشعر العربي عن غيره , ويأتي ابن رشد بعدهما بفكرة " التّغيير" التي سبق عرضها , ويفرّق ابن رشد في ذلك بين الشّعر الذي يجمع بين المحاكاة والوزن , وبين الأقاويل الشّعرية التي تأتي موزونة ولا محاكاة فيها , ويشترط ابن رشد اتّحاد الوزن في الشّعر رغم أنّ ذلك غير موجود في الشّعر اليوناني .

ومن فكرة " التّغيير " الأنفة الذّكر يتبيّن لنا أنّ ابن رشد يرى الفرق بين الشّعر والنّثر في الأسلوب ؛ فالكلام النّثري له طريقة يتشكّل بها , فإذا غيّرت تلك الطّريقة في مستوى التّصوير , بالانتقال إلى المجاز , وفي مستوى التركيب بالتقديم والتأخير والحذف وغيره ، إضافة إلى التّأليف الموسيقي الخاص الذي قد تضيف إليه بعض الأمم ألحانا ، إذا أوقعنا هذا التغيير انقلب الكلام عندها شعرا فثمّة فرق واضح عند الرجل بين الشعر والقول الشعريّ، وبقدّر ما يباعد ابن رشد ــ كما نرى ــ  بين الشعر والنثر بقدر ما يقرّب بينهما فلا  يعدو الشّعر عنده تغييرا ما في أسلوب النّثر وطريقة تشكيله .

ويلي الكلام في حدّ الشّعر ومفهومه الكلام في علاقته ببقيّة الفنون وعلى رأسها الخطابة, وتجاور الاثنين أمر تفرضه البيئة المنطقيّة والفلسفيّة بشدّة , ولذلك أفاض الفلاسفة فيه منذ الفارابي الذي كان له السّبق هنا أيضا ؛ وذلك حين جعل التّخييل في الشّعر كالإقناع في الخطابة (49) ، ويوضّح المخطّط الآتي مدى التّداخل الذي رآه الفارابي بين الشّعر والخطابة :
  والحق إنّ الفلاسفة قد فرّقوا بين الشعر والخطابة في معرض حديثهم عن الأخطاء التي يقع فيها الشعراء فينحرفون بالمحاكاة عن ساحة الموجود والممكن التي نزّلوا فيها الشعر، تحديدا لواقعيّته ورسما لحدود الغلوّ فيه ،، ومن تلك الأخطاء عندهم : ترك المحاكاة إلى الإقناع الذي هو أسلوب الخطابة ، تركا يرى الفلاسفة أن يكون بمقدار تتحقّق به الغاية ، وإلاّ عيب عليه الشاعر ؛ ويكون ذلك في رأي ابن رشد حين « يترك المحاكاة الشعريّة وينتقل إلى الإقناع ، وذلك مثل قول امرئ القيس يعتذر عن جبنه :

     وما جبنت خيلي ولكن تذكّرت      مرابطها من بربعيس وميسرا

وقد يحسن هذا الصنف إذا كان حسن الإقناع ، أو كان صادقا مثل قول الآخر يعتذر عن الفرار :

     الله يعـلم ما تركـت قتالـهم      حتى رموا فرسي بأشقر مزبد     

     وعلمت أنّي إن أقاتل واحـدا      أقتل ولا ينكي عدوّي مشهـدي

     فصددت عنهم والأحـبّة فيهم      طمعا لهم بعـقاب يوم مرصد

فإنّما حسن هذا القول أكثر لصدقه ، لأنّ التغيير الذي فيه يسير، ولذلك قال القائل : " يا معشر العرب لقد حسّنتم كلّ شيء حتى الفرار» (50).

     ويستثني الفلاسفة قدرا من النماذج الشعريّة الجيدة التي طغى عليها التصديق والإقناع على التخييل ، وغلبت فيها السمات الخطبيّة على المحاكاة الشعريّة ، وقد ورد منها في شعر المتنبي الكثير، ممّا استحسنه حازم القرطاجنّيّ في منهاجه ، من مثل قوله في لاميّته التي مدح بها سيف الدولة :

     وما سمعت ولا غـيري بمقـتدر     أذبّ منك لزور القول على رجل

     لأنّ حلـمك حـلم لا تكلّـــفه      ليس التّكحّل في العينين  كالكحل

فالكحل وهو سواد الجفون خلقة وارد هنا للإقناع بجمال الحلم عن طبع والتكحّل دونه درجة لدلالته على الحلم المتكلّف المتصنّع ، ونظير هذا أيضا قوله في الاستدلال على أنّ واقع يسف الدولة يغني مادحه عن تاريخه المجيد :

     ليـت المـدائح  تستوفي مناقـبه      فما كلـيب ! وأهـل الأعصر الأول

     خذ ما تـراه ودع شيئا سمعت به      في طلعة الشمس ما يغنيك عن زحل

     فإذا صرنا إلى القرطاجنّي ـ متجاوزين كثيرا ممّن لا يعنينا شأنهم هنا ـ وجدناه يرى أنّ الذي يجمع بين الخطابة والشعر أكثر ممّا يفرّق بينهما ؛ فالمعاني بينهما مشتركة ، وغاية أسلوبيهما ـ وإن اختلفا ـ واحدة ، والفارق المهمّ بين الاثنين عنده أنّ الشعر أقرب إلى اليقين من الخطابة ؛ فهذه تعتمد على تقوية الظنّ إلاّ إذا عدل الخطيب عن الإقناع إلى التصديق ، أمّا الشعر فالتخييل فيه لا ينافي اليقين ، ومن ثمّ يرى حازم ضرورة المراوحة بين التخييل والإقناع في الشعر، لا على سبيل الرخصة وإنّما لأنّ طبيعة النفس تأنس بالمراوحة بين الفنّين ويتجدّد نشاطها بذلك ، والمتنبي عنده إنّما أجاد واستحقّ التقدير لأنّه يفتتح فصوله بأشرف معاني المحاكاة ويختمها بأشرف معاني الإقناع (51).

     وكما تحدّث أولئك الفلاسفة عن علاقة الشعر بالخطابة وبقيّة الفنون فإنهم تناولوا أيضا علاقة الشعر بالمنطق ؛ فجعلوا الصّناعة الشعريّة قياسا كاذبا هو قياس التمثيل وهو قياس بالقوّة لا بالفعل ؛ ويوضّح ابن رشد هذا القياس الكاذب حين « يشير إلى أنّ خيال الشيء هو بمثابة المقدمة للقياس الشعريّ ، وما يراد تخييله وتفهيمه هو بمثابة النتيجة ؛ أي تبدو الصّورة الشعريّة نظير المقدمة والغاية التأثيريّة نظير النتيجة ، وهو ما يثبته حقّا واقع الشاعر العربيّ القديم ، الذي كان يريد في الغالب أن يقنع الآخر : إمّا بإعجابه به ( المديح )، أو بعشقه له ( الغزل ) ، أو أن يقنع طرفا ثالثا بصحّة أقواله ( الهجاء والفخر ) ، أو بشدّة حزنه ( الرّثاء ) ، ثمّ يقنع هؤلاء وهؤلاء بأنّه مبدع وجدير بالجائزة أو الحبيبة أو المكانة الرفيعة أو غير ذلك ، وهذا الإقناع لا يكون عن طريق القياس المنطقيّ ، بل بإثارة العواطف عن طريق الصور الشعريّة ، فإذا صحّ أنّ الشعر وسيلة للإقناع ، تكون الصور إذن مقدّماته وفكرة الإعجاب أو العشق الضمنيين أو ما أشبه ذلك هي النّتيجة ، فهو إذن قياس غائم لا حدود له ، ولذلك ربطوه بالتّخييل » (52) .

     ولم يكن الفلاسفة ـ بعد إفاضتهم الحديث في ماهية الشّعرـ  ليغفلوا الحديث في مهمته وغايته ، التي ربطت عندهم بالجانب الأخلاقيّ والتّربويّ ؛ فتحقيّق السعادة لعامّة النّاس لا يكون إلاّ بمعرفة حقائق الوجود ومقتضيات الواقع ، وهذه إنّما تتحقّق حسب طبيعة المتلقّين ، فالعامّة تناسبهم الأساليب التّخييليّة لأنّهم " يرون أنّ الموجود هو المتخيّل والمحسوس ، وأنّ  ما ليس بمتخيّل ولا بمحسوس فهو   عدم ... " (53)، فمطالبة هذه الفئة بالمعقولات هو من قبيل مطالبتهم بالمستحيل ، ومن ثمّ تتأكّد ضرورة الطرق الشّعريّة والخطابيّة في نقل المعرفة إلى هذه الفئة العريضة في المجتمع .

     فالهدف الأخلاقيّ أو النّفعيّ ( الجانب المادّي ) يتكفّل به المضمون الشّعريّ ، ولكن دون غنى عن القناة التّخييليّة أي الإمتاع ( الجانب الصوري ) ، فالجانبان المادي والصوري متعانقان ومتكاملان عندهم ولا يتصوّر استغناء أحدهما عن الآخر

     وتأكيدا على هذه الغاية التّربويّة الأخلاقيّة نجد ابن رشد يهاجم الشّعر العربيّ والجاهليّ منه خاصّة لما فيه من نهم كريه يحرّض على الفسوق ، كما يهاجم من الشّعراء أولئك المدّاحين للطّغاة المستبدّين ، تملّقا وتضليلا للنّاس (54)، وإن كان يبالغ حين يحصر شعر الحثّ على الفضائل في فضيلتي : الكرم والشّجاعة الواردتين في  سياق الفخر غالبا لا في سياق الحثّ على الفضائل كما هو عند اليونان ، الذين خلا شعرهم أو كاد من النّهم الكريه على زعم ابن رشد ورفقة الأرسطيين .

من القضايا النّقديّة السّاخنة لدى الفلاسفة :

     1ـ المحاكاة والتخييل :

     لم يعرّف أرسطو المحاكاة ، وإنّما تولّى الدّفاع عنها وعن مستخدميها حين حطّ أستاذه أفلاطون من شأنها وشأن الفنون التي اعتمدتها وفي مقدّمتها الشّعر، فالإنسان في نظر المعلّم الأوّل يتعلّم بالمحاكاة وهو يلتذّ بها أيضا ـ وهو بذلك يقلّص الهوة المصطنعة بين الشّعر والفلسفة ، حين يجعله أقرب إلى الفلسفة بميله إلى قول الكلّيات من التّاريخ الذي يهتمّ بالجزئيات ، وتمسّك الشعراء بالممكن يعني تمسّكهم بالمقنع ، بل يضيف المعلّم الأوّل فكرة النّفعيّة إلى الشّعر من خلال " التّطهير" وينفي عنه كذلك كلّ عبثيّة .

     أما في البيئة الفلسفيّة العربيّة ، فإن أوّل ما اصطدموا به من قضايا هذا الباب هو موضوع المحاكاة ؛ فالشّعر اليوناني في رأيهم قد قصد فيه في الغالب محاكاة الأفعال والأحوال ، ولم يلتفتوا إلى محاكاة الذّوات إلاّ قليلا، فالعرب ـ عند هؤلاء الفلاسفة هم الذين كانوا يقولون الشّعر في الغالب للعجب من حسن التّشبيه ، وفي القليل النّادر لحثّ النّفس على فعل أو انفعال بعينه (55)، على خلاف اليونان ، الذين مالوا إلى ما هو عام وكلّيّ ومجرّد ، مقابل ميل العرب إلى ما هو خاص وجزئي ومحسوس ، وإذا كان الفلاسفة الأرسطيّون قد سعوا جهدهم في التّوفيق بين مقولات أرسطو الفنّيّة وواقع الأدب العربي ، فإنّ ذلك لم يمنع من وقوعهم في بعض الاضطراب ، من ذلك خلطهم بين المحاكاة والتّشبيه " متابعة منهم لمتى بن يونس الذي أساء التّرجمة ، وقد تكون مكانة التّشبيه عند الأقدمين ممّا شجّع على ذلك .

     وممّا يوحي بذلك الخلط كون التّشبيه عند ابن رشد مثلا مرادفا للمحاكاة ، فهو من جهة عنصر من عناصرها فالمحاكاة عنده هي : التّشبيه + الوزن + اللحن ، أمّا التّشبيه فهو عنده : المحاكاة + الوزن + اللحن ، فابن رشد هنا يفهم المصطلحات الأرسطيّة من خلال المفاهيم البلاغيّة والشّعريّة العربيّة .

     وحين يقسم ابن رشد المحاكاة إلى صنفين : " الاستدلال " و "الإدارة" (56) يبدو متأثّرا بأبي بشر متىّ بن يونس ، فهو يتّفق معه في " الإدارة " ويختلف معه في الاستدلال ، إذ يعني الاستدلال عند متىّ مفهوم للتّعرّف عند أرسطو ( أي العبور من الجهل إلى المعرفة ) بينما يعني عند ابن رشد شبيه الانتقال من هجاء الشّخص إلى مدح خصمه ، ويعدّ الاثنان كلاًًًً من الاستدلال و الإدارة عنصرا من الخرافة أو الحكاية أو المسرحيّة ،خلافا لابن سينا الذي وضع " الاشتمال مكان الإدارة ، والدّلالة مكان الاستدلال " (57) ، ويدرج ابن رشد الاستدلال والإدارة في موضوع إنسانيّ هام هو : الطّلب والهرب أو الرّغبة والرّهبة . وما يثور في النّفس الإنسانية من مشاعر الرّحمة والخوف ممّا يحتاج إليه في صناعة المديح للأفعال الإنسانية الجميلة ، وخير الشّعر عنده ما جمع بين هذين الصّنفين وأغلب شعر العرب منه .

     وعندما يتحدّث ابن رشد عن غاية المحاكاة نجده يخلطها خلطا واضحا بالتّخييل كما أسلفنا فإذا كان المراد من كلّ تشبيه وحكاية ما هو حسن أو قبيح فإنّ الغاية القصوى للحكاية تغزو التّحسين أو التّقبيح ، وهذه غاية التّخييل عند الفارابي وليست غاية المحاكاة .

     ورغم الخلط بين الاثنين فإنّ الرّجل يجعل للتّخييل عناصر ثلاثة هي :

1 ـ التّشبيه بالأداة .

2 ـ الإبدال : ويشمل الاستعارة والكناية .

3 ـ التّشبيه المبدّل : وهو ما يسمّيه البلاغيّون التّشبيه المقلوب .

     أمّا فيما ينبغي محاكاته من العادات وما يحسن موقعه في النّفوس من المدح الجيّد ، فإنّ ابن رشد يومئ ههنا إلى تلك الأخلاق الأربعة التي بنى عليها أرسطو التراجيديا ، وهي :

1 ـ الخيّرة الفاضلة في ذات الممدوح الكائنة فيه حقّا .

2 ـ اللاّئقة بالممدوح الصّالحة له ( فلا ينبغي أن يوصف بما لا يناسب جنسه مثلا؛ فمن العادات ما يليق بالرّجال مثلا ومنها ما يليق بالنّساء ) 

3 ـ الكائنة في الممدوح على أتمّ وجه من الشّبه والموافقة .

4 ـ المعتدلة فيه بين بين .

     ويعدّ ابن رشد من أنواع الاستدلالات ذات المحاكاة الجيّدة بالصّناعة ستّة أنواع، هي : 

1 ـ محاكاة أشياء محسوسة بأخرى محسوسة موقعة للشّكّ ، موهمة بأنّها الشيء الذي حوكيت به ، كتسمية بعض الكواكب سرطانا لأنّ الشّكل يوهم بذلك ، ويكون التّشبيه هنا أتمّ إذا كان أوقع للشّكّ ، ولذلك كانت حروق التّشبيه تقتضي الشّكّ ، وكثير من تشبيهات العرب من هذا الصّنف .

2 ـ محاكاة لأمور معنويّة بأخرى محسوسة ، إذا كانت لتلك الأمور أفعال مناسبة لتلك المعاني حتّى توهم أنّها هي ، مثل قولهم في المنّة " إنّها طوق العنق " ، وفي الإحسان إنّه " قيد "... وهذا كثير في أشعار العرب ، وهو يعني أنّ فعل التّقييد يناسب معنى الإحسان ؛ لأنّ الإنسان المحسن إليه كالمقيّد بعمل المحسن ، وهنا يشترط ابن رشد التّشبيه بالأشياء الفاضلة لا الخسيسة ...

3 ـ المحاكاة بالتّذكّر : أي أن يورد الشّاعر شيئا يتذكّر به شيء آخر كالخطّ الذي يذكّر بصاحب ويثير الحزن عليه إن كان ميّتا ، أو الشّوق إليه إن كان حيّا وهذا كثير في أشعار العرب ، ومنه تذكّر الأحبّة عند رؤية الدّيار والأطلال وما جرت عليه عادة العرب من تذكّر الأحبّة بالخيال .

4 ـ المحاكاة بتشبيه شخص بآخر من نوعه بعينه ، ولا يكون إلاّ في الخَلق أو الخُلق وذلك كقول القائل : " جاء شبيه يوسف " .

5 ـ محاكاة الغلوّ الكاذب : الذي يستعمله السوفسطائيّون من الشّعراء ، وهو كثير في أشعار العرب المحدّثين ... ، ولا يوجد شيء منه في الكتاب العزيز ، فهو بمنزلة الكلام السّوفسطائيّ من البرهان ، ومنه قول المتنبّي :

     لو الفلك الدّوّار أبغضت سيره       لعـوّقه شيء عن الدّوران

6 ـ إقامة الجمادات مقام النّاطقين في مخاطبتهم ومراجعتهم ، إذا كان فيها أحوال تدلّ على النّطق ، مثل قول مجنون ليلى :

     وأجـهشـت للتّوباد لـمّا رأيـته       وكـبّر للرّحـمـن لمّـا رآنـي

     فقلـت لـه : أين الذيـن عهدتهم       حواليك في أمن وخفض زمان ؟               

     فقال: مضوا واستودعوني بلادهم       ومن ذا الذي يبقى على الحدثان ؟

ومثل هذا مما يسميه البلاغيون " التّشخيص " كثير في أشعار العرب . ويبدو مما سبق أنّ ابن رشد يطابق بين الاستدلالات أو المحاكاة الجيّدة وبين الصور البلاغية المختلفة.

     ومن خلال المحاكاة الجيّدة المعجبة يشير ابن رشد إلى أصناف اللفظ الذي يجب توبيخ الشاعر عليه في المحاكاة ، وهي :

1 ـ المحاكاة بغير الممكن أو الممتنع .

2 ـ تحريف المحاكاة ، كزيادة عدد الآذان في الفرس .

3 ـ محاكاة الناطقين بأشياء غير ناطقة .

4 ـ التشبيه بالضّد أو بشبيه الضّد ،مثل قولهم : " راحوا تخالهم مرخى من الكرم "

5 ـ الإتيان بالأسماء الدالة على المتضادين بالسّواء : ( أسماء الأضداد )

.6 ـ ترك المحاكاة الشّعرية إلى الإقناع والأقاويل التّصديقية ، إلا إذا كان الإقناع حسنا ( صادقا ) .

     ويبدو التّقسيم هنا قريبا من نظرة أرسطو ، الذي جعل المآخذ على الشّعراء خمسة ، وهي قريبة مما ورد عند أرسطو :

1 ـ الاستحالة .

2 ـ مخالفة العقل .

3 ـ الخسة وإيذاء الشّعور .

4 ـ التّناقص .

5 ـ الخروج على أصول الصناعة .

     فالملاحظ أن مصدر الاضطراب في حديث ابن رشد هو« أنه أخد النظرية المسرحية من أرسطو و طبّقها على الشّعر العربي بصورة شبه آلية » (58) ، فالمحاكاة عنده مرادف للتشبيه تارة وللبلاغة تارة أخرى وللمدح مّرة ثانية ، وحل المديح محل المأساة ، بما في الأخيرة من "تعرف" و "تحول" و" تطهير" و"فكرة"    و " عمل إرادي فاضل " و" عادات " و" أخلاق " ورواية " ........ وغيرها مما لا يقبل الشعر المدحي معظمه (59) . وبمناسبة ذكر التّطهير تجدر الإشارة هنا إلى أن ابن رشد أشار إلى ذلك في معرض حديثه عن محاكاة الفضائل فهو يعرّف صناعة المديح بأنّها تشبيه ومحاكاة للعمل الإرادي الفاضل الكامل ، ثمّ يؤكد أنّها يجب أن تكون محاكاة تنفعل بها النّفوس انفعالا معتدلا بما يولّد فيها من الخوف والرحمة ، وذلك بما يخيّل في الفاضلين من النّقاء والنّظافة ، كما يدعو من يحث على الفضائل أن يجعل جزءا من محاكاته للأشياء التي تبعث الحزن والرّحمة والخوف ، مؤكدا أنّ الرّحمة والرقة تحدث بذكر حدوث الشقاوة لمن لا يستحقها ، كما يحدث الخوف عند ذكر هذه الأشياء وتخيّل الأمر الضار عند نزوله بالآخرين ، أمّا الحزن والرّحمة فيحدثان عند ذكر الشقاوة ونزولها على من لا يستحق .

وقد استعان ابن رشد هنا بقصة إبراهيم حين أمر بقتل ابنه إسماعيل ، فذلك في غابة الأقاويل الموجبة للحزن والخوف عنده ، وهذا يوحي بحرص ابن رشد على التّوفيق بين مقولات أرسطو ، ونصوص الإبداع العربي ، وهو يخفّف في الوقت ذاته من درجة الاضطراب الذي وقع فيه الرّجل وهو يعرّب تلك المقولات .                    

     أماّ التّخييل فللفلاسفة الأرسطيين فيه كلام يطول ، ولا يتسع المقام هنا لغير ابن

 رشد متبوع بإلمامة وجيزة بكل من حازم القرطاجني ثم ابن خلدون .

     لقد جعل ابن رشد المحاكاة والتّخييل شيئا واحدا ، حين أعلن أنّ : « الأقاويل الشعرية هي الأقاويل المخيّلة » (60) .

     لكنّ معنى التّخييل عنده هو المطابقة أي التشبيه الصرف الذي لا تحسين فيه ولا تقبيح إلاّ بزيادة ما يفيد ذلك (61) ، ومن ثمّ يصبح التّخييل عند ابن رشد أحد أغراض المحاكاة الثلاثة عند ابن سينا ، وهي : التحسين والتقبيح والمطابقة .

     ومما يوحي بهذه المطابقة بين المحاكاة والتّخييل إقامته الشعر على عناصر ثلاثة هي : التّخيبل والوزن واللحن . ولكنه ربط التّخييل بالانفعال الذي تحدثه المحاكاة في النفس مما يشير إلى المعنى المعروف للتخييل وهو أنّه تلك النتيجة النفسية أو الأثر الذي تحدثه المحاكاة انقباضا أو انبساطا كما سنرى مع حازم لاحقا.    

أماّ فيما يتعلّق باللحن عند هؤلاء المطابقين بين شعر المديح والمأساة اليونانية فإن غياب اللحن من الشعر العربي ـ وهو الذي يهيّئ النفس لتقبل ما يخيّل ويحاكى  في المأساة ـ إنّ هذا يجعل من التّخييل في شعرنا العربي شيئا عديم الفائدة . ومع ذلك فإن ابن رشد يتدارك الأمر في حديثه عن التّناسب بين التّخييل والوزن حيث رأى   « أنّ من التّخييلات والمعاني ما يناسب الأوزان الطويلة ، ومنها ما يناسب القصيرة، وربما كان الوزن مناسبا للمعنى غير مناسب للتخييل ، وربما كان الأمر بالعكس ، وربما كان غير مناسب لكليهما » (62) .

     ويحرص ابن رشد على أن يكون التّخييل مطابقا للواقع ويربطه ربطا وثيقا بالوضوح والصّدق ، ويرى أنّ المؤثرات الخارجية كـ " الأخذ بالوجوه " (63) هي مجرد تغطية لضعف الشعر ورداءته ...

 خاتمة :

     إنّ الحد المعقول لعدد صفحات المقال يقضي علينا بإرجاء الحديث عن بقية القضايا النقدية وبقية الفلاسفة أو المفلسفين للنقد الأدبي ، إلى مقال لاحق نوشّي به صفحات مجلتنا الغراء هذه إن شاء الله . ولن يمنعنا ذلك من إعطاء خلاصة عامة وسابقة لأوانها عن صورة النقد الأدبي في تلك البيئة الفلسفية الأندلسية .

     لقد عرفنا مما سبق أنّ التقاطع بين الفلسفة والأدب ونقده أمر طبيعي نطقت به شواهد لا حصر لها ، وأ نّ ممّا يوحي بذلك انقسام نقدنا القديم نفسه إلى نقد عربي أصيل ونقد يوناني اعتمد على فلسفة أرسطو خاصة . وعرفنا بعد ذلك أنّ البيئة الفلسفية الأندلسية تمظهرت في الصورتين المختلفتين الآنفتي الذكر ؛ النقد العربي التقليدي ممثلا في ابن حزم الظاهري وابن خلدون ، والنقد العربي المتأثر بالفلسفة اليونانية ممثلا في ابن رشد ثمّ حازم القرطاجنيّ .

     ورأينا أنّ ابن حزم كان رائد التيّار الأخلاقي حين سيج النقد بقيود أخلاقية صارمة وحرّم بعض الأغراض الشعرية ، أمّا ابن رشد فقد مثل بوّابة الفلسفة إلى الأندلس بشروحه وتلخيصاته لكتابي "الخطابة" و "الشعر" لأرسطو ، ولكنه اضطرب بعض الاضطراب في التوفيق بين مقولات المعلم الأول والشعر العربي خاصّة، وهو ما أوحت به الأمثلة المعروضة في المحاكاة والتخييل .

     ويستأنف حازم القرطاجنيّ ما بدأه أسلافه الفلاسفة متحاشيا خلطهم واضطرابهم ليتمّ على يديه تزاوج إيحابي بين الفلسفة الفنية الأرسطية ونماذج شعرنا العربي الذاتي ؛ وكان من نتائج ذلك التزاوج مصطلحاته التي جمعت بين الأصالة والحداثة يومها: وأولها إخراج قضيّة " الصدق والكذب " من طبيعة الشعر وتأسيسه على التخييل مع قناعته بقوّة المعاني الصّادقة ، ومن نتائج ذلك أيضا تجاوزه وحدة الجملة عند الجرجاني إلى وحدة القصيدة بالمنظور الأرسطي ، كما وسع حازم معنى المحاكاة ليشمل ما اتسع له الشعر العربي الذاتي من ذلك وضاق عنه الشعر اليونان.

     أمّا ابن خلدون ـ وإن استفظع بعضهم إلحاقه بفلاسفة الأندلس ـ فقد ظل بعيدا عن طروحات المدرسة الأرسطيّة ، وكانت رؤاه النقدية خلاصة تجربته الواسعة في النظم والكتابة أولا ثمّ نتيجة لاقتفائه آثار أسلافه أو معاصريه من النقاد العرب ؛ فكان مبالغا في الاهتمام بالصّياغة كالجاحظ ، مقدسا لعمود الشعر وطريقة العرب ، منبها إلى أهميّة "المحفوظ" في قيام الملكة الشعريّة ، ثائرا على أسجاع عصره ، ثابتا على التقليد متنائيا عن غمس الأدب في الفلسفة .

     أخيرا يمكننا القول إنّ نصوص  النقد الأندلسي تثبت أنّ النقد العربي قد تأثر إلى حدّ مّا بالنظريّة الفنيّة اليونانيّة ، ولكنّه تأثر لم يجاوز حدود التّأليف والتنظير إلى الناقد أو المبدع الأندلسي . وإذن فقد عرفت الأندلس النظرية الفنية اليونانية ولكنّها لم تهضمها. 

الهوامش

1))   ـ  ديني هويسمان : علم الجمال ، ترجمة ظافر الحسن ، ط /2 ، الجزائر ، 1975م ، ص 48 .  

 

2))   ـ  ينظر جابر عصفور: الصّورة الفنيّة في التراث النقدي والبلاغي عند العرب ، ط/ 3 ، الدار البيضاء- المغرب وبيروت- لبنان،  1992م ، ص 167 ـ  169 .

 

(3)   ـ  محمّد عبد العزيز الخولي : إصلاح الوعظ الديني ، خطبته صلى الله عليه وسلّم بتبوك ، ؟ ، ؟ ، ص 40 ـ 41 . 

 

(4)   ـ  ينظر عبد الحليم محمود : التفكير الفلسفيّ في الإسلام ، ط/ 1،بيروت- لبنان ، 1978م ، ص 256 ـ 257 . 

 

5))   ـ  ينظر الأخضر جمعي : نظريّة الشعر عند الفلاسفة الإسلاميّين ، ط /1 ، بن عكنون- الجزائر ، 1999م ، ص 19 .

 

6))   ـ  جابر عصفور : الصّورة الفنيّة ... ، مرجع سابق ، ص 212 .

 

7))   ـ  نفسه : ص211 .

 

8))   ـ  إحسان عبّاس : تاريخ النقد الأدبي عند العرب ، ط / 4 ، بيروت- لبنان ، ص 249

 

9))   ـ  محمد مندور : النقد المنهجي عند العرب ، ط/1 ، الفجالة – القاهرة 2003 ، ص 198-202 .

 

)10) ـ  محمد علي أبو ريّان : فلسفة الجمال ونشأة الفنون الجميلة ، إسكندريّة- مصر ، 1994م ، ص123- 126 .  

 

11)) ـ  ينظر المرجع السابق نفسه : ص 31 .

 

12)) ـ  ينظر نفسه : ص26 .

 

13)) ـ  ينظر زكي نجيب محمود : في فلسفة النقد ، ط / ؟ ، بيروت- لبنان ، والقاهرة- مصر ، 1981م ، ص 17 .

 

14)) ـ  شكري محمد عياد : النقد والبلاغة  ، سوسة- تونس ، 1994م ، ص 8- 9 .

 

15)) ـ  شكري محمد عياد : النقد والبلاغة ، مرجع سابق ، ص 11 .

 

16)) ـ  شكري محمد عياد : النقد والبلاغة ، مرجع سابق ، ص 14 .

 

)17) ـ  ينظر المرجع السابق نفسه : ص 29 .

 

18)) ـ  نفسه .

 

(19( ـ  ينظر في  شأن الهجوم المذكور أعلاه ابن قتيبة في كتابه : أدب الكاتب - المقدّمة ، ط / ليدن ، 1600 ، ص 4- 6 .

 

(20) ـ  شكري محمد عياد : النقد والبلاغة ، مرجع سابق ، ص 24- 25 . 

 

(21) ـ  المرجع السابق نفسه : ص 45- 48 .

 

(22) ـ  ينظر نقسه : ص 20- 22 .

 

(23) ـ  ينظر نقسه : ص 33 .

 

(24) ـ  عباس ارحيلة : كتاب الخطابة لأرسطو في الثقافة العربية .مجلة " علامات في النقد " جدة ، ج 29 / م8 ، جمادى1،1419هـ /  سبتمبر 1998م. ص 311 .

 

(25) ـ  ابن أبي أصيبعة : عيون الأنباء في طبقات الأطبّاء ، طبعة القاهرة ، 1955م ، ص 69 .

 

(26) ـ  سورة الكهف / 54 . وتمام الآية " ولقد صرّفنا في هذا القرآن للنّاس من كلّ مثل ، وكان الإنسان أكثر شيء جدلا " .

 

(27) ـ  موقع روح الإسلام .المكتبة الإسلاميّة .موسوعة الحديث النبوي الشريف . الإصدار 1. الصّحاح ـ البخاري . .Http://www.Islamspirit.com

 

(28) ـ  ينظر إحسان عباس وغيره : دراسات في الأدب الأندلسي ، مرجع سابق ، ص 10 -  12 .

 

(29) ـ  ما ورد في الشعر من أحاديث مثل " إنّ من البيان لسحرا وإنّ من الشعر احكما (وفي رواية لحكمة) " أمر تعدّدت رواياته في الصحاح والمساند.

 

(30) ـ  وليد قصاب : النقد العربي القديم ، مرجع سابق ، ص 84 ؛ وإحسان عباس : دراسات في الأدب الأندلسي ، مرجع سابق، ص 7 .

 

(31) ـ  ديني هويسمان : علم الجمال ، ترجمة ظافر الحسن ، مرجع سابق ، ص 181 .  

 

(32) ـ  ينظر يوسف عيد : دفاتر أندلسية في الشعر والنثر والنقد والحضارة والأعلام ، مرجع سابق ، ص 523 .

 

(33) ـ  ابن حزم :  التّقريب لحدّ المنطق ... ،، تح/ إحسان عبّـاس ،  بيروت - لبنان ، 1959م ، ص 202 .  

 

(34) ـ  المرجع السابق نفسه : ص 354 .

 

(35) ـ  نفسه : ص 206 .

 

(36) ـ  ينظر مصطفى الجوزو : نظريّات الشعر عند العرب ج1 الجاهليّة والعصور الإسلاميّة ، ط1 ، دار الطّليعة للطّباعة والنّشر، بيروت – لبنان ، 1981م ، ص 168-  169 .

 

(37) ـ  ينظر جابر عصفور : الصّورة الفنيّة ... ، مرجع سابق ، ص 45 .

 

(38) ـ  شروح سقط الزند : تح/ مجموعة من الأساتذة برئاسة طه حسين ، ج2 ، ص 95 ؛ والبلوي : ألف باء المحاضرة ، ص 65 . عن جابر عصفور : الصّورة الفنيّة ... ، مرجع سابق ، ص 73 .

 

(39) ـ  هذه العبارة وما بعدها تكرّرت في طروحات هؤلاء الفلاسفة ، ونحن نراها مجانبة للصواب ، ذلك أنّ الفخر بالفضائل أقوى من الحثّ عليها ، لما فيه من تحدّ واستفزاز وإثارة لطلب ذلك أو العزوف عنه ، وذلك أقرب إلى طبيعة الشّعر التّخيّيليّة الإيحائيّة .

 

(40) ـ  " الفخر لا الحث " عبارة ينطبق عليها التعليق السابق نفسه .

 

(41) ـ  شكري محمّد عيّاد : كتاب أرسطوطاليس في الشعر ، دار الكتاب العربي للطباعة والنّشر بالقاهرة ، 1967م ، ص 265 .

 

(42) ـ  ينظر المرجع السابق نفسه : ص 220 .

 

(43) ـ  ينظر محمّد إبراهيم الفيّومي : تاريخ الفلسفة الإسلامية في المغرب والأندلس ، ط1 ، دار الجـيل ، بيروت - لبنان ، 1997م . ص 337 .

 

(44) ـ  ينظر شكري محمد عياد : كتاب أرسطوطاليس في الشعر ، مرجع سابق ، ص 204 .  

 

(45) ـ  ابن رشد : تلخيص الخطابة ، ضمن كتاب فن الشعر لأرسطو ، تح/ عبد الرّحمن بدوي ، ط2 ، دار الثقافة ، بيروت ، 1973م . ص 332 .

 

(46) ـ  ابن النّديم : الفهرست ، د ط ، دار المعرفة ، بيروت ، د ت ، ص 316- 320 ، عن عبّاس ارحيلة : كتاب الخطابة لأرسطو في الثقافة العربيّة ، مجلّة علامات في النّقد ، (جدّة) ، ع 29 ، م 8 ، جمادى الأولى 1419 هـ ، سبتمبر 1998م،      ص 311 . 

 

(47) ـ أمين الخولي : البلاغة العربيّة وأثر الفلسفة فيها ، ص 11 ، عن عبّاس ارحيلة : كتاب الخطابة لأرسطو في الثقافة العربيّة ، مجلة ّ علامات في النّقد ، (جدّة) ، ع 29 ، م 8 ، جمادى الأولى 1419 هـ ، سبتمبر 1998م ، ص 312 .

 

(48) ـ  ينظر مصطفى الجوزو : نظريّات الشعر ... ج1 ...، مرجع سابق , ص 237.

 

(49) ـ  ينظر نفسه . 

 

50)) ـ  ابن رشد : كتاب الشّعر ، ص 249- 250 ، عن الأخضر جمعي : نظريّة الشعر ... ، مرجع سابق ، ص 54 .

 

(51) ـ  مصطفى الجوزو : نظريّات الشعر ... ، مرجع سابق ، ص240- 241 .

 

52)) ـ  المرجع السابق نفسه :  ص 262 .

 

(53) ـ  الأخضر جمعي : نظريّة الشعر عند الفلاسفة الإسلاميّين ، مرجع سابق ، ص113- 114 .

 

54)) ـ  ابن رشد : الكشف عن مناهج الأدلّة في عقائد الملّة  ، تح/ محمود قاسم ، ط3 ، مكتبة الأنجلو المصريّة ، القاهرة ، 1969م ، ص 172ـ 173.                                                                             

 

(55) ـــ  عمار الطّالبي : موقف ابن رشد من الشّعر ( مؤتمر ابن رشد ، ج1) ، الذّكرى المئويّة الثّامنة لوفاته ، المنظّمة العربية للتّربية والثّـقافة والعلوم ، المؤسّسة الوطنيّة للفنون والطّباعة ، الجزائر 1985م .ص 171.  

 

56)) ـ  ينظر مصطفى الجوزو : نظريّات الشعر ... ، مرجع سابق ، ص 96 - 97 .

 

(57) ـــ   شكري محمّد عيّاد : كتاب أرسطوطاليس ... ، ص 54-ـ 55 .

 

(58) ـــ   مصطفى الجوزو : نظريّات الشعر ... ، مرجع سابق ، ص 104 .

 

(59) ـ  المرجع السابق : ص114 .

 

(60) ـ  نفسه : ص 146 .

 

(61) ـ   نفسه : ص 129.

 

(62) ـ   نفسه : ص 132.

 

(63) ـ  " الأخذ بالوجوه " هو وسائل خارجة عن المحاكاة لتقريب ما يراد تخييله إلى المشاهد في المسرح اليوناني .