المصطلح النقدي في العصر الحديث

مليكة النوي

مقدمة:

حظي المصطلح النقدي في العصر الحديث باهتمام بالغ، صُنّفت في المصنفات أخرج فيها أصحابها زبْدهم العقلي وأصالتهم الفكرية، وكم كان إسهامهم كبيرا! وكم كان فضلهم على الدراسات النقدية الحديثة! وفي هذا المناخ الثري والخصب بالجدل والنقاش، والاتفاق والاختلاف كان النقد قد خطا خطوات باحثا فيما قاله السلف ناقدا ومعلقا ومضيفا.

         لقد فرض عصر العولمة على الدارس الاهتمام بالمصطلح النقدي، باعتباره ظاهرة ثقافية عالمية، يقوم عليها تأسيس المنهج النقدي، فلا وجود للمنهج النقدي دون تحديد للمصطلحات النقدية الخاصة به، فما أحوجنا لمفاتيح العلوم حتى نقي أنفسنا من سوء الإفهام، والآخرين سوء الفهم.

تعريف المصطلح: المصطلحات مفاتيح العلوم، وإدراكها فهم للعلم، هذا ما يجعل تحديد مفهوم المصطلح في الواجهة.

المصطلح لغة: الدلالة اللغوية للمصطلح ترجع إلى مادة (ص - ل - ح) (الصاد واللام والحاء أصل واحد يدل على خلاف الفساد. يقال صلُح الشيء يصلُح، ويقال صلَح بفتح اللام، وحكى ابن السكّيت صلَح و صلُح، ويقال صلَح صُلوُحا، قال:

         وكيف بأطرافي إذا ما شَتَمْتَنِي                           وما بعد شتم الوالدين صُلوُحُ

         وقال بعض أهل العلم: إن مكة تسمى صلاحا)[1].

         وجاء في المنجد العربي: (صلح: صلُح- و صلَح- صلاحا و صُلوحا وصلاحية: ضد فسد ... ويقال من المجاز "هذا يصلح لك صلاحا" أي يوافقك ويحسن بك ...)[2].

مفهوم المصطلح اصطلاحا: جاء في كتاب التعريفات (الاصطلاح عبارة عن اتفاق قوم على تسمية الشيء باسم ما يُنقل عن موضعه الأول، وإخراج اللفظ من معنى لُغوي إلى آخر، لمناسبة بينهما. وقيل الاصطلاح لفظ معين بين قوم معينين)[3].

         وذكر القوزي أن الدلالة الاصطلاحية تدل على (إتفاق جماعة على أمر مخصوص)[4].

         والعملية الاصطلاحية ولادة بعد مخاض لتصورات واعتقادات في عقل أي أمة، يقول عبد السلام المسدي (مفاتيح العلوم مصطلحاتها، ومصطلحات العلوم ثمارها القصوى، فهي مجمع حقائقها المعرفية وعنوان ما به يتميز كل واحد منها عما سواه، وليس من مسلك يتوسل به الإنسان إلى منطق العلم غير ألفاظه الاصطلاحية)[5].

         أما يوسف وغليسي فعرّف المصطلح بقوله: (علامة لغوية خاصة تقوم على ركنين أساسيين لا سبيل إلى فصل دالها التعبيري عن مدلولها المضموني، أو حدها عن مفهومها، أحدهما الشكل "forme" أو التسمية "dénomination" والآخر المعنى "sens" أو المفهوم "notion" أو التصور "concept" يوحدهما "التحديد" أو "التعريف" (définition) أي الوصف اللفظي للمتصور الذهني)[6].

         وللمصطلح فلكان يسبح فيهما: الفلك الذي ولد فيه، والفلك الذي احتضنه، ولا شك أن فلك الولادة وساحته التداولية أوسع، والسبب أن المصطلح في فلك الولادة حر يتحرك في كل الجهات كحرية الفرد في بيئته. أما إذا انتسب إلى مجرة ثانية فلا شك أنه يتقيد بضوابطها وهنا تكون مساحته الدلالية محدودة (وهكذا تترادف على المحيط الدلالي لكلمة "مصطلحات"كلمات أخرى من طراز" الاصطلاحات" و "الحدود" و"المفاتيح" و"الأوائل" و"التعريفات" و"الكليات" و"الأسامي و"الألقاب" و"الألفاظ" و"المفردات" ونال المفهوم كبير الاهتمام لضبط تعريفه، إلى أن تعريفاته تعددت لخاصيته التجريدية الذهنية، ليكون المفهوم هوفعل التفكير وموضوعه سواء أكان التفكير مجردا أم عاما)[7].

         والمفهوم منطلق رئيس في العملية الاصطلاحية، فبوساطته تبنى المعارف. من هنا لم يعد البحث قاصرا على المصطلح فقط أو المفهوم ولكن على العلاقة القائمة بينهما وهذه مهمة علم المصطلح "terminologie"، فالمفهوم يبقى تصورا ذهنيا، ووظيفة المصطلح التعبير عنه (وعلم المصطلح ليس علما مستقلا عن سواه من العلوم، بل علم متاخم لجملة من الحقول المعرفية الأخرى، حيث يقع في مفترق علوم شتى كعلم الدلالة "sémantique"، وعلم تطور دلالة الألفاظ "sémasiologie"  وعلم المعاجم "lexicologie" وعلم التأثيل أو التأصيل "étymologie"، وعلم التصنيف "classologie" وعليه فربما حق لنا أن نلقب علم المصطلح بـ "علم العلوم"!)