المصطلح النقدي في العصر الحديث

مليكة النوي

مقدمة:

حظي المصطلح النقدي في العصر الحديث باهتمام بالغ، صُنّفت في المصنفات أخرج فيها أصحابها زبْدهم العقلي وأصالتهم الفكرية، وكم كان إسهامهم كبيرا! وكم كان فضلهم على الدراسات النقدية الحديثة! وفي هذا المناخ الثري والخصب بالجدل والنقاش، والاتفاق والاختلاف كان النقد قد خطا خطوات باحثا فيما قاله السلف ناقدا ومعلقا ومضيفا.

         لقد فرض عصر العولمة على الدارس الاهتمام بالمصطلح النقدي، باعتباره ظاهرة ثقافية عالمية، يقوم عليها تأسيس المنهج النقدي، فلا وجود للمنهج النقدي دون تحديد للمصطلحات النقدية الخاصة به، فما أحوجنا لمفاتيح العلوم حتى نقي أنفسنا من سوء الإفهام، والآخرين سوء الفهم.

تعريف المصطلح: المصطلحات مفاتيح العلوم، وإدراكها فهم للعلم، هذا ما يجعل تحديد مفهوم المصطلح في الواجهة.

المصطلح لغة: الدلالة اللغوية للمصطلح ترجع إلى مادة (ص - ل - ح) (الصاد واللام والحاء أصل واحد يدل على خلاف الفساد. يقال صلُح الشيء يصلُح، ويقال صلَح بفتح اللام، وحكى ابن السكّيت صلَح و صلُح، ويقال صلَح صُلوُحا، قال:

         وكيف بأطرافي إذا ما شَتَمْتَنِي                           وما بعد شتم الوالدين صُلوُحُ

         وقال بعض أهل العلم: إن مكة تسمى صلاحا)[1].

         وجاء في المنجد العربي: (صلح: صلُح- و صلَح- صلاحا و صُلوحا وصلاحية: ضد فسد ... ويقال من المجاز "هذا يصلح لك صلاحا" أي يوافقك ويحسن بك ...)[2].

مفهوم المصطلح اصطلاحا: جاء في كتاب التعريفات (الاصطلاح عبارة عن اتفاق قوم على تسمية الشيء باسم ما يُنقل عن موضعه الأول، وإخراج اللفظ من معنى لُغوي إلى آخر، لمناسبة بينهما. وقيل الاصطلاح لفظ معين بين قوم معينين)[3].

         وذكر القوزي أن الدلالة الاصطلاحية تدل على (إتفاق جماعة على أمر مخصوص)[4].

         والعملية الاصطلاحية ولادة بعد مخاض لتصورات واعتقادات في عقل أي أمة، يقول عبد السلام المسدي (مفاتيح العلوم مصطلحاتها، ومصطلحات العلوم ثمارها القصوى، فهي مجمع حقائقها المعرفية وعنوان ما به يتميز كل واحد منها عما سواه، وليس من مسلك يتوسل به الإنسان إلى منطق العلم غير ألفاظه الاصطلاحية)[5].

         أما يوسف وغليسي فعرّف المصطلح بقوله: (علامة لغوية خاصة تقوم على ركنين أساسيين لا سبيل إلى فصل دالها التعبيري عن مدلولها المضموني، أو حدها عن مفهومها، أحدهما الشكل "forme" أو التسمية "dénomination" والآخر المعنى "sens" أو المفهوم "notion" أو التصور "concept" يوحدهما "التحديد" أو "التعريف" (définition) أي الوصف اللفظي للمتصور الذهني)[6].

         وللمصطلح فلكان يسبح فيهما: الفلك الذي ولد فيه، والفلك الذي احتضنه، ولا شك أن فلك الولادة وساحته التداولية أوسع، والسبب أن المصطلح في فلك الولادة حر يتحرك في كل الجهات كحرية الفرد في بيئته. أما إذا انتسب إلى مجرة ثانية فلا شك أنه يتقيد بضوابطها وهنا تكون مساحته الدلالية محدودة (وهكذا تترادف على المحيط الدلالي لكلمة "مصطلحات"كلمات أخرى من طراز" الاصطلاحات" و "الحدود" و"المفاتيح" و"الأوائل" و"التعريفات" و"الكليات" و"الأسامي و"الألقاب" و"الألفاظ" و"المفردات" ونال المفهوم كبير الاهتمام لضبط تعريفه، إلى أن تعريفاته تعددت لخاصيته التجريدية الذهنية، ليكون المفهوم هوفعل التفكير وموضوعه سواء أكان التفكير مجردا أم عاما)[7].

         والمفهوم منطلق رئيس في العملية الاصطلاحية، فبوساطته تبنى المعارف. من هنا لم يعد البحث قاصرا على المصطلح فقط أو المفهوم ولكن على العلاقة القائمة بينهما وهذه مهمة علم المصطلح "terminologie"، فالمفهوم يبقى تصورا ذهنيا، ووظيفة المصطلح التعبير عنه (وعلم المصطلح ليس علما مستقلا عن سواه من العلوم، بل علم متاخم لجملة من الحقول المعرفية الأخرى، حيث يقع في مفترق علوم شتى كعلم الدلالة "sémantique"، وعلم تطور دلالة الألفاظ "sémasiologie"  وعلم المعاجم "lexicologie" وعلم التأثيل أو التأصيل "étymologie"، وعلم التصنيف "classologie" وعليه فربما حق لنا أن نلقب علم المصطلح بـ "علم العلوم"!)[8].

         فالمفهوم صورة ذهنية أما المصطلح فلغة المفهوم والتي تعطي له التداول والانتشار، في حين يرى محمود فهمي حجازي أن: (الكلمة الاصطلاحية، أو العبارة الاصطلاحية مفهوم مفرد أو عبارة مركبة استقر معناها، وبالأحرى استخدامها، وحدد في وضوح، هو تعبير خاص ضيق في دلالته المتخصصة وواضح إلى أقصى درجة مكنة، وله ما يقابله في اللغات الأخرى ويرد دائما في سياق النظام الخاص بمصطلحات فرع محدد فيتحقق بذلك وضوحه الضروري)[9].

         فالعلاقة تكاملية بين المفهوم والمصطلح، إذ تتشكل المفاهيم ثم توضعت المصطلحات وهاتان العمليتان غير كافيتين فلابد من تنقيح للمفهوم ثم تثبيت للمصطلح.

تعريف النقد: 

من صميم معركة المعرفة نشأ النقد تلبية لحاجة التطور، ومسايرة لمستجدات الحياة. فالنقد نشأ مرافقا لسيرورة الأدب فما تعريف النقد؟ ومتى بدأ استخدام المصطلح؟ وما دور النقد في العملية الإبداعية؟

النقد خلاف النسيئة والنقد والتنقاد: تمييز الدراهم وإخراج الزيف منها وقد نقدها ينقدها نقدا، وانتقدها وتنقّدها، ونقده إياها نقدا: أعطاها فانتقدها أي قبضها... ونقدت الدراهم وانتقدتها إذا أخرجت منها الزيف)[10].

            وجاء في المعجم الوسيط (والناقد الفني: كاتب عمله تمييز العمل الفني، جيّده من رديئه وصحيحه من زيفه)[11].        

متى بدأ استخدام مصطلح النقد: لا شك أن مصطلح النقد مرّ بمرحلة قبل مرحلة التشكل، فالمصطلح مرتبط بالمفهوم، والمفهوم هو الصورة الذهنية التي يشير إليها المصطلح، ونشأة المصطلح ماهي إلا استجابة لترجمة الصور الذهنية، ومصطلح النقد لم يشذ عن القاعدة فقد سبقت مرحلة التشكل مرحلة التصور، فعرف المجتمع الجاهلي مصطلح الحكم الذي يومئ إلى "النقد". ورغم ما ألّف من كتب صنّفت الشعراء إلى طبقات ووازنت بينهم، إلا أن مصطلح النقد لم يكن صريحا، والنقاد عند الجاحظ لهم مكانتهم المتميزة ويسميهم (جهابذة الألفاظ ونقاد المعاني)[12].

         و "الجَهْبِذ" عنده الناقد الخبير الذي جمع ملكة التمييز الفطرية إضافة إلى الثقافة والذوق، أما عبد القاهر الجرجاني فقد أشار إلى ما قاله البحتري عن ثعلب (ما رأيته ناقدا ولا مميزا للألفاظ)[13]. وبعد أن تحددت معالم المصطلح وجدنا قدامة بن جعفر يجعله عنوان لكتابه "نقد الشعر". وبواعث النقد اختلفت من عصر إلى عصر، ففي العصر الجاهلي ساد منطق النظرة الجزئية، والأحكام التأثرية الانطباعية الذوقية، وفي العصر الإسلامي دخل منطق الدين والأخلاق دون أن يغيب الذوق، وفي العصر الأموي أخذ النحو واللغة قيادة النقد بعد ظهور اللحن، ولا يختلف الأمر كثيرا في العصر العباسي بعد انفتاح العرب على أمم وشعوب. وللحفاظ على لغة القرآن كان لابد من سياج يقيها اللحن، فكان النحو الأب الروحي الذي صاحب النقاد، وظهر التفكير البياني والفلسفي، وظهرت قضايا ثنائية شغلت النقد، كاللفظ والمعنى، والمطبوع والمصنوع، والشكل والمضمون. ورغم أن الحديث عن استخدام مصطلح النقد جاء مقتضبا، إلا أنه يوحي وبالدليل إلى أن المصطلح النقدي له إرهاصاته التي يعود إليها. إذ يعدّ كتاب "طبقات فحول الشعراء" لابن سلام الجمحي من الكتب الأولى في النقد الأدبي عند العرب، إضافة إلى كتاب "المثل السائر" لابن الأثير، و "سر الصناعتين" لأبي هلال العسكري، دون أن ننسى كتاب "الشعر والشعراء" لابن قتيبة، و "كتاب البديع" لابن المعتز، ليستخدم ابن المعتز، ليطل علينا الآمدي صاحب كتاب "الموازنة بين الطائيين"، والقاضي الجرجاني وكتابه "الوساطة بين المتنبي وخصومه"، ويمثل هذان المؤلفان ذروة النقد المنهجي عند العرب قديما. أما في العصر الحديث فـ (يقوم النقد الأدبي أولا على الكشف عن جوانب النضج الفني في النتاج الأدبي وتمييزها عن سواها عن طريق الشرح والتعليل ثم يأتي الحكم عليها)[14].

         أما في العصر الحديث فقد طالعتنا محاولات جادة أخذت على عاتقها دفع الحركة النقدية والسير بها نحو التطور، فكانت البدايات مع طه حسين "خصام ونقد"، كما شكّل العقاد قطبا من أقطاب النقد العربي في العصر الحديث، إذ خاض معارك فكرية مع أنصار القديم داعيا إلى التجديد ومسايرة العصر، ويعد كتاب الديوان للعقاد والمازني وشكري راية من رايات النقد في العصر الحديث، إذ طرحوا مجموعة من المصطلحات النقدية، القديم والجديد، الصورة الشعرية، الخيال، الوحدة العضوية، الشكل والمضمون، اللغة الشعرية، وبذلك شاركوا في تعبييد الطريق للمتخصصين في دراسة المصطلح النقدي.

الإسهامات الفردية:

كثير أولئك الذين تناولوا المصطلح، ولكن حسبنا في هذه المداخلة أن نتناول من كانت إسهاماتهم مميزة، مركزين على المصطلح الأدبي واللغوي والسيميائي والنقدي، إلا أن الدراسة المفصلة تنص على المصطلح النقدي.

 

المؤلِّف

الكتاب

دار النشر

سنة النشر

مجدي وهبة

معجم مصطلحات الأدب

مكتبة لبنان، بيروت

1975

إدريس الناقوري

المصطلح النقدي في نقد الشعر

المنشأة العامة للنشر والتوزيع والإعلان، طرابلس

1984

محمد رشاد الحمزاوي

المصطلحات اللغوية الحديثة في اللغة العربية

الدار التونسية للنشر، تونس، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر

1987

سمير حجازي

قاموس مصطلحات النقد الأدبي

مكتبة مدبولي، القاهرة

1990

محمود فهمي حجازي

الأسس اللغوية لعلم المصطلح

مكتبة غريب، القاهرة

1993

عبد السلام المسدي

المصطلح النقدي

مؤسسة عبد الكريم بن عبد الله، تونس

1994

محمد عناني

المصطلحات الأدبية الحديثة

مكتبة لبنان ناشرون، بيروت، الشركة المصرية العالمية للنشر، لونجمان

1996

رشيد بن مالك

قاموس مصطلحات التحليل السيميائي

دار الحكمة، الجزائر

2000

عزت محمد جاد

نظرية المصطلح النقدي

الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة

2002

يوسف وغليسي

إشكالية المصطلح في الخطاب النقدي العربي الجديد

الدار العربية للعلوم ناشرون، منشورات الاختلاف، الجزائر العاصمة، الجزائر

2008

 

تصدر الإسهامات الفردية بأشكال مختلفة فقد تكون في شكل كتب مطبوعة كما هو مبين في الجدول، دراسات عبر المجلات والدوريات، ومجلة فصول رائدة في هذا المجال، فقد خصت عددا من أعدادها لقضايا المصطلح الأدبي سنة 1987، ومن موضوعات هذا العدد: المصطلح البلاغي القديم في ضوء البلاغة الحديثة لتمام حسان، ص.21. قراءة في "معنى المعنى" عند عبد القاهر الجرجاني لعز الدين إسماعيل، ص.37. الخيال مصطلحا نقديا بين حازم القرطاجني والفلاسفة، لصفوت عبد الله الخطيب، ص.62. أزمة المصطلح في النقد القصصي، عبد الرحيم محمد عبد الرحيم، ص.98...

         ويبقى البعد التراثي للمصطلح يترجم أزمته قديما، وربما في بعض المصطلحات التي مازالت مجال نقاش وجدال حتى الآن، ومن الأدباء الذين اهتموا بالمصطلح في التراث النقدي نجد الدكتور "رجاء عيد" حيث أكد أن معظم المصطلحات استُمدت من حياة الأعراب (فهي خليط من التصورات، استمد بعضها من عالم الأعراب وخيامهم "البيت- العمود"، ومن عالم سباق الخيل "المجلى- المصلى"، ومن عالم الثياب "حسن الديباجة..."، ومن عالم الحرب والشجاعة "متين الأسر"، ومن ظروف التصارع القبائلي "النقائض، السرقة...")[15].

         وفي سياق عرضه للكتاب عرض جملة من الإشكالات التي تعترض المصطلح منها، مشكلة المعجم، والمتمثلة في الخلط في بعض المعاجم بين المعنى الحرفي، والمجازي، وعدم تتبع انتقال المصطلح من دلالته المعجمية إلى الدلالة النقدية. إضافة إلى مشكلة الاضطراب[16]. فمثل هذه الجهود التراثية ضرورية إذا أراد المختصون في دراسة المصطلح تجاوز بعض الإشكالات التي تُطرح على مستوى المصطلح العربي في العصر الحديث لوجود قواسم مشتركة بين مصطلحات تراثية وحداثية يستفيد منها الدارس والباحث.

         ولمّا كان لكل أمة أفكارها ورؤاها الحداثية فإن هذا يفرض التأسيس لمصطلحات جديدة تساير هذه المفاهيم، هذا ما جعل القائمة طويلة ونحن نتتبع الجهود الفردية التي شاركت في دفع عجلة تطور المصطلح النقدي -دراسة وتحليلا وتنقيحا وترجمة- في الوطن العربي والذي استلهم وجوده من روح العصر وفي ذلك تأكيد على العلائق المتواشجة بين المفهوم والمصطلح ، من هنا لنا أن نتساءل هل استطاعت الأمم الأخرى أن ترسي قواعد قارة في دراسة المصطلح؟ وهل معرفة التيارات والمذاهب التي ظهر المصطلح في أحضانها كافية لتحديده والاتفاق حوله؟

            لقد خصص عبد السلام المسدي في كتابه "الأدب وخطاب النقد" مساحة فكرية تناولت "الالتباس المعرفي وتبرئة المصطلح" وما ضمنه هذه المساحة الفكرية ضرورة معرفة خبايا ودقائق المعرفة اللغوية فـ (اليوم لا يكفي الباحث أن يكون لغويا حاملا لمخزون واسع من ثقافة فقه اللغة حتى يواجه المعضلة الاصطلاحية، ولا يكفيه أن يكون لسانيا وقف همه على اللسانيات النظرية أو أحد أركانها الكبرى، وإنما عليه أن يكون مدركا للدائرة الضيقة الدقيقة التي تتقاطع عندها مشارب عدة من المعرفة اللغوية: في علم الأصوات وعلم الصيغ وعلم التركيب وعلم الدلالة، ثم في اللغويات المقارنة واللغويات التقابلية، وكذلك في المعجمية وعلم التأثيل فضلا عن طبائع اللغات وفضائل الألسنة الطبيعية، عندئذ فقط سيستسنى للباحث أن يقول قولا يحظى بالكفاءة التفسيرية ويتعزز بالسند ال

الابستيمي المؤسس)[17]. فليس من السهولة الخوض في المصطلح ومحاولة الولوج إلى متاهاته مع غياب المعرفة الدقيقة بكيفية صياغته، أو عدم تحديد حدود استخدامه، فالمصطلح محاط بسياج من الضوابط على الباحث معرفتها وإثراؤها: مفهومه، صياغته، حدوده التداولية، دلالته. فالمعرفة اللغوية هي تلك المعرفة الدقيقة المركزة حول كل مستويات اللغة، لينطلق الباحث في المصطلح بعد ذلك مختارا مصطلحات تراثية أو حداثية. ومن المحاولات التي نتوقف عندها محاولة رجاء عيد في كتابه "المصطلح في التراث النقدي" أشار فيه إلى ضرورة تحديد الحقول النقدية ومصطلحاتها حتى لا تختلط بمصطلحات حقول مجاورة، ومن المصطلحات التي تتبع مسيرتها مصطلح "التعقيد" الذي تحوّل إلى مصطلح " المعاضلة "، وتتبع المصطلح عند أبي هلال العسكري "التعقيد والإغراق... استعمال الوحشي وشدة تعليق الكلام بعضه ببعض حتى يستبهم المعنى" أما السكاكي فيجعل التعقيد مبحثا من مباحث الفصاحة، في حين اعتبر قدامة بن جعفر المعاضلة فاحش الاستعارة.[18]

         ومن المصطلحات النقدية التراثية التي جاءت في كتاب "المصطلح في التراث النقدي": الفحولة، الطبقات، القصيدة، البديهة، الجزل والجزالة، الحوشي والوحشي، الغرابة، الموازنة، الانتحال، الطبع والتكلف... وحاول الباحث تتبع تحول هذه المصطلحات وغيرها مستشهدا بالشعر الجاهلي، معتمدا المعاجم، والاستدلال ببعض المصادر وما حوته من نصوص تناولت هذه المصطلحات وما طرأ عليها من تحول على مستوى الاستعمال، ولا شك أن من بين هذه المصطلحات مصطلحات مازالت تحمل نفس الدلالة مثل الطبقات، من ذلك ما جاء في كتاب "الغربال" لميخائيل نعيمة (غير أن الناقدين طبقات كما أن الكتاب والشعراء طبقات أيضا). ومن المصطلحات التراثية الحداثية المقاييس والموازين، فقد جاء في نفس الكتاب لميخائيل قوله: (إلا أن هناك خلة لا يكون الناقد ناقدا إذا تجرد منها وهي قوة التمييز الفطرية، تلك القوة التي توجد المقاييس والموازين ولا توجدها المقاييس والموازين). أما صاحب نظرية المصطلح النقدي الدكتور عزة محمد جاد فقد قسّم كتابه إلى فصول أربعة مع مقدمة وتمهيد وخاتمة.

         تناول في التمهيد: مصطلح المصطلح وطرح في هذا العنصر قضية مهمة أشار إليها "فَلْبَر" وهي الفصل بين الدال والصورة العينية، والدال والصورة الذهنية، مما يعطي للمصطلح صفة الدلالة المحددة، واعتمد في قناعاته على مجموعة من الدراسات للمصطلح النقدي عند أقطاب الغرب (ديفيد كريستال- فلبر- رولان بارث- لوتمان وغيرهم)، وخص نظرية المصطلح النقدي بمدخل، أشار فيه إلى الفرق بين النظرية والمنهج -مستمدا مادته المعرفية من أفكار "ولفانج أيزر"-. فالنظرية مادة مجردة تهتم بوضع الضوابط والأسس لإطار المقولات، وهي قابلة للتغير وفق آليات التوظيف، وهي في ذلك كالمنهج الذي يهتم في أساسه بالأدوات المستخدمة في عملية التفسير، فالنظرية تميل إلى تجريد المادة من فرديتها، في حين أن المنهج يحاول إبراز هذه الفردية وتوضيحها.[19]

         أما الفصل الأول فتناول فيه ترجمة المصطلح بين الحرفية والمعرفية، مشيرا إلى (ظاهرة الاضطراب المصطلحي في المنبع والتي تركن في الأصل الفعال في قضايا الترجمة بين الحرفية والمعرفية، ما تركن إلى الأصل ذاته من قضايا أخرى مثل: "أصل الترجمة.. أصل الوضع" في إخفاق الترجمة واعتمادها على الاقتراض من اللغات المختلفة وبعضها بعضا، أو الحرفية وإغفال الحقل الدلالي)[20]. فالترجمة الحرفية للمصطلح أضرت به من حيث تدري أو لا تدري، لأن المصطلح مرتبط بتحقيق الدلالة، والدلالة قد تكون مباشرة أو رمزية، وللسياق دور في تحديد هذه الدلالة.

         واللافت للنظر في هذا الكتاب هو مسرد المصطلحات الذي جاء به في الباب الأخير، وعدد المصطلحات "79 مصطلحا" وقد علّق الدكتور يوسف وغليسي على كتاب "نظرية المصطلح النقدي" بقوله: "أما المواد المصطلحية التي كُلِّف الباحث بتحليلها فقد كانت في عمومها بعيدة عن الإشكالية الإصطلاحية بما هي بؤر توتر ومواقع إشكال ومعتركات بحث "الأقصوصة، الدراما، رؤية العالم، الدادية، الرمزية، الرومانسية، السريالية، الطوطمية، القصة القصيرة، قصيدة النثر، الكلاسيكية، الشكلية، التعبيرية، الواقعية، الوجودية،..." ولعل ذلك عائد إلى هلامية العنوان "نظرية المصطلح النقدي" الذي لا يحدّ موضوعه "متنه المصطلحي" بحدود زمنية أو أطر منهجية أو غيرهما...)[21]. إضافة إلى قضايا تنوعت بين اللغوية والأدبية والنقدية كانت محل اهتمام الكاتب ما جعل المتن لا يترجم العنوان بصدق.

         أما كتاب الدكتور يوسف وغليسي: "إشكالية المصطلح في الخطاب النقدي العربي الجديد 2008" بحجمه "543 صفحة" فتترجمه قيمته العلمية في ذلكم التتويج الذي استحقه الكتاب وكاتبه عندما تم اختياره كأحسن عمل في الدراسات النقدية لسنة 2009 لجائزة دولية من طرف حاكم الإمارات العربية المتحدة، وهو إنجاز علمي شرّف الدراسات العربية عموما والجزائرية خصوصا، تناول في بابه الثاني: المصطلح النقدي الجديد وإشكالية الدلالية، متكئا على مرجعية غذتها الدراسات النقدية والتراثية والحداثية، ليكون له موقع الدارس الباحث المحلّل محيطا نفسه بترسانة من المصادر والمراجع العربية والغربية والمترجمة، جاعلا الكفة تميل إلى المنطق والعقل، معلقا على كثير من المصطلحات النقدية بروح عالم متمرس، عارضا الآراء المختلفة تاركا لنفسه مساحة فكرية للجدل والنقاش والإقناع. وقسّم المصطلحات التي اختارها إلى حقول:

-الحقل البنيوي: تناول فيه البنيوية الشكلانية، والتكوينية، والموضوعاتية.

-الحقل الأسلوبي: تناول فيه الأسلوب والأسلوبية، الدائرة الفيلولوجية، الكلمة الموضوع والكلمة المفتاح، الاستبدالية، والتركيبية، والانزياح.

-الحقل السيميائي: وتناول فيه السيميائية والسيميولوجيا، الشعريات والسرديات.

-الحقل التفكيكي: تناول فيه التفكيكية والتفكيكية الغذامية، والاختلاف، والتضمين، والتناص...

         أما الباب الأخير فخصه الباحث للمصطلح النقدي الجديد وإشكالات الحد الاصطلاحي وتناول فيه:

المصطلح المشتق والمجازي والإحيائي والمعرّب والمنحوت، وهذه العناصر تناولها قبله عبد المالك مرتاض ولكن لكل منهما خصوصياته المعرفية واللغوية ما جعل لكل عمل لذته الخاصة.

         وكتاب "إشكالية المصطلح النقدي" فتح على قارئيه خارطة بكل ما تعنيه الكلمة من دلالة، دلالة الثراء والتنوع، فالكتاب ثري بمعلوماته متنوع بأفكاره، وهو بذلك لبنة أضيفت إلى لبنات سابقة وستضاف إليها لبنات لاحقة في دراسة المصطلح النقدي.

         كما كان للدوريات إسهاماتها المتميزة في المصطلح النقدي دراسة وتحليلا وتعليقا منها: "مجلة فصول" تصدر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة" علامات في النقد" تصدر عن النادي الأدبي الثقافي بجدة، السعودية، "عالم الفكر" فصلية فكرية تصدر عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، وغير هذه الدوريات كثير.

الإسهامات الجماعية:

         نشاط المصطلح النقدي يتحرك في اتجاهين: أحدهما فردي وقد نال وافر الحظ من هذه المداخلة، والآخر جماعي ويتمثل في تلك الجهود المصطلحية الجماعية التي تجمع بين أكثر من متخصص، ممثلة في القواميس والمعاجم، إلا أنها في الغالب تمتاز بالمحدودية خاصة عندما يكون العمل مقصورا على بلد أو قطر، وكان الأولى أن تكون هذه الجهود الجماعية سببا في كسر الحواجز لتحقق للمصطلح بعدا جغرافيا واسعا وفاعلية أكبر.

         ومن الإسهامات الجماعية التي اخترتها "دليل الناقد الأدبي" لكل من: الدكتور ميجان الرويلي، والدكتور سعد البازعي، وهي من المحاولات الجادة التي سعت لإضاءة أكثر من سبعين تيارا ومصطلحا نقديا معاصرا، وجاء الكتاب في شكل عناصر فرعية مراعاة للدقة والمنهجية. ومما جاء فيه بعد المقدمة: الأدب الإسلامي ونقده، الأدب المقارن في العالم العربي، الأنسانوية في الثقافة العربية، البنيوية التكوينية في العالم العربي، مفهوم العالمية في الغرب المعاصر، العالمية في الثقافة العربية المعاصرة، الجراماتولوجيا، "النحو واللوغوس" في الموروث العربي، مفهوم النقد في النظرية النقدية، وتحت هاته العناصر عناصر جزئية أخرى وجدناها في أكثر من كتاب كالبنيوية، والبنيوية التكوينية والاخـ(ت)ـلاف، السيمياء، السيميولوجيا، وهي مصطلحات نقدية جديدة.

         وقد علّق الكاتبان على ما جاء في كتابهما هذا (أننا نقدم مجموعة من أبرز المصطلحات والمفاهيم والاتجاهات الشائعة في النقد الأدبي المعاصر في عرض متوسط الحجم يفوق العرض المعجمي أو القاموسي المقتصد في تفاصيله... والسبب في هذا أننا لم نرد أن نزج بمجموعة جديدة  من المصطلحات أو المفاهيم... وإنما أردنا أن نقدم مادة مفيدة للمتخصص وغير المتخصص.. أما معيار الانتقاء الذي اتبعناه فهو بالطبع أهمية المفهوم أو الاتجاه ودرجة تأثيره وانتشاره)[22].

         يؤكد الكاتبان أن ما جاء في الكتاب إنما تم انتقاؤه انتقاء بما يخدم الدارس والباحث ويخدم لغة البحث ويعمل على إزالة الغموض عن كثير من المصطلحات النقدية (إننا في مجمل ما قدمنا نسعى إلى تقديم رؤية تفسيرية وتقويمية ما أمكننا ذلك، بعيدا عن وهم الموضوعية من ناحية، وبعيدا عن المعالجة الأيديولوجية الفجة...)[23]. فالمصطلح صناعة تشارك في تشكيله مجموعة من المفاهيم والرؤى المختلفة والتي تحكمها خصوصيات ثقافية واجتماعية وأيديولوجية.

         وهناك إسهامات مؤسساتية إذ عرفت المصطلحات العربية بعدا ثالثا في حركيتها، تمثل في دور مجامع اللغة العربية، ومراكز الترجمة والتعريب، وعن دور المختصين في الترجمة في إثراء المصطلح النقدي نذكر (تضمين الكلمة العربية معنى جديدا غير معناها السابق، اشتقاق ألفاظ جديدة من أصول عربية أو معربة، إيجاد مقابلات لألفاظ أجنبية بمعانيها، تعريب كلمات أجنبية واعتمادها بشكل رسمي ومنتظم في حلقات التدريس والبحوث العربية)[24].

         فهذه الجهود وغيرها سعت جميعا إلى سد النقص الذي تعانيه الدراسات المصطلحية، وكان للمجلس الأعلى للغة العربية في الجزائر كبير الفضل في لمّ شتات المهتمين بدراسة المصطلح من العالم العربي ومن أوروبا.

الخاتمة:

1- حاولت هذه المداخلة إماطة اللثام عن الجهود الفردية والجماعية التي أثرت دراسة المصطلح النقدي في الوطن العربي وقد أخذت اتجاهين: الاتجاه الأول مثله ثلة من الدارسين في مجال المصطلح النقدي في التراث العربي وكانت لنا وقفة مع الدكتور رجاء عيد وكتابه "المصطلح النقدي في التراث" مع انتفاء مصطلح قديم جديد وهو مصطلح: الطبقات مع ابن سلام، ومع ميخائيل نعيمة.

الاتجاه الثاني: البحث في المصطلح النقدي الجديد واستوقفتنا كتب عدة ومنها كتاب "إشكالية المصطلح في الخطاب النقدي العربي الجديد"، للدكتور يوسف وغليسي فرأيناه في هذا العمل محللا متمرسا قسّم المصطلح النقدي ولغايات منهجية وتعليمية إلى حقول، وكل حقل إلى عناصر فرعية، متتبعا مصطلحات الدراسة تتبعا ينم عن روح متفانية في عملها مخلصة لقارئها.

2- "نظرية المصطلح النقدي" لمحمد عزة جاد ترجمت وعي الدارس العربي بضرورة ضبط المفاهيم وتحديد المصطلحات فهي بوابة العلوم، رغم أن الكاتب كان بعيدا عن الإشكالية الاصطلاحية باعتبارها بؤرة توتر.

3- الجهود الجماعية ممثلة في مجامع اللغة العربية وفي بعض المؤسسات والتي أخذت على عاتقها دراسة المصطلح وتطويره مثل "رابطة السيميائيين الجزائريين" التي تأسست في جامعة سطيف 1998، ومن مؤسسيها الباحث رشيد بن مالك.

4- تعدد المصطلح وضبابيته له أسبابه:

أ- سوء الترجمة لعدم إتقان اللغة المترجَم منها أو إليها.

ب- عدم تخصص الباحث في مصطلحات العلم الذي يدرسه يجعله يحيد عن الصواب ويزيد الهوة اتساعا والمشكلة إشكالا.

ج- الترجمة الحرفية وإهمال بيئة المصطلح تقف وراء اضطراب المصطلح وغموضه.

د- اختلاف المدارس، وتباين النظريات التي يتكئ عليها الدارس العربي من أساب تأزم المصطلح.

5- كثرة المؤلفات والمصنفات في المصطلح النقدي في الوطن العربي تترجم رغبة دفينة في مسايرة الأحداث والسعي لتطوير وتجديد المصطلح.

6- حتى تحقق الإسهامات الفردية والجماعية رسالتها عليها أن تعيد قراءة المصطلح وتفكيكه وإعادة بنائه بما يتناسب وروح اللغة التي يُنقَل إليها.

7- معرفة المخزون المعرفي واللغوي الذي يتكئ عليه المصطلح النقدي يساعد الباحث على تحديد دقيق وموضوعي للمصطلح.

8- نجاح العملية الاصطلاحية عامة والنقدية خاصة مرهون بالابتعاد عن الفردية والذاتية وعدم الانتصار للرؤى الشخصية.

9- استقرار المفهوم واتضاح الدلالة شرطان مهمان لتحقيق المعرفة.

10- هناك أصوات تدعو إلى معجم يجمع المصطلح القديم والمصطلح الحديث والمصطلح العالمي والمصطلح العربي المعاصر في محاولة لفك لغز إشكالية المصطلح.

11- شكّلت بعض الدوريات مصدرا مهما وثريا في الدراسات النقدية مثل: فصول، وعلامات، وعالم الفكر.



1-أحمد بن فارس بن زكريا، معجم المقاييس في اللغة، تحقيق شهاب الدين أبو عمرو، دار الطباعة والنسر والتوزيع، بيروت، لبنان (د.ت) ص.574.

-المعجم العربي، مجموعة من الأساتذة، القاهرة، مصر، (د.ت) ص.432.[2]

-الشريف الجرجاني، كتاب التعريفات، دار القمة، دار الإيمان، الاسكندرية، مصر، ص.3433.  [3]

[4] - عوض حمد القوزي، المصطلح النحوي نشأته وتطوره حتى القرن الثالث الهجري، ط2، ديوان المطبوعات الجامعية، 1983، ص.22.

[5] - عبد السلام المسدي، مباحث تأسيسية في اللسانيات، مطبعة كويتبب، 1997، ص.52.

[6] - يوسف وغليسي، إشكالية المصطلح في الخطاب النقدي العربي الجديد، ط1، الدار العربية للعلوم ناشرون، منشورات الاختلاف، الجزائر العاصمة 2008، ص.28.

[7] - توفيق قريرة، المصطلح النحوي وتفكير النحاة العرب، دار محمد علي، تونس، 2003، ص.80.

[8] - يوسف وغليسي، إشكالية المصطلح في الخطاب النقدي العربي الجديد، ط1، الدار العربية للعلوم ناشرون، منشورات الاختلاف، الجزائر العاصمة 2008، ص.28.

 

[9] - عزة محمد جاد، نظرية المصطلح النقدي، الهيئة المصرية العامة للكتاب،2002، ص.25.

[10] - ابن منظور، لسان العرب، مادة نقد، دار لسان العرب، بيروت، ص.700.

[11] - د.إبراهيم أنيس، د.عبد العليم منتصر، عطية الصوالحي، محمد خلف الله، المعجم الوسيط، ج2، دار المعارف، مصر، 1973، ص.944.

[12] - الجاحظ، البين والتبيين، ح1، ث عبد السلام محمد هارون مكتبة التنجي، د.ت، ص.75.

[13] - عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز، ت. محمد التنجي، دار الكتاب العربين بيروت، لبنان، 1999، ص.195.

[14] - د.محمد غنيمي هلال، النقد الأدبي الحديث، دار النهضة، مصر، 1975، ص.09.

[15] - د.رجاء عيد، المصطلح في التراث النقدي، منشأة المعارف بالإسكندرية، طباعة شركة الجلال للطباعة، مصر، د.ت، ص.06.

[16] - المرجع نفسه، ص.07،08.

[17] - عبد السلام المسدي، الأدب وخطاب النقد، ط1، دار الكتب الوطنية، بن غازي، ليبيا، 2004، ص.144.

[18] - رجاء عيد، المصطلح في التراث النقدي، ص.21.

[19]- محمد عزة جاد، نظرية المصطلح النقدي، ص.72.

[20] - المرجع نفسه، ص.101.

[21] - د.يوسف مغليسي، إشكالية المصطلح في الخطاب النقدي، ص.14.

[22] - د.ميجان الرويلي ود.سعد البازعي، دليل الناقد الأدبي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء المغرب، بيروت، لبنان، ط.04، 2005، ص.18.

[23] - المرجع نفسه، ص.18-19.

[24] - صالح بلعيد، محاضرات في قضايا اللغة العربية، مطوعات جامعة منتوري، قسنطينة، 1999، ص.06.


التحميل