خزانتي أهل العبد وأهل بلعمش بمدينة تيندوف أنموذجا

الأستاذ: بريك الله حبيب

 

تقديم

تزخر  خزائن مدينة تندوف بكم هائل من كنوز ونوادر المخطوطات العربية والإسلامية في شتى فنون العلم والمعرفة، ولعل المخزون الجكني والمتمثل في خزانتي أهل العبد بحي الرماضين وأهل بلعمش بحي موساني العتيقين أكبر مثلا لذلك.

إن من بين الأسباب التي أدت إلى تواجد هذا العدد الكبير من المخطوطات يرجع إلى كون المنطقة نقطة عبور في القرنين الثامن والتاسع عشر الهجريين لقوافل قادمة من الجهات الغربية والشرقية لمدينة تيندوف سواء من السودان الغربي المتمثل في مدن مالي تودني أروان تغازة و تينبكتو أو من مدن موريتانيا كولاتة وشنقيط والنعمة أو آتية من مدن المغرب الأقصى كسوس وإجليميم ومراكش والصويرة وغيرها من مدن المغرب الأقصى الشقيق أو من مدن الجوار كتوات بأدرار، ومن خلا هاته القوافل عرفت المنطقة رواجا كبيرا من الناحية العلمية والثقافية وحتى الاقتصادية أَهَّلَهَا لأن تكون مركزا ومنبرا حضاريا يزخر بشتى صنوف المخطوطات والوثائق النفيسة والمهمة.

         وقد أقدمت على وضع أول خطواتي نحو فهرسة هذا المخزون الهائل بوضع فهرسة وصفية لبعض هاته النوادر مستعينا بذلك على أصحاب هاته الخزائن الذين فتحوا لي الأبواب وسهلوا علي الكثير من الصعاب.

         إن الاشتغال على المخطوط من حيث فهرسته أو تحقيقه أو تخريجه ليس بالأمر الهين ولكنه في نفس الوقت يمدك بنوع من المتعة العلمية قلما تجدها إلا في هذا الدرب الوعر الشيق، والذي يحتاج منك أن تكون صاحب خبرة وتخصص لأن هذا العمل تتحكم فيه مجموعة من الضوابط والقواعد العلمية الأكاديمية التي توصلك إلى انجاز عمل علمي بحث وقيم.

         إن الإشكالية المطروحة في هذا البحث تتلخص في محاولتي المتواضعة لكسر العائق الذي يجده الكثير من الباحثين والمفهرسين أو المشتغلين بالتراث المخطوط أو الوثائق التاريخية بصفة عامة والمتمثل في ذلك النفور وعدم الإكتراث الذي غالبا ما يجدونه متوافر وبكميات متفاوتة لدى مالكي الخزائن التي يقبع بداخلها ذلك المخطوط وتلك الوثيقة.

إن هذه الظاهرة التي تكاد تكون سمة عامة في أغلب نواحي القطر يقدم لها البعض تفسيرا واقعيا مرده إلى حالة نفسية متمثلة في تضخم الأنا والشعور الخرافي بالذات وبالأمجاد لدى مالكي هذه الخزائن.

ولنتجاوز هذه الإشكالية حاولت أن أجعل بحثي هذا متخصصا فقط بما تضمه خزائن قبيلة تجكانت بمدينة تندوف والمتمثلة في خزانتي أهل العبد بحي الرماضين وخزانة أهل بلعمش بحي موساني.

فوجدت بهذه المنهجية المستجيبة لنداء الواقع وحقائقه أن مالكي الخزائن سرعان ما تنقلب حالهم من النفور وعدم الإكتراث إلى الإقبال والإهتمام بل إلى فتح الأبواب والإستقبال والسر في ذلك أنهم يشعرون أنك ببحثك المتخصص هذا سوف تمجدهم وتمجد آباءهم لا أن تكشف عن ذخائر خزائنهم وكنوزها كي سيتفيد الكل منها .

ضمن هذا السياق أجد نفسي في غنى تام عن كثير من الأستطراد بذكر أهمية المخطوط في حد ذاته كونه لا يخفى على أحد الدور الهام الذي يلعبه التراث المخطوط في ابراز معالم وثقافة كل أمة وكل حضارة.

 ومن جهة ثانية أهمية المخطوط من حيث البحث فيه ودراسته وفهرسته وتحقيقه وإعداد البيانات الخاصة به والمعلومات الهامة عنه وعن ظروفه الصحية ومدى احتياجه للعناية من صيانة وترميم وتصوير وتجليد الى آخره من الأعمال التقنية التي تخصص لها الدول المهتمة بالتراث ميزانيات ضخمة وطاقم متخصص من الباحثين والمتخصصين في الأعمال التي سبق وأن ذكرناها والذين بدورهم يسهرون على راحة المخطوط والعناية به.

 إذ المخطوطات والوثائق تشكل أحد أهم الروافد الهامة في تاريخ وحضارة وثقافة الأمم والشعوب.

ولفهرسة المخطوطات وجردها وإحصائها مشاكلها الجمة التي أدت هي الأخرى بالباحثين في هذا الميدان الشيق إلى الانصراف عن هذا الدرب الوعر في نظر البعض، والذي هو واحد من أكثر الأعمال مشقة ومتعة وأقلها مجدا، ذلك أن العملية التراثية ( الفهرسة، التحقيق، التخريج، الترميم،... وغيرها )، لا تتم على نحو جاد إلا إذا ابتدأت بالفهرسة ونعني بها الوصف الدقيق  لمجموع محتويات المخطوط المتراتبة من ذكر للمؤلف وعنوان مخطوطته وتاريخ تأليفها، وتاريخ نسخها وموضوعها، وبدا يتها، ونهايتها، ومسطرتها، ونوع خطها، وذكر مقاسها وذكر ما وجد عليها من مقابلات وسماعات وإجازات، وهل لهذا المخطوط من رحلات مر بها من خلالها ببعض البلدان والأمصار وغيرها من المراحل الفهرسية الأخرى التي تؤدى في النهاية إلى علم تام وشامل بالمخطوطة المراد الإطلاع عليها وجردها أو وربما تحقيقها ودراستها ونشرها أو ترميمها.

إن الهدف العام والأساسي من هذا البحث هو قيامنا ببحث أولي لإعطاء لمحة موجزة عن أماكن تواجد المخطوطات بمدينة تيندوف، وإلى التجارب السابقة التي فيها حاولت فهرسة مخزون هاته الخزائن والمراكز التي تقبع بداخلها هاته الكنوز العلمية المترامية في مدينة موغلة في أعماق  بلادنا الجزائر الغالية ، وليكون هذا البحث المتواضع دليلا لي في أبحاثي المستقبلية أو لغيري من الباحثين المتخصصين في هذا المجال ولنا أهداف فرعية أخرى نذكرها في نقاط كالتالي:

  1. منها التعرف على التاريخ الثقافي لمدينة جزائرية في أقصى الحدود.
  2.  التعرف على العطاء العلمي والحضاري لأسرة جزائرية في أقاصي الجنوب الجزائري و فهرسة ما تبقى من مخطوطاتها والوثائق التي بخزائنها.
  3. إن الدافع الأساسي الذي ساقني إلى خوض هذا الدرب هو الغيرة العلمية على كنوز طالها الاهمال والنسيان وتعاهدتها الأرضة والجردان.
  4. انعدام وجود أبحاث في الموضوع بحيث أني وقفت على اهتمام ظاهر مجموعة من الباحثين الموريتانيين والمغاربة بأداء هاته المنطقة وهاته الأسرة ولم أقف على مستوى ذلك الاهتمام من طرف باحثين جزائريين.
  5. كوني ابن هذه المنطقة وابن هذه الأسرة، وهذا بقدر ما سيذلل لي الكثير من العوائق التي أشرنا إليها في الإشكالية بقدر ما سيطرح لي إشكالية ثانية متمثلة في مدى الموضوعية التي سأتمتع بها شخصيا كباحث أثناء خوضي غمار هذا البحث.

 

 

Télécharger l'article