المنهج الأنثربولوجي زالدراسات الميدانية : طرق وأدوات وإشكالات

د.أحمد قيطون

قسم اللغة والأدب العربي ـ جامعة ورقلة (الجزائر)

 

يعد المنهج أداة شغلت بال الباحثين في مجال البحث العلمي ، هذه الأداة التي فتحت نقاشا وجدلا كبيرا وواسعا منذ زمن بعيد ، وازدادت حدة النقاش حين بدأت بعض المعارف الانسانية في الظهور والبروز، ومحاولة أخد موقع لها بين العلوم التي سبقتها ، والتي وسمت أبحاثها بالعلمية نتيجة انضباطها بقوانين المنهج العلمي ، والذي هو  أسلوب للتفكير والعمل يعتمده الباحث لتنظيم أفكاره وعرضها ، وبالتالي الوصول إلى نتائج وحقائق معقولة حول الظاهرة موضوع الدراسة (1)، لهذا سعت الأنثروبولوجيا كغيرها من العلوم الانسانية إلى وضع منهج علمي يؤطر دراستها الميدانية ، تأطيرا مبنيا على أسس معرفية وعلمية خالية من الذاتية. خاصة ونحن نعلم أن الباحث الأنثروبولوجي في تعامله مع الأفراد والجماعات الحاملة لثقافة ما ، يجد بعض الإشكالات التي قد تعترض دراسته الميدانية ، لأنه يتعامل مع مشكلة في أساسها مشكلة انسانية

وهو ما يتطلب منه التمتع بقوة عالية من الذكاء في كيفية التعامل مع سلوكيات الأفراد ، لكن دون أن يحيد عن المنهج العلمي الذي يعطي لعمله الميداني سمة العلمية.

من هذا الباب للباحث الأنثروبولوجي منهج علمي مؤطر بطرق وأدوات ، نحاول في هذه المداخلة محاورة هذه الطرق وذلك بتبيان معالمها والوقوف عند بعض المحاذير التي قد تخرج البحث عن اطاره العلمي

لكن قبل أن نخوض في المسالك الوعرة لهذا المنهج لا باس أن نعود للوراء قليلا ، وبالضبط إلى البدايات الأولى للأزمة ، أي أزمة المنهج العلمي في الدراسات الانسانية والأدبية . فالأزمة هي وليدة الغيرة بين العلوم الانسانية والعلوم الطبيعية والعلوم الرياضية ، حيث أن هناك شبه اجماع  على أن العلوم الانسانية نشأت في القرن 19 لكن هذه النشاة لم تكن كاملة لأن الانسان لم يكن مفكرا فيه في المرحلةالسابقة  وهو ما يعني تعذر ظهور العلوم الإنسانية خلال تلك الفترة.وهذا ماجعل فوكو يربط ظهور هذه العلوم بنشأة المجتمع الصناعي ، وبالأخطار التي أصبحت تتهدد الطبقة البورجوازية، وبظهور الإنسان في الثقافة الغربية (2).

لكن إذا كانت هذه العلوم قد استطاعت ان تبرز من خلال الميادين التي تناولتها والتي فتحت شهية الباحثين ، إلا أنها وقفت حائرة في تبني المنهج الذي يضمن لها الاستقلالية والاعتراف بها كعلم له اسس وقواعد واساليب خاصة يتبعها الدارسون، لهذا بقيت ردهة تحت سيطرة مناهج العلوم الرياضية والطبيعية ، والتي فرضت عليها نوعا من التفكيرالذي ساوى بين المادي واللامادي ،وهو تفكير المنهج الاستنباطي والمنهج الاستقرائي ، الذي ترك العلوم الانسانية في حيرة

ففي الحالة الأولى تباينت مناهج الدراسات الإنسانية بين المنهج الاستردادي في التاريخ، إلى منهج التحليل النفسي في علم النفس، إلى منهج الملاحظة المشاركة في الأنتروبولوجيا، إلى منهج تأملي ذاتي في الفلسفة... وهكذا، والنتيجة أننا لسنا أمام منهج واحد. وفي الثانية حصلت الطامة الكبرى: تحويل الإنسان إلى مجرد رقم أو عدد أو قضية أولية أو ثانوية مما يمكن إخضاعه لمنهج استنباطي، أو إحالة الإنسان إلى مادة من مواد الطبيعة لمنهج استقرائي.(3).

هذه السلطة التي تبوءتها الفيزياء باعتبارها العلم الذي كان له المرجعية المعرفية، والتي كانت المعيار الذي تقاس به علمية العلوم المستحدثة في تلك المرحلة وهذا ما جعل محمد عابد الجابري يقول يمكن القول بصفة عامة إن الفكر العلمي بمختلف جوانبه ومنازعه – وكذا الفكر الفلسفي- قد بقي، طوال القرنين الماضيين، يتحرك داخل البنيان الذي شيده نيوتن، وذلك إلى درجة أن الأفكار والنظريات العلمية التي ظهرت خلال المدة المذكورة، لم تكن تقبل، أو على الأقل لم يكن ينظر إليها بعين الارتياح والرضا، إلا إذا كانت مندرجة في النظام العام الذي أقامه صاحب نظرية الجاذبية (4)وهذا يعني ان العلوم الانسانية لا تكتسب سمة العلمية إلا إذا نهلت من المنهج الذي سمح للفيزياء بالتطور وبالتالي يصبح النموذج المقتدى به في كل العلوم والافكار. وهذا ما ولد صراعا بين العلوم الانسانية والعلوم الطبيعية ، وفتح نقاشا واسعا بين دارسي العلوم الانسانية والآداب حول اشكالية المنهج في ميدانيهما .

فإذا أخدنا النص الأدبي الذي ثالوثه المؤلف والنص والمتلقي ، نجد انه قد جرب عليه اكثر من منهج ، فمن المناهج ما قبل النصية والتي تهتم بالمؤلف وتعطيه السلطة في تحريك دلالات النص ، إلى المناهج النصية والتي جعلت الخروج من النص الى غيره- طبعا لاجل فهم دلالاته- انقاصا من ادبيته، لنصل للمناهج التي تمجد القارئ وتعطيه المفتاح الذي به يلج مغاليق النصوص .

إذن نحن أمام عملية البحث عن ما يضمن للنص الأدبي علميته وأدبيتة، لكن هذه العملية نظن أنها لن تنتهي خاصة إذا وصلنا إلى المنهج الذي ينادي به البعض والمسمى بالمنهج التكاملي ، الذي يأخد من كل المناهج محاولا ارضاء الجميع.

هذا الوضع الذي وصله المنشغلون بالنص الأدبي ، ألا ينم