تحديث القطاع المصرفي في الجزائر

 

-الإستراتيجية والسياسة المصرفية -

 

 

من إعداد :

 

الأستاذ/ تمجغدين نور الدين

الأستاذ/ عرابة الحاج

 

 

 

 

 

مقدمـة :

 

        يواجه الاقتصاد العالمي اليوم تطورات عميقة وتغيرات سريعة بفعل تنامي ظاهرة العولمة، وما شكلته من ضغوط تنافسية متزايدة على اقتصاديات الدول ومن أكثر الأنشطة تأثرا بهذه التطورات القطاع المصرفي والذي ازدادت مسؤولياته مع كبر التحديات  الدولية، والتزامات تنفيذ برامج الاستقرار والإصلاح الاقتصادي.

 

        وعلى اعتبار أن البنوك لها دور هام في تحقيق أهداف التنمية الاقتصادية بما يتوافر لديها من قدرات على تعبئة الموارد واستخدامها بشكل أمثل فإننا نشهد بالمقابل مشاكل وصعوبات يعانيها الاقتصاد الجزائري وبالأخص القطاع المصرفي الذي يشكل تأخره حاجزا أمام تطور ونمو المؤسسات الاقتصادية خاصة في ظل اتساع السوق المصرفية اليوم واشتداد المنافسة وارتفاع المخاطرة نتيجة لعولمة النشاط المصرفي وتحرير الخدمات المالية والمصرفية لذا أصبح من الضروري العمل على التكيف مع هذه المتغيرات والمتابعة الكثيفة لها ومواجهة أثارها السلبية والاستفادة من المكاسب التي تحققها .

 

        إن بروز فكر مصرفي وائتماني حديث هو وليد هذه التطورات والذي يضع جملة من الأسس والقواعد الحديثة في تسيير مؤسسات هذا القطاع، وفي هذا السياق نسعى من خلال هذه الورقة البحثية الإجابة على التساؤلات التالية :

 

1- كيف يمكن إعادة هيكلة وتنظيم القطاع المصرفي في الجزائر بما يضمن تطوير النشاط الاقتصادي ؟  

 

2- ما هي الشروط اللازم توافرها لتحقيق سياسة مصرفية تهدف إلى تحسين الأداء لدى البنوك الجزائرية؟

 

3- كيف يمكن تصور مستقبل العمل المصرفي في الجزائر في ضل تزايد اقتصاديات المعرفة؟

 

        وللإجابة على هذه التساؤلات فإن دراستها هذه سنتطرق فيها إلى النقاط التالية :

 

I- الاتجاهات الحديثة في مجال العمل المصرفي.

 

II- مشاكل وواقع الإصلاحات في القطاع المصرفي الجزائري.

 

III- إعادة هيكلة وتنظيم القطاع المصرفي في الجزائر في ظل التحول إلى اقتصاد السوق.

 

IV- شروط تحسين أداء الجهاز المصرفي في الجزائر.

 

I- الاتجاهات الحديثة في مجال العمل المصرفي:

 

        إن ظاهرة العولمة أكثر الظواهر التصاقا بالنشاط الاقتصادي بصفة عامة وبالنشاط المصرفي بصفة خاصة، إذ استطاعت أن تمارس تأثيرات بالغة على هذا النشاط ليأخذ أبعاد ومضامين جديدة جعلت من المصارف تتجه إلى ميادين وأنشطة غير مسبوقة، إن ما يعرف بالعولمة المصرفية يطرح أمامنا قضيتين في غاية الأهمية وهما :

 

أ- قضية تحرير النشاط التمويلي وما يصطحبها من مخاطر متنوعة .

 

ب- قضية تحديث النشاط المصرفي وإصلاحه.

 

        فلقد شهدت الساحة الاقتصادية والعالمية تطورات عديدة كان لها بالغ الأثر على أداء المنظومة المصرفية نذكر من أهمها 1:

 

* اتفاقيات تحرير التجارة العالمية مع التركيز على اتفاقية تحرير تجارة الخدمات المالية.

 

* الاهتمام بمعايير كفاية رأس المال في البنوك وإصدار لجنة بازل الدولية لمجموعة من المعايير لوضع حدود دنيا لرأس المال في البنك لمقابلة مخاطر الائتمان.

 

* التطور والتقدم التكنولوجي المذهل والذي سمح بإعادة هيكلة صناعة الخدمات المصرفية.

 

* احتدام المنافسة الدولية.

 

* النزعة نحو التدويل أو العولمة.

 

* تزايد نشاط البنوك المتعددة الجنسيات.

 

* التحول إلى العمل المصرفي الشمولي (البنوك الشاملة).

 

* الاهتمام بالابتكارات المالية وزيادة حجم التعامل في المشتقات المالية والإنفاق على أنشطة البحث والتطوير.

 

* التجمع والاندماجية .

 

        إن هذه التحولات التي طرأت على الساحة المصرفية أصبحت تشكل الإطار الحقيقي الذي تعمل فيه الفعاليات المصرفية إذ اشتدت المنافسة لكي تأخذ المظاهر الأساسية التالية2 :

 

أ- احتدام المنافسة بين البنوك التجارية فيما بينها سواء على المستوى المحلي أو الإقليمي أو الدولي .

 

ب- المنافسة بين البنوك والمؤسسات المالية الأخرى.

 

ج- المنافسة بين البنوك والمؤسسات غير المالية التي تقدم الخدمات المصرفية.

 

        وأمام هذه التحولات أصبح من الضروري انتهاج إستراتيجية فعالة لإعادة إدماج الاقتصاد الجزائري ضمن الإقتصاد العالمي من خلال تكييف جميع الأعوان الاقتصاديين مع المعطيات الجديدة لاسيما البنوك إذ يفترض أن لها دور ريادي في الإقتصاد وتأثير إيجابي على مسار التنمية الاقتصادية.

 

        إن النقائص التي تعاني منها عملية الإصلاح والتأخر في تكييف المنظومة المصرفية جعل المعايير المعمول بها في القطاع لا تتماشى مع المعطيات الاقتصادية والاجتماعية الجديدة،      إذ يواجه الإقتصاد الجزائري اليوم وقطاعه المصرفي بصفة خاصة تحديات كبيرة نتيجة انتشار واحتدام المنافسة التي يصعب بالإمكانيات الحالية مواكبتها بالرغم من جهود الإصلاح المبذولة والتي تستوجب العناية الأكثر وضرورة تحديث وتطوير الخدمات المصرفية وذلك من خلال إعادة تعديل في إستراتيجيات البنوك وأساليب عملها بتبني الأساليب الحديثة وإدارة الأموال والقائمة على التنويع والانتشار وعدم التقيد بالنظم التقليدية.

 

II- مشاكل وواقع الإصلاحات في القطاع المصرفي الجزائري:

 

        إن دوافع الإصلاحات الاقتصادية في الجزائر هو إرساء معالم اقتصاد السوق الذي يستوجب الموضوعية والصرامة والشفافية في تسيير المنظومة المصرفية، ولقد كانت وضعية المنظومة المصرفية الجزائرية إحدى مؤشرات التدهور الاقتصادي بشكل عام قبل مباشرة عملية الإصلاح الشامل والتي سبقتها عدة إصلاحات مؤسسية وتشريعية وذلك في الفترة ما قبل 1994 والتي تضمنت بشكل أساسي ما يلي :

 

- في سنة 1987 اتخاذ قرار من قبل السلطات بانسحاب الخزينة من تمويل الإقتصاد.

 

- قرار إلغاء تخصص البنوك على أساس قطاعي (87-88).

 

- إنشاء سوق النقد ما بين البنوك التجارية ( ماي 1989).

 

- إصدار قانون النقد والقرض سنة 1990 والذي أعطى أكبر فعالية واستقلالية للبنك المركزي وتوسيع صلاحياته إلى التدخل في السوق المالي والنقدي.

 

- في سنة 1992 توقف البنك عن فرض حدود قصوى ائتمانية على إقراض البنوك التجارية وبدأ في الاعتماد على إعادة تمويل الإقتصاد.

 

        أما الإصلاح المصرفي الذي تضمنه برنامج الإصلاح الاقتصادي الشامل لسنة 1994 فقد مر بمرحلتين تميزتا بما يلي :

 

أ- المرحلة الأولى : اتسمت بالتحول التدريجي نحو استعمال أدوات السياسة النقدية غير المباشرة ( تحرير أسعار الفائدة، الابتعاد عن الائتمان الموجه، التوجه نحو عوامل السوق وتمويل الخزينة).

 

ب- المرحلة الثانية : محاولة إعادة تأهيل المؤسسات المصرفية والمالية وذلك عن طريق إدخال تعديلات على الأطر القانونية والتنظيمية والمنسجمة مع التوجهات إلى اقتصاد السوق، كفتح هذا القطاع وإعادة رسملة وتحرير النشاط الاقتصادي وتطوير أسواق القيم المنقولة وإعادة هيكلة المصارف العامة.

 

        إن طريق الإصلاحات الذي تخوضه الجزائر لاسيما على مستوى إصلاح النظام المصرفي قد قطع أشواطا معتبرة في اتجاه ما يستلزم من ضرورات للاندماج في الإقتصاد العالمي والأخذ بمقوماته والانسجام مع توجهاته، لكن بالمقابل يواجه القطاع المصرفي صعوبات تجعل منه يفتقد المهنية والفعالية والتجارية وغياب المنافسة والدينامكية ويمكن أن نحصر هذه الصعاب التي يعاني منها القطاع المصرفي ضمن العناصر التالية :

 

1-الوضعيةالقانونيةللبنوكالجزائرية:

 

        تعرف البنوك الجزائرية أزمة تنظيم، فالبنوك مؤسسات عمومية اقتصادية يتعين عليها أن تنفذ توجهات الدولة المالكة، وبوصفها بنوكا تجارية فهي تخضع للقانون حول النقد والقرض وتشرف عليها الدولة المنظمة وباعتبارها شركات ذات رؤوس أموال تلتزم باحترام قواعد القانون التجاري ويتسم التشريع البنكي بانعدام الانسجام بين النصوص والتناقض أحيانا ووجود ثغرات قانونية، ينتج عنها صعوبات  في تحليل المشاكل القانونية للبنوك.و تضع هذه القواعد التنظيمية البنوك في قلب تناقضات الدولة التي تلعب دور المساهم الوحيد والدائن والمدين والفاعل الاقتصادي في آن واحد.

 

 

2-علاقةالبنوكبالخزينةالعامة:

 

        في إطار عمليات التطهير المستمرة التي ألقيت على عاتق البنوك وجدت المؤسسة البنكية نفسها أمام إشكال يعترض عملية التسيير فيها ويثقل كاهلها والذي يتمثل في إصدار الخزينة العمومية لسندات على مدى عشرين سنة مقابل حقوق البنوك على المؤسسات العمومية، مما أثار مشاكل على مستوى ميزانية البنوك وسيولتها، بتجميد أصولها بالنظر إلى آجال السندات ومكونات محافظها، ونجم عن ذلك عجز البنوك في مجال تحليل الأداء والفعالية نظرا للنقص الواضح وغير الكافي في تخصيص المؤونات المقابلة لهذه الحقوق، أضف إلى ذلك أن معدل الفائدة الذي تدره هذه السندات يقدر ب 5% والذي لا يتناسب إطلاقا مع تكلفة الموارد المالية التي تتحملها معظم البنوك في إطار عملية إعادة التمويل عن طريق السحب على المكشوف.

 

3- ضعفتسييرالبنوك:

 

        فرض قانون النقد والقرض على النظام المصرفي الالتزام ببعض القواعد3 التي يجب احترامها من قبل جميع الهيئات المالية، حيث أنها تضع حد دو أمام البنوك فيما يخص منح القروض وتؤثر بشكل واضح وعميق على كل ما يصدر من قرارات تتعلق بمجال التسيير البنكي،ويتميز التسيير في البنوك بما يلي :

 

- ضعف مناهج تحليل درجة الخطر.  

 

- نظام تفويض الصلاحيات خاضع لترتيب سلمي مفرط .

 

- تباطؤ في طرق العمل والإجراءات .

 

- ضعف عمليات المراقبة.

 

        وفي مجال تحليلها للأخطار تواجه البنوك نقص الشفافية والدقة للحسابات المقدمة إليها ولضعفها في التحكم في تقنيات الهندسة المالية، وعدم احترام معايير تسيير القروض البنكية،- فعلى سبيل المثال تنص إحدى هذه النسب على أن مبلغ السحب على المكشوف لمؤسسة ما لا يتجاوز شهرا من رقم أعمالها، في حين أن بعضها يعاني سحب على المكشوف هيكليا يوافي السنة من رقم أعمالها4 أضف إلى ذلك النقص الكبير للمؤونات الموجهة لمخاطر القرض وهذا ما يفسر هامشية درجة المخاطر، وكون عدم تسديد المؤسسات العمومية لديونها يدخل ضمن تقاليد التسيير في الجزائر. 

 

4-  عراقيلاجتماعيةوثقافية:

 

         إن نقص الحس الاقتصادي وغياب الثقافة البنكية في المجتمع من عواقبه استحالة استجابة الجمهور لنداء البنوك عن طريق إيداع أموالهم فيها، وبالتالي تجميع الموارد الضرورية لأي بنك في عملية الإقراض، مما ينعكس سلبا على دور البنوك، فيعيق تمويل الاقتصاد والتنمية، فافتقاد سياسات إعلامية وتعليمية تعنى بهذا الميدان، ساهمت بقسط كبير في الجهل ونقص الوعي بآليات عمل النظام المصرفي وفلسفة سيره وبعده الاقتصادي.وقد يرجع ضعف الثقافة البنكية داخل البنوك نفسها إلى إطاراتها وموظفيها الذين يعانون من نقص في التكوين، الأمر الذي يؤثر في أداء وفعالية البنوك كطرف أساسي في النشاط الاقتصادي وكركيزة  لتحقيق التنمية. 

 

5- عجزالنظامالمصرفيعنتعبئةالادخار

 

         إن الأوضاع الاقتصادية السائدة في الجزائر لم تسمح بتهيئة الظروف الملائمة لانطلاقة اقتصادية نوعية لأن القطاع المصرفي عندنا كان يساوي تقريبا بين الفوائد الممنوحة على الودائع في البنوك والأموال الموجهة للتوظيف، زيادة إلى معاناة البنوك من غياب أدوات جديدة لتعبئة الادخار والتي بإمكانها إحلال وتعويض الائتمان المصرفي وذلك يرجع للأسباب التالية:

 

  • غيابسياسةادخارمحفزة:

 

         إن ضعف معدلات الفائدة واستقرارها في مستويات دنيا يعتبر من بين المؤشرات الدالة على عجز البنوك على تعبئة الادخار، وعليه فإن الأعوان الاقتصادية تجد في السوق الموازية فرصا لتوظيف أموالهم مقابل عوائد ذات مرد ودية أحسن من توظيفها في البنوك.

 

  • غياب أدوات ماليةجديدة:

 

        إن تعبئة إدخارات الأفراد في أي اقتصاد يتأتى بتوفر الأدوات المالية وتنوعها، غير أن هذه الأدوات هي غائبة في الاقتصاد الجزائري على مستويين هما:

 

 

أ)-على مستوى أدوات الادخار:

 

         إن غياب أدوات قادرة على اجتذاب رؤوس الأموال تمثل عائقا هيكليا يضعف من تعبئة موارد الادخار، ,وأن هذه الأدوات لا يمكنها أن تكون عملية في غياب سوق مالية، وسوق للبورصة وكذلك سوق للرهن.

 

 ب)-الأدوات البديلةللقروض البنكية:

 

         إن من بين الأدوات البديلة للقروض البنكية والتي تساهم في تمويل سليم لا يترتب عنه مضاعفات تضخمية، يوجد الائتمان الإيجاري و ذلك لتمويل الاستثمارات، لذا يستوجب على البنوك القيام بإجراءات سريعة من أجل تقديم خدمات بنكية مقبولة تتمثل في: 5

 

-  اللجوء إلى الآلية في المقاصة، وكذا عمليات المعالجة داخل البنك.

 

-  تنويع المنتجات المالية.

 

-  منح فوائد محفزة للأفراد.

 

        ويمكن القول من جانب تعبئة الادخار أن البنوك لها دور سلبي رغم الّتطور الذي عرفته في السنوات الأخيرة، فهي لا تقدّم منتجات متنوعة لتلبية حاجات تنظيم حافظات الادّخار من المكونات النقدية، ومكونات التوظيف المالي، وتعتبر تعبئة الادّخار غير كافية، ولا يمكنها منافسة إجراءات توظيف الأموال في الشبكات غير الرسمية.

 

6- ضعف تقييم المخاطرة:

 

        إنّ درجة تقدير المخاطرة في البنوك الجزائرية تبدو عملية صعبة ومعّقدة، وذلك راجع إلى عوامل عديدة تعود بالأساس إلى معاناة المؤسسات العمومية الاقتصادية من مشاكل تسييرية، وعجز في هيكلتها المالية بالرغم من الإجراءات المتخذة في حقها كالّتطهير المالي للمؤسسة البنكية، وسوء سريان المعلومات المتعلقة بالقطاعات الاقتصادية بشكل فعّال، وعدم استقرار في محيط المؤسسة العمومية، وعجزها عن تحقيق فوائض موجبة، لذا يتعرض البنك عند ممارسته الوظيفية إلى مخاطر عديدة ومتنوعة مرتبطة بكلّ من الزبائن والسيولة ومعدل الفائدة والصّرف، ويمكن تسجيل أهم العراقيل التي تواجه المؤسسة البنكية فيما يخص تقييم المخاطرة ضمن العناصر التالية:

 

أ)- عراقيل مرتبطةبقدرة البنوك على تقييم المشاريع:

 

         إنّ البنوك العمومية الجزائرية تعاني من حالة عدم التأكد في تقييم المخاطرة المتعلقة بمراقبة مردودية المشاريع الاستثمارية والتمويل المباشر.

 

ب)- غياب الأدوات العملية لقياس المخاطرة:

 

         في الكثير من الأحيان تقوم البنوك بتجاوز حدود النسب المنصوص عليها، وذلك لأنّ أغلبية المؤسسات المشكلة للقطاع العمومي لا تستوفي شروط البنوك، وتعاني هياكلها المالية من حالة تدهور مستمر، زيادة على تدخل السلطات العمومية في القرارات المالية.

 

ج)-عدم اعتبارمعيارالأموال الخاصة كعامل ملاءة في المؤسسةالمصرفية:

 

         إنّ قانون النقد والقرض والتنظيمات الصادرة من بنك الجزائر6 ألزم البنوك الأولية على تحديد مستوى أدنى لأموالها الخاصة، وكذلك مستوى رأسمالها المستحق .إلا أن المسيرين في المؤسسات البنكية تعودوا على نمط التدخل النقدي من أجل إنقاذ المؤسسات التي تعاني من ضائقة مالية، لذا أصبحوا لا يهتمون كثيرا بالمنفعة التي يدرّها رأس المال وغير معنيين بالنتائج المتمخضة عن اّتخاذ القرارات التمويلية.

 

7-محتوى محافظ البنوك الجزائرية:

 

        إنّ البنوك الأولية الجزائرية تتميز بسيطرة التزاماتها أمام قطاع عمومي يضمّ مؤسسات لا تستوفي أغلبيتها شروط البنوك وتعاني هياكلها المالية من حالة تدهور مستمر.هذه العوائق ذات العواقب الخطيرة، التي تعاني منها البنوك نتيجة المعاملات السابقة تعود إلى تمويل البنوك لمؤسسات عمومية عاجزة ذات مردود سالب وتسيير ضعيف وسوء تقييم المخاطر المرتبطة بالقروض ونقص المؤونات المخصصة لمواجهة خطر هذه القروض، لذا أصبحت أغلب محافظ البنوك تتشكل من ديون مشكوك فيها ولا يمكن تغطيتها، مما عرض مردودية البنوك وتوازنها المالي إلى الخطر.

 

8- ضعف مرد وديةالعنصرالبشري:

 

        إنّ الاستثمار في العنصر البشري أصبح الآن من أهمّ مقومات التنمية المستدامة ويعتبر أحد العوامل الأساسية والهامة في قطاع الخدمات وبالخصوص فيما يتعلق بقطاع البنوك، حيث إنّ تكوين وتسيير الموارد البشرية في هذا القطاع يجب أن يكون من الأولويات، وكون مقتضيات المحيط وفعاليات السوق تستوجب التحلي بصفات الاحترافية.كما أنّ وجود تسيير كفء يسمح بتقديم خدمة ذات جودة ونوعية من شأنها المساهمة  بتعظيم الربح، ويتطلب من العنصر البشري في المؤسسة المصرفية أن يمتثل إلى المعايير والمقاييس الشائعة في المحيط البنكي العالمي لضمان تسيير بنكي منسجم ومتوافق مع العادات والتقاليد العالمية.وفي هذا الإطار تعاني البنوك الوطنية من عدّة نقاط ضعف أهمّها:7

 

أ)-عدم استقرار المسيرين في المؤسسات المصرفية.

 

ب)- ضعف إجراءات الإدارة والمراقبة.

 

ج)- تدني في نوعية الخدمات المصرفية المقدمة.

 

III- إعادة هيكلة وتنظيم القطاع المصرفي في الجزائر في ظل التحول إلى اقتصاد السوق:

 

        إن إعادة الهيكلة تقتضي مواصلة معالجة مشاكل الضعف القائمة في الجهاز المصرفي وذلك بالتركيز على الاستمرار في إعادة هيكلة ورسملة المؤسسات المصرفية لخلق كيانات كبيرة بالإضافة إلى مراجعة النظم المحاسبية والمالية ونظم الرقابة الذاتية ومواكبة التطور التقني وتطبيقات المعلوماتية في مجال العمل المصرفي، كما يجب تأهيل المؤسسات المصرفية لمواجهة التحديات المستقبلية، وقصد مواجهة هذه الأوضاع يجب أن يكون البنك قادر على التحكم في الأخطار التي ينطوي عليها نشاطه وتوضيح عناصر سياسة اقتصادية حقيقية انطلاقا من :

 

-       دراسة الموارد والوسائل والمحيط العام .

 

-       تحديد الكفاءات والعوامل الكفيلة لضمان النجاح.

 

-       إعادة الإستراتيجيات الممكن اعتمادها واختيار الأنسب.

 

وفي هذا الصدد يمكن الإشارة إلى أهم السياسات المصرفية التي اعتمدت من طرف واضعي السياسة المالية والنقدية في الجزائر في سبيل إعادة هيكلة القطاع المصرفي على ضوء التحول إلى اقتصاد السوق نذكر أهمها :

 

1- الوساطة والعصرنة المصرفية : منذ نهاية التسعينات وبفضل قانون النقد والقرض أثمر هذا التشريع والذي حرر البنوك والمؤسسات المالية على ظهور أولى علامات المنافسة داخل النظام المصرفي ودخول البنوك الخاصة إلى هذا القطاع (الوطنية والأجنبية) فلقد قام هذا القانون بتعزيز شروط ممارسة نشاط والتقرير البنكي بواسطة أدوات تنظيمية لضمان فعالية الوساطة البنكية، في حين دعم بنك الجزائر واللجنة البنكية الإشراف البنكي في إتجاه الصرامة الأكثر والمطابقة للمعايير والمبادئ العالمية.

 

2- البنيةالعامةللنظامالبنكي:

 

        يعرف القطاع المصرفي والمالي تحولا سريعا الذي يمكن ملاحظته على المستويين المؤسساتي والتسييري. إن العديد من الأحكام التشريعية والتنظيمية والهيكلية أرست قواعد سير جديد لهذا القطاع8، ويتشكل النظام المصرفي نتيجة لذلك وإلى غاية نهاية 2004 من 29 مؤسسة مصرفية ومؤسسة مالية، كما يسير بنك الجزائر وينظم ثلاث مراكز(المخاطر، القيم غير المؤداة، الحصائل)على مستوى مديريته العامة للقروض والتنظيم البنكي وتشكل هذه المراكز قواعد معطيات ومراكز معلومات ضرورية لسياسة قروض حسنة وحذرة وكذا لتسيير سليم لأدوات الدفع والقروض ولمعرفة خاصة لحوادث الدفع مما من شأنه ضمان يقظة البنوك والمؤسسات المالية.وتعد المراكز الثلاثة مراكز للمعلومات والتحاليل المقدمة من قبل كل بنك أو مؤسسة مالية والتي يمكن الإطلاع عليها من قبل هذه الأخيرة إذا ما رغبت في ذلك.

 

IV- شروط تحسين أداء الجهاز المصرفي في الجزائر:

 

        إن الجهاز المصرفي الجزائري اليوم ومع بداية القرن الحادي والعشرين يواجه صعوبات وتحديات المرحلتين الراهنة والمقبلة، كون الصناعة المصرفية والمالية تتسم بالتطور المستمر على صعيد الإطار المؤسسي لجهة خلق مؤسسات مالية جديدة، أو الخدمات المالية التي تتجه نحو الشمولية، أو الاندماج لخلق وحدات مصرفية ضخمة، أو بلورة معايير مصرفية جديدة للعمل المصرفي بشكل مستمر، وكل ذلك في مناخ عالمي تتسارع وتتشابك فيه التطورات و التحولات الاقتصادية والمالية والمصرفية.وعليه فالجهاز المصرفي الجزائري يجب أن   يكون على إستعداد من أجل  استيعاب التحديات الجديدة:  تحديات التحرير العالمي للتجارة، والثورة المصرفية والمالية المتجددة، وتغيير المعايير العلمية بشأن الرقابة والملاءة المالية9. ويستلزم ذلك تطويره وتنميته وتحسين أدائه العام من أجل مساندة عمليات التحويل الاقتصادي الذي لا يمكن أن يتحقق بدون جهاز مصرفي متطور وتنافسي.

 

IV-1-التوجهات الحديثة لتطويرالأداءالمصرفي:

 

        إن المصارف الجزائرية اليوم مدعوة أكثر من أي وقت مضى إلى تعبئة مواردها المالية والبشرية لمواجهة متطلبات الاقتصاد ككل، وإلى القيام بإصلاحات عميقة وفعالة على مستوى العمل المصرفي وبتهيئة المناخ الملائم والشروط اللازمة لتحسين الأداء المصرفي، كما أنه في ظل المتغيرات العالمية والتي مست البيئة المالية والمصرفية ازداد الإدراك بأن المعرفة والمهارات البشرية ورأس المال الفكري تعد مكونات حيوية لاقتصاد المستقبل ومفاتيح النمو الناجح للمؤسسات، لذا فإن إدارة المعرفة في البنوك الجزائرية هي الركيزة الأساسية للمؤسسات الاقتصادية فهي تساهم في تطويرها وديمومتها لما تشكله من أهمية في امتلاك وتحسين الميزة التنافسية وتحقيق الربحية على المدى الطويل .

 

        إن مرتكزات التنافسية في إدارة المعرفة تتمثل في عنصرين أساسيين وهما :رأس المال الفكري، والخبرة البشرية .

 

        ويمكن وضع المحاور الأساسية لتطوير المؤسسات المصرفية على النحو التالي :

 

1- وضع إستراتيجية لتطويرالخدمةالمصرفية:

 

        تستدعي التطورات المصرفية وضع مناهج تنظيم وتشغيل أساليب تقنية حديثة في المصارف الجزائرية 10ويتحقق ذلك عن طريق إتباع إستراتيجية وسياسة مصرفية فعالة من خلال إصلاح عدة نواحي من النشاط المصرفي من أهمها:

 

أولا : مواكبةأحدث التطورات التكنولوجية:

 

        في ظل تعاظم دور التكنولوجيات المصرفية في عصر العولمة يجب العمل على تحقيق الاستفادة من ثمار تكنولوجيا المعلومات والاتصالات من أجل تطوير نظم ووسائل تقديم الخدمات وابتكار تطبيقات جديدة للخدمة المصرفية تتميز بالكفاءة والسرعة والدقة في الأداء، ففي الدول المتقدمة مثلا يزداد الاهتمام بتكثيف الاستخدام لأحدث تقنيات المعلومات والإيصال في العمل المصرفي، إذ تتم العمليات المصرفية في معظمها عن طريق قنوات إلكترونية مثل : أجهزة الصرف الآلي ونقاط البيع الإلكترونية والتي سمحت بتحقيق مزايا عديدة من أهمها11 :

 

- انخفاض تكلفة التشغيل.

 

- تزايد أهمية استخدام وسائل الدفع الإلكتروني مثل : بطاقات الائتمان، الشيكات الإلكترونية، النقود الإلكترونية.

 

- تحرير العملاء من قيود المكان والزمان، كانتشار مايسمى بالخدمات المنزلية المصرفية.

 

- تطور العلاقة مصرف – مصرف وذلك بفعل بروز علاقات تنافسية جديدة خاصة مع المصارف الإلكترونية.

 

- تقديم خدمات حديثة للعملاء لم تكن معروفة من قبل مثل : أجهزة الصراف الآلي، خدمات سداد الفواتير بالهاتف، المصارف الإلكترونية.

 

        لقد عملت المصارف الجزائرية على إدخال العديد من التقنيات المصرفية لمواكبة التطورات الحادثة في الصناعة المصرفية فمثلا في استخدام شبكة الانترنت لتطبيق العمليات المصرفية نجد معظم المصارف الجزائرية تملك مواقع عبر الانترنت إلا أن الغرض من هذه المواقع لا يتعدى استخدامها كأداة تعريفية وتسويقية للمصرف وليس كأداة فعلية للقيام بالعمليات والإجراءات المصرفية المتداولة بين العملاء والمصارف والأسباب التي حالت دون تحقيق ذلك هي12:

 

- قصور البيئة القانونية والتشريعية.

 

- تعدد المخاطر المرتبطة بتقديم الخدمات المصرفية الإلكترونية كمخاطر المنافسة ومخاطر التشغيل والمخاطر الائتمانية، وبالتالي في المصارف الجزائرية مطالبة ببذل المزيد من الجهود من أجل تدعيم قدراتها التنافسية ونجاحها مرهون بالاعتماد على تقنية المعلومات كأحد الركائز ولهذا الغرض يجب العمل على :

 

- زيادة الإنفاق الاستثماري في مجال تكنولوجيا المعلومات.

 

- الإسراع في تنفيذ شبكة الاتصال بين المصارف.

 

- تكوين شبكة مصرفية تربط بين المصارف من جهة والشركات والعملاء من جهة أخرى.

 

- التوسع في استخدام الإنترانت لتقديم الخدمات المصرفية المتنوعة للعملاء بكفاءة أعلى وتكلفة أقل.

 

- إصدار تشريعات تحمي التعامل المصرفي الإلكتروني في الجزائر.

 

ثانيا : تنويع الخدمات المصرفية:

 

        تتعرض المصارف الجزائرية إلى منافسة شديدة من المصارف الأجنبية من جهة، والمؤسسات المالية من جهة أخرى، وهذه المنافسة لا يمكن مجابهتها إلا بخلق ميزة تنافسية عن طريق إتباع سياسة إنتاج "خدمات ومنتجات جديدة"  وإن انضمام الجزائر إلى المنظمة العالمية للتجارة التي عملت على تحرير كافة الخدمات المالية للمصارف والمؤسسات المالية يفرض عليها إتخاذ خطوات جادة لتحرير وإصلاح هذا القطاع فهي مطالبة بتقديم حزمة متكاملة من الخدمات المصرفية  استجابة للاحتياجات المتزايدة للعملاء ومن أمثلة هذه الخدمات ما يلي13 :

 

-  الإقراض بكافة أشكاله وأنواعه.

 

-  تشجيع قروض الاستهلاك .

 

-  الاهتمام بتقديم القروض للمشروعات الصغيرة والمتوسطة

 

-  ابتكار الصيغ التمويلية الحديثة لأغراض المشروعات الاستثمارية خاصة تلك التي ترتبط بالتنمية.

 

-  تقديم خدمات التأجير التمويلي.

 

-  إصدار الأوراق المالية والترويج لها.

 

ثالثا:  تطويرالتسويقالمصرفي:

 

        يعد التسويق المصرفي محورا لجميع أنشطة البنك وأحد أدواته الرئيسية لتحقيق أهدافه وتطوره بصفة مستمرة بهدف تحقيق النمو المتوازن بين هيكل الموارد والإستخدمات، وعليه اعتمد المفهوم الحديث للتسويق بصفة عامة والتسويق المصرفي بصفة خاصة على أن المستهلك الأخير هو نقطة التركيز عند إتخاذ القرارات التي يجب أن ترتكز على دراسة احتياجات العميل ورغباته، ومن العوامل التي استدعت إلى ظهور وتطوير التسويق المصرفي ما يلي :

 

- الحاجة الماسة إلى مصادر مالية لتمويل تطور المؤسسة أدى بالمصرف إلى الاهتمام بسلوك العملاء، والاتجاه إلى التوافق مع رغبات العملاء وبالاتجاه إلى ما يعرف بصناعة العميل .

 

 - اشتداد المنافسة بين المصارف ومؤسسات مالية أخرى .

 

- تجاوز المنتجات المصرفية التقليدية نحو ابتكار منتجات جديدة وظهور خدمات تتعدى النطاق المصرفي.

 

 

2- مواكبةالمعاييرالدولية:

 

        إن المصارف الجزائرية مطالبة بمراعاة القواعد والمعايير التي وضعتها لجنة بازل والمؤسسات الدولية والتي كان الهدف منها تحقيق السلامة المصرفية الدولية، وذلك من أجل مواكبتها، ومن أهم المجالات التي ينبغي التركيز عليها لتحقيق ذلك ما يلي:

 

أولا : تطبيق معايير باز لللأداء المصرفي:

 

        تعتبر مقررات لجنة بازل الدولية التي أقرتها الدول الصناعية الكبرى من بين أهم التحديات المعاصرة التي تواجه الصناعة المصرفية في الدول النامية ،حيث وجهت مقرراتها لتحقيق ثلاثة أهداف جوهرية هي:

 

  • §  مبدأالمعاملةبالمثل:

 

        ينص هذا المبدأ على السماح للمصارف الأوروبية والأمريكية بالعمل وبنفس الشروط التي تفرضها الدول الأخرى على مصارفها المحلية.

 

  • §  نسبةكفايةرأسالمال:

 

         تسعى هذه النسبة إلى تحقيق هدفين أساسيين هما:  المساعدة على تقوية استقرار النظام المصرفي الدولي وإزالة جيوب المنافسة غير العادلة بين المصارف نتيجة تباين المتطلبات الرقابية المتعلقة برأس المال المصرفي ومعايير كفايته، لذلك عملت اللجنة على وضع قواعد جديدة تعكس المخاطر الحقيقية التي يواجهها العمل المصرفي في الوقت الراهن، ومن بينهذه النسب التي يجب على المصارف والمؤسسات الجزائرية احترامها، النسب الاحترازية التي تعرف بالمخاطر الكبرى أي الإقراض لعميل واحد (فرد أو مؤسسة أو مجموعة مؤسسات مترابطة)14 .

 

        إن المصارف الجزائرية مازالت بعيدة عن تطبيق هذه النسب، فهي معرضة في كثير من الحالات لأخطار كثيرة مثل خطر القرض، خطر معدل الصرف ومعدل الفائدة بسبب غياب الاهتمام بإدارة المخاطر وعدم وجود آليات بالأخطار قبل وقوعها.

 

 

  • §   الرقابةالمصرفية:

 

         نظرا للتطورات التي شهدتها العمليات المصرفية الدولية نتيجة تحررها من القيود، كان لابد من إعادة النظر في النظم الرقابية والإشرافية، لذلك صدرت مقررات لجنة بازل اعتماد مبدأ الرقابة المجمعة على كافة الوحدات المصرفية العالمية، وتنظيم نشاط هذه الوحدات المصرفية العالمية، وتهدف هذه الاعتبارات إلى ضمان حسن سير العمل المصرفي الدولي ورفع كفاءته والعمل في جو من المنافسة العادلة.ويجب على المصارف الجزائرية الالتزام بتنفيذ مقررات لجنة بازل وذلك لتدعيم مركزها التنافسي ولضمان النمو والاستقرار لأجهزتها المصرفية.

 

ثانيا : الاهتمام بإدارة المخاطر:

 

        تتعرض المصارف لمخاطر عديدة خاصة مخاطر الائتمان من خلال القروض المباشرة ومراعاة العلاقات في عمليات التمويل، وقد وضعت الاشتراطات الخاصة برؤوس الأموال لمعالجة المتطلبات الرئيسة لتلك الأنماط من مخاطر الائتمان. مثل اتفاق رأس المال الذي أصدرته لجنة بازل، والذي يأخذ بعين الاعتبار: مخاطر الائتمان، العمليات المصرفية، أسعار الفائدة، السيولة، الاستثمار، السمعة، المخاطر الإلكترونية...انتهاج المصارف لإدارة المخاطر، ومع ذلك ظل علم قياس المخاطر فتيا15. ولم يتأكد بعد ويتطلب الأمر أن يصبح المشرفون ملمين تماما بالأساليب المعاصرة بإدارة المخاطر.

 

ثالثا : وضع آلية للإنذارالمبكر بالمصارف:

 

        لقد أصبحت الحاجة ماسة لإنشاء آليات التنبؤ المبكر بالأزمات المصرفية التي قد تتعرض لها المصارف الجزائرية، ويتحقق ذلك من خلال العمل على زيادة قدرة المصارف على الاستخدام الكفء لمواردها ومواجهة المخاطر التي قد تواجهها أثناء قيامها بالأعمال المصرفية المختلفة، وعلى احترام أهم الأساليب والإجراءات التي تعالج المخاطر قبل الزيادة في حدتها.وبالتالي فإن إنشاء آليات للإنذار المبكر يجب أن يأخذ في عين الاعتبار الإجراءات التالية16:

 

•  ضرورة توفير نظام جيد للاتصالات لجمع المعلومات الدقيقة والكافية وتحليلها لاتخاذ قرارات سليمة لمواجهة المشاكل التي قد تعترض المصارف فجأة.

 

•  إيجاد مجموعة مناسبة من المؤشرات القياسية والمعيارية التي يمكن من خلالها التنبؤ بالمخاطر وذلك في ضوء ظروف كل مصرف، والوضع الاقتصادي للدولة.

 

•  دراسة الأزمات المصرفية السابقة التي حدثت بالدول الناشئة واستخلاص الدروس المستفاد منها للجهاز المصرفي والعمل على تفادي الأخطاء التي وقعت فيها.

 

IV-2عصرنةالجهازالمصرفي وإقامةهيكلة مالية ناجعة:

 

        إن العنصر الأساسي والجوهري في الانتقال من اقتصاد مخطط مركزيا إلى اقتصاد السوق هو إقامة جهاز مصرفي فعال يستجيب للمستجدات التي تطرأ على الساحة الدولية، ويواكب متطلبات العولمة، وبالتالي أصبح من الواجب الاهتمام بتطوير أداء المصارف بشكل عام وبتفعيل دور البنك المركزي بشكل خاص.

 

1-تفعيل دورالبنك المركزي لتطويرأداءالجهازالمصرفي:

 

        كون البنك المركزي مسئولا عن التحكم في السياسة النقدية التي لها فعاليتها في الاقتصاديات الانتقالية، فهو ملزم بتأدية الأدوار التالية 17:

 

* تهيئة المناخ التشريعي ليتلاءم مع المستجدات على الساحة المصرفية الدولية خاصة في ظل العولمة والتحرر الاقتصادي العالمي.

 

 - تأمين المنافسة السليمة ضمن القطاع المصرفي.

 

 - مراقبة عمليات المصارف والتحقيق فيها والتأكد من سلامة أوضاع كل مصرف من ناحية الملاءة والسيولة.

 

 - تأمين الشفافية في العمليات التمويلية وفي أداء القطاع المصرفي.

 

 - حث الجهاز المصرفي على تطوير أنواع خدماته وعلى إنشاء شركات مالية متخصصة في أو إصدار القيم المنقولة والترويج لها.

 

-  تقديم المشورة إلى الدولة في كل ما يتعلق بتقنيات وأساليب تحرير الاقتصاد حسب مقتضيات الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية والشراكة الأورو متوسطية.

 

-  تقديم المشورة إلى الدولة في تطوير قنوات مالية جديدة ووضعها في خدمة التنمية المحلية والقطاعات الإنتاجية (قنوات شركات الضمان ومؤسسات التقاعد وإنشاء سوق الأسهم والسندات).

 

-  العمل من أجل تطوير السوق النقدية .

 

 - تطوير وتقوية الدور الرقابي والإشرافي للبنك المركزي على المصارف من أجل أن يتلاءم مع المخاطر العديدة التي أصبحت تتعرض لها المصارف في ظل إقبالها المتزايد على تقديم المنتجات المصرفية المستحدثة، بحيث تتم عملية التطوير في ضوء المبادئ الرقابية التي صدرت عن لجنة بازل سنة 2001 وما طرأ عليها من تعديلات.

 

 - العمل على تدعيم قواعد المحاسبة والمراجعة بالمصارف.

 

2- عصرنةالمصارف الجزائريةوتفعيل دورها:

 

        نتيجة للتغيرات التي طرأت على الجهاز المصرفي الجزائري فهو مطالب أن يتكيف ويتلاءم مع الظروف الجديدة. ومن أجل تمكين الجهاز المصرفي من مواكبة متطلبات العولمة والإصلاحات يتعين عليه إدخال مجموعة من التغيرات في مجال التنظيم والتسيير من أجل الوصول إلى تغيير معياري للاقتصاد والاندماج في الاقتصاد العالمي.وذلك على المستويات التالية:

 

أولا: المستوى التنظيمي18:

 

        عن طريق إصلاح الجهاز القانوني والتنظيمي قصد تكييفه مع واقع اقتصاد السوق وذلك باتخاذ الإجراءات التالية:

 

-  الحرص على التقليص من آثار عدم استقرار رؤوس الأموال في إطار إدماج النظام الوطني مع النظام الدولي.

 

 - وضع آليات لتقدير الخطر كفيلة بتوجيه المصارف الخاصة في مجال تخصيص القروض.

 

 - ضمان الإنصاف في معاملة المصارف العمومية والمصارف الخاصة لاسيما فيما يخص الرقابة والإشراف.

 

 - تشجيع ظهور مصارف ومؤسسات متخصصة قصد توفير شروط المنافسة.

 

 - تكييف التمويل مع الحاجات مع الأخذ بعين الاعتبار وعاء حاجات التمويل فكل وعاء سلع، أدوات، بناءات، صادرات ...) يحدد نسبة الخطر ومدة النجاعة).

 

ثانيا:المستوى العملي:

 

        وذلك عن طريق إجراءات تهدف إلى إرجاع المصارف إلى وظيفتها الأصلية والعمل على أن تصبح مؤسسات قادرة على التنافس يتمثل هدفها الرئيسي في:

 

-  إقامة جهاز إعلامي دقيق وحديث.

 

-  إقامة جهاز للتسيير المحاسبي قادرة على ضمان مصداقية النتائج المصرفية.

 

-  تحسين تحصيل الديون من المؤسسات العمومية.

 

-  ضمان تسيير أحسن للتدفق المالي.

 

- العمل على أن تسترجع المصارف القرار الخاص بالقرض عن طريق اعتماد نظام قرض غير مسير إداريا.

 

- استكمال معالجة الاحتياطات.

 

ثالثا : فيما يتعلق بتسيير المعلومات:

 

-  ضرورة توفر القطاع المصرفي على جهاز معلوماتي ناجع.

 

-  التأكيد على أهمية تنظيم مثل هذا الجهاز، خدمة لجميع المتعاملين الاقتصاديين والماليين.

 

-  ضرورة وضع التنظيم الحالي على أسس أكثر عقلانية واستشارة أكبر عدد ممكن من الإطارات المعنيين.

 

-  ترقية وتحسين الوسائل الكفيلة بتوفير معلومات موحدة ودقيقة ومنتظمة وتتلاءم مع كل مستوى من مستويات تسيير المصارف.

 

-  إعداد مجموعة من المناهج والأساليب واضحة المعالم على أساس مهام المؤسسات المصرفية وتنظيمها.

 

-  احترام المقاييس التي يقوم عليها رأس مال المعلومات (الأجل، الفترة، الدقة).

 

-  تحسين إطارات القطاع بكيفية تنظيم جهاز اتخاذ القرارات.

 

رابعا:فيمايتعلق بتنميةالمواردالبشرية:

 

-  تحفيز المؤسسات والأفراد عن طريق تكييف الوظائف المصرفية وتعديلها.

 

-  العناية بتأهيل المستخدمين الحاليين وبتوظيف مستخدمين ذوي كفاءات عالية في ميادين المالية والاتصال والإعلام.

 

-  وضع جهاز قصد تعديل القطاع العمومي المصرفي وتنظيمه بالنسبة للمؤسسات الاقتصادية العمومية.

 

-  تكوين الموظفين و تحفيزهم بهدف تحسين السلوك.

 

 

خامسا : فيمايتعلق بتفعيل دورنظام الدفع:

 

    تسعى عصرنة نظام الدفع الإلكتروني إلى تحقيق الأهداف التالية :

 

- تقليص آجال دفع العمليات.

 

- تحسين سيولة حركة وسائل الدفع.

 

- رفع نوعية خدمات البنوك.

 

- دعم دور القطاع المالي في الاقتصاد وفي استقراره.

 

سادسا :فيم يخص تطويرالسوق المالية: 

 

ينبغي العمل على19:

 

-  تعميق السوق الثانوية للأوراق المالية الحكومية.

 

-  يتعين الاستمرار في الجهود الرامية إلى تقوية الوضع المالي للمصارف الحالية حتى تتمكن من تحقيق نسب كفاية رأس المال المستهدفة وأن تصبح قادرة على تحقيق الأرباح و في هذا الصدد، يجب اتخاذ الخطوات لمنع تكرار منح القروض المشكوك فيها على نطاق واسع إلى المؤسسات العامة.  والواقع أن النجاح في الإصلاح المصرفي سيتوقف بشكل حازم على توحيد قطاع المؤسسات العامة من ناحية واستمرار بنك الجزائر في مراقبة المصارف التجارية. ومن ناحية أخرى سوف تدعو الحاجة إلى تعزيز المنافسة بين المصارف من خلال إنشاء أسواق مالية للأسهم والسندات.

 

-  توسيع نطاق التمويل الطويل الأجل من خلال تشجيع إنشاء أسواق الأوراق التجارية والقروض العقارية وغيرها من الأدوات المالية الطويلة الأجل.

 

-  إنشاء سوق للأوراق المالية، وكخطوة أولى، أنشئت لجنة تنظيم سوق الأوراق المالية والرقابة عليها في أوائل سنة 1997 ، والجدير بالذكر أن وجود أسواق فعالة للأسهم يعد ضروريا للنهوض بالقطاع الخاص الحديث، لأنها تعبئ المدخرات وتشكل مصدرا بديلا لتمويل المؤسسات عن طريق الأسهم.
 

 

الخلاصة:

 

        لقد حاولنا من خلال هذه المداخلة الوقوف على واقع و آفاق إصلاح النظام المصرفي الجزائر ومن خلال التحليل تبين  غياب إستراتيجية واضحة و فعالة تمكن الجهاز المصرفي من مواجهة العولمة،  فالعمل المصرفي الحالي في الجزائري لم يستطع مواكبة احتياجات تمويل الأنشطة الإقتصادية المختلفة والقيام بالخدمات المصرفية الأساسية مما ألقى بضلال سلبية وحتى معرقلة أحيانا للعملية التنموية .

 

        إن استقرار النظام المصرفي وتحسين كفاءته يتم ضمن إستراتيجية تتطلب ما يلي :

 

 *تنويع الخدمات المصرفية.

 

 *التحول إلى المصارف الشاملة.

 

 *الاندماج المصرفي.

 

 *خوصصة المصارف.

 

 *مواكبة المعايير الدولية.

 

        كما حاولنا وضع إطار تأسيسي لنظام مصرفي عصري و فعال من أجل التكيف و التلاؤم مع الظروف الاقتصادية الراهنة على كل المستويات .و في الأخير يمكن أن نخرج بمجموعة من التوصيات التي نراها ضرورية لإرجاع الدور التنموي الحقيقي للجهاز المصرفي الجزائري، لبعث التنمية ورفع عراقيلها والتي نراها جديرة بأن تستجيب لموضوع بحثنا و هي:

 

* الإسراع في إعادة هيكلة الجهاز المصرفي و تقديم خدمات مصرفية جديدة و التوسع فيها.و الاستمرار في عملية الإصلاح و تشديد الرقابة للسير الحسن للعمل المصرفي.

 

*تحفيز المصارف على تحسين خدماتها المصرفية بصورة جذرية في ظل اعتبارات المنافسة مع فروع المصارف الأجنبية  بذلا من إتباع سياسات وصاية على مصارفنا تقلل من تحديثه وتضعف من كفاءته .

 

 * تحسين المناخ الذي تعمل فيه المصارف و تطوير النظم الإشرافية من جانب السلطات الإشرافية و دعم الأساليب الرقابية على المصارف لضمان السلامة المصرفية، و هو ما يزيد القدرة على مواجهة العولمة.

 

* عصرنه منظومة الإعلام و الدفع لتحسين الخدمات المصرفية و أن تكون في شفافية وسرعة حتى يتسنى لنا معرفة آخر المعطيات و الإحصاءات الاقتصادية.

 

* تعزيز سوق القروض المصرفية و تقليص كلفة الوساطة المصرفية.  

 

* ضرورة تنمية الوعي الادخاري لدى الأفراد عن طريق بذل جهود إضافية لذلك و العمل على تفادي انخفاض القدرة الشرائية للمدخرات نتيجة ارتفاع الأسعار، و ذلك بربطها بمستوى التكاليف المعيشية.

 

*كما يجب العمل على تمكين القطاع العام و الخاص من زيادة فوائضه المالية و إصلاحه، و الاعتماد على هذا الفائض بشكل رئيسي لتمويل مشاريع التنمية الاقتصادية الوطنية.

 

*تأهيل المستخدمين الحاليين في المصارف و توظيف مستخدمين ذوي كفاءات عالية في ميادين المالية و الاتصال و الإعلام، و الحرص على إعداد برامج تكوين و تنظيم دورات تدريبية و تحسين المستوى لفائدة عمال المصارف لتمكينهم من التقنيات المصرفية و المالية العصرية عن طريق نقل التكنولوجيا المصرفية إلى الجزائر بما يمكن من مواكبة التطورات العالمية في هذا المجال.

 

* تفعيل الشراكة مع البنوك الأجنبية خاصة في الجانب التقني من أجل تأهيل البنوك العمومية.

 

* المزيد من تنشيط سوق المال من خلال المصارف و تنويع العمل المالي و المساهمة في تطوير الأسواق الثانوية و ربطها بالأسواق العالمية.

 

 

 

 

الهوامش والإحالات:

 

1. طارق عبد العال حماد، اندماج وخصخصة البنوك، الدار الجامعية، الإسكندرية، 1999، ص 55 – 56.

 

2. عبد المطلب عبد الحميد، العولمة واقتصاديات البنوك، الدار الجامعية، الإسكندرية، 2001، ص 11.

 

3. القواعد والمعايير العالمية الموضوعة من قبل لجنة بازل التي سنها قانون النقد90/10 ضمن القانون 91/09 وأصبح ملزما للبنوك الجزائرية إبتداءا من سنة 1992، هذه التنظيمات تغطي ما يلي: قواعد الملاءة، قواعد السيولة، القواعد المحاسبية.

 

4 - بوخاتم نجيب، دور الجهاز المصرفي في عملية التحول الاقتصادي والانتقال إلى اقتصاد السوق، مذكرة ماجستير، معهد العلوم الاقتصادية، جامعة الجزائر،2003، ص .132

 

5. بوخاتم نجيب، مرجع سابق، ص .138

 

6. المادة133و 134 من القانون 90/10 المؤرخ في 14/04/1990 والتنظيم رقم 90/01 الصادر في 4 جويلية 1990.

 

7. بوخاتم نجيب، مرجع سابق، ص149-150.

 

8.-Système de paiement en Algérie, Etat des lieux, décembre 2004, P7.

 

9. صلاح الدين حسن السيسي، القطاع المصرفي والاقتصاد الوطني، الطبعة الأولى،عالم الكتب، القاهرة، 2003، ص. 95

 

10. لحمر خديجة، دور النظام المالي في تمويل التنمية الاقتصادية: حالة البنوك الجزائرية واقع وآفاق، رسالة ماجستير غير منشورة، كلية العلوم الاقتصادية وعلوم التسيير، جامعة الجزائر، 2004-2005، ص .156

 

11. اتحاد المصارف العربية، مصارف الغد، مجلد المصارف العربية، بيروت لبنان، العدد 249، سبتمبر2001، ص. 33

 

12. لحمر خديجة ، مرجع سبق ذكره، ص .158

 

13. عبد الغفار حنفي و أبو قحف عبد السلام،الإدارة الحديثة في البنوك التجارية، الدار الجامعية، بيروت، 1991 ص.350

 

14. مكرم صارم، تحديث القطاع المصرفي السوري:اتجاهات التحديث وقواعده، أوراق عمل ندوة الإصلاح المالي والمصرفي، ص ص 7-8.

 

15. جورج قرم، المصارف المركزية والسياسة النقدية والاقتصادية (الدراسات والمقالات المتخصصة) مؤتمر أفاق العمل المصرفي في سوريا في ضوء التجارب العربية، دمشق 2002 ،على الموقع:

 

http : //georgescom/ar/articles 22/06/2004.

 

16. أنزو كروسي ومحسن س.خان، الأنظمة النقدية واستهداف تقليل التضخم، مجلة التمويل والتنمية، صندوق النقد الدولي، سبتمبر 2000 ص ص 49-50.

 

17. جورج قرم، مرجع سابق.

 

18. مشروع تقرير حول إشكالية إصلاح المنظومة المصرفية، مرجع سابق، ص 133.

 

19. كريم النشاشبي وآخرون، الجزائر: تحقيق الاستقرار والتحول إلى اقتصاد السوق، صندوق النقد الدولي، واشنطن، 1998، ص72.

 

 

Télécharger l'article