د. العايب سليم

                    جامعة سعد دحلب البليـــدة

المقاربة الكمية و الكيفية في العلوم الاجتماعية

أولا: البحوث الكمية

 هي نوع من البحوث العلمية التي تفترض وجود حقائق إجتماعية موضوعية، منفردة ومعزولة عن مشاعر ومعتقدات الأفراد، وتعتمد على الأساليب الإحصائية في الغالب، في جمعها للبيانات وتحليلها(1)

كما تهدف المناهج الكمية في الأساس إلى قياس الظاهرة موضوع الدراسة، وقد تكون هذه القياسات من الطراز الترتيبي، مثل(أكثر من أو أقل) أو عددية وذلك باستعمال الحساب .

إن أغلبية البحوث في العلوم الإنسانية تستعمل القياس،وكذلك الأمر حينما يتم استعمال المؤشرات، النسب،المتوسطات أو الأدوات التي يوفرها الإحصاء بصفة عامة، إننا نستنجد بالمناهج الكمية أثناء محاولة معرفتنا مثلا: تطور أسعار الإستهلاك، نية التصويت في الإنتخابات القادمة، الإرتباط بين درجة التحضر ونسبة المواليد(2).

ثانيا: منطلقات التحليل الكمي

إن الشرط الأساسي لتطبيق المناهج الكمية في علم الإجتماع، هو أن تتوجه الملاحظة نحو مجموعة عناصر هي بشكل معين مقارنة، غالبا ما تكون هذه العناصر أفرادا، ولكن يمكن أيضا أن تكون جماعات، مؤسسات، مجتمعات أو أنواع وحدات أخرى .

وعليه يرى« ريمون بودون» بأن الدراسات التي تنطلق من سؤال من نوع لماذا؟ مثلا: لماذا يختلف الإنتحار وفق الأزمة والأماكن ؟ لماذا نكرر التصويت لهذا المرشح؟ ما هي عوامل التغيب المهني؟ لماذا ظروف مشروع ما هي تقريبا جيدة؟ هي البحوث الكمية(3).

يتضح من خلال هذه النقطة، إن منطلق البحث في الدراسة الإجتماعية من حيث المبدأ

(الإشكالية الدراسة)، مثلا:" دراسة الإنتحار عند دوركايم".

-       تنطلق البحوث الكمية إلى استخدام أو إنشاء الفروض، باعتبارها إجابات مؤقتة أو حلولا، تتعلق بوصف واقع معين، من خلال بناء علاقات وقياس بعض المتغيرات، واستخدام البيانات المتوافرة لإيجاد علاقة إرتباطية أو سببية، كذلك تحاول الدراسات الكمية التوصل إلى عموميات غير مرتبطة بالسياق الذي تنفذ فيه الدراسة، كما يهدف إلى تعميم نتائج البحث على حالات أخرى.

-       كما يعتمد التحليل الكمي على إنشاء المتغيرات، فمهما تكن المسألة السوسيولوجية التي نطرحها على أنفسنا، أو الفرضية التي نريد برهنتها، فإننا سنجد أنفسنا إذا دائما في مواجهة مسألة إقامة المتغيرات، أي ترجمة التصورات والمفاهيم إلى عمليات أبحاث محددة. مثلا: علاقة الجنس بالإنتحار، مستوى الكفاءة وعلاقته بالإنتاج، علاقة السن بالنجاح.

إن مسألة إنشاء التغيرات في البحوث الإجتماعية، هي مسألة ترجمة التصورات إلى قرائن، بعبارة أخرى، يقتضي الإنتقال من التعريف المجرد إلى الملموس، يسمح بتحديد تصنيف حول هذه المتغيرات.

بهذا المنظور يصف" poul.L Azarsfeld " المراحل الأربعة لإنشاء المتغيرات.

 التجسيد التصور للمفهوم: مثلا: التنظيم.

  1. تخصيص التصور: تحليل مركبات المفهوم.
  2. إختبار المؤشرات: إيجاد مؤشرات المفهوم.
  3. تكوين الأدلة (4).

-    كما يستخدم الباحث في البحث الكمي أدوات جمع البيانات، ليقيس متغيرات بحثه، مع العلم أن أداة جمع البيانات تعمل على تجميع بيانات بغرض إيجاد إجابة للسؤال السابق التحديد، ومن أمثلة الإختبارات، الإستمارات ،.....الخ.

ويصل الباحث من البيانات لنتائج يستطيع تعميمها على أكبر كم وعدد من أفراد العينة، وكلما زاد عدد أفراد العينة، زادت إحتمالية تعميم النتائج وزادت قوة النتائج.

-مثلا: دراسة علاقة العنف والتلفزيون عند الأطفال (5).

  - كما نجد في البحث الكمي إستعمال العينات تكون عشوائية أو إحتمالية في الغالب، لتمثل مجتمع الدراسة، بعدد مناسب وكبير نوعا ما.

-على صعيد آخر، نجد التحليل الكمي، يعتمد على تشكيل أو بناء علاقة نسبية بين المتغيرات من خلال جداول إرتباطية من خلال القيم، النسب، جداول إحصائية، ومقاييس إحصائية ،مثلا: معامل الإرتباط، مقاييس التشتت، النزعة المركزية، التباين،....الخ.

وعلى هذا الأساس، نجد أن الدراسات الإحصائية واستخدام الرياضيات لتحليل المعطيات العديدة واستنباط الإسقاطات الممكنة كل ذلك أعطى للأبحاث السكانية طرافة ووحدة وفتح أمامها أبوابا جديدة فجرت هذه الدراسات وراءها أجزاء كبيرة من الميادين التي كانت تدرس تقليديا تحت لواء علم الإجتماع ضمن أبواب " الأشكال الإجتماعية" أو "الإحصاء الإجتماعي" ونلاحظ في فرنسا مثلا: أن أطباء ومهندسين وإقتصاديين وديمغرافيين مثل:"Alfred Sauvy " ذهبوا إلى العلوم الإجتماعية وطوروها لا العكس.

كما نلاحظ نفس الشيء بالنسبة إلى الدراسات الأنتربولوجية التي تكونت حول الوصف التحليلي الدقيق، وما يفرضه من وجوب الإقامة في ميدان الغربة والإغتراب من توخي طرق تجعل الباحث يضمن لعمله مستوى أدنى من الدقة والموضوعية والعمق (6).

إن إقحام بعض تقنيات الإعلامية الحديثة في استغلال نتائج الدراسات الإجتماعية الميدانية ، مكن من سيطرة قوية على الأوضاع ومن إقتصاد في الوقت والمال والجهد، إذ أصبح من الممكن أن تحتوي الإستبيانات والإستمارات على عدد أكبر من المتغيرات والأسئلة دون أن يكلف الباحث عناء لا يطاق.

إن دراسة منهجية لإبن خلدون لا تزال هامة لما سنه من قواعد لا تزال حداثتها محلا للبحث والتعليق، لقد سن اتجاهات للوصف والتحليل والتكميم وربط العناصر بعضها البعض، فهو أول من أشار إلى ضرورة التحليل النوعي و الكمي الذي لابد أن ينتهي إلى التركيب الهيكلي وإلى التنظير حتى توضع الظواهر الإجتماعية في إطارها العام وفي سياق الدفع التاريخي على المساهمات العربية العصرية في البحوث الإجتماعية.

كما أن التعبير الكمي عن البيانات والمعلومات، من شأنه أن يؤدي إلى تحليل وتفسير أكثر دقة وموضوعية، ونذكر أدوات القياس، مثلا: القياس السوسيومترية، التي تقيس العلاقات الإجتماعية والتي ابتدعها MORENO ، حيث يقوم برسم السوسيوغرام الذي يوضح العلاقات في صورة رياضية كمية، تجعلها قابلة للتحليل والتفسير العلمي، وهناك طرق قياس الإتجاهات، مثلا: قياس البعد الإجتماعي

لـ بوقاريدس Bougardus وقياس الرأي العام Gutman .

 

ثالثا: البحوث النوعية (الكيفية)

هي نوع من البحوث العلمية التي تفترض وجود حقائق وظواهر اجتماعية يتم بنائها من خلال وجهات نظر الأفراد، والجماعات المشاركة في البحث (7).

كما تهدف في الأساس إلى فهم الظاهرة موضوع الدراسة، وعليه ينصب الإهتمام هنا أكثر على حصر معنى الأقوال التي تم جمعها أو السلوكات التي تمت ملاحظتها (2).

كما نجد أيضا بأن البحث الكيفي هي تلك التي يتحدث ويشارك فيها المبحوثون مع الباحثين في البحث عن الحقيقة، وهذا ما جعل منهج الملاحظة بالمشاركة، والمقابلة الكيفية، وبحوث سيرة الحياة، وطريقة المحادثة الجماعية، والمنهج الوثائقي، تشهد عملية إحياء، وعليه فالبحث الكيفي هو الذي يرى في المجتمع وإنسانه وتاريخه كتابا مفتوحا، يتعلم منه، لا يعلمه، ويستخلص المعرفة مباشرة من الإنسان وعالم حياته، ويفسر التغيرات النوعية في المجتمع المعقد، فهو مفهوم مركب لمداخل نظرية ومنهجية مختلفة جدا إلى الواقع الإجتماعي، حيث يقول "أنسليم ستراوس " : يقصد بمصطلح البحث الكيفي أي نوع من البحوث لم يتم التوصل إليها بواسطة الإجراءات الإحصائية، أو بواسطة أي وسائل أخرى من الوسائل الكمية (8).

رابعا: منطلقات التحليل الكيفي

يرى "ريمون بودون " بأن الدراسات التي تنطلق من سؤال كيف؟مثال: كيف يساهم الدين في الإقتصاد؟ (دراسة فيبر حول علم الأخلاق البروتستانتي وروح الرأسمالية).

-       نوع آخر دراسة لكروزي حول ظاهرة البيروقراطية.

-       دراسة أخرى لبارسونز Parsons حول النظام الإجتماعي، وبالتالي هي كيفية يطغى عليها التحليل الكيفي (9).

-إن هدف البحث الإجتماعي في البحث الكيفي، ليس اختبار الفرضيات وإنما تكوين الفرضيات والنظريات، أي أولوية البيانات والميدان على الفرضيات النظرية، فهذه تكتشف وتكون من خلال الدراسة الميدانية، حيث أن اكتشاف النظريات عن البيانات مهمة أساسية لعلم الإجتماع مثل إختبار النظريات، فمن خلال النظريات المجذرة نحصل على التنبؤات والتفسيرات والتطبيقات.

-إن البحث الكيفي يفيد في حالة عدم وجود متغيرات محددة، فكل ما يريده الباحث هو الإستكشاف، فإنه يعتمد في المقام الأول على المبحوثين في هذا الإستكشاف،مثلا : كيف يفكر الطلاب الصم عندما يستخدمون لغة الإشارات؟ (10).

-إن البحث الكيفي فهو أكثر إهتماما بفهم الظاهرة الإجتماعية من منظور المشاركين أنفسهم، ومن خلال معايشة الباحث لحياة المشاركين العادية، حيث أن الأفعال الإنسانية وآراء الأفراد ومعتقداتهم تتأثر بالمواقف والبيئة التي تحدث فيها، ومن خلال الإطار الذي يفسر فيه الأفراد أفكارهم ومشاعرهم وأفعالهم، ويتم التوصل إلى هذا الإطار من قبل الباحث خلال جمع البيانات وتحليلها، ولا يهدف الباحث النوعي إلى تعميم النتائج، بل توسيع نتائج الحالة التي كثيرا ما تقود إلى مواقف وحالات قد تكون مشابهة.

-يستخدم البحث الكيفي العينات تتسم بالقصد والعمدية أو الثلجية، لأن الباحث يختار الأفراد والمواقع التي يرى أنها ستعينه في فهم الظاهرة التي يدور حولها البحث، مع الحصول على تصريح من الجهة أو الأفراد الذين سيجري عليهم الدراسة.

فعملية جمع البيانات الكيفية تتم من خلال المقابلات والملاحظات، والوثائق وتجمع البيانات عبر أسئلة مفتوحة النهاية (11).

-إن البحوث الكيفية تبدأ غالبا بتحليل الحالات، ثم القيام بالمقارنة وتعميم هذه الحالات، إضافة إلى ذلك، فإن البحث الكيفي ينطلق من بنية الواقع، ومن البنى الذاتية للمبحوثين، وطريقة البحث كعملية بناءة .

ومنه نجد أهمية المصادر البيانات المرئية (الملاحظات، المقابلات، الوثائق، الصور، الفيلم) فهو مازال علما نصيا، ينطلق من مفهومي الفهم والمغزى، وهذا ما نسميه بتحليل المضمون أو تحليل محتوى، الذي يسعى إلى المقارنة الكمية المنهجية للمضمون الظاهر للمواد الإتصالية إلى الحصول على الاستدلالات الكيفية (12)

فهناك فرضيات وخصائص مشتركة للبحث الكيفي ،الذي حددها "Herbet.Blumer " وهي

أ) يفهم الواقع الإجتماعي بوصفه نتاجا مشتركا من المعاني والإرتباطات المتولدة عن التفاعل الإجتماعي ،فالبشر يتصرفون ،كما يقول ( بلومر ) بناء على المعاني المشتركة ،التي يرجعونها إلى المواضيع ،والأحداث والمواقف والأشخاص .

نستخلص بالنسبة إلى منهجية البحث الكيفي ،كنقطة أولية ،أن التركيز ينصب على أشكال ومضامين عمليات الإنتاج اليومية ،وعلى بناء أنماط الرؤى الذاتية ونموذجات التفسير للفاعلين الإجتماعيين .

ب) تحليل عملية التفاعل والإتصال بواسطة مناهج الملاحظة وتحليل النص .

 ج)إن البشر يعيشون في ظروف حياتية مختلفة ،تحدد موضوعيا من خلال بعض المقاييس مثلا :الدخل والتعليم ،المهنة ،العمر ،ظروف السكن إنهم ظروف حياتهم عن طريق المغزى بشكل شامل وتركيبي يمنح هذه المقاييس معنى تفسيريا ( 13) .

إن الخاصية المركزية للبحث الكيفي ،فهي ملائمة الموضوع للمنهج،ومن الممكن تتبع كل من المنهج والموضوع الذي طور من أجله ،وهكذا فقد وضعت المقابلات الشفوية أساسا لتحليل عمليات السلطة المحلية وعملية التنشئة،كما يتجه البحث الكيفي أنه ذو توجه قوي نحو الحياة اليومية ،ويهتم بالمعرفة اليومية للمبحوثين ،وعمليات التفاعل ،كلها تحلل في السياق اليومي .

كما يتسم البحث الكيفي وهو التأمل النقدي للباحث في فعله ومشاعره أو في حقل البحث بوصفه عنصرا أساسيا من المعرفة.

إن أهمية البحث الكيفي تكمن في إدراكه للبحث ،بوصفه عملية فكرية دائمة حول الوجود الإنساني الذي لا يمكن فهمه ولا تأويله أو تحليله من خلال جمع البيانات وتقنيات البحث الكمية ،بل من خلال فهم علاقة البحث بالحياة والباحث بالمبحوث ،كعملية دينامية وحيوية ،تسهم في فهم صحيح لحياة الإنسان وهذا ما يسميه (باشلار)بالتحليل النفسي للمعرفة ،أي معرفة نفسية الباحث وذاتيته،ويعتبر البحث عملية إستكشافية مفتوحة،لا منغلقة ومن خلال الملاحظة بالمشاركة والمقابلة الموجهة في سير الحياة والوصف الأنتوغرافي للحياة اليومية وللعمليات وفي المؤسسات نحصل غالبا على صورة واضحة وجلية ،من منظور المبحوثين مثلا:المرضى المزمنين،المسنين المقيمين ،المصحات العقلية ...إلخ

كما نجد دراسات في هذا الجانب مهمة كالدراسة عن الفلاح البولندي لـ "وليم توماس وفلوران زنانيكي "،التي تناولا فيها الوضع الإجتماعي والإقتصادي للجماعات العرقية المهاجرة من بولندا إلى أمريكا ،فهي تتناول مسألة الهجرة،ومشاكل المهاجرين والهجرة و العرقية(14).

الخاتمة:

من خلال المعطيات السابقة، يتضح أنه من الضروري أن تراجع العلوم أسسها المعرفية والمنهجية، وتطورها وفقا لتطور الواقع، ولا بد من إزالة التناقض حول الثنائية بين الكمي والكيفي.

وعليه نؤكد على منهجية الوحدة لا منهجية الإختلاف من خلال تفاعل وتداخل ودمج بينهما، والإستعانة

بمعطياتهما والإستفادة من إيجابيتهما.

قائمة المراجع

(1)-عامر قنديلجي: البحث العلمي واستخدام مصادر المعلومات التقليدية والإلكترونية. دار المسيرة للنشر والتوزيع والطباعة، الأردن ، 2008 ،ص 45.

(2)-موريس أنجرس: منهجية البحث العلمي في العلوم الإنسانية- تدريبات عملية-.تر/ بوزيد صحراوي وآخرون ، دار القصبة للنشر،الجزائر،2004،ص100.

(3)-ريمون بودون: مناهج علم الإجتماع. منشورات عويدات، بيروت، 1980، ص37.

(4)-نفس المرجع،ص 63.

(5)-كمال عبد الحميد زيتون: تصميم البحوث الكيفية ومعالجة بياناتها إلكترونيا .عالم الكتب، القاهرة، 2006،ص39.

(6)-خميس طعم الله : مناهج البحث وأدواته في العلوم الإجتماعية. مركز النشر الجامعي، تونس، 2004، ص43.

(7)-عامرقنديلجي: المرجع السابق ، ص45.

(8)-عرابي عبد القادر: المناهج الكيفية في العلوم الإجتماعية . دار الفكر، دمشق،2007،ص43.

(9)-بودون ريمون: المرجع السابق،ص120.

(10)-كمال عبد الحميد زيتون: المرجع السابق،ص38.

(11)-نفس المرجع،ص60.

(12)-عبد الحميد محمد: تحليل المحتوى في بحوث الإعلام. دار ومكتبة الهلال، بيروت،2009، ص21.

(13)-عرابي عبد القادر: المرجع السابق، ص93.

(14)-نفس المرجع،ص52.

 

 

 

 télécharger l'article