التفكك الأسري و أثره على انحراف الطفل           

 

العايب سليم  "                                        أ /بغدادي خيرة

جامعة سعد دحلب البليدة                               قسم العلوم الإجتماعية

                                                   كلية العلوم  الإنسانية و الإجتماعية      

                                                      جامعة قاصدي مرباح / ورقلة

 

المقدمة

تعد الأسرة اللبنة الأولى لتشكيل شخصية الطفل و تلقينه المبادئ الأولية في التنشئة الاجتماعية ففيها تنمو قدراته من خلال التفاعل مع غيره من الأفراد و لا يمكن لهذا التفاعل أن يتحقق ما لم يتوفر الحوار والتواصل داخل الأسرة الذي يحقق التوازن النفسي والاجتماعي للطفل .

  ومع التطور التكنولوجي الذي أفرز عدة تحولات التي مست جميع بنيات المجتمع والذي انعكست أثاره على الأسرة و بالتالي على وظائفها و مهامها كمؤسسة اجتماعية ، تؤثر وتتأثر بالمحيط الذي تتواجد فيه خاصة مع تغير وضع المرأة الاجتماعي و الثقافي المتمثل في خروج المرأة ميدان العمل الذي أدى إلى تغير دورها و مكانتها في المجتمع فقضاء وقتا طويلا في مجال العمل بعيدا عن البيت يؤثر على توازن الطفل إضافة إلى الصراع في الأدوار بين الرجل و المرأة الذي خلق نوع من التنافس بينهما و بالتالي فتعدد مسؤولياتها ومهامها أدى إلى عدم التوفيق بين واجباتها في تربية الأطفال و بين عملها كمرآة عاملة ، الأمر الذي تسبب في تقليص دور الأسرة وتحلل العلاقات التي تربط بين أفرادها فانعكس ذلك على تنشئة الطفل ومستقبله وتحولت مهام التنشئة الاجتماعية إلى مؤسسات أخرى ونحن في مداخلتنا سوف نتطرق الى عوامل هذا الانحلال  .

  يشكل النظام الاسري كمؤسسة اجتماعية نسقا من الادوار الاجتماعية المتصلة و المعايير المنظمة للعلاقات الاجتماعية كما تعتبر شكل مصغر للمجتمع كونها أداة مدعمة لتماسك المجتمع ووسيلة للضبط و الرقابة الاجتماعية ، هذا بالاضافة الى أهميتها بالنسبة للفرد فهي تحدد الادوار الاجتماعية للافراد ومكانتهم عن طريق مجموعة من المعايير و القيم الخاصة بها و التي تحدد سلوك أفرادها لتحقيق هدف مشترك من اهم وظائفها كما اشار محمود حسن الى ان اهم وظائف الاسرة ما يلي :

أ-اشباعات الفرد : فالأسرة بصفة خاصة تميل الى التعبير عن نمط الاشباعات الحميمة و الدائمة للعلاقات الشخصية المتبادلة التي تتميز بالود و العمق و الشمول في محيط الاسرة  في محيط الاشباعات الجزئية التي تحققها العلاقات خارج الاسرة .

ب-تحقيق انجازات المجتمع : فالأسرة تقوم بالمحافظة على اعضاء المجتمع و اعدادهم للعمل و التفاعل الاجتماعي و هي التي تحافظ  على السكان بإنجاب الاطفال و تربيتهم و توفير الضمان في حالات الشيخوخة كما ان المجتمع يفوض الاسرة في تحمل الاطفال كما تعتبر من ادوات الضبط الاجتماعي (1).

ج-الوظيفة الاقتصادية : قضى الانتاج الصناعي على وظيفة الاسرة الاقتصادية في المجتمعات الحضرية و تحولت الاسرة فيها الى وحدة استهلاكية بدرجة كبيرة و ذلك بعد أن هيا المجتمع منظمات جديدة تقوم بعمليات الانتاج الالي و توفير السلع و الخدمات باسعار اقل نسبيا منها مما

-وظيفة التنشئة الاجتماعية : تعد التنشئة الاجتماعية للطفل من الوظائف الاساسية للاسرة ،اذ  تلعب الاسرة دورا هاما في تنشئة الطفل خاصة في السنوات الاولى و هي المرحلة التي يقضيها الطفل في المنزل  و يشير علماء الاجتماع الى التنشئة الاجتماعية باعتبارها الوظيفة الوحيدة و الهامة التي تمس النظام الاسري حيث ان خصائص عملية التنشئة تعكس اتجاهات القائمين عليها و تعنى الوظيفة الظاهرة لعملية التنشئة الاجتماعية بتدريب الطفل على انماط معينة من السلوك أما وظيفتها الكامنة فتتضح في أهداف عدة ..أهمها : توحد الطفل مع مجموعة من الانماط الثقافية مثل القيم الاجتماعية و الجمالية والاخلاقية ، كما تهدف الى تعليم الطفل مهارات ضرورية تتفق و ظروف مجتمعه .(2)

 

 1)-حسن مصطفى عبد المعطي الاسرة و مشكلات الابناء

    دار السحاب للنشر و التوزيع ، القاهرة ، ط1 ، 2003 ص 20

2)-حسن مصطفى عبد المعطي مرجع سابق ص 24

 

ب- التغير الاجتماعي للأسـرة: ان الاسرة كوحدة اجتماعية لا يمكن دراستها بمعزل عن التغيرات الحاصلة في المجتمع فهي كغيرها من البنيات الاخرى تؤثر و تتأثر، فإذا رجعنا قليلا الى الوراء لننظر في التكوين الاجتماعي و الاقتصادي للأسرة الجزائرية  لوجدنا ان الدراسات الخاصة بالأسرة الجزائرية محدودة بل نادرة وبالأخص تلك التي تتناول العلاقات الأسرية وبناء الأسرة وتغير وظائفها و المشكلات التي تتعرض لها، وقد قسم بوتفنوشت تطور الأسرة الجزائرية إلى مراحل مرحلة ما قبل الاستعمار مرحلة الاستعمار مرحلة ما بعد الاستعمار حيث كانت الأسرة الجزائرية قبل الاستعمار أسرة ريفية يقوم أفرادها بالنشاط الزراعي جماعيا نظرا للعلاقات القرابية .

 والتماسك الموجود في العائلة الواحدة و التي تعيش في أحضانها عدة أسر تحت سقف واحد ، أي ما يعرف بالدار الكبيرة القائمة على السلطة الأبوية المطلقة بينما للمرأة سلطة أقل من سلطة الرجل إذ كان يتعلق دورها بالدرجة الأولى بالإنجاب ورعاية الأبناء وتدبير شؤون البيت ، أما بعد الاستعمار ونتيجة لسياستها الموجهة لتخريب بنية المجتمع حدثت في المجتمع الجزائري تغيرات مست تلك العلاقات القرابية القوية التي تربط أفرادها عن طريق فرض نظام الخماسة أي يصبح الفلاح الجزائري أجيرا عند المستعمر بعد الاستيلاء على أراضيه هذا ما أدى إلى تفكك أعضاء الدار الكبيرة بسبب الهجرة إلى المناطق الأقل اضطهادا و عنفا وبالتالي أصبح الفرد يقوم بالعمل المأجور الذي انعكس بالضرورة على الأسرة من حيث البنية الوظيفية.

       وبعد استرجاع الاستقلال و تحديد المصير انطلقت عمليات البناء و التشييد فاتسعت العملية التنموية للبلاد خاصة في المدن خلال انشاء مؤسسات اقتصادية زادت من زحف اليد العاملة الريفية إلى المدن وبالتالي اهمال الأراضي الزراعية طلبا للعمل المأجور، ويرى علماء الاجتماع أن لتغير الحياة من الريف إلى الحضر له أثر عميق على الأسرة من حيث البناء و السلطة و الزواج و الإنجاب و الوظائف التقليدية للأسرة كالضبط الاجتماعي.

 ففي المدينة تتوفر المؤسسة الصناعية و التجارية التي تستخدم الفرد على أساس القدرة و الكفاءة فقط، دون الأخذ بعين الاعتبار صلة القرابة و الجنس و السلالة كما أن إقامة الفرد في مكان معين أصبح متعلقا بمكان فرص العمل عكس الحال في الريف أين ترتبط بقطعة الأرض و بمجاله الاجتماعي الخاص، الأمر الذي يدفع بالعلاقات الأسرية إلى النزوع نحو الفردية ومن ثم إلى تقلص حجمها من كونها أسرة ممتدة تنقد أجيالها إلى أسرة محدودة العدد غالبا ما تقوم على الزوج و الزوجة و أبنائهما الصغار ونادرا ما تضم والدي الزوجين أو أحدهما ([1]).

       ومن حيث السلطة في الأسرة الجزائرية في النظام التقليدي كانت ترتبط بالقيم و العادات والتقاليد وكان يتمتع كبار السن دون غيرهم أما اليوم و خاصة بعد الانتقال من الحياة الريفية إلى المناطق الحضرية أصبحت السلطة مرتبطة بالوضع الاقتصادي و المركز الاجتماعي إذ تقلصت سلطة الأب خاصة مع ظهور قيم جديدة في المجتمع كخروج المرأة للعمل و الذي يسمح لها بممارسة سلطات أوسع مقارنة بما كانت عليه في النظام التقليدي.

       كما أن للابن في البنية الأسرية للنظام التقليدي كان يعتمد دائما على الأب في كل شيء أما في البنية الاجتماعية الجديدة أصبح الابن نظريا جدا من وصاية أبيه لأنه و في كثير من الأحيان أصبح ينافس الأب اقتصاديا و ماليا وثقافيا ولكن قد لا يظهر ذلك لتجنب الصراعات و هذا خاصة بعد الاستقلال حيث أصبح للابن مكانة لم يكن يتمتع بها من قبل.

       أما الأم في الأسرة النووية أصبحت تحتل مكانة إقتصادية أكثر أهمية حيث أصبحت تعمل في كل الميادين تقريبا و حتى إن لم تعمل فأصبحت تسير أكثر فأكثر ميزانية البيت بكل حرية و تشارك في قرارات الأسرة و بصفة عامة مكانة الأم في الأسرة المعاصرة ذات امتيازات أكثر مقارنة بمكانة الأم في الأسرة التقليدية.

       إذن فتحول بناء الأسرة الجزائرية من النظام الممتد إلى النظام النووي أصبح واضحا بعد نزوحها إلى الوسط الحضري الذي يختلف عن الوسط الريفي أي من نموذج اجتماعي و اقتصادي واستهلاكي تلعب فيه علاقات قرابة دورا أساسيا و يعتمد على الانتاج الزراعي و الحيواني إلى نمط اجتماعي فردي يقوم على الاقتصاد الصناعي و التجاري و تشير الكثير من الدراسات أنه و بعد هذه الحركة بدأت الأسرة الجزائرية في فقدان بنيتها الممتدة عدد أفرادها إلى أكثر من 40 فردا لتصبح على شكل أسرة زواجية أو نووية علما أن هذا الشكل و الذي انتشر خاصة في المراكز الحضرية يتميز بكثرة الإنجاب إذ يتراوح معدل أفراد الأسرة الزواجية الجزائرية بين 5 إلى 7 أفراد([2]).

هذا بالاضافة الى التغيرات البنائية و الوظيفية لللاسرة

كما ادت التغيرات الاقتصادية التي شهدها المجتمع الى  حدوث تغيرات في الاتجاهات و القيم الخاصة بالادوار داخل الاسرة و كذلك الانجاب و تلك الخاصة بمكانة المراة و دورها التقليدي كأم و ربة منزل (2)

ومن الملاحظ ان المراة كانت تعمل و لا تزال في الريف و هي تعمل الان في المجتمعات الحضرية والصناعية لتسهم في الانعاش الاقتصادي للاسرة ، مع الاختلاف الواضح في طبيعة العمل و اسلوب أدائه فالمرأة اذن تعمل دائما و لكن عملها يختلف باختلاف الظروف الاجتماعية و الاقتصادية المحيطة بها والسؤال المطروح هو ماهي اثار عمل المراة المتزوجة على تغير الاسرة ؟ و هل يؤدي عمل الزوجة الى انحراف الاطفال ؟ او تزايد المشاكل الشخصية ؟ و كيف تكون العلاقة الداخلية بين افراد الاسرة التي تكون فيها الزوجة عاملة ؟

في المرحلة الاولى عندما تكون غير متزوجة يصبح في استطاعتها العمل مثل الرجل تماما و بنفس الكفاءة لكن المراة تواجه دائما صعوبة في كيفية التوافق بين عملها و بين واجباتها المنزلية و في هذه الحالة يجب ان تختار بين محاولة جعل متطلبات الحياة الوظيفية تتلاءم مع المراحل المختلفة لحياتها الاسرية .

-محاولة جعل متطلبات حياتها الاسرية تتلاءم مع حياتها الوظيفية و يلاحظ انه في المرحلة الاولى لا تكون للمراة غير المتزوجة مشاكل أنثوية خاصة و لكن جهدها يقتصر على التكيف مع الحياة الوظيفية اما المرحلة الثانية زوجان بدون أطفال فتكون اعباء المرأة العائلية أكثر من الرجل في نفس الظروف بل ان الزوج قد يكون احيانا معوقا لحياة زوجته الوظيفية

اما المرحلة الثالثة زوجان مع اطفال هي اصعب فترة بالنسبة للمسؤوليات الاسرية التي تكون ثقيلة جدا حيث يبدو واضحا صعوبة التوافق مع الحياة الوظيفية

و قد كان التحاق المرأة بالعمل يقابل بالاحتجاج من المجتمع بعكس ما هو حادث في الوقت الحالي اذ تشجع كل امرأة بناتها على اتمام تعليمهن و الالتحاق بالعمل  و بقدر ما كان لهذا التغير التكنولوجي في مختلف الميادين فانه تسبب في تصدع بنيان الاسرة و تعرضها للتفكك و التحلل فما هي انماط التفكك الاسري و ما هي عوامله ؟

1-انماط التفكك الاسري : يشير مفهوم التفكك الاسري الى انهيار الوحدة الاساسية و انحلال بناء الادوار الاجتماعية المرتبطة بها عندما يفشل عضو او أكثر في القيام بالتزامات دوره بصورة مرضية و قد صنف ويليام  W .Good  الاشكال الرئيسية لتفكك الاسرة كما يلي :

-انحلال الاسرة تحت تاثير الرحيل الارادي لاحد الزوجين عن طريق الانفصال –الطلاق-الهجر) و في بعض الاحيان قد يستخدم أحد الزوجين حجة الانشغال الكثير بالعمل ليبقى بعيدا عن المنزل و بالتالي عن شريكه لاطول فترة ممكنة ، التغيرات في تعريف الدور الناتجة عن التاثير المختلف للتغيرات الثقافية و هذه قد تؤثر في مدى ونوعية العلاقات بين الزوج و الزوجة الا ان الصورة أو النتيجة الاكثر وضوحا في هذا المجال تكون في صراع الاباء مع ابنائهم الذين يكونون في سن الشباب .

-اسرة يعيش الافراد فيها تحت سقف واحد و لكن تكون علاقاتهم في الحد الادنى و كذلك اتصالاتهم ببعض و يفشلون في علاقاتهم معا و خاصة من حيث الالتزام بتبادل العواطف بينهم .

-يمكن ان تحل الازمة العائلية بسبب أحداث خارجية و ذلك مثل الغياب الاضطراري المؤقت او الدائم لأحد الزوجين بسبب الموت او دخول السجن او اية كوارث اخرى مثل الحرب او الفيضان .

-الكوارث الداخلية التي تتسبب عن فشل لا ارادي في أداء الدور نتيجة الامراض النفسية او العقلية مثل التخلف الشديد لأحد أطفال الاسرة أو الاضطراب  العقلي لأحد الاطفال او لأحد الزوجين و الظروف المرضية المزمنة و الخطيرة (1).

عوامل التفكك الاسري :

اولا –العوامل الاقتصادية : يعتبر العامل الاقتصادي مسؤولا عن بعض أنواع الانحرافات السلوكية كهروب رب الاسرة من مواجهة مسؤولياته الى ادمان الخمر و المخدرات او الالتجاء الى مزاولة أعمال لا يقرها القانون مما يعرضه للسجن في بعض الاحيان كما يؤدي انخفاض المستوى الاقتصادي  عادة الى انخفاض  القيم داخل الاسرة و بالتالي يشعر الطفل بعدم الارتباط بالقيم فيسهل استهوائه الى الانحراف كما يؤدي الى عدم وجود الولاء عند الطفل نحو اسرته لعجزها عن اشباع حاجاته المادية مما يؤدي الى تمرده على السلطة الوالدية و يمهد ذلك لانحرافه و قد يؤدي انخفاض الدخل الى احساس الطفل بمسؤولياته تجاه الاسرة فيعمل للحصول على المال لسد احتياجاتها بطريقة غير سوية مما يعرضه للانحراف و يعرض الاسرة للاضطراب .(2)

وقد قدم البعض تحليلا لأهم العوامل التي تؤثر على تهديد كيان الاسرة في المجتمعات الصناعية الكبرى مركزا على الازواج في الاعمار الصغيرة و ا تضح له أن التصنيع و التسابق التكنولوجي و الاعلامي من أهم العوامل التي تدفع الاسرة الى التفكك أمام شدة تيارات التحول الاجتماعي الذي يركز على عنصر المنافسة بين الرجل و المرأة داخل الاسرة الواحدة و عنصر الاستقلال المادي لكل منهما و فقدان عنصر التبعية و تحمل المسؤولية بالنسبة للرجل فقط مما يؤدي الى الكثير من الصراعات التي تضعف الاسرة حتى تصبح كيانا هشا يتصدع أمام أقل الحوادث .

ثانيا –العوامل الاجتماعية و الاخلاقية : و تتمركز حول الاساليب الاجتماعية و العلاقات و الانماط والقيم و المعتقدات و المحاور التربوية كافة التي يمكن توجيهها و من أهمها :

-اختلاف أوجه النظر في عملية التنشئة الاجتماعية للصغار

-صراع الادوار بين الزوجين و زيادة الضغوط النفسية لأحد الزوجين

-الانحرافات الخلقية و الخيانة الزوجية لأحدهما و أثره على الاعضاء بل على النسق الاسري كله -اختلال الميول و العادات و التقاليد و القيم و عدم وضوح الضوابط الاخلاقية و الاجتماعية .

ثالثا –عوامل عاطفية و نفسية : تتمثل في فتور العلاقة العاطفية بين الزوجين و هذا من أخطر أنواع التفكك الزواجي ثم الاسري .

-عدم الشعور بالامان و الطمأنينة  بجانب الطرف الاخر

(1)-ناديا حسن ابو سكينة ، منال عبد الرحمن خضر العلاقات و المشكلات الاسرية    دار الفكر ط1 ،2011 ص 193

(2)-ناديا حسن ابو سكينة ، منال عبد الرحمن خضر مرجع سبق ذكره ص 194

رابعا عوامل عقلية : ان مستوى التفكير و اختلافه بين الزوجين قد يكون سببا في اختلاف التوقعات بين كل منهما تجاه الاخر فاذا كانت توقعاتهما مختلفة و متباعدة كانت المشكلات بينهما كبيرة و خطيرة حيث يظهر من خلالها صراع عنيف نسميه صراع التوقعات .

خامسا عوامل ثقافية : ان انخفاض المستوى الثقافي و التعليمي و القيمي داخل الاسرة يؤدي الى امتصاص الاطفال لقيم غير مرغوب فيها تكون سببا في كثير من المشكلات الاسرية في أسرهم الحالية ثم ينقلونها بعد ذلك الى أسرهم المستقبلية .

و كذلك عندما ينتمي اطراف الزواج الى أصول ثقافية متباينة و يخضعان لمجموعة من المعايير و القيم الاجتماعية المختلفة ، فان هذا التباين و الاختلاف يؤديان لكثير من الصراعات و التوترات داخل الاسرة الواحدة لتباين الثقافات و الاتجاهات و يعتبر الطلاق اهم اشكال التفكك الاسري في جميع المجتمعات بدون استثناء .

سادسا الطلاق : و هو الاعلان الرسمي عن فشل الحياة الزوجية و هو احد المشكلات الخطيرة التي تهدد كيان الاسرة .(1)

أثرالتفككالأسريعلىانحرافالأطفال:


مما لا شك فيه أن للوسط الأسري الذي يعيش فيه الطفل أثر بالغ على شخصيته وقيمه وأفكاره وسلوكه إذا كان الجو الأسري سيوجه الإضطراب والارتباك الأسري نتيجة تفكك العلاقات الاجتماعية بين الأفراد وغياب السلطة الضابطة التي توجه وتحكم سلوك الطفل في مختلف مراحل حياته خاصة مرحلتي الطفولة والمراهقة باعتبارهما الأساس الذي تتكون من خلاله شخصية الكفل مستقبلا، وقد تم التوصل من خلال دراسة ميدانية قمت بها حول "دور الأسرة في تشرد الأطفال" وكانت إحدى فرضيات البحث علاقة التفكك الأسري بتشرد الأطفال وتم التوصل إلى أن أغلب الحالات أو الأطفال الذين أصبح مصيرهم الشارع كانوا في الغالب عُرضة التفكك الأسري في مختلف مظاهره والتي تجسدت في وفاة أحد الوالدين أو كلاهما أو الهجر أو الطلاق وكل هذه المظاهر كانت ناتجة عن المشاكل الأسرية والمتمثلة في الشجار والصراع والنزاع المستمر والدائم بين الزوجين وما لكل ذلك من آثار سلبية على نفسية هؤلاء الأطفال خصوصا عندما يكون هذا الشجار أمام هؤلاء

 
   

 

(1)-ناديا حسن ابو سكينة ، منال عبد الرحمن خضر  ،مرجع سبق ذكره ص 19

وأثر ذلك كله على قيمة ومكانة الأب بين الأولاد حيث يؤثر فقدان الوالد أو الوالدة سواءاً بالطلاق أو الهجر أو الموت على حياة الطفل خصوصاً في مرحلة الطفولة أين يكون هذا الأخير بحاجة إلى رعاية خاصة وتنشئة اجتماعية سليمة توجه سلوكه في المجتمع وتجعل شخصيته قوية وثابتة.
كما توصلنا إلى أن أغلب الأطفال الذين اتخذوا الشارع كبديل عن الوسط الأصلي الأسرة) كانوا عرضة للتفكك الأسري في مرحلة الطفولة والذي غالبا ما كان يؤدي إلى غياب السلطة الضابطة للطفل والحرمان من الاستقرار النفسي والاجتماعي الذي يحتاجه الطفل في بداية حياته خصوصا عندما يتخلى الوالد عن مسؤولياته اتجاه البيت والأولاد وغالبا ما كان هذا التخلي من طرف الوالد صدفة كالهجر وأحيانا انقطاع رباط العلاقات الزوجية بين الأبوين عن طريق الطلاق "فحدوث الطلاق في المجتمع يمس جميع الفئات ولكن بدرجات متفاوتة جدا، وحدوثه يؤثر كثيرا على الأطفال "والمعلوم أن كل فراق يسبب الألم والعذاب"(1) ونتيجة هذا الألم والفراق يصبحون الأطفال ضحية لعدد من المشاكل التي لا حصر لها، تقول الباحثة الاجتماعية Louise في حديثها عن جرائم الأحداث "لا يوجد أطفال مذنبون بل الأطفال هم دائما الضحايا في الطلاق فالطفل في السنوات الأولى من حياته حصيلة العوامل

الوراثية والبيئية التي تؤثر فيه ، وتتفاعل فيه باستمرار في ميدان لا تكاد توجد فيه باديء الأمر أية مقاومة صادرة عن الطفل نفسه فهو في حاجة لكي ينمو إلى تلقي الآثار المادية والمعنوية في الوسط العائلي فإذا اختل توازن الأسرة فلابد أن يؤدي هذا الاختلال إلى اضطراب تنشئة الطفل بحياة صالحة(1).
فالطلاق يحرم الطفل من رعاية وتوجيه الأب والأم له وبالتالي يحرم من النمو العادي للأطفال مما قد يدفع به إلى كره أحد الوالدين وربما الاثنين معاً ويزداد حرمان الطفل هذا إذا كان صغير السن خصوصا لأن بعض الباحثين لاحظوا أنه "كلما كان الطلاق يصاحب سناً صغيرة للطفل من 2 إلى 12 عاماً كلما كانت الصعوبات أشد بالنسبة للطفل" (2)

 

(1)- Gerard poussin, Emisabeth , le Brum, les enfants du divorce,

     Paris , Dunod, 1997, p30.

 

 

بحيث تتكون لدى الكثير من الأطفال عقدا نفسية يعانون منها كثيرا في حياتهم المستقبلية هذا من جهة ومن جهة أخرى قد يعرضهم هذا للعوز والجوع والحرمان من الموارد الضرورية لنموهم نموا سليما ولتغطية متطلباتهم الأساسية في الحياة وهذا الحرمان من الناحية المادية والنفسية للطفل يتعداه إلى سلوكه الاجتماعي حيث يساعده على انحرافه خاصة في الأسرة الفقيرة وانعدام الدخل الذي يؤمن للطفل حياة كريمة ومن أهم مظاهر الانحراف عند الأطفال والتي تكون غالبا ناتجة عن التفكك الأسري ما يلي                           

الهروب:يعتبر الهروب المثال الأول للانحراف وترجع التعريفات الكلاسيكية الهروب إلى الطابع العيادي أو إلى الفرضيات الكامنة أوإلى مظاهرة الاجتماعية الشاذة أو غيرالمتكيف. (3)

 فقد يدل مغادرة المنزل العائلي على قلق وضيق الشخص في عائلته سببه إما الاضطرابات العاطفية وإما الظروف العائلية السلبية ويعرف العلماء الهروب على انه : " وضعية مرضية للنشاط مع انتقال غير عادي تحت تأثير الاضطرابات النفسية (1)

وقد يكون الهروب كفعل الخضوع إلى حاجة الهروب والتي من المستحيل مقاومتها ويكون هذا الفعل بدون هدف ومفاجيء وغير معقول ومحدد بالزمان حيث يترك الشخص منزله أو مكان حياته الخاصة (المنزل، المدرسة) ويهمل بذلك محيطه والتزاماته الاجتماعية.Ã التشرد: يعتبر التشرد أيضا شكلا من أشكال الإنحراف ويرى بعض العلماء أنه من الصعب القيام بالتمييز بين الهروب والتشرد فالهروب يمكن أن يسمى تشردا وذلك في حالة عدة تكرارات وفي بعض الأحيان يعتبر الهروب محاولة تشرد فاشلة وعليه فإن الهروب هو أزمة في حين أن التشرد ظاهرة مستمرة في الزمان. 

العدوان: هو عبارة عن سلوك يصدر إما عن الطفل اتجاه أفراد آخرين ويكون هذا كرد فعل إما عن عدم الرضى بالواقع الاجتماعي وإما ناتجا عن النقص وإما يكون ناتجا عن المشاكل الأسرية ومنها التفكك الأسري.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)-مسعودة كسال، مشكلة الطلاق في المجتمع الجزائري. الجزائر، ديوان المطبوعات الجامعية، دط، 1986، ص 25

(2)-عبد الحميد كربوش، مطبوعة حول علم الإجرام والإنحراف. الجزائر،مطبعة جامعة منتوري قسنطينة، دط، 2006، ص26.

3)- المرجع السابق، ص25.

 

 

 

 

قائمة المراجع

1-حسن مصطفى عبد المعطي الاسرة و مشكلات الابناء    دار السحاب للنشر و التوزيع ، القاهرة ، ط1 ، 2003

2-السويدي محمد، مقدمة في دراسة المجتمع الجزائري    ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1990

3-علياء شكري ، محمد الجوهري علم الاجتماع العائلي دار المسيرة للنشر و التوزيع و الطباعة ط1 ، 2009

4-ناديا حسن ابو سكينة ، منال عبد الرحمن خضر العلاقات و المشكلات الاسرية                          دار الفكر ط1 ،2011

5-مسعودة كسال، مشكلة الطلاق في المجتمع الجزائري.  الجزائر، ديوان المطبوعات الجامعية  دط، 1986

6-عبد الحميد كربوش، مطبوعة حول علم الإجرام والإنحراف. الجزائر،مطبعة جامعة منتوري قسنطينة                     دط، 2006

7- Gerard poussin, Emisabeth , le Brum, les enfants du divorce,

  Paris , dunod, 1997, p30.

 

 



([1]) -السويدي محمد، مقدمة في دراسة المجتمع الجزائري،

ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1990 ،ص 90.

 

1) علياء شكري ، محمد الجوهري علم الاجتماع العائلي

دار المسيرة للنشر و التوزيع و الطباعة ط1 ، 2009 ص137

(2) محمد الجوهري ، علياء شكري نفس المرجع ، ص 89.

 

Télécharger l'article