الاتجاه نحو التأسيس للمسؤولية المدنية

على أساس مبدأ الحيطة

الأستاذة عمارة نعيمة

 

Resume

Le principe de précaution est formulé pour la première fois en 1992 dans le Principe 15 de la Déclaration de Rio : « En cas de risque de dommages graves ou irréversibles, l'absence de certitude -scientifique absolue ne doit pas servir de prétexte pour remettre à plus tard l'adoption de mesures effectives visant à prévenir la dégradation de l'environnement. ».

Bien qu’il n’existe pas de définition universellement admise du Principe de Précaution, on peut tenter d’en exprimer l’idée générale comme suit: «Des mesures doivent être prises lorsqu’il existe des raisons suffisantes de croire qu’une activité ou un produit risque de causer des dommages graves et irréversibles à la santé ou à l’environnement. Ces mesures peuvent consister à réduire ou à mettre un terme à cette activité, s’il s’agit d’une activité, ou à interdire ce produit, s’il s’agit d’un produit, sans qu’il soit nécessaire d’établir de manière irréfutable la preuve formelle d’un lien de cause à effet entre cette activité ou ce produit et les conséquences redoutées.”

Ce principe existait à différents degrés dans les chartes et les conventions internationales comme dans certaines lois nationales qui fournissent l'essentiel des sujets d'inquiétudes « graves » et « irréversibles ».

Les mots clé : dommages graves – irréversibles- l'absence de certitude -scientifique

ملخص:

صيغ مبدأ الحيطة للمرة الأولى في عام 1992 في المبدأ 15 من إعلان ريو ":عندما تكون هناك تهديدات بوقوع أضرار جسيمة أو لا رجعة فيها، والافتقار إلى اليقين العلمي الكامل لا يمكن أن يكون مبررا لتأجيل اعتماد تدابير فعالة لمنع التدهور البيئي".

رغم عدم وجود تعريف مقبول عالميا لمبدأ الحيطة، يمكن محاولة التعبير عن الفكرة العامة كما يلي :
"يجب اتخاذ تدابير عندما يكون هناك سبب كاف للاعتقاد بأن أي نشاط أو منتج قد يسبب أضرارا جسيمة، والتي لا رجعة فيها على الصحة أو البيئة. قد تكون هذه التدابير لخفض أو وقف النشاط إذا كان نشاط ما ، أو لمنع هذا المنتج إذا كان منتجا ، من دون الحاجة إلى إنشاء دليل قاطع رسميا  إلى وجود علاقة سببية بين هذا النشاط أو المنتج ، والعواقب الوخيمة . "

هذا المبدأ موجود بدرجات متفاوتة في المواثيق والاتفاقيات كما هو الحال في بعض القوانين الوطنية.  في مجال الصحة البيئية ، التي توفر الموضوعات الأساسية  "خطيرة و "لا رجعة فيها".

الكلمات المفتاحية : وقوع أضرار جسيمة - لا رجعة فيها- الافتقار إلى اليقين العلمي.

-1مقدمة

    إن مختلف الكوارث والتهديدات والمخاطر التي تؤثر على حياتنا أو صحتنا أو بيئتنا ، لا تخلو من بعض الشكوك في التطور التكنولوجي للعلوم، وفي قرارات الطبقة السياسية  حول التعامل مع المخاطر المحتملة.أزمة "جنون البقر ، وتلوث الدم بداء السيدا ، مخاطر الحقول الكهرومغناطيسية والمخاطر الكيميائية والأشعة الكونية ، الكائنات المعدّلة وراثيا OGM،...مخاطر استعمال الأسلحة الكيماوية، جميع هذه القضايا التي تتحدى واضعي السياسات والمقررين على مدى تعاملهم مع المخاطر المحدقة والغير مؤكّدة (1). و التي تتميز باستحالة قياس كل الآثار التي قد تلحقها بالوسط البيئي و الصحّة الإنسانية.وعليه لم يعد بمقدور المنطق والتفكير القانوني السابق القائم على فكرة المسائلة عن الضرر الحاصل أن يرافق هذا الوضع الجديد، الذي يستدعي تغيير المسار نحو المستقبل المهدّد للبيئة وللصحة الإنسانية ككل. و منه وجد القانون نفسه جدّ متأثر برد فعل أمني في مواجهة الصّعود القوي لهذا الّنوع الجديد من الأخطار والتي تنادي بالحاجة إلى وضع نموذج يتمثل في الإستباقـية  anticipatif(2)، لحماية البيئة و لمكافحة المخاطر الغير مؤكّدة .

وفي هذا السياق بين المجازفة والخطر والسلامة ظهر مبدأ الحيطة في حياتنا اليومية والذي يعكس ثقافة سياسية جديدة ، ووجود وعي متزايد ومكثف ، ولا سيما في مجال البيئة ، و الصحة على حد سواء ، والذي بتطبيقه نتجاوز مخاطر إجراء ما قبل الإصابة والذي أصبح يمّثل الرّمز الأكثر امتيازا لسلوك يبحث عن إبعاد الأخطار المفاجئة و غير المنتظرة و التي قد تؤدّي إلى حدوث أضرار قد تكون غير قابلة للإصلاح ولا للاسترداد(3).

يرى البروفيسور مارك هونيادي من جامعة لافال أن هنـالك ثلاثـة مفاهيم أساسية في فلسفته  تحدّد لنا مكانة الحيطة بين هاته الفرضيات.

 *التحذير يكمن في المخاطر المؤكّدة، تلك التي يعتبر وجودها معروف أو تجريبيا أثبت بما فيه الكفاية أنه يمكن تقدير تواتر حدوثها. أمثلة : استخدام منتجات مثل الأسبست l'amiante.

*الوقاية تكمن في المخاطر المؤكّدة والتي ثبت وجـودها أو تجريبيا هي معروفة ولكننا لا نستطيـع تقدير تواتر حدوثها مثال الخطر النووي.

 *والحيـطة تكمن في المخاطر المحتملة الغير مؤكّدة،التي لم يتأكد بعد علميا منها ولكن يمكن تحديد إمكانية حدوثها من المعرفة التجريبية والعلمية.الأمثلة على ذلك: اللّحوم الهرمونية .

عند الاقتضاء، سوف نستخدم "المبدأ التحذيري"، أو "المبدأ الوقائي" أو "مبدأ الحيطة " في كل حالة لتجنب النتائج الغير مرغوب فيها.

يرى وليفييه غودارOlivier Godard، مدير الأبحاث في مركزCNRS، أن مبدأ الحيطة انعكس على تطور مفهوم الحذر، حيث شهدت المجتمعـات ثلاث أنظمة رئيسية  للحذر: نظام المسؤولية على أساس الخطأ الذي هيمن حتى القرن التاسع عشر ، ونظام التضامن على أساس المخاطر الذي تطور خلال القرن العشرين، والوقاية والسلامة التي شهدت اليوم على الاعتراف بميلاد مبدأ الحيطة(4).

والذي أدى إلى تحول جذري وعميق في نظام المسؤولية "إعادة صياغة قواعد المسؤولية" من الخطر اللاّحق إلى الخطر السابق (5) .    

إذن علينـا أن نقف على مدلول مبدأ الحيطة و الفرق بينه وبين مبدأ الوقـاية،  هذا ما سنتنـاوله بالحديث في المبحث الأول، ثم هل يمكن له أن يرقى إلى أن يصبح التزاما قانونيا، ثم ما هي الآثار التي يرتّبها على  قواعد المسؤولية المدنية ؟

المبحث الأول: ماهية مبدأ الحيطة

يظهر مبدأ الحيطة بمثابة ثمرة فهم جديد للتقدم ،إذ أنه يستجيب للشك والخوف من المخاطر التي أفرزها التقدم العلمي التكنولوجي الذي يشهده العالم اليوم،حيث تتّصف تلك الأخطار بالتعقيد والتي غالبا ما يكون العلم غير محتاط بها والتي يسودها حالة من عدم اليقين العلمي ، وعليه فإن مبدأ الحيطة يقضي بعدم اعتبار عدم اليقين العلمي بمثابة حجّة أو عائق لتأخير التصرف من أجل مواجهة الخطر المحدق بصحة الإنسان وبيئته الطبيعية .

  المطلب الأول: نشوء المبدأ في رحاب القانون الدولي العرفي للبيئة.

إن مبدأ الحيطة يعود إلى سنوات 1970 في ألمانيا، في مؤتمر Vorsorgeprinzip في مشروع أولي لقانون (1970) لضمان الهواء النقي.حيث أشارت دراسات المعهد الأوروبي للبيئة أن سياسة الحكومة الألمانية في مجال حماية البيئة لم تقتصر على الوقاية من الأضرار وشيكة الوقوع التي تحتاج إلى إصلاح في حـالة وقوعها ،وإنما انتهجت سيـاسة تحوطية précautionneuse  تطلبت أكثر من ذلك حماية الموارد الطبيعية وتسييرها بعناية ، ويبدو كنصّ مؤسّس الذي اعتمد في المؤتمر الدولي الثاني لحماية بحر الشمال في نوفمبر تشرين الثاني عام 1987. الذي اعتمد في إعلان ريو دي جانيرو 13 يونيو 1992 (6) في نهاية مؤتمر الأمم المتحدة المعني بالبيئة والتنمية  والذي جاء بتعبير " قمة الأرض" الذي جسّد الالتزام الأول  للمجتمع الدولي في منع المخاطر المناخية العالمية.

والذي صادقت عليه فرنسا 20 يونيو 1994. حيث نصّ في مبدأه الخامس عشر على أّنه:" من أجل حماية البيئة ، تتخذ الدّول على نطاق واسع تدابير احتياطية حسب قدراتها و في حالة ظهور أخطار ضرر جسيم أو أخطار ضرر لا سبيل إلى عكس اتجاهه ، لا يستخدم الافتقار إلى اليّقين العلمي الكامل ، سببا لتأجيل اتخاذ تدابير تتسّم بفعالية التكاليف لمنع تدهور البيئة ".هذا الإعلان يسرد،أهّم عناصر المبدأ من احتمال حدوث ضرر خطير، و غير رجعي، وغياب اليقين العلمي و ضرورة اتخاذ إجراءات فورية. وبالتالي انفرد مؤتمر ريوا بالنص لأول مرّة بالحيطة سواء من الّناحية الجغرافية و من الّناحية الإقليمية (7).وبعد هذا التكريس لمبدأ الحيطة تعدّدت الاتفاقيات الدولية المتعلقة بحماية البيئة التي تبنّت المبدأ سواء ما يخص المجال الذي اهتمت به كالتنوع البيولوجي(8) ، حماية الأوساط البحرية (9) ،الموارد الصيدية. أو في مايتعلق بالمشاكل البيئية التي حاولت تلك الاتفاقيات معالجتها كالنفايات(10)، التغيرات المناخية(11)، الإنبعاثات الغازية السامّة، إهتلاك طبقة الأوزون(12) .

المطلب الثاني: تحديد المدلول من مبدأ الحيطة وتمييزها عن مبدأ الوقاية:

الفرع الأول: تعريف الحيطة:

يقصد لغوّيا بالحيطة أو الاحتياط، تلك الّتدابير المتخّذة لاستدراك أو تجّنب الضّرر و الحدّ من آثاره المحتملة. أمّا قانونيا ، المبدأ منصوص عليه ضمن المبدأ الخامس عشر من إعلان ريو حول البيئة و الّتنمية السابق الإشارة إليه ، و ضمن أغلبية الاتفاقيات الموقعة بمناسبة أو بعد انعقاد مؤتمر قمة الأرض و هو بذلك يعطي معنى أوّلي للمبدأ بالإشارة إلى أّنه لا يحتجّ بالافتقار إلى اليقين العلمي ، كسبب لتأجيل اتخاذ تدابير احتياطية لحماية البيئة (13).

 رغم عدم وجود تعريف مقبول عالميا لمبدأ الحيطة ، يمكننا محاولة التعبير عن الفكرة العامة على النحو التالي : "يجب اتخاذ تدابير عندما يكون هناك سببا كافيا للاعتقاد بأن النشاط أو المنتج قد يسبب أضرارا خطيرة لا رجعة فيها على الصحة أو البيئة. وقد تشمل هذه التدابير في حالة النشاط، التقليل منه أو وقفه، أما في حالة وجود المنتج فإن التدابير تشمل حظر هذا المنتج، حتى وإن لم يكن هناك دليل صريح يثبت وجود علاقـة سببية بين هذا النشاط أو المنتج، والعواقب التي لا تدع مجالا للشك". القانون الوضعي الفرنسي يعرف مبدأ الحيطة في قانون بارنييه  لعام 1995 (14) على أن"غياب اليقين العلمي،وبالنظر إلى المعرفة العلمية والتقنية في ذلك الوقت،لا ينبغي أن تؤخر اعتماد معايير فعالة ومتناسبة لمنع خطر حدوث ضرر خطير ولا رجعة فيه للبيئة بتكلفة مقبولة اقتصاديا"(15).وقيل "عندما تكون الأنشطة البشرية تسبب ضررا غير مقبول أخلاقيـا والذي يكون معقولا علميا ولكنه غير مؤكّد ، تتّخذ الإجراءات اللاّزمة لتجنب أو تقليل هذه الأضرار". ويكمن الخطر في أنه غير مقبول أخلاقيا للإنسان أو البيئة.

الفرع الثاني: مفهوم مبدأ الوقاية

يعدّ هذا المبدأ بمثابة النظام التقليدي للحماية من الأخطار ، إذ يتعلق فقط بالأخطار المعروفة علميا التي تم التأكّد من ضررها الفعلي على صحة الإنسان والبيئة ، بعكس مبدأ الحيطة الذي كما بيّنا سابقا أنها ترتبط بحالة الأخطار الغير معروفة علميا أو المشبوهة أي التي تسودها حالة من عدم اليقين العلمي فبالنظر لحالة الخطر التي ترتبط بمبدأ الحيطة فان هذا المبدأ يمثل احتراس أو تبصر جديد من الأخطار الحديثة المجهولة والتي يكتنفها الغموض العلمي ، وهذا بعكس نظام الحماية التقليدي في إطار مبدأ الوقاية الذي لا يتدخل إلاّ في حالة التأكّد الفعلي لضرر الأخطار المؤكّدة.

المطلب الثالث: شروط تطبيق مبدأ الحيطة

إنّ تحليل مختلف عبارات المبدأ في النصّوص الدّولية السالفة الذكر، يظهر شروطـا دائمة خاصة بتطبيقه. ورغم وجود صيغ و عبارات متعدّدة ، إلاّ أنّ العناصر متواجدة بصفة مماثلة ضمن مختلف

الاتفاقيات و بمجرد توافرها تفرض على الأطراف المتعاقدة التزامات متفاوتة الدّرجة.

الفرع الأول: أن يكون الخطر مشبوها (16)

إنّ الأخطار التي تثبت فيها العلاقة السببية بين حادث ما، و بين الضرر الذي قد يلحقه هذا الأخير عن طريق أدّلة علمية قاطعة، لا تخضع لأيّ حال من الأحوال لمبدأ الحيطة. فهذا الّنوع من الأخطار يمكن أن يوصف على أّنه مؤكّد مادام من الممكن تقدير احتمال حدوثه، إلاّ أنّ من ميزة الخطر في مبدأ الحيطة أّنه مفاجئ و أنّ حدوثه دائما غير ثابت، لكن ما هو أكيد هي العلاقة السببّية بين الحادث المحتمل وقوعه و الضرر المتوقع أما المدّة التي سيقع فيها الخطر هي التي تبقى غامضة.

وهو ما يميز مبدأ الوقاية عن مبدأ الحيطة، فإذا كان الأول يطبق في حالة الأخطـار البيّنة والمؤكّدة ( AVERE RISQUE)، فإن الثاني يرتبط دائما بالأخطار المشبوهة (RISQUE SUSPECTE) وهذا ما بيّنته بوضوح كل من أزمة جنون البقر(17) وأزمة اللّحوم الهرمونية(18) وأخيرا النقاش الذي مازال قائما حول الأغذية المعدلة وراثيا(19)، الذين أسهموا في تبنّي مفهوم الحيطة والخطر المشبوه وانتقاله من مجال البيئة الى مجال الصحة والتغذية  .

الفرع الثاني: خصائص الخطر المشبوه

يتبيّن من استقراء مختلف النصوص أن الخطر المشبوه يتمثل في الآثار الاحتمالية الخطيرة على صحّة وأمن المستهلكين والبيئة، و اللاّرجعي بمعنى الغير قابلة للاسترداد والثابت عن طريق تقييم علمي وموضوعي دون أن يسمح هذا التقييم بالتحديد العلمي الدقيق أو التأكيد القطعي بتحققه والتي يمكن أن يتأتى من المنتوج أو من الخدمة. فمن الناحية العلمية يعتبر خطر غير متيقن منه علميا أما من الناحية الفعلية فهو خطر احتمالي .

* الخطر المشبوه خطر غير متيقّن منه علميا بمعنى أن المعطيات العلمية غير متوفرة بشكل كاف تسمح بالتثبت منه ، فالخطر غير ثابت لدى العلماء والخبراء بالنظر للمعارف العلمية التي هي بحوزتهم، فبالرغم من التقدم العلمي والتقني الهائل في أساليب الكشف عن المخاطر ، إلاّ انه يتعذر معرفة جميع التأثيرات الضارّة على الصحة والأمن ، كما أن عدم التيقن العلمي لا يعني أبدا عدم إمكانية إثبات الخطر المشبوه بل يتطلب الأمر إجراء المزيد من الأبحاث والتحاليل حول التأثيرات السلبية على الصحة و البيئة(20) .

من التعاريف السّابقة يستنتج أنّ الحيطة لم تظهر وفق مكتسبات علمية ، و إّنما بالعكس ظهرت بهدف محاولة سّد الفراغ لغياب الأمان العلمي و أنّ المبدأ في حّد ذاته دائما في تطوّر مستمر و محتواه سيتغيّر وفق التطوّرات العلمية المحقّقة، لذا وجوده وقتي و مهدّد بالزّوال بمجرد ما ينوب عن عدم اليقين " اليقين المطلق " حينئذ، علينا بالرجّوع إلى المثال التقليدي للوقاية.

* أنه خطر احتمالي potentiel RISQUE  بمعنى أنه يمثل أضرارا يتوقع حصولها ، فهي تتضمن كل المخاوف والتهديدات التي من الممكن أن تكون حقيقية أو من الممكن افتراض حدوثها كالأخطار الإيكولوجية التي تهدّد البيئة البشرية، أو المنتجات أو الخدمة لعدم سلامتهما الاستهلاكية.

إن احتمالية الخطر المشبوه تؤكّد أن مبدأ الحيطة يتضمن فعلا تصورا جديدا فيما يخص هذه الأخطار كالالتزام بأمن المنتجات الاستهلاكية ، ذلك أنه في إطار المفهوم التقليدي كان عدم إثبات الخطر يفسر مباشرة بغيـاب أي عيب يخص أمن المنتج وبالتالي التسليم بأمنه  للاستهلاك . لكن في إطـار مبدأ الحيطة فإنه يتوجب عكس ذلك ، إذ يجب إثبات عدم خطر المنتوج أو الخدمة المشبوهة وأن مجرد غياب الأدلة العلمية القاطعة بأمنه فيعد غير كاف لافتراض سلامته (21). 

* أن يكون الخطر المشبوه جسيما وغير قابل للإصلاح ولا للاسترداد:أغلب الّتعريفات توّفق بين معيار الخطورة و الاّرجعية الضرر. والّنصوص لا تقصّر بالتّذكير به  لكن من الملاحظ  أنّ مختلف الإعلانات ما بين الوزارية المتعلّقة بحماية بحر الشمال ، تكتفي بالنص بوجود ضرر محتمل ، دون ذكر أو تحديد طبيعتة (22). كما تشترط بعض التعّاريف، وجود ضرر خطير أو جسيم، فمثلا الأهمّية الأسّاسية للشروط المناخية لإبقاء الحياة على الأرض، تحث على اّتخاذ و بجدّية احتمال ارتفاع درجة حرارة المناخ و اتساع الاضطرابات الناجمة عن ذلك والتي توجب الدول إلى تبّني موقف حذر و فطن خوفا من حدوث خطر جسيم وغير قابل للإصلاح .

لذا صعوبة تقدير أهمّية و درجة آثار أي خطر، قد تتضاعف إذا ما أمكن لهذا الأخير الالتقاء بأخطار أخرى. ففي حالة بقاء أيّ تلوّث أو تغيير هامّ على البيئة والتقائه بأي حادث فجائي آخر ، قد يتخذ فجأة مدى غير منتظر.

المبحث الثاني: القيمة القانونية لمبدأ الحيطة

لا شك أن التساؤل عن القيمة القانونية للمبدأ هي بالضرورة التساؤل فيما إذا كان إلزاميا أو له قيمة القانون الوضعي، بمعنى تحديد مكانته ضمن سلسلة القواعد القانونية.فمن ناحية إلزاميته يتوجب تحديد ما إذا كان يشكل قاعدة قانونية يلتزم بها القاضي لتأسيس حكمه ، و كذا مكانته ضمن تدرج القواعد القانونية بالمقارنة مع المبادئ الأخرى المعترف بقيمتها القانونية .

المطلب الأول: مدى إلزامية مبدأ الحيطة في نصوص القانون الدولي

بالنظر إلى العديد من الاتفاقيات الدولية والمعاهدات نجدها تتضمن صيغ مرنة، لا تدل بشكل واضح على نيّة واضعها على التزام الأطراف بتطبيق المبدأ. ممّا يجعل منه مبدأ توجيهي لا أكثر للدول في سياساتها تجاه البيئة والصحة، لكونه لا يحدّد بدقّة الالتزامات الواجب القيام بها.

كما أن أغلبية المحّللين يؤكّدون على أنّ وجود مبدأ الحيطة في الديباجة مثلا، لا يكتسي نفس القيمة في حالة ما إذا أدرج في الالتزامات. غير أنه لا يعني أن مبدأ الحيطة مجرد من أية قيمة قانونية في القانون التعاهدي ، إذ توجد عدة اتفاقيات دولية تنصّ صراحة و بشكل دقيق، وبصيغة آمرة على وجوب تطبيقه دون حاجة إلى تدخل آليات تنفيذية(23) .

 الفرع الأول:الدّور المحتشم لمحكمة العدل الدّولية:رغم أن نصوص القانون الدولي تعترف نوعا ما بالقيمة القانونية للمبدأ إلاّ أنه ليس هناك ما يشير إلى أن المحاكم الدولية قبلت صراحة تطبيق المبدأ، حيث أنّ محكمة العدل الدّولية تطرّقت لهذه النقطة مرتين الأولـى في قضية التجـارب النووية (24)

و بعدها في قضية مشروع جابسيكوفو ناجيمارو (25). إذ أنها رفضت تماما التطرق لمسألة القيمة القانونية لمبدأ الحيطة.

الفرع الثاني :الموقف السلبي لهيئة تسوية الخلافات لمنضمة التجارة العالمية(26):عبّرت هذه الهيئة عن موقفها في قضية اللّحم الهرموني المقدّمة من طرف الولايات المتحدّة و كندا ، ضد قرار الحظر المّتخذ من طرف المجموعات الأوروبية المتعلق بالّلحوم ذات المصدر الحيواني المعالج بالهرمونات.

ففي الوقت الذي دفع فيه الاتحاد الأوروبي بأن مبدأ الحيطة أصبح قاعدة عرفية عامة للقانون الدولي اعتبرت الولايات المتحدة وكندا أنه لا يعد أبدا من قواعد القانون الدولي أو العرفي. و عليه اعتبرت هذه الهيئة أن مبدأ الحيطة مازال محل نقاش، كما اعتبرت أنه من غير الواضح قبول جميع أعضاء المنضمة بهذا المبدأ كمبدأ معترف به ضمن قواعد القانون الدولي.

المطلب الثاني: تكريس المبدأ في القوانين الإقليمية و الوطنية:

الفرع الأول  : تبنّي مبدأ الحيطة في أحكام محكمة العدل الأوروبية  تمّ إدراج مبدأ الحيطة في قانون الجماعة الأوروبية عن طريق معاهدة الوحدة الأوربية الموّقع عليها بماستريتش ، في 7 فبراير 1992(27) من خلال المادة 130 فقرة 02  و التي أصبحت منصوص عليها في المادة  174 من معاهدة أمستردام المؤرخة في 20 اكتوبر1997 (28).لقد لجأت صراحة إلى تبنّي المبدأ في العديد من القضايا كقضية مرض جنون البقر، واعتبرت أن مبدأ الحيطة يعدّ مبدءا عاما للقانون قابل للتطبيق المباشر حتى دون الاستناد إلى أي نص صريح يفرض تطبيقه. 

الفرع الثاني : القوانين الوطنية ومبدأ الحيطة : لقد تبنّت معظم الدول مبدأ الحيطة في مجال حماية المستهلكين والصحة العمومية والبيئة من الأخطار المشبوهة ، فبالنسبة لألمانيا وبلجيكا فإن مبدأ الحيطة ارتبط بالأحكام الدستورية المتعلقة بحماية الصحة العمومية والبيئة، أما بالنسبة لفرنسا فقد أدرج المبدأ صراحة في قانون  بارنييه  لسنة 1995  المادة ل . 1-200   من القانون رقم 95   -101  لفيفري 1995، الذي عزز حماية البيئة والذي تضمن مبدأ الحيطة في قانونه الداخلي كما تم تسجيله في ميثاق دستور البيئة ، وقد استخدم كذلك في منع وتعليق أي تصريح لزراعة الذرة المعدلة وراثيا ما لم تكن مبررة من قبل الوزير المكلف بالزراعة .وبالتـالي تم تثبيت مبدأ الحيطة (المادة 5) إلى أعلى مستوى من التسلسل الهرمي للقواعد القانونية.

* دستورية الحيطة في مجال البيئة في القانون الجزائري: تجدر الإشارة إلى أن القانون الجزائري يطبق مبدأ الحيطة في مجال حماية البيئة، ولكنه لا يشير صراحة له في مجال حماية المستهلك كما سنرى.

ففي مجال حماية البيئة  تم النص عليه صراحة بموجب القانون رقم 03/10 المؤرخ في 19 جمادى الأول عام 1424 الموافق 19 يوليو 2003 والمتعلق بحماية البيئة في إطار التنمية المستدامة (29).

هذا القانون الذي  سعى إلى حماية البيئة باختلاف جوانبها وأوضاعها حيث حدّد في مادته الثالثة من الباب الأول المعنون بأحكام عامة،المبادئ العامة التي تؤسّس هذا القانون والتي ذكرت في فقرتها السادسة صراحة مبدأ الحيطة ، كما تضمنت المادة الثامنة من القانون رقم 04-20 المتعلق بالوقاية من الأخطار الكبرى وتسيير الكوارث في إطار التنمية المستدامة مبدأ الحيطة تحت عنوان مبدأ الحذر والحيطة، حيث أن كلا النصّين سايرا المشرع الفرنسي في تعريفه للحيطة على أن"لا يكون عدم التأكد بسبب عدم توفر المعارف العلمية والتقنية حاليا سببا في تأخير اعتماد تدابير فعلية ومتناسبة ترمي إلى الوقاية من أي خطر يتهدد الممتلكات والأشخاص والبيئة على العموم بتكلفة مقبولة من الناحية الاقتصادية "(30) .أما في مجال حماية المستهلك(31)، لم يرد نص صريح بتبنيه هذا المبدأ. ولكن بعد التصفح للنصوص القانونية والتنظيمية بهذا المجال، نجدها أشارت إلى فكرة الخطر المشبوه بمفهومه وخصائصه التي نص عليها هذا الأخير. سواء تعلقت بالنصوص العامة التي تخص الوقاية من أخطار كل المنتجات مهما كان نوعها،أو تعلقت بالنصوص الخاصة بالوقاية من أخطار منتجات أو خدمات معينة .

وفي النصوص المتضمنة القواعد الخاصة بكل المنتجات والخدمات : نصت المادة الثانية من قانون 89-02 المؤرخ في 1989الملغى بنص المادة 94 من القانون 09/03 المتعلق بحماية المستهلك وقمع الغش  على الالتزام بالأمن المهني كما يلي " كل منتوج سواء كان شيئا ماديا أو خدمة مهما كانت طبيعته يجب أن يتوفر على ضمانات ضد كل المخاطر التي من شانها أن تمس بصحة المستهلك".وبالتالي نجد آن عبارة كل المخاطر تشمل كافة الأخطار سواء التي تم التأكد علميا منها أو التي يشتبه في إلحاقها ضررا بالمستهلك .كما أورد الفصل الأول من الباب الرابع من القانون 09/03 المتعلق بحماية المستهلك وقمع الغش تحت عنوان : التدابير التحفظية ومبدأ الاحتياط .وكذلك نجده ينص عن ذلك في المرسوم التنفيذي 90-39 المؤرخ في 30 جانفي 1990 والمتعلق بمراقبة الجودة وقمع الغش (32) على" يمكن تطبيق السحب المؤقت على صنف من الخدمات أو المنتجات التي أثارت فعلا شكوكا لدى أعوان الرقابة أثناء الفحص ".

أما في النصوص المتضمنة القواعد الخاصة بمنتجات و خدمات معينة: فإن المبدأ ارتبط بمنتجات جد معقدة علميا في إنتاجها وتركيبها، وبمجالات حساسة بالنسبة للصحة والأمن. كالأدوية(33)، والصحة النباتية(34) والبيطرية( الحيوانية )(35).كل نصوصها تضمنت الإشارة الصريحة لفكرة الخطر المشبوه وبالتالي إلى تطبيق مبدأ الحيطة.

 يتبيّن إذن رغبة المشرع الجزائري في تبنّي الفكرة الجوهرية لهذا المبدأ، بدليل تضمين هذا القانون المتعلق بحماية المستهلك فصلا خاصا تحت عنوان " التدابير التحفظية ومبدأ الحيطة".

المبحث الثالث :مدى تأثير مبدأ الحيطة على قواعد المسؤولية المدنية

إن المسؤولية المدنية بوصفها أداة فعالة لجبر الأضرار اللاّحقة  انتقلت في الآونة الأخيرة إلى مرحلة درأ الخطر قبل حدوث الضرر أي اتخاذ تدابير استباقية  mesures anticipativesحيث أن مبدأ الحيطة أصبح الدافع الأساسي لتحريك هاته المسؤولية ،علما أن المسؤولية المدنية للمهني لا تزال تخضع بشكل كلي تقريبا لمبدأ الوقاية، إذ أن المحاكم لا تدين للمحترف إلا إذا تعلق الأمر بأخطار مؤكّدة للمطالبة بإصلاح الأضرار، غير أن الفقه يحاول دراسة التأثيرات التي يمكن أن يحدثها المبدأ على نضم المسؤولية المدنية سواء التقليدية أو الحديثة(36).

 

المطلب الأول : تأثيرات مبدأ الحيطة في إطارا لنظم التقليدية للمسؤولية المدنية :

الفرع الأول : تطبيق مبدأ الحيطة في إطار المسؤولية الخطئية: تقوم هذه المسؤولية على ثلاثة عناصر وهي الخطأ، الضرر وعلاقة السببية بينهما، وبتالي هذا النظام يتعارض كليا مع مبدأ الحيطة، بسبب طبيعة الأضرار القابلة للتعويض على أساس أنها تتوجب أن يكون الضرر ثابتا و مباشرا وشخصيا، في حين أن مبدأ الحيطة يتعلق بأخطار مجهولة، واحتمالية  وغير متيقن منها علميا.كما أنه في إطار المسؤولية الخطئية يتوجب أن تكون علاقة السببية ثابتة ومقيّمة علميا، في حين أن مبدأ الحيطة يتصف بغياب التأكيد العلمي لعلاقة السببية، رغم ذلك لا يعني انتفاء كل تأثير له على هذا النوع من المسؤولية. معظم الفقهاء يعتبر أن مبدأ الحيطة وسع من مفهوم الخطأ ،وأن تطبيقه يؤدي إلى فرض التزامات جديدة على المهني ، كالالتزام بالتبصر واليقظة، حيث أنه حسب المفهوم التقليدي لهذا الالتزام كان يشترط تفادي تعريض الغير للأخطار المعروفة والثابت ضررها،ولكن بتدخل مبدأ الحيطة فانه امتد ليشمل الأخطار الاحتمالية والمشكوك فيها والغير مؤكدة.

 كما أن مبدأ الحيطة أثر بطريقة مباشرة على الالتزام بالإعلام بدليل النصوص القانونية والتنظيمية الخاصة بوسم الأغذية المحتوية على عضويات معدلة وراثيا أو على مضافات غذائية.و المرسوم التنفيذي (37)92-286 المتعلق بالإعلام الطبي والعلمي الخاص بالمنتجات الصيدلانية المستعملة في الطب البشري(38)،وبالتالي لم يعد هذا الالتزام يقتصر على العلاقة بين المهني المحترف والمستهلك بل توسع ليشمل كل من يتعرض للخطر أو يمكنه التعرف عليه.

كما فرض مبدأ الحيطة التزاما آخر وهو التزام المتابعة(39) حيث لا يمكن للمهني الاستناد إلى الإعفاء من المسؤولية بسبب  أخطار التطور(40) ، فهو بذلك قد شدّد في التزامات المهني التي تؤدي إلى تغطية ليس فقط الأخطار المشبوهة ، وإنما أيضا أخطار التطور التي كانت تعفيه تقليديا من المسؤولية .

الفرع الثاني تأثير مبدأ الحيطة على قواعد المسؤولية الموضوعية : تقوم هذه النظرية على أساس تحمل كل شخص مخاطر الأشياء والأنشطة المسئول عنها دون النظر فيما إذا ارتكب خطأ أم لا ولذلك تسمى هذه النظرية بنظرية تحمل التبعة أو نظرية المخاطر، فيكفي للمضرور إثبات العلاقة بين المنتوج أو الخدمة المعيبة والضرر. بمعنى أنها تقوم على أساس موضوعي ، غير أن هاته المسؤولية وإن لم تشترط إثبات الخطأ إلا أنها توجب إثبات الضرر.فمجرد تعريض الغير للخطر لا يكفي لانعقاد المسؤولية والمطالبة بالتعويض بل يجب حصول ضرر ثابت ومؤكّد .

إن القاسم المشترك بين مبدأ الحيطة ونظام المسؤولية الموضوعية هو لفظ الخطر ، الذي أدى فعلا إلى عدة تأثيرات لمبدأ الحيطة على نظام هذه المسؤولية  ، والذي تمثل أساسا في التقليص من حالات إعفاء المهنيين من المسؤولية. منها التفسير الضيق لعدم التوقع(41)، وكذلك لمفهوم أخطار التطور . رغم هذا التفسير الضيق لأخطار التطور إلا أن ضرورة الحيطة في المجتمعات المتقدمة توجب أن يبقى شرط الإعفاء من المسؤولية عن هذه الأخطار حتى لا يتم الكبح الكلي للاختراعات .

المطلب الثاني : تطبيق مبدأ الحيطة في إطارا لنظام الحديث للمسؤولية المدنية :

 إن الكثير من الفقه يرى أن وظيفة المسؤولية المدنية لا يجب أن تقتصر على تغطية الأضرار السابقة ، وإنما يجب أن تعمل على إلغاء الأخطار المستقبلية، أي يجب أن تتطور وظيفة المسؤولية المدنية من الوظيفة التصليحية أو التعويضية إلى الوظيفة الوقائية الاحتياطية ، وعليه وجب توسيع مفهوم الأضرار القابلة للتعويض، بأن يفرض على القاضي الاكتفاء فقط بوجود تهديد بوقوع مخاطر من دون إثبات الضرر. أي بمعنى تمديد إمكانية لقاضي الموضوع من اجل فرض تدابير تحفضية بدون اشتراط حالة الاستعجال ولا حتى الطابع الوشيك لحصول الضرر .

الخاتمة :

     لم يعد الاتفاق حول تدهور حالة البيئة بكافة عناصرها و تعرضها لأخطار جسيمة تتزايد حدّتها يوما بعد يوم لجدل او مناقشات في الدول النامية او المتقدّمة سواء على المستوى الفقهي او الرسمي ، فلقد بات الجميع مدركا لما تسبّبه الأنشطة الانسانية في مختلف المجالات ، من اضرارا بيئية او ومتعلقة بالصحة الانسانية اضرار تستعصى على المقاومة و قد يتعذر احيانا اصلاحها

ولم يكن من شأن هذا الاتفاق أن هيّأ على الرغم من ذلك لتوافق آخر بين مختلف الدول حول ضرورة اتخاذ الاجراءات و التدابير اللاّزمة لمنع تدهور حالة البيئة ، ليس فقط الاضرار البيئية التي تؤكّد المعرفة العلمية القائمة وقوعها بسبب اقامة النشاط المعني ، وإنما أيضا الاضرار البيئية الجسيمة التي يثور شك حول وقوعها دون ان يتوافر دليل علمي يقيني يؤكّد ذلك .

و الواقع فانه يمكن استخلاص مجموعة من النتائج حول مبدأ الحيطة:  

    تكشف الدراسة الحالية على أن مبدأ الحيطة يرتكز أساسا على مسؤولية الفرد لاستباق وتوقع المخاطر التي لا يزال من المستحيل التحقّق منها في الوقت الحاضر والتي من المرجّح أن تسبّب إصابات خطيرة وواسعة النطاق في المستقبل،وهو الذي يقابل عادة الأحداث التي لا يمكن ترجيحها probabilisé، وأن العواقب المحتملة لهذه الأحداث جدّ مهمة وغالبا ما تقع أثارها على الصحة أو الحياة البشرية أوعلى البيئة. وأن تكون من الجسامة بمكان وغير قابلة للاسترداد، بل تكون أخطر من مخاطر الأزمات اقتصادية.

   إذا كانت الوقاية تشكل شكلا من أشكال إدارة المخاطر المؤكّدة، هدفها الحكمة في إدارة المخاطر المؤكّدة وقائمة على التكلفة، فإن الحيطة تقوم على أساس الأخطار المشبوهة ، وكذا على اساس عدم اليقين العلمي و الخوف وتعدّ بأكثر أو بأقل من" صفر خطر".

   وهذا ما يجرنا الى تحديد شروط مبدأ الحيطة و هي ان يكون الخطر مشبوها ، بمعنى وجود شك حول امكانية تسبيب نشاط انساني ما لأضرار بيئية او صحيّة ، وعجز المعرفة العلمية القائمـة عن تأكيد هذا الشك او نفيه ، ومن جهة اخرى لا بدّ من اجراء دراسـات لتقييم اثر النشاط المقترح على البيئة بحيث لا يرخّص بتطبيق المبدأ إلاّ اذا برهنت الدراسات على ان اقامة هذا النشاط يشكل خطرا  ينذر حال وقوعه بحدوث اضرار بيئية جسيمة لا يمكن مقاومتها .  

   و على الرغم من تزايد عدد الاتفاقيات الدولية التي تنص على مبدأ الحيطة ، إلاّ أن القيمة القانونية له تتباين من اتفاقية الى اخرى وفقا للصيّاغة الممنوحة له ، فإذا كان البعض يمنحه صياغة واضحة و محدّدة تجعله ينتج آثار قانونية في مواجهة الدول ،فإن البعض الآخر يتعمد النص عليه في صياغة  فضفاضة غير حاسمة تخفي خلفها رغبة المتعاهدين في عدم الالتزام  بتعهدات محدّدة .

   و قد عرضت من خلال الدراسة الحالية للخلاف القائم في الفقه حول  ما اذا كان مبدأ الحيطة قاعدة قانونية دولية ذات مصدر عرفي ، وانتهيت في هذا الشأن الى انه اذا كان المبدأ يتمتع في اطار القانون الاأوروبي للبيئة بقيمة عرفية ، فإنه لا يعتبر كذلك في اطار القانون الدولي العام للبيئة .

   و كشفت الدراسة ايضا عن تردّد القضاء الدولي في ابداء رأيه في مسالة القيمة القانونية لمبدأ الحيطة ، فقد رفضت محكمة العدل الدولية بمناسبة قضية التجارب النووية الثانية علم 1995 بين نيوزلندا و فرنسا ، و قضية مشروع جابسيكوفو ناجيمارو لسنة 1997 بين المجر و سلوفاكيا.

   كما ان جهاز تسوية المنازعات التابع لمنظمة التجارة العالمية قد رفض هو الآخر ابداء رأيه في مسألة القيمة القانونية لمبدأ الحيطة، على الرغم من تمسك الجماعات الاوروبية بالمبدأ امامه بمناسبة قضية " الهرمونات" لتبرير التدابير التي اتخذتها لمواجهة المنتجات الامريكية و الكندية .      

   كما كشفت الدراسة ايضا على ان مبدأ الحيطة تم تكريسه في القوانين الداخلية من بينها القانون الجزائري اذ تمّ النص عليه صراحة في مجال حماية البيئة، بموجب القانون رقم 03/10 المؤرخ في 19جمادى الأول عام 1424 الموافق 19 يوليو 2003 والمتعلق بحماية البيئة في إطار التنمية المستدامة وكدا القانون 09/03 الفصل الأول من الباب الرابع تحت عنوان : التدابير التحفظية ومبدأ الاحتياط.

   وأخيرا انعكس مبدأ الحيطة على قواعد المسؤولية المدنية حيث وسّع  من مفهوم الأضرار القابلة للتعويض، إذ لايجب أن تقتصر على تغطية الأضرار السابقة ، وإنما يجب أن تعمل على إلغاء الأخطار المستقبلية من دون إثبات الضرر. أي بمعنى تمديد إمكانية لقاضي الموضوع من اجل فرض تدابير تحفظية بدون اشتراط حالة الاستعجال ولا حتى الطابع الوشيك لحصول الضرر .

 المراجع:

(1) P. MARTIN - BIDOU, « le principe de précaution en droit international de l’environnement », RGDIP, octobre – décembre – 1999 – N°3, p.633.

 (2)N. de SADELEER , Les principes de pollueur-payeur , de prévention et de précaution, Essai sur la genèse et la portée juridique de quelques principes du droit de l’environnement, Bruylant, Bruxelles, Universités-Francophones,-1999,p.21 .

(3) P. MARTIN - BIDOU, op.cit, p. 633.

 (4)P-M. DUPUY, Droit International Public, 4° édition, Dalloz, Paris, 1998 p. 101.

 (5)Le principe de précaution , La commission mondiale d’éthique des connaissances scientifiques et des technologies (COMEST) , Publié en 2005 par l’Organisation des Nations Unies pour l’éducation, la science et la culture , p7.1-1.

6)) Déclaration de Rio sur l’environnement et le :développement ( annexe 1) . Rapport de la conférence des nations unies sur l’environnement et le développement Rio de Janeiro 3-14 juin 1992, Volume 1 . Résolutions adoptées par la conférence. Nations Unies. New York 1993 pp.

(7)Agenda 21 , Rapport de la conférence des nations unies sur l’environnement et le , Rio de Janeiro 3 -14 juin 1992, volume 1, anexe2 résolutions adoptées par la développement .p.245 ; conférence, NU, New York 1993 septièmes, rencontres Internationales D’AIX en Provence, paris, A ,Pedone 1999, pp.69-77 .

- M PRIEUR, droit de l'environnement 3° Edition, Dalloz, 19996, p.18.

(8) راجع الاتفاقية الدولية بشان التنوع البيولوجي الموقعة بريو ديجانيرو في 05 جوان 1992.

(9) راجع اتفاقية باريس حول حماية الوسط البحري لشمال غرب الأطلسي الموقعة في سنة 1992 .

(10) راجع اتفاقية باماكو المتعلقة بمنع استيراد النفايات الخطيرة ومراقبة حركتها عبر الحدود الموقعة سنة 1991.

(11) راجع الاتفاقية الإطارية للأمم المتحدة حول التغيرات المناخية الموقعة سنة 1992.

(12) راجع البرتوكول المتعلق بالمواد المسببة لإهتلاك طبقة الأوزون الموقع سنة 1990.

.1) N. de SADELEER, op.cit ,p.2113)

(14) La Loi no 95-101 du 2 février 1995 relative au renforcement de la protection de l'environnement, dite Loi Barnier  est une loi française qui renforce la protection de l'environnement. Elle institue les principes généraux du droit de l'environnement et une série de nouvelles exigences.

 - Journal officiel de la république française du 03 février 1995 , p . 1840.

-  R.ROMI, droit et administration de l’environnement, 3e Edition , Montchrestien , 1999,p.18.

(15) Code de l’environnement art. L110-1. 

(16) N.de SADELEER. Op.cit, p. 167.                              

(17) مرض جنون البقر، نشرة صادرة عن المعهد الوطني للطب البيطري، وزارة الفلاحة 1998.

- لقد تم اكتشاف ذلك عندما ظهرت في سنة 1994 حالات عديدة الأبقار مصابة بالمرض بعد إعمال حضر استخدام العلف الحيواني في تغذية الحيوانات، حيث تم اكتشاف الإصابة بالمرض عند حيوانات أخرى كالقطط والفئران وتخوف من احتمال انتقالها للإنسان.

- قرار الّجنة الأوروبية بحضر استيراد الأبقار وباقي المنتجات من بريطانيا في 27 مارس 1996.

(18) رفض الاتحاد الأوروبي رفضا قاطعا استعمال الهرمون المحفزة للنمو بغرض مضاعفة إنتاج اللحوم ، وبرر رفضه للضرورة الملحة لحماية صحة المستهلكين من الأخطار المحتملة  في بقاء البقايا الهرمونية في جسم الإنسان مما تتسبب في الإصابة  بالسرطان.

- تم اتخاذ هذا القرار سنة 1985 ودخل حيز التنفيذ في 1989. 

(19)directive 2001/18/ce du parlement européen et du conseil relative a la dissémination volontaire d’organisme génétiquement modifies dans environnement ; joce n 106 du 17/04/2001.

 (20)P. Martin , Environnement et Principe de précaution ; RGDIP ; VOL.103 ; N3 ; JUILLET 1999, P.646.

21-N. Bacahnd , le principe de précaution dans le cadre de la réglementation relative aux alimentations issus  de la biotechnologie et du commerce  international, disponible sur www. Biod.org"   l absence de risque devrait clairement prouvée ; et la simple absence de preuve de risque ne devrait pas suffire "

(22)"خطر جسيم و لا سبيل إلى عكس اتجاهه" هي العبارة الأكثر استعمالا.يمكن ذكر على سبيل المثال المبدأ 15 لإعلان ريو.هناك أيضا عبارات أخرى مثل "تهديدات بحدوث ضرر جسيم أو غير قابل للإصلاح" (المادة 3/ 2 من اتفاقية تغيير المناخ )"تهديد بحدوث انخفاض أو خسارة شديدة للتنوع البيولوجي" (اتفاقية التنوع البيولوجي الفقرة التاسعة من الديباجة).

(23) كالاتفاقيات المتعلقة بحماية الوسط البحري ،كاتفاقية برشلونة حول حماية البحر الأبيض المتوسط ،التي تنص مادتها 04 " على أن الدول تطبق مبدأ الحيطة ".وكذا اتفاقية حماية الوسط البحري الأطلسي التي تنص مادتها 02على"أن الدول تلتزم بتطبيق مبدأ الحيطة".

  (24)Demande d’examen de la situation au titre du paragraphe 63 de l’arrêt rendu par la cour le 20 décembr 1974 dans l’affaire des essais nucléaires ( Nouvelle - Zélande c France ) , Ordonnance du 22 septembre 1995 . cour International de justice. Cercueil des arrêts avis consultatifs et ordonnance.

Cij, 22sep1995.nouvelle .Zélande c /France, Rec.cij 1995, p.288/289.

(25) cij, 22 sep1997. Hongrie c/ slovaquie.rec cij 1997 p.7, spé.140  "la cour ne perd pas de vue que la vigilance et la prévention en raison du caractère souvent irréversible des dommages causés a

l environnement et des limites au mécanisme de réparation de ce type de dommage.

(26) P. Kourilsky et G. Viney (dir.), « Le principe de précaution : rapport au Premier Ministre », Paris, Éditions Odile Jacob, La Documentation française, 2000. p .127.

 (27)Le traité sur l'Union européenne (TUE), aussi appelé traité de Maastricht, est le traité constitutif de l'Union européenne. Il affirme les objectifs de l'Union, définit les trois « piliers » de son action et donne un cadre institutionnel au Conseil européen ainsi qu'à la procédure de coopération renforcée. Les autres institutions et règles communautaires relèvent du traité sur le fonctionnement de l'Union européenne ou traité de Rome modifié notamment par le traité de Lisbonne.    

 (28) Ph. Kourilsky, G. Viney, op.cit, p.259.

(29) القانون رقم 03-10 المؤرخ في 19 يوليو 2003 الخاص بحماية البيئة. الجريدة الرسمية.العدد 43-2003 الذي جاء استخلافا للقانون السابق رقم 03- 83 المؤرخ في 5 فبراير 1983 الخاص بحماية البيئة، الجريدة الرسمية العدد 6.

(30) الفقرة 06 من المادة 03 " مبدأ الحيطة الذي يجب بمقتضاه، ألاّ يكون عدم توفر التقنيات نظرا للمعارف العلمية و التقنية الحالية، سببا في تأخير اتخاذ التدابير الفعلية و المتناسبة، للوقاية من خطر الأضرار الجسيمة المضرة بالبيئة، و يكون ذلك بتكلفة اقتصادية مقبولة ".

- القانون رقم 04-02 المؤرخ في 13 ذي القعدة عام 1425 الموافق ل 25 ديسمبر 2004 المتعلق بالوقاية من الأخطار الكبرى وتسيير الكوارث في إطار التنمية المستدامة.

(31) يتعلق الأمر بقانون 89-02 المؤرخ في فبراير 1989 المتعلق بالقواعد العامة لحماية المستهلك الملغى بالقانون 09/03 المتعلق بحماية المستهلك وقمع الغش ، ج.ر المؤرخة في 28 فبراير 1989 العدد 06، ص.154.

(32) انظر ج.ر المؤرخة في 31 جانفي 1990 العدد 05،ص.202.

(33) نصّت المادة 35 من المرسوم التنفيذي 92-284 المؤرخ في 06 جويلية 1992 المتعلق بتسجيل المنتجات الصيدلانية على أنه يمكن للوزير المكلف بالصحة آن يتخذ على سبيل التحفظ أي إجراء بتوقيف تسويق المنتج..."

(34) انظر ج.ر المؤرخة في 05 أوت 1987 العدد 04 ص.1228.

(35) انظر ج.ر المؤرخة في27 جانفي 1988 العدد 04،ص.124.

(36) يجب الإشارة إلى أن مبدأ الحيطة لم يتم الاعتراف به من قبل جهات القضاء العادي كأساس للمسؤولية المدنية، الأمر الذي يطرح تساؤل حول مستقبل المبدأ في إطار القانون الخاص .

- Ph. Kourilsky, G. Viney, op.cit, p .80.

(37) انظر ج.ر المؤرخة في26 جويلية 1992 العدد 53، ص.1472.العدد 04،ص.124.

(38) تنص المادة 04 على أن" الإعلام الطبي والعلمي الخاص بالمنتجات الصيدلانية تتولاه الجهات التالية: صانعوا ومستوردو المنتجات الصيدلانية، الشركات المتخصصة في الترويج الطبي، المؤسسات العمومية التي ترتبط مهامها بالصحة العمومية....".

(39( تم النص على الالتزام بالمتابعة في المادتين 02 و03 من التوجيه الأوروبي المؤرخ في 29 جوان 1992 المتعلق بأمن المنتجات

(40) تنص المادة 12-1386 فقرة 02 من القانون المدني الفرنسي على " أن المحترف لا يمكنه الاستناد إلى أحكام الإعفاء من المسؤولية عن أخطار التطور إذا تبين انه عند ظهور الخطر لم يقم باتخاذ الإجراءات الخاصة لتفادي الأضرار ".

(41) – P.Bechamann et V. Mansury , le principe de précaution , op .cit.p.103.