June 2016
S M T W T F S
1 2 3 4
5 6 7 8 9 10 11
12 13 14 15 16 17 18
19 20 21 22 23 24 25
26 27 28 29 30

 

تأثير استعمال التقنيات الحديثة في تحقيق الأمن القانوني

 

د.كريم كريمة

 كلية الحقوق و العلوم السياسية

 جامعة جيلالي ليابس سيدي بلعباس

This email address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it.

 

المقـدمـة

      التقدم العلمي و التكنولوجي في العصر الحديث يفتح آفاقا ضخمة أمام تقدم البشرية و تحقيق مستوى أفضل من الحياة، لكن يحمل في نفس الوقت بين طياته مخاطر ضخمة تهدد قيم و حقوق و أمن الأفراد و الجماعة. و نتيجة لذلك فقد بدت الحاجة ماسة لمواجهة تلك المخاطر و التغيرات، و لعل أول التطلعات في هذا المجال كانت نحو القانون الذي يعد أقدس مهامه وضع الصيغ الملائمة للإستفادة من التقدم العلمي، دون المساس بالقيم و الحقوق و الحريات الأساسية للافراد، و من هذا كانت أهمية وجود الضوابط القانونية التي يعمل في إطارها التطور التكنولوجي و بدون هذه الضوابط يصبح التقدم العلمي طامة كبرى على المجتمع و حقوق و أمن المواطنين[1].

      يعد الأمن أو الإستقرار القانوني la sécurité juridique من العناصر المكونة للأمن ككل " la sureté" [2]فهو من ملامح دولة القانون , و على الرغم من ذلك فانه لم يتم النص عليه صراحة في الدسنور أو النصوص التشريعية إلا في بعض الدول[3]، مما يظهر معه صعوبة بل و استحالة في تحديد تعريف مثالي للأمن و الاستقرار القانوني. و لكن يمكن تقديم محاولات لذلك، فقد يفهم على "أنه القضاء على إلتجاء كل فرد إلى اقتضاء حقه بنفسه بالقوة," أو"يعني في حقيقة الأمر أن تكون القواعد القانونية مؤكدة و محددة في تنظيمها للمراكز القانونية أو تضمن تأمين النتائج بحيث أن كل فرد يستطيع أن يتوقع هذه النتائج و يعتمد عليها بأن يتوقع مقدما نتائج تصرفاته من حيث ماله و ما عليه، فالأمن القانوني يؤدي إلى امكانية توقع الأفراد لنتائج أفعالهم سلفا"[4]. فالأمن القانوني مرتبط بإمكانية التنبؤ بالقانون لأن القواعد القانونية تحكم التصرفات المستفبلية قذلك يمكن الأشخاص من التنبؤ بالآثار القانونية لتصرفاتهم و أعمالهم ليمكنهم من الإحتياط و الوقاية، بالتالي فهم و استيعاب النصوص بعد نشرها و احترام الاجراءات و الشكليات عند التجائهم للقضاء حماية لحقوقهم و مراكزهم القانونية[5]

      تتعدد العوامل التي تحقق شفافية مبدأ الأمن و الإستقرار القانوني أهمها الفصل بين السلطات، استقلالية القضاء و عدم قابلية عزله، حجية الشيء المقضي فيهن الإلتزام بتسبيب الأحكام[6]، كما تتعدد آليات تحقيق الأمن و الإستقرار القانوني بإختلاف الدول و الأنظة القانونية، لكن يمكن تقسيمها إلى نوعين من الآليات القانونية التي تستخدمها الأنظمة الوضعية لتحقيق ذلك المبدأ و هي[7]: أليات قانونية متعلقة بتكوين القانون و أخرى متعلقة بالنظم القانونية. تتعلق الأولى أساسا بجوهر النظام القانوني ذاته كاعتبار التشريع المصدر الرسمي الأول للقانون، استخدام منهج الصياغة الجامدة، مع اتساع نطاف الفواعد الآمرة، مبدأ عدم رجعية القانون، قاعدة عدم جواز الإعتذار يجهل القانون، أما الثانية فتتمثل في النظم القانونية كالتقادم، القرائن القانونية، مبدأ حجة الأمر المقضي فيه، نظرية الوضع الظاهر و الشكلية.

      و باعتبار الأمن أو الاستقرار القانوني يعد من أهم شروط وصف القانون يسمح بتحقيق و بشكل فاعل و دائم و مستمر مراضيع القانون، فهل لسيطرة استعمال التقنيات و التكنولوجيات الحديثة في كل مجالات الحياة من طرف الشخص تأثير في تحقيق ذلك الأمن القانوني ؟ و هل يؤدي ذلك لاعتبار القوانين أكثر تقنية مادام إخضاع السلوك البشري للنظام و للقانون لا ينفصل عما هو واقعي حقيقي؟ أم لا بد من بقاء القوانين محايدة من الناحية الثقنية؟ و هل هذه السيطرة ستساعد أكثر على تحقيق فكرة علم الأفراد بالقانون و بالتالي نفاذه و تطبيقه عليهم دون أن يتمكنوا من الإعتذار بجهله؟

    و من أجل تحديد أثر تكنولوجبات المعلوماتية و الثقنات الحديثة على تحقيق الأمن القانوني و تدعيمه سيتم التركيز على آلياين فقط: الأولى مرتبطة بنكوين القانون و الأمر يتعلق بقاعدة عدم جواز الإعتدار بجهل القانون، و الثانية مرتبطة بالنظم القانونية و الأمر يتعلق بالكتابة التي أصبحت تعتمد على المعلوماتية, و ذلك بعد تحديد تأثير التكنولوجا و التقنية على وظيفة القانون و رجل القانون ككل.

 المبجث الأول:تأثير التقنيات الحديثة في تغيير وظيفة القانون و المختصين فيه:

       باعتبار العصر الحالي عصر التقنية و التكنولوجيا و باعتبار القانون مرآة عصره فلقد تأثر هو أيضا بزخم و وهج التكنولوجيا، و هو ما دفع إلى توصيفه بعبارة" نتكنولوجيا القانون"، أو ثقننة أو مكننة القانون"، فقد كان من نتائج هذا التفكير بروز فروع جديدة للقانون تتجاوز عتبة التقسيم التقليدي للقانون- عام و خاص- إلى عتبة التقسيم الثقني للقانون كقانون التهيئة و التعمير، الصحة، النقل،المرور، المصرفين، حماية المستهلك، المنافسة، التأمينن، الجبائي، البيئي، التقييس، الملكية الفكرية[8]، مع ظخور قانون المعاملات الإلكترونية أو التجارة الإلكترونية...

 المطلب الأول: توجه القانون نحو التقنية- تقننة القانون-

     أصبحت القواعد القانونية نتيجة التطورات التكنوبوجية، قواعد تقنية تتجاوز النظرة التفليديية للقانون من حيث كونها آمرة و مكملة. و حتى مصدر إلزامها هي القوانين التقنية التي تحكمها كقوانين الفيزياء أو الهندسة[9]، كما قد تراجعت مجالات تطبيق القوانين الكلاسيكية كالقانون المدني لفائدة القوانين الثقنية كما هو الشأن بخصوص تقننة العقد بأن أصبح عقدا إلكترونيا و تقننة قانون الشركات بظهور الشركات الافتراضية، بل و حتى مجال القانون الدستوري و الإداري لم يسلم من هذا التأثير بظهور الحكومة الالكترونية و الانتخاب الالكتروني و القرار و العقد الإداري الإلكتروني، و أيضا قانون العقوبات تدخل لتجريم و معاقبة أفعال مرتبطة اساسا باستعمال التكنولوجيات أو ما يعرف بالجرائم المعلوماتية...........، ليصبح القانون لا يكتشف الواقع مثلما تعتقد النظرية الكلاسيكية للقانون بل تبدعه، و يتحول من غاية اجتماعية إلى مجرد وسيلة عمل أو قاعدة عمل يوفر حكمها تقنين التقنية في حد ذاتها من حيث كونها وقائع نافعة أو ضارة