June 2016
S M T W T F S
1 2 3 4
5 6 7 8 9 10 11
12 13 14 15 16 17 18
19 20 21 22 23 24 25
26 27 28 29 30

التفرقة بين الأثر الرجعي للقانون ورجعية الاجتهاد القضائي

 صاري نوال

كلية الحقوق والعلوم السياسية

سيدي بلعباس

 

يوجد وراء كل قاعدة قانونية، اعتبارات تتحكم بوضعها. ويُعد الأمن القانوني أحد هذه الاعتبارات المرعية. وبموجبه يتعين أن نضمن للأشخاص ومراكزهم القانونية، حدا أدنى من الاستقرار والثبات. فهل هذا الاعتبار مرعي في كل القواعد القانونية أم أنه من بين الاعتبارات المتعددة، قد يحدث أحيانا أن يتفوق الأمن القانوني وأحيانا أخرى تتفوق الاعتبارات الأخرى: كاعتباري العدل والتطور؟

وتُعد قاعدة عدم رجعية القوانين أحد القواعد العامة التي يُضرب بها المثل فيما يخص مراعاة المشرع لحاجة الأمن القانوني: لأن التشريع يتأثر بعامل الزمن، فيجب حماية الأوضاع والمراكز القانونية الناشئة. على أنه يجوز للمشرع أن يخرج عن هذه القاعدة ويجعل للقوانين أثرا رجعيا في حالات معينة. وهذا "الأثر الرجعي للقانون" هو غير عادي، لأنه يمس باعتبار الأمن القانوني ويهدده. ولأن القاضي يرتبط بالقانون، فهو من يفسره ويشرحه، كانت رجعية الاجتهاد القضائي هي الأصل، لأنها تستجيب للحاجة الأساسية المتمثلة في تطور القانون وتكيفه مع الحالات الواقعية المستجدة.

هكذا من خلال إبراز الفرق بين الأثر الرجعي للقانون ورجعية الاجتهاد القضائي، سنبين المكان الذي يحفظه كل منهما لاعتبار الأمن القانوني. وفي نفس الوقت، سنظهر الآليات التي تقلل الاصطدام بين كل من الأثر الرجعي للقانون والاجتهاد القضائي واعتبار الأمن القانوني. 

واعتبارا لحدود البحث والصعوبات المثارة، حصرنا دراسة التفرقة بين الأثر الرجعي للقانون ورجعية الاجتهاد القضائي في مجال القوانين المدنية والتجارية. حيث أن العمل بالرجعية في هذه القوانين، يزعزع مراكز المتعاقدين أو المسئولين القانونية، مما يدفعنا إلى وضع حدود لهذه الرجعية بهدف الحفاظ على مصالح المتعاقدين وتجنيبهم قدر الإمكان عدم الاستقرار الناتج عن الأثر الرجعي للقانون والاجتهاد القضائي.     

أولا: الاستثناء: الأثر الرجعي للقانون، الأصل: رجعية الاجتهاد القضائي

يرد على القاعدة العامة الواردة في المادة 2 من القانون المدني استثناء يتمثل في الأثر الرجعي للقانون. لذا في الحالات الخاصة التي يطبق فيها الاستثناء، نراعي تحقق بعض الشروط. لأننا من خلالها سنقلل قدر الإمكان من المساس باستقرار المعاملات: فيما لو اعتبرنا أن الأثر الرجعي يتناقض مع اعتبار الأمن القانوني(1).  

على العكس، فإن الاجتهاد القضائي هو رجعي بطبيعته. لأن تفسير القانون هو وظيفة القضاء الأساسية. وأن تغير الاجتهاد القضائي هو بمثابة تفسير أحسن للقانون ويجري تطبيقه على كل النزاعات القائمة. وهذا بلا شك يهدر باعتبار الأمن القانوني. لكن ألا يمكن الانتقاص من حدة هذه النتيجة على الاستقرار، توقعات الأفراد والثقة المشروعة، من خلال وضع ترتيبات تحد من آثار القرارات القضائية التي تغير الاجتهاد القضائي؟

وعليه، سنبرز في الفقرة الأولى كيف أن الأثر الرجعي للقانون يقتصر على حالات معينة، تتوفر فيها شروط خاصة تجيز العمل به. ثم في الفقرة الثانية سنتحدث عن رجعية الاجتهاد القضائي ومدى إلزاميتها.

أ- "الأثر الرجعي للقانون" إمكانية مقيَدة للمشرع

"جدُ مختصرة"، هو الانطباع الأولي الذي نبديه على المادة 2 من القانون المدني. فهي لم تعالج كل المسائل المرتبطة بمشكل تنازع القوانين من حيث الزمان. ولقد ساهم كل من الفقه والقضاء في إبراز الكثير من القواعد المعمول بها في هذا المجال. ومن بينها وضع قيود على قدرة المشرع على اتخاذ تشريعات رجعية، لأن اعتبار الأمن القانوني يُحتج به على القانون.

ولا نريد إعادة سرد الحالات التي يجوز فيها استثناءا العمل بالأثر الرجعي للتشريع(2)، بل نريد استخلاص الشروط التي تجيز للمشرع الخروج عن الأصل العام المقرر في المادة 2 من القانون المدني. ويبدو من تحليل القضاء بخصوص "الأثر الرجعي للقانون" وإسهامات الفقه، أن الأمر ليس بالبساطة التي تعالج بها هذه المادة موضوع تنازع القوانين في الزمان.

وحتى يسهل علينا إبراز هذه الشروط، ارتأينا أن نميز بين حالتين: نتحدث في الأولى عن شروط الرجعية بمعزل عن أية خصومة قائمة يوم إصدار القانون الجديد؛ وفي الثانية نعالج الأثر الرجعي للقانون الجديد في الخصومات القائمة.

الحالة الأولى: الأثر الرجعي للقانون دون خصومة قائمة      

يجوز العمل بالاستثناء في مجال القوانين الخاصة الجديدة، لتصبح ذات أثر رجعي، تنطبق على الحالات والمراكز الناشئة في ظل قوانين قديمة. وعموما يمكن إجمال شروط العمل بالاستثناء فيما يلي:

- وجود أسباب منطقية، بموجبها نقبل الأثر الرجعي للقانون بدون حرج. فإن كان القانون تفسيرا لتشريع سابق، فإنه يسري من تاريخ نفاذ هذا الأخير. ويُطبق هذا القانون بشكل رجعي، لأنه يُشكل مع القانون المفَسَر وحدة، من حيث أنه يفسره ويشرحه. أيضا إذا نص المشرع في تشريع ما (ولو لم يكن تفسيريا) صراحة وبوضوح على تطبيقه الرجعي. وهذا السبب هو الآخر منطقي، لأن مبدأ عدم رجعية القانون يقيد القاضي لا المشرع. هذا الأخير هو من يضع التشريع، قد يُقدر وجود مصلحة عامة تستوجب تطبيق التشريع الجديد على الماضي(3).     

- في العقود التي تكونت في ظل تشريع قديم ولا تزال جارية بعد نفاذ التشريع الجديد، يصطدم تطبيق الأثر الرجعي مع الحرية التعاقدية وتوقعات المتعاقدين. فالعقود هي من أعمال التوقع، "ذلك أن الأشخاص الذين يربطون مصالحهم بما يبرمونه من عقود، يكونون على علم مسبق بما ينتظرهم من نتائج تتولد عن الشروط الصريحة لهذه العقود أو من نصوص القانون التي تحكمها"(4).  وفيها يستمر العمل بالتشريع القديم –رغم إلغائه- بخصوص الآثار المستقبلية للعقود المبرمة في ظله. ولا تخضع للتشريع الجديد بما له من أثر مباشر، إلا إذا كان يتضمن قواعد آمرة متصلة بالنظام العام(5). فهنا يمس الأثر المباشر للقانون الجديد، عندما يطبق على عقود سابقة التنظيم، بتوقعات المتعاقدين وبالثقة المشروعة مثلما يمس بها الأثر الرجعي. لذا يجب ملاحظة في الحالتين وجود مصلحة عامة كافية(6) والعمل بتفسير ضيق، لأن الرجعية في العقود تفيد أحد الأطراف على حساب الآخر. 

هذا ما أكدته المحكمة العليا في قرارها الصادر في 26 مارس 2003، ومما جاء فيه أنه "يسري القانون الجديد الصادر بتخفيض الحد الأقصى لسعر الفائدة بما له من أثر فوري على ما يستحق من الفوائد ابتداء من نفاذه على العقود المبرمة قبل هذا النفاذ. وإن قضاة الموضوع عندما جعلوا للقانون القديم أثرا مستمرا بالنسبة للآثار الجارية للعقود التي أبرمت قبل سريان القانون الجديد وألزموا الطاعن بدفعه نسبة الفائدة خلافا للحد الأقصى المقرر للفائدة حسب القانون الجديد قد خرجوا على القاعدة العامة المنصوص عليها في المادة 7 من القانون المدني دون استنادهم إلى نص خاص يسمح بهذا الخروج مما يعد خطأ في تطبيق القانون يُعرض قضاءهم للنقض"(7). فلأن الحد الأقصى لسعر الفائدة هو من القواعد المتعلقة بالنظام العام، فإنها تسري بأثر فوري حتى على العقود الجارية التنفيذ والتي أبرمت في ظل القانون القديم.

ونشير أيضا إلى المادة 20 من المرسوم التشريعي رقم 93-03 المؤرخ في 01 مارس 1993 المتعلق بالنشاط العقاري، حيث نظم المشرع بأحكام انتقالية مجال تطبيقه: لا يطبق هذا القانون الجديد على الآثار الجارية لعقود الإيجار التي أُبرمت قبل سريانه. وفي هذا خروج عن مبدأ الأثر الفوري للقانون الجديد.

- مراعاة القرارات القضائية التي حازت قوة الشيء المقضي فيه، ولو أنها فصلت بخلاف ما ورد في القانون التفسيري.

الحالة الثانية: الأثر الرجعي للقانون في الخصومات القائمة

لقد قُرر الأثر الرجعي للقانون لتحقيق غاية محددة: وضع، تصحيح وحتى تطوير تفسير النص بالنسبة للقوانين التفسيرية؛ بدافع مصلحة عامة أساسية، في حالة النص الصريح على الرجعية. لذا يجب أن لا يؤدي استعماله إلى انحراف مسار الخصومات القائمة أمام مختلف الجهات القضائية لمصلحة أحد الخصوم(8). فهذا يسلب الطرف الآخر الحق في المحاكمة العادلة ويمس الأمن القانوني(9)، إلا إذا أمكن تبرير ذلك بوجود مقتضى من مقتضيات المصلحة العامة.

 وهذا ما توضحه وقائع قضية عرضت على القضاء الفرنسي، في نزاع حول مراجعة بدل إيجار تجاري. حيث تمسك المستأجر باجتهاد قضائي لتفسير المادة L.145-38 من القانون التجاري، في حين أن المؤجر تمسك بقانون جديد لا يتطابق مضمونه مع هذا الاجتهاد. وللفصل فيه، بحثت محكمة النقض في مسألة رجعية أو عدم رجعية هذا القانون وتطبيقه على الخصومة القائمة: حيث لم يظهر في القانون ولا في الأعمال التحضيرية أن سببا ملحا متعلقا بالمصلحة العامة أملى على المشرع تصحيح تفسير القضاء للمادة L.145-38 من القانون التجاري، ومن ثم يكون القانون رجعي. ولقد رفضت محكمة النقض تطبيق القانون الجديد على أساس المحاكمة العادلة، التي تعترض على تدخل السلطة التشريعية في القضاء للتأثير على مجرى العدالة، وأن هذه القاعدة العامة تطبق مهما كان تكييف القانون ولو لم تكن الدولة طرفا في النزاع(10)

أي أن المشرع يستطيع دائما اتخاذ قوانين رجعية تُطبق على الخصومات القائمة والنزاعات بين أطراف عقود جارية التنفيذ، بشرط وجود سبب ملح متعلق بالمصلحة العامة. وكأن القاضي يصبح مراقبا للقوانين الرجعية وله بموجب هذه الرقابة، أن يستبعد تطبيقها كلما لم يلاحظ هذا السبب أو إذا لم يستطع الخصم الذي يتمسك بالرجعية إثباته (كما في النزاع المذكور: المؤجر).

فمن خلال الأسس المستعملة، توصلت محكمة النقض إلى رفض تطبيق القانون الجديد على النزاع. حيث ستتدخل بموجبه السلطة التشريعية في مجرى العدالة: عبر الأثر الرجعي، سيتخذ القضاء قرارا يهم السلطة العامة أو فئة من الأشخاص، دون إمكانية تبريره بالمصلحة العامة(11).

ويظهر أنه عند تقدير الأثر الرجعي للقانون في الخصومات القائمة، فإننا لا ننظر إلى الرجعية في حد ذاتها وإنما إلى الطريقة التي استعملت بها: اتُخذ القانون الرجعي أو التفسيري، للتأثير على قرار قضائي يفصل في خصومة كانت الدولة طرفا فيها(12)  أو لمصلحة فئة من الأشخاص.

وبالتالي يُعطَل الأثر الرجعي للقانون الجديد في الخصومات القائمة، على أساس المحاكمة العادلة، الأمن القانوني، عدم التدخل في مجرى العدالة وغياب المصلحة العامة الملحة(13).

وفي هذه الحدود، يبقى الأثر الرجعي استثنائيا ومطبقا في حدود ضيقة. وعلى العكس فإن الاجتهاد القضائي رجعي، يطبق حتى على ما وقع في ظل الاجتهاد القديم.  فهل نقبل بهذه الرجعية من غير فحص أثرها على الأمن القانوني؟ هذا ما سنبينه فيما يأتي.

ب- رجعية الاجتهاد القضائي: حلٌ يفسر القاضي من خلاله القانون

تفيد رجعية الاجتهاد القضائي، تطبيق الاجتهاد الجديد على كل الخصومات، دون مراعاة لتاريخ الوقائع وعما إذا كانت سابقة لتغير هذا الاجتهاد. ومثل هذا الأثر عادي، لأن الاجتهاد يفصل في مسائل سابقة لاتخاذ القرار(14) ومنه طابعه الكاشف(15)

وإذا فهمنا رجعية(16) الاجتهاد القضائي بهذا الشكل، لأمكننا القول أنها تمس باعتبار الأمن القانوني، وإن كان يجب أن لا يغيب هذا الاعتبار عن ذهن القاضي أيضا: أليس في إخضاع المتقاضي لاجتهاد ناتج عن تفسير جديد ومختلف عن ذلك السائد في تاريخ الوقائع، مساس بتوقعاته(17)؟    

ومن هنا يبرز أكثر الفرق بين الأثر الرجعي للقانون ورجعية الاجتهاد القضائي. لأن مبدأ عدم رجعية القانون المنصوص عليه في المادة 2 من القانون المدني لا يُطبق على الاجتهاد القضائي الجديد. فهو كما قلنا رجعي على الحالات التي وقعت في ظل اجتهاد مختلف –ولو كان أقل صرامة-. ونشير أن الاجتهاد القضائي لا يُعدل القانون، بل يُعدل شرحه وتفسيره، إذا ما ظهرت عدم صحة التفسير السابق(18)

وحتى الحق في المحاكمة العادلة لا يعطينا صلاحية الاعتراض على تطبيق اجتهاد قضائي جديد، بخصوص وقائع سابقة على اتخاذه. ولا يمكن للأمن القانوني أيضا أن يحول دون إمكانية تبدل الحلول التي قد يصل إليها الاجتهاد القضائي. هذا ما تمسك به طبيب في قضية مثارة أمام القضاء الفرنسي. إذ في تاريخ الوقائع كان الاجتهاد القضائي يأخذ بالتزام ببذل عناية، ولكنه تغير وأصبح يأخذ بالتزام بتحقيق نتيجة لتقرير المسؤولية المدنية للأطباء: العلاج قدم ما بين 1981-1982، تغير الاجتهاد القضائي كان في 1999 فهل اعتبار الأمن القانوني يفرض على القضاة عند نظرهم في المسؤولية في 2008 الرجوع إلى الاجتهاد القضائي السابق؟ حسب قرار الغرفة المدنية الأولى لمحكمة النقض فإن الاعتبار المذكور لا يكرس حقا مكتسبا، على أن لا يسلب الطرف الذي يثير الأمن القانوني من حق اللجوء للعدالة(19).   

على أن هناك اتجاها فقهيا(20) وجد له صدى لدى القضاء(21)، يقول بالحد من رجعية الاجتهاد القضائي. أي وضع ترتيبات انتقالية بخصوص الاجتهادات القضائية الجديدة، للتخفيف من الآثار السيئة للرجعية. غير أن موقفا آخر يتمسك برجعية الاجتهاد القضائي ويعترض على هذه الترتيبات التي تحد من آثار القرارات القضائية في الزمان. لأن الرجعية هي التي تكفل عندهم الحاجة الضرورية لتطور وتكيف القانون. كما أنه نادرا ما يتغير الاجتهاد القضائي؛ وإذا وقع فإنه يُستقبل بالترحيب. بل وفي بعض الأحيان يأمل الفقه في تغيره، إذا ما أثبت عدم نجاعته(22).

ونحن من جهتنا لا نمنع تغير الاجتهاد القضائي، ولكن حاجة الأمن القانوني تحرجنا وتدفعنا لإعادة النظر في رجعية الاجتهاد القضائي. وأن كون التغير كان متوقعا أو له آثار مهمة على حقوق الأفراد هو ما يوجهنا عند تقدير تطبيق الاجتهاد الجديد(23). وحتى لا نبالغ في إثارة الأمن القانوني، لا نقبل عرقلة تغير الاجتهاد القضائي إلا استثناءا(24). أي أنه متى ظهر أن الأثر الرجعي يرتب نتائج سيئة، فيمكن أن نستبعد التطبيق المباشر للاجتهاد القضائي الجديد، بالنظر للمصالح المتواجدة وحقوق المتقاضين الأساسية. إن تعارض مصالح الأطراف في الخصومات المدنية والتجارية، يدفع القاضي للبحث عن حل يوازن به بين هذه المصالح، بالنظر للنصوص وفكرة العدل. فلو أن اجتهادا قضائيا كان في مصلحة أحدهم، فإنه من دون شك سيكون ضد مصلحة الطرف الآخر. ولكن أليس من حق الطرف الذي كان الاجتهاد ضد مصلحته أن يستفيد من تطبيق الاجتهاد الجديد إذا نجح في إقناع القاضي بحجته؟ أليس في هذا مساس بالأمن القانوني من حيث التوقع وهل يحفظ التوازن بين المصالح المتعارضة؟على كل هناك اتجاه في الفقه والقضاء يسير في اتجاه قبول الحد من رجعية الاجتهاد القضائي في الزمان، يبقى أن نتتبعه حتى نستخلص القواعد والنتائج: مثلا قبل القضاء بالحد من ممارسة النشاط المهني في مقابل اشتراط المقابل المالي لصحة شرط عدم المنافسة. ولأن هذا المقابل يحمي مسألة أساسية، فيتم تطبيقه مباشرة. أيضا يجوز الحد من الأثر الرجعي للاجتهاد القضائي الجديد الذي يقرر التقادم، لأنه يسلب المتقاضي من حق اللجوء للعدالة. التطبيق المباشر للاجتهاد القضائي الجديد بخصوص مخالفة التزام بتحقيق نتيجة لقيام المسؤولية المدنية للطبيب، طالما أن هذا التطبيق لم يسلبه من حق اللجوء للقاضي(25). وهذا يبين أن الحد من رجعية الاجتهاد القضائي ليس أبدا حقا للمتقاضي، بل يتوقف على ظروف كل قضية على حدى.


ثانيا: مكان الأمن القانوني في الأثر الرجعي للقانون ورجعية الاجتهاد القضائي

نأتي الآن لمسألة ترتيب الاعتبارات التي تتحكم في وضع القواعد، لنبين المكان الذي يحفظه كل من الأثر الرجعي للقانون ورجعية الاجتهاد القضائي لاعتبار الأمن القانوني. فهل يجوز التضحية بهذا الأخير أمام الحاجة الملحة إلى تكيف القانون بالموازاة مع تطور الواقع؟

ولأن اعتبار الأمن القانوني يبرز في ميدان تطبيق القانون في الزمان، اعتبرناه أساسيا وموجها للأثر الرجعي للقانون. في حين أنه وبخصوص الاجتهاد القضائي، فإن حاجة الاستقرار (يبنى المتقاضون تصرفاتهم واتفاقاتهم على أساس اجتهاد ثابت. فكل تعديل يلحقه يؤدي إلى الاضطراب) لن تصمد أمام حاجة التطور (ضرورة تغيير اجتهاد أثبت ضعفه أو أنه أصبح لا يواكب التطورات الحاصلة في المجتمع). ولهذا اعتبرنا الأمن القانوني موجها ثانويا في رجعية الاجتهاد القضائي.

أ- الأمن القانوني، اعتبار أساسي يوجه الأثر الرجعي للقانون

على المستوى التشريعي، يتعين عندما يتم تعويض تشريع قديم بتشريع جديد، تنظيم مجال تطبيقهما. ولتحديد هذا النطاق، على المشرع أن يراعي اعتبارين متناقضين: اعتبار الأمن القانوني، الذي يفرض عليه إبقاء القانون القديم؛ أو اعتبار تطور القانون ووحدة التشريع. وهو ما يعني ترجيح كفة القانون الجديد.

فاعتبار الأمن القانوني يفرض التقليص قدر الإمكان من المجال الزمني لتطبيق القانون الجديد. لأن الأفراد نظموا تصرفاتهم واتفاقاتهم وفق النظام القانوني الموجود أمامهم. وبالتالي، أي تعديل يطرأ عليه، من شأنه أن يمس بصحة العقود أو الصيغ القانونية الأخرى أو تكيفها مع الأحكام القانونية الجديدة. ومن ثم ضرورة إخضاعها للقانون الذي تمت في ظله. في المقابل، اعتبار التطور يمنح نطاقا أوسع للقانون الجديد، لأنه أحسن من القانون القديم. وبالتالي، ليس من العدل أن نحرم الأفراد من مزايا القانون الجديد. أيضا يتعين التعامل بالتساوي مع المتقاضين المتواجدين في نفس المراكز، وهذا لن يتحقق إلا مع القانون الجديد.   

هكذا سنقول عن قاعدة عدم رجعية القانون الواردة في المادة 2 من القانون المدني، أنها ترعى أمن الأفراد واستقرار المعاملات(26). من حيث أنها لا تجعل –كأصل عام- للقانون الجديد أي أثر رجعي وتبقي القانون القديم ساريا على ما حدث في ظله. وهذا يضمن فعاليته وقبوله لدى المخاطبين به. فحاجة الأمن القانوني حاجة أساسية، تترجم بشكل شخصي(27)، بعدم مباغتة الأفراد في تصرفاتهم، تقديراتهم وتوقعاتهم. ولقد اختصرت المادة المذكورة أعلاه مشكلة تطبيق القوانين في الزمان ومن ورائها اعتبار الأمن القانوني، الذي يضع قيودا على شروط تطبيق القانون في الزمان.

فالاعتبار يشكل بذاته حماية ضد رجعية القوانين، يقوي مراكز الأفراد ويؤمن الاستقرار النسبي للمحيط القانوني. ولكل هذا تصبح قدرة المشرع على اتخاذ قوانين رجعية –لاسيما في المواد المدنية والتجارية- محدودة، وأن اضطراب المعاملات يحول دون إمكانية المشرع لاتخاذ قوانين رجعية وقوانين تفسيرية. وهي -كما قلنا- الحالات الاستثنائية التي يجوز فيها تطبيق القانون الجديد على الماضي. فهل تجاوزنا فيها فعلا اعتبار الأمن القانوني؟ وهل هي مستعملة على نطاق واسع؟

في هذا الصدد، تُقلص مسألة تكييف القانون التفسيري من إمكانية العمل به وبالتالي القبول برجعيته. حيث لا يصح هذا التكييف، إلا إذا كان القانون يسوي اختلافا في التفسير دون أن يضيف شيئا جديدا(28). ولكن هل يجب التقيد بتكييف المشرع للقانون ولو لم يكن متطابقا مع مفهوم القانون التفسيري: بمعنى أنه لم يكتف بالشرح ورفع الغموض؟

هنا تختلف الآراء. حيث لا يكتفي Ch.Larroumet بتكييف المشرع الذي قد يكون مضللا(29). ولدى F.Terré، إذا كان المشرع يصف التشريع بأنه تفسيري، فما على القاضي سوى الانصياع(30). ويمكن أن نشير إلى رأي كل من J.Ghestin, G.Goubeaux & M.Fabre-Magnan الذين استندوا على قرار لمحكمة النقض الفرنسية خالفت فيه إرادة المشرع. حيث فسروه على أنه إذا كان القانون رجعيا فيجب احترام إرادة المشرع، دون أن يتمتع التشريع بالرجعية المعززة للنصوص التفسيرية (La rétroactivité renforcée des textes interprétatifs). وتعني تطبيق القوانين على القضايا العالقة أمام محكمة النقض. وبالنسبة ل Roubier أمام تكييف غير صحيح، نعتبر أن القانون غير تفسيري ولكنه فقط رجعي(31).  

وإذا تقيدنا بمفهوم القوانين التفسيرية، لأمكننا القول أنها تعد جزءا من القانون الذي تريد تفسيره. ومن الطبيعي أن نعمل فيها بأثر رجعي، يمتد إلى تاريخ صدور القانون المفسَر. والمهم أن اعتبار الأمن القانوني مرعي هنا أيضا، لأن مثل هذه القوانين تجنبنا الاختلاف في التفسير أو أنها تنهي خلافا بين الجهات القضائية بخصوص هذه المسألة.

أما في حالة النص الصريح على رجعية القانون ولو لم يكن تفسيريا، فإن الأمن القانوني محفوظ هنا أيضا. وذلك بالنظر لقلة(32) العمل بهذه الرجعية في المجال المدني والعقود بشكل خاص. فإذا كان للمشرع –عبر الرجعية- أن يفاجئ توقعات وتقديرات المتعاقدين، إلا أن الحرية التعاقدية واعتبار الأمن القانوني يحول دون تطبيق القانون الجديد. فالسائد هنا هو امتداد القانون القديم ويبقى للقانون الجديد مجال ضيق ألا وهو النظام العام.

ولأن رجعية القوانين المدنية تكون لمصلحة أحد الأطراف على حساب الآخر وتمس بتوقعاتهم، فمن الأحسن أن يستعمل المشرع هذه الإمكانية في إطار مصلحة أساسية تتعلق بالنظام العام(33)، خصوصا بالنسبة للأثر الرجعي للقانون الجديد أثناء تنفيذ عقود مبرمة في ظل قانون قديم. فمن خلال هذه المصلحة الأساسية، لن يتم المساس بالعقود إلا في حدود ضيقة. وطالما أن رجعية القانون تعتدي على الأمن القانوني، فإن هذا الأخير في ذاته يفرض تطبيقها الاستثنائي وتفسيرها الضيق.

ب- الأمن القانوني، اعتبار ثانوي يوجه رجعية الاجتهاد القضائي

إذا كان اعتبار الأمن القانوني يفرض وضوح القانون، دقته وتوقعه(34)، فإنه يتراجع في الاجتهاد القضائي. لأن القبول برجعية هذا الأخير، لا يتوافق مع ثبات الاجتهاد وتوقعه. 

فالاجتهاد القضائي الثابت(35) لا يعني أبدا أن القضاء سيتبع في المستقبل، تفسيره لقاعدة ما في وقت معين. فكل اجتهاد يحتمل أن يطرأ عليه التطور والتغير ولو كان ثابتا وقديما. وخصوصا إذا تبين أن الاجتهاد السابق منتقد: مساوئه تغلب على محاسنه أو أن النص المفسر أصبح بعيدا عن السياق الاجتماعي والاقتصادي المتطور. وهو ما يوجب تكييف التفسير مع هذا التطور. وصحيح أن القاضي ليست له سلطة وضع القانون ولا تغيير معنى النص عبر تفسيراته المحرفة ولكن بيده أن يطور التفسير ويكيفه، مستهديا في ذلك بروح النصوص التي يطبقها ويفسرها. 

أما توقع الاجتهاد القضائي من خلال دور المحكمة العليا في توحيد هذا الاجتهاد وإتباع القضاة لما قضت به هذه المحكمة أو جهات قضائية أخرى، فيجب أن لا يصل إلى حد إيقاف الاجتهاد وتجميده. فذلك يصطدم مع ضرورة تكيف القانون مع التطورات ومرونة تطبيقه على الحالات الواقعية المستجدة.

 ينعكس هذا في قرار الغرفة المدنية الأولى لمحكمة النقض الفرنسية بتاريخ 21 مارس 2000 والذي ضحت فيه باعتبار الأمن القانوني لمصلحة تطور القانون. على الرغم من أن الطاعن بالنقض استند على المحاكمة العادلة والأمن القانوني لاستبعاد تطبيق اجتهاد قضائي جديد. وتعلق الأمر بنزاع بين بائع ومشتري، أثار تفسير عبارة الأجل القصير الواردة في المادة 1648 من القانون المدني الفرنسي. وأن انقضاء هذا الأجل يؤدي إلى سقوط حق المشتري. وفي الحقيقة، تغير موقف القضاء بخصوص تفسير هذه العبارة المرنة: حيث كان يعتبر في السابق أن للمشتري الذي يثير العيب الخفي في الشيء أن يتمسك بالضمان الخاص وفق المادة 1648 من القانون المدني وأيضا المادة 1608 من ذات القانون. مما يعني أنه حتى لو سقط حق المشتري بموجب المادة 1648 لفوات الأجل القصير، تبقى الدعوى مقبولة على أساس المادة 1608. في هذا الصدد، غيرت كل من الغرفة المدنية الأولى والغرفة التجارية من اجتهادهما، لتستبعدا الرجوع إلى المادة 1604 في حالة العيب الخفي: كل دعوى لها مجالها الخاص. وفي القضية انتقد المشتري أثر هذا التغير الذي يجعل دعواه على أساس المادة1604 غير مقبولة، لأن الأجل القصير قد مضى وبالتالي لن تقبل أيضا دعواه على أساس المادة 1648، في حين أنه في السنوات الماضية كان الاجتهاد يقبل الدعوى. رفضت محكمة النقض الطعن على أساس عدم تكريس حقوق مكتسبة بموجب الاجتهاد القضائي(36)

فالمشتري لم يتوقع تغير التفسير لمرونة العبارة المستعملة في المادة 1648 من القانون المدني، وبالتالي لم نمنحه الأمن القانوني المنشود في القواعد القانونية. ولكن ليس عيبا أن تكون القاعدة القانونية مرنة، بل إن هذه الصياغة متعمدة، حتى تستطيع أن تتكيف القاعدة مع التطور وتستوعب الحالات المختلفة. ومثل هذه القواعد تجعل التفسير القضائي هو الآخر مرنا. فمن خلاله سيتضح مضمون القاعدة بما يستجيب مع الواقع المتطور. وإذا لزم الأمر تغيير الاجتهاد لتدارك نقص أو إصلاح عيب، فلا يكفي اعتبار الأمن القانوني لوحده لتقدير هذا الأمر.   

تغير الاجتهاد القضائي هو الذي يضمن إذن تكيف القانون مع التطورات والحاجات الجديدة: كيف كنا نتصور المسؤولية المدنية اليوم، لو لم نسمح للقضاء تكييف النصوص الموجودة مع السياق المتطور الذي تطبق فيه؟ هل كنا نتصور أن منع الاستغلال التعسفي لوضعية الهيمنة على السوق في قانون المنافسة كان سينطبق حتى على الممارسات المشروعة بطبيعتها، لو لم يبرز مجلس المنافسة والجهات القضائية المختصة مفهوم التعسف في الهيكل الذي استوحي من تشريع المنافسة، ليطور بذلك المعنى الواجب إعطاؤه للاستغلال التعسفي، بما يحقق فعالية هذا التشريع؟

  فرجعية الاجتهاد القضائي هي مؤشر للحيوية والتكيف وتطور القانون، وهو ما يفرض علينا التضحية بالأمن القانوني ورفض الاعتراف بأي حق مكتسب على أساس اجتهاد سابق. أيضا، للمتقاضين في الخصومات المدنية مجرد أمل على أن يستمر العمل بالاجتهاد مستقبلا. وللقاضي أن يغير اجتهاده، إذا رأى أن ذلك يتماشى مع النصوص ويحقق العدل.

وعليه، إن كنا نشجع على التخلي عن الاجتهادات السابقة وتعويضها بأخرى، يبقى أن نشير إلى أن تغيير الاجتهاد لا يقع إلا في حالات قليلة واستثنائية، بالقدر الذي يجعله متفقا أكثر مع النصوص، متلائما أكثر مع الواقع ومتماشيا أكثر مع التطور. 

تبين التفرقة بين الأثر الرجعي للقانون ورجعية الاجتهاد القضائي أنه على المشرع والقاضي أن يستعملانهما بحذر، لأنه في كليهما يكون اعتبار الأمن القانوني معنيا. فبالنسبة للمشرع، يكون العمل بالأثر الرجعي للتشريع مسبوقا بدراسة تبين تأثير القانون الجديد. وذلك بالنظر لدواعي رجعية التشريع، الأشخاص المعنيين به وأثر الرجعية على القطاع المعني. وإذا تطلب الأمر، استشارة المؤسسات المعنية التي قد تقدم معطيات مهمة بخصوص هذه المسألة. والمهم أنه يجب أن لا يغيب عن ذهن المشرع، أن الأثر الرجعي للتشريع لا يكون إلا لتحقيق مصلحة عامة ضرورية.

أما بالنسبة للقاضي، فمن واجبه أيضا احترام اعتبار الأمن القانوني وعليه أن يراعي حدا من الاستقرار وهو يفسر القانون. ومن المفيد، قبل أن يقرر القاضي رجوعه عن الاجتهاد السابق، أن يدرس جيدا الآثار التي تترتب عن الحل الذي سيعطيه للنزاع. بهذا الشكل، لن نسلبه إمكانية التغيير، ولكنه تغيير مدروس.   

 

(1) بالنسبة ل F.Pollaud-Dulian لا يتناقض الأثر الرجعي دائما مع الأمن القانوني.

Cf. F.Pollaud-Dulian, A propos de la sécurité juridique, in Revue trimestrielle du droit civil 2001, n°3, p.490.

(2) وحول هذه الحالات، أنظر مثلا: د.محمد سعيد جعفور، مدخل إلى العلوم القانونية الوجيز في نظرية القانون، دار هومة، 2004، الجزائر، ص. 251 وما بعد؛

Cf. CH.Larroumet, introduction à l’étude du droit privé, tome I, 4e édition, 2004, ECONOMICA, France, p.146 et s. ; F.Terré, Introduction générale au droit, 3e édition, 1996, Dalloz, France, p.391 et s.

(3) من ذلك مثلا نص المادة 101 من الأمر 06-10 المؤرخ في 29 يوليو 2006 يعدل ويتمم القانون 05-07 المؤرخ في 28 أبريل 2005 المتعلق بالمحروقات، التي فرضت منذ 01 أوت 2006 رسما على الأرباح الاستثنائية عندما يفوق سعر النفط سقف 30 دولار للبرميل ويطبق هذا الرسم بأثر رجعي على اتفاقات الشراكة وتقاسم الإنتاج التي تمت في إطار القانون السابق 86-14.  علما أن التطبيق الرجعي للرسم المذكور أثار نزاعا بين شركة سونطراك وشركات بترولية دولية تم تسويته في 2012 أمام مركز تسوية المنازعات المتصلة بالاستثمار بواشنطن ومحكمة المنازعات بباريس. ولتأسيس طلب التعويض الذي قدمته الشركات البترولية الأجنبية أن اتفاقات الشراكة تم إبرامها قبل قانون 06-10 وهذا يشكل بالنسبة إليها تغييرا فجائيا وبأثر رجعي للتشريعات المطبقة. أما الطرف الجزائري فأكد على أحقية الحكومة في اعتماد تدابير سياسية لحماية عائداتها خاصة مع الارتفاع القياسي لأرباح الشركات الأجنبية. انتهى هذا النزاع لصالح الشركات البترولية الدولية بتعويض عيني وتعديل بعض الإجراءات الخاصة بالعقود خاصة منها المتعلقة بتقاسم الإنتاج.  من حيث المبدأ  فرض الرسم صحيح وقانوني لتدعيم العائدات الجبائية للدولة الجزائرية، لاسيما بعد ارتفاع أسعار النفط. ولكن تطبيقه بأثر رجعي هو الذي أثار الإشكال وتحفظ الشركات البترولية الناشطة في الجزائر بل حتى تردد الشركات الدولية من الاستثمار في قطاع المحروقات منذ 2007. هكذا تدابير غير مدروسة كان من شأنها مضاعفة الأعباء المالية على الشركة الجزائرية وأيضا عدم استقطاب استثمارات جديدة وفتح ملف تعديل قانون المحروقات مجددا. ومن جانب الشركات البترولية فإن رجعية الرسم على الاتفاقات المبرمة قبل العمل به يؤدي لاضطراب حساباتها وتوازناتها المالية والتي على أساسها قررت الاستثمار في بلادنا. 

(4) أنظر، محمد سعيد جعفور، المرجع السابق، ص.269. وفي نفس السياق:

« l’impératif de sécurité juridique conduit à considérer que, les parties au contrat ayant contracté en fonction d’un certain état de droit, elles ne doivent pas voir leur prévisions déjouées par un changement de législation ultérieure, car le commerce a besoin d’un minimum de prévisibilité. C’est pourquoi, en principe, dans ce domaine, la loi ancienne survie pour s’appliquer aux effets des contrats en cours, nonobstant la loi nouvelle ». Cf. F.Pollaud-Dulian, art.préc., p.492.

(5) أنظر، محمد سعيد جعفور، المرجع السابق، ص.267؛

« Le législateur doit résister à la tentation (…) de l’application immédiate de quelque loi nouvelle aux accords en cours d’exécution, que bride également le conseil constitutionnel (…) en exigent que l’atteinte portée à l’économie des conventions et contrats, légalement conclus (donc au principe de liberté contractuelle) soit justifiée par un « motif d’intérêt général suffisant » ». Cf. B.Teyssié, L’impératif de sécurité juridique, in Le monde du droit, Ecrits rédigés en l’honneur de Jacques Foyer, Economica, 2008, France, pp.999-1000. 

(6) ويضيف F.Pollaud-Dulian شرط التناسب (l’exigence de proportionnalité) بين القاعدة الرجعية وهدف المصلحة العامة الذي يبررها.

Cf. F.Pollaud-Dulian, art.préc., p.495.

(7) المجلة القضائية، العدد 2-2002، ص.217.

(8) قد يكون هذا الخصم ممثلا في الدولة أو في شخص آخر غير الدولة. مثلا في القرار الصادر عن محكمة النقض الفرنسية بتاريخ 23/01/2004 كان النزاع دائرا بين مؤجر ومستأجر.  

(9) يشرح  F.Pollaud-Dulian العلاقة بين الحق في المحاكمة العادلة واعتبار الأمن القانوني ولكنه في نفس الوقت يشكك في هذه الصلة كالآتي:

« Il faut d’abord souligner le lien opéré entre principe de sécurité juridique et droit à un procès équitable. Il ne va pas de soi de faire découler le premier du second. En effet, lorsque l’on pose le principe du droit à un procès équitable, on peut, sans doute, en déduire que ce droit est bafoué si, en cours de procédure, l’une des parties, en particulier l’Etat, parvient à faire adopter une loi nouvelle qui lui assure le succès dans cette procédure. « Un joueur ne doit pas pouvoir changer les règles du jeu en cours de partie ». L’égalité des armes représente ainsi une garantie de la sécurité juridique à travers un procès équitable. Mais, à vrai dire, l’exigence d’un procès équitable dépasse amplement l’idée de sécurité juridique : la règle du contradictoire, l’indépendance de la magistrature, l’accès au service public de la justice, par exemple, en découlent tout aussi bien ». Cf. F.Pollaud-Dulian, art.préc., p.492.

(10) هذا ما قضت به محكمة النقض الفرنسية بتاريخ 23/01/2004، وجاء في قرارها ما يلي:

« Si le législateur peut adopter, en matière civile, des dispositions rétroactives, le principe de prééminence du droit et le notion du procès équitable consacrés par l’article 6 de la convention européenne de sauvegarde des droits de l’homme et des libertés fondamentales s’opposent, sauf pour d’impérieux motifs d’intérêt général, à l’ingérence du pouvoir législatif dans l’administration de la justice afin d’influer sur le dénouement judiciaire des litiges ; cette règle générale s’applique quelle que soit la qualification formelle donnée à la loi et même lorsque l’Etat n’est pas partie au procès ». Assemblée plénière, cour de cassation, 23/01/2004, cité par P.-Y.Gautier, Rétroactivité des lois et révision du loyer commercial : la Cour de cassation fête le Bicentenaire du code civil, Recueil Dalloz, 2004, n°16, p.1108.   

(11) Cf. F.Pollaud-Dulian, art.préc., p.494.

(12)« Le législateur qui modifie les « règles du jeu » en cours de procès agit délibérément et exclusivement dans ce but, témoignant ainsi d’une déloyauté sanctionnable ; ce faisant, il transgresse le principe constitutionnel de la séparation des pouvoirs… .En somme la rétroactivité est une faute pour le législateur, qui menace à une vaste échelle la stabilité des actes et des situations juridiques ». Cf. P.Morvan, Le revirement de jurisprudence pour l’avenir : humble adresse aux magistrats ayant franchi le Rubicon, In Recueil Dalloz, 2005, n°4, p.249.

(13)« « L’intérêt général » s’oppose à « intérêts catégoriels », il faut donc que l’ordre public de direction, que son assise soit sociale, économique ou politique, soit particulièrement –« impérieusement »- impliqué pour que la norme votée soit dotée de rétroactivité saisisse les affaires en cours ». Cf. Y.Gautier, art.préc., p.1113.

(14) طبقت محكمة النقض الفرنسية اجتهادا جديدا (تم في عام 2002) أضاف المقابل المالي لصحة شرط عدم المنافسة (المدرج في عقد عمل مبرم في 1996 وأن الاجتهاد القضائي السائد آنذاك كان يعتبره صحيحا). والنتيجة هي بطلان عقد العمل بفعل الأثر الرجعي للاجتهاد الجديد وتطبيقه المباشر على القضية المعنية (ولقد بررت محكمة النقض التطبيق الرجعي لهذا الاجتهاد بالضرورة الملحة المتمثلة في "حماية وفعالية الحرية الأساسية لممارسة نشاط مهني").

Cass. soc., 17/12/2004, Recueil Dalloz, 2005, n°2, p.110, note P.Guiomard.

(15) Cf. F.Terré, op.cit., p.399 ; « L’interprétation jurisprudentielle d’une même norme à un moment donné ne peut être différente selon l’époque des faits considérés ». Cass. 1re civ., 09/10/2001, cité par B.Teyssié, art.préc., p.1002, réf. n°91.

(16)« Le mot (revirement) ne doit pas, en effet, être employé à tort et à travers. Lorsqu’une pratique fait problème et qu’après des discussions plus ou moins vives, plus ou moins longues, la Cour de cassation arrête une position, il n’y a pas revirement ;  simplement, la jurisprudence n’était pas fixée et désormais elle l’est, fut-ce à l’encontre d’une pratique dominante, voir unanime. Pour que l’on puisse pleinement faire état d’un revirement, il faut supposer que la Cour de cassation abandonne non pas même une solution isolée adoptée précédemment par elle ou telle de ces chambres, mais une position qu’en termes de jurisprudence, sinon constante, du moins suffisamment établie, elle retenue dans le passé ». Cf. F.Terré, op.cit., p.400.

(17) وحول الآثار المترتبة عن رجعية الاجتهاد القضائي، أنظر التقرير المعد في 2004 برئاسة N.Molfessis . وفيه أُبرزت الآثار السيئة لرجعية الاجتهاد القضائي، كما اقتُرح الحد في الزمان من آثار تغيير محكمة النقض لاجتهاداتها. هذا التقرير موجود على الموقع الإلكتروني الآتي: www.lexeek.com/document/931-rapport-molfessis/     

(18)« Il y a… une différence essentielle entre une loi rétroactive et un revirement de jurisprudence : lorsqu’elle confère un certain sens à une règle, la jurisprudence fait corps avec celle-ci. Pourtant, cette règle est censée avoir toujours eu cette signification ». Cf. F.Terré, op.cit., p.400 ; « Le juge qui opère un revirement n’est animé que d’une volonté de promouvoir une solution conforme au droit, à la justice voire sa politique judiciaire ; ce faisant, il agit dans le cadre de son pouvoir juridictionnel ». Cf. P.Morvan, art.préc., p.249 ; F.Pollaud-Dulian, art.préc., p.500.

(19)« La sécurité juridique, invoquée sur le fondement du droit à un procès équitable pour contester l’application immédiate d’une solution nouvelle résultant d’une évolution de la jurisprudence, ne saurait consacrer un droit acquis à une jurisprudence figée, dès lors que la partie qui s’en prévaut n’est pas privée du droit à l’accès au juge ». Cass. civ., 1re, 11/06/2009, cité par L.Kaczmarek, Revirements de jurisprudence et sécurité juridique : la Cour de cassation module sa position, note sous Cass. civ. 1re, 11/06/2009, in Petites affiches, 09/10/2009, n°202, p.10 et s.; comparé avec Cass. civ., 1re, 21/03/2000 : « la sécurité juridique invoquée ne saurait consacrer un droit acquis à une jurisprudence figée, l’évolution de cette jurisprudence relevant de l’office du juge de l’application du droit », cité par F.Pollaud-Dulian, art.préc., p.500.

(20) اقترح C.Mouly -على غرار بعض القوانين الأجنبية والأوروبية- أن تسبب محكمة النقض قراراتها، حتى يكون تغير اجتهادها متوقعا أكثر. وهو يرى أيضا أنه لا شيء يعترض على إمكانية حد محكمة النقض من رجعية اجتهاداتها، بالتمييز بين حجية الشيء المقضي فيه والوظيفة المعيارية للاجتهاد وبتحديد تاريخ نشر القرار في النشرة لتطبيق القاعدة الجديدة.

Cité par A.Debet, L’influence de la Convention européenne des droits de l’homme sur le droit civil, thèse (préface L.Leveneur), Dalloz, 2002, France, p.224.

وبالنسبة ل B.Teyssié، فإن كل قرار لمحكمة النقض من شأنه أن يغير حلا سابقا أو فصل في مسألة كانت غير محسومة يجب أن تسبقه دراسة الآثار، ليتسنى للقاضي ملاحظة النتائج (ذات طابع اقتصادي، مالي، اجتماعي...) المترتبة عن الحلول المعتمدة. ويقترح أن قرار إجراء هذه الدراسة يكون بيد رئيس محكمة النقض باقتراح من رئيس الغرفة المختصة. وحتى لا يستغرق أجل إعداد هذه الدراسة مدة طويلة، اقترح تحديد أجل قصير لها.  B.Teyssié, art.préc., p.1003. وأيضاP.Morvan, art.préc., p.247 et s.

(21)« L’application immédiate de cette règle (…) dans l’instance en cours aboutirait à priver la victime d’un procès équitable au sens de l’article 6 §1 » de la Convention européenne des doits de l’homme. Cass. civ. 2e, 08/07/2004, cité par P.Morvan, art.préc., p.247 ; « La sécurité juridique, invoquée sur le fondement du droit à un procès équitable pour contester l’application immédiate d’une solution nouvelle résultant d’une évolution de la jurisprudence, ne saurait consacrer un droit acquis à une jurisprudence figée, dès lors que la partie qui s’en prévaut n’est pas privée du droit à l’accès au juge ». Cass. civ., 1re, 11/06/2009, cité par L.Kaczmarek.

(22) Cf. F.Terré, op.cit., p.401 ; F.Pollaud-Dulian, art.préc., p.501.

(23) ومما جاء في التقرير المعد في 2004، أن المساس بالأمن القانوني والآثار السيئة لتغير بعض الاجتهادات القضائية هي التي توجب الحد منها في الزمان  وعلى محكمة النقض أن تضع معايير –بحسب الحالات- تمنع حدوث الأثر الرجعي، كضرورة حماية حرية ما أو مصلحة عامة هي من الأمور التي تسمح تحديد ما هو رجعي وما هو غير كذلك. وأيضا اقترح التقرير تقدير إيجابيات الحد من الأثر الرجعي بالنظر للتوقعات المشروعة للمتقاضين. كما أنه خول لمحكمة النقض صلاحية الفصل في مسألة تطبيق قراراتها في الزمان، بأخذ ملاحظات الأطراف في الاعتبار. التقرير موجود على الموقع الالكتروني المذكور في الهامش رقم 17. وأنظر أيضا مقال P.Morvan الذي يتحدث فيه عن النظام القانوني لرجعية الاجتهاد القضائي في المستقبل.  Cf. P.Morvan, art.préc., p.249 et s.

(24) Dans le même sens, v. F.Pollaud-Dulian, art.préc., p.502 ; P.Morvan, art.préc., p.249.

(25) ويفسر L.Kaczmarek لماذا لم يُسلب الطبيب في قرار الغرفة المدنية الأولى لمحكمة النقض الفرنسية بتاريخ 11/06/2009 من حق ممارسة الدعوى بقوله:

«…Le médecin ne se trouve pas privé d’une action, même s’il en est débouté. Il a pu en effet tenter de convaincre les juges du fond et la Cour de cassation de revenir sur l’obligation de sécurité de résultat institué en 1999, au moins pour les faits accomplis antérieurement. La non-rétroactivité des revirements semble ainsi réservée à des hypothèses telles que la prescription, qui interdit toute action ». Cf. L.Kaczmarek, art.préc., p.10 et s.

(26) وفي نفس الوقت تستند على" أساس من العدل الذي يأبى أن تسري قواعد التشريع الجديد على وقائع أو تصرفات تمت في فترة زمنية سابقة على نفاذه: ذلك أن الأفراد تصرفوا على أساس التشريع الذي كان قائما حينئذ والذي كان يفترض علمهم به. أما التشريع الذي سيصدر لاحقا فلم يكن في وسعهم العلم به مسبقا. فإذا صدر هذا التشريع وطبق عليهم بأثر رجعي، فمعنى ذلك أنه تم إخضاعهم إلى تشريع كان يستحيل العلم به، وهذا ما يتعارض مع أبسط مبادئ العدل". أنظر،محمد سعيد جعفور، المرجع السابق، ص.246.  

(27)« La sécurité juridique est une norme objective. Le prolongement de ce principe, dans les droits subjectifs, est le principe de confiance légitime. La sécurité juridique fait largement office de principe juridique orienté selon des critères objectifs, tandis que la reconnaissance d’une confiance légitime sert à la protection d’intérêts subjectifs. Par conséquent, si le principe de sécurité juridique peut jouer en faveur ou en défaveur de tout individu, le principe de confiance légitime ne joue qu’en sa faveur ». Cf. A.Debet, th.préc., p.195.

(28) حول مفهوم القانون التفسيري، أنظر:  F.Terré, op.cit., p392 ; A.Debet, th.préc., p.217. 

(29) Cf. Ch.Larroumet, op.cit., p.146.

(30)« Si le législateur n’a rien spécifié, le caractère interprétatif ne peut être reconnu à une loi que si elle est intervenue à propos d’une question controversée et si la solution qu’elle édicte s’adapte à la loi interprétée d’une manière telle que les tribunaux auraient pu eux-mêmes consacrer la solution ».Cf. F.Terré, op.cit., p.392.

(31) كلا الرأيين مشار إليهما في: A.Debet, th.préc., p.217, référence n°4. 

(32) Cf. F.Terré, op.cit., p.391.

(33)« Constitue un motif suffisant pour une loi rétroactive, la nécessité d’éviter un développement des contentieux d’une ampleur telle qu’il aurait entrainé des risques considérables pour l’équilibre financier du système bancaire et partant pour l’activité économique générale ». Cf. A.Debet, th.préc., p.213, référence n°4 et p.221.

(34) Cf. B.Teyssié, op.cit., p.985 et s.

وأنظر كذلك بالنسبة لعدم وضوح القواعد القانونية وتعارضه مع اعتبار الأمن القانوني:  F.Pollaud-Dulian, art.préc., p.496 et s. ويصف هذا التحليل بأنه مغري في مواجهة تكيف القانون.

(35) (Jurisprudence constante) هي عبارة ترددها محكمة النقض وتعني:

« Un ensemble de décisions convergentes, posant une solution bien établie, voir même un seul arrêt de principe, par opposition à une jurisprudence incertaine et fluctuante ou encore à des arrêts d’espèce. C’est une formule qui décrit une tendance que découvrent la doctrine et les praticiens, qui scrutent les décisions des tribunaux et révèlent cette constance ». Cf. F.Pollaud-Dulian, art.préc., p.497. 

(36) أنظر الهامش رقم 19.

 

 

 Télécharger l'article

 

 

 

Appel à communication