September 2016
S M T W T F S
1 2 3
4 5 6 7 8 9 10
11 12 13 14 15 16 17
18 19 20 21 22 23 24
25 26 27 28 29 30

 

تطور القيمة القانونية لفكرة الأمن القانوني

 د. موفق طيب شريف – جامعة أدرار- 

       This email address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it.

 

تمهيد:

الأمن القانوني وإن كان مصطلحا حديثا نسبياً، إلاّ ان تطبيقاته الواقعية لها جذورها التاريخية وامتداداتها الفلسفية، التي تلتقي في مجموعها حول مراعاة القواعد القانونية لحدٍّ أدني من الحقوق والمراكز القانونية التي تجعل المواطن في أمن اتجاه مصالحه وحقوقه، مما يدفعه إلى التفاعل الإيجابي داخل مجتمعه.

   ثم أن الأمن القانوني له مفاهيم متعددة وأبعاد متنوعة، منها حفظ الحقوق، التوقع المشروع، الحق المكتسب إلى غير ذلك.

   ومن خلال هذه المداخلة يتم التعرض للتطور التاريخي والفلسفي لفكرة الأمن القانوني ببعده الحقوقي، المتمثل في الحدّ الأدنى من الحقوق والمراكز القانونية الواجب مراعاتها أثناء عملية التشريع وإصدار القوانين. وذلك من خلال المبحثين التاليين:

- المبحث الأول: التطور التاريخي لفكرة الأمن القانوني.

- المبحث الثاني: التطور الفلسفي لفكرة الأمن القانوني.

 

  • ·        المبحث الأول: التطور التاريخي لفكرة الأمن القانوني:
  • o       المطلب الأول: الفترة الأحاديــة

       كان مفهوم القانون في المجتمعات البدائية, والجماعات السياسية القديمة التي تحتل في مجموعها الجزء الأكبر من تاريخ البشرية أنه مجموعة من الأوامر التي تُحَدِّد ما هو مسموح, وما هو غير مسموح به من التصرفات .

      و في ظل هذا المفهوم لم يكن هناك أي مجال لوجود فكرة "الأمن القانوني", وذلك بسبب الاستبداد السياسي الذي كان يمارسه الحكام على المحكومين, واحتكارهم لمختلف السلطات بما فيها سلطة التشريع، التي لم تكن مقيّدة بأية مراكز تجب مراعاتها عند استصدار القوانين[1].

        وكانت العلاقات داخل الجماعة تقوم على أساس التبعيّة, و الخضوع إلى الحاكم الذي كانت له السلطة المطلقة على أموالها وأفرادها, إذ لم يكن لهم من مراكز أو حقوق إلا تلك التي يُقرُّها لهم الحاكم، والتي غالبا ما كانت مراكز ظرفية [2].

        وعلى أساس القوة قامت العلاقات بين الأفراد والجماعات في العهود الأولى, ففي العصر الحجري كان وجود الحق والوفاء به متروكا لتقدير الحاكم الذي كان يُعَدُّ أقوى أفراد جماعته[3].

        وهذا الوضع ولّد انعدام الشعور باحترام حقوق أو مراكز الغير, وجعل لعامل القوة آثاره في إنشاء الحقوق[4].

        ويرى "هوبز"[5]أنّ الإنسانيّة مرّت في تاريخها بمرحلتين: مرحلة الحياة الطّبيعيّة, ومرحلة الحياة السّياسيّة. وكانت الحقوق في الحياة الطّبيعيّة ترجع إلى القوّة سواء كانت حسيّة أو معنويّة. حيث كان للّكل الحق في أن يفعل ما يشاء حسب رغباته, لكن تعارض هذه الرّغبات جعل النّاس يتطاحنون ويتربّصون ببعضهم البعض[6].

     وكذلك الشأن في الإمبراطورية الرومانية، فقد كان الإمبراطور صاحب الأمر في مواجهة الأفراد وتحديد الحقوق والواجبات[7].

      وهكذا فان مبدأ الأمن القانوني كمفهوم لم يكن له وجود طوال هذه الفترة،  لأن القوانين لم تكن سوى تعبير عن إرادة الملوك والحكّام، وأوامر الغالب على المغلوب.

 

  • المطلب الثاني: الفترة الثنائية:

        ابتداءً من عصر النهضة الأوروبية[8], تمكّن المَحشِيُّون من شُرَّّاح القانون من إبراز فكرة الحق في مقابل القانون, وفي ذلك يقول دُونُو[9]: "أنه ينبغي النظر إلى القانون باعتباره نظاما للحقوق وليس نظاماً للدَّعاوى, كما كان يفعل الرُّومان". فالدعوى القضائيّة ليست سوى الوسيلة القانونية التي تُعطي للحق قُوّته وتُوفِّر له الجزاء عند المساس به.

      وهكذا بدأت تظهر بجانب القانون فكرة أخرى هي فكرة الحق, مماّ أدّى إلى ظهور النظريّة الثنائيّة للنظام القانوني الذي أصبح يتكوّن من شطرين: أوَّلهما القانون, وهو مجموعة من القواعد العامة, وثانيهما الحقوق التي يجب أن توفّر لها قواعد القانون الحماية اللاّزمة .

     ويرى أكثر أهل القانون أن أوّل من أشار إلى فكرة الازدواج بين الحق والقانون الفيلسوف اليُوناني "آرسطو" واضع نظرية القانون الطبيعي, والتي لازالت تَحتلُّ الصدارة بين النظريات الفلسفية المعاصرة, وخلاصتها أنّ الإنسان باعتباره يعيش في مجتمع سياسي منظّم فإنّه يفقد حريّته المطلقة في أن يفعل ما يشاء, وتصبح إرادته خاضعة لمبادئ الفضيلة والعدل, وخضوع الفرد للفضيلة يقتضي منه أن يخضع أيضا للقانون الوضعي الذي يَصدر عن المشرّع في المجتمع السياسي الذي يعيش فيه, وهكذا تخضع إرادة الفرد لإرادة المشرِّع كنتيجة حتمية لخضوعها لمبادئ الفضيلة, ومن ناحية أخرى فإنَّ إرادة المشرِّع تخضع كذلك لمبادئ الفضيلة, وهكذا وبإخضاع الاثنين معاً ـ الفردوالدولة ـ لإرادة الفضيلة تتحقق السعادة [10].

    والمقصود بالفضيلة عند أرسطو المبادئ و الحقوق التي تدور حول العدل والمساواة . ويرى أنَّ إدراكها يتم بواسطة العقل [11].

       وعليه يمكن القول من خلال نظرية آرسطو أنَّ المُثل العليا التي يُدركها العقل, كالعدل والمساواة, والتي تعتبر عمدة الحقوق تَحْكُمُ وتُقَيِّد إرادة المشرِّع, فليس له أن يُشرِّع إلاَّ القوانين المُقِرَّة بها والمتَّفِقَة معها. لأنّه في خضوع القانون الوضعي للقانون الطبيعي و مبادئ الفضيلة أعظم ضمان لتحقيق "مبدأ الأمن القانوني" [12] .

       وقد بلغ الاهتمام بفكرة الأمن القانوني درجة القول باستقلال بعض الحقوق عن القانون, وسبقها عليه, وعدم قدرة القانون على المساس بها أو الانتقاص منها, وأُطلق عليها اسم "حقوق الإنسان والحريات العامة", ونُظر إليها على أنّها التعبير المثالي لقواعد القانون الطَّبيعي ومبادئ العدل, بحيث يكون هدف القانون الوضعي[13] هو حمايتها بما يؤدِّي إلى حماية كل إنسان, بحيث لا يستطيع المساس بهذه الحقوق الناشئة مباشرة عن القانون الطبيعي, أو عن مبادئ العدل والفضيلة أو الإنتقاص منها[14] .

 

  • المطلب الثالث: الفترة الأحادية الحديثة:

       مع أواخر القرن التّاسع عشر وبداية القرن العشرين بدأ الاتّجاه يميل إلى بناء القانون على أساس فكرة الالتزام, وليس على أساس فكرة الحق, فالقانون هو مجموعة من القواعد وهو لهذا مجموعة من الالتزامات[15].

       ويرجع وضع هذه الفكرة إلى الأستاذ "هانز كلسن" [16] الذي أطلق عليها اسم "النظرية الخالصة للقانون", حيث يرى أن القانون هو ما تصدره السلطة من أوامر مجرّدة عن كل العوامل المحيطة به من أخلاق وعقائد وغيرها.

        ولأنّ القانون صادر عن السلطة فهو مجموعة أوامر, والأوامر لا تُشكِّل إلاّ التزامات تقع على عاتق الأفراد, وبالتالي لا يوجد أي مكان لما يسمى بالحقوق, لأنّ الحق ما هو إلاّ التزام يقع على عاتق شخص معيّن بعدم التعرّض لهذا الحق المدّعى به. وإنّما فكرة الحق تصلح كعامل مساعد لتوضيح فكرة الالتزام على أساس أنَّ الحق هو الوجه الآخر للالتزام[17].

       فالقانون لا يُخاطب صاحب الحق المقول به، وإنَّما يُخاطب فقط الشَّخص الذي يُلزِمُه بعدم التَّعرُّض لصاحب الحق, وهو بذلك يخاطب من يقع عليه الالتزام, لا من يحوز الحق, ولهذا كان القانون مبنياً على فكرة الالتزام, وليس على فكرة الحق[18].

       وقد انتُقِدَت الفكرة لأنَّ "كلسن" دمج بين الدولة والقانون, وهذا مخالفٌ للواقع, فالدولة نفسها قد تُخالف القانون بدليل توقع الدستور ذلك, إذ من المسلّم به أن تنص الدساتير على تقييد سلطة الدولة, وإلزامها باحترام الحقوق والحريّات القائمة في المجتمع[19].

 

  • المطلب الرابع: الفترة الثنائية الحديثة:                              

    ذهب الفقيه الفرنسي "بول روبيه" في كتابه "الحقوق و المراكز القانونية" إلى التمييز بين القواعد القانونية و المراكز القانونية, إذ القاعدة القانونية تتميّز بالعمومية والتجريد. أما المراكز القانونية فهي تشمل المراكز الشخصية والتي تضم أساسا ما يسمى بالحقوق الخاصة كحق الملكية, وغيرها من الحريات العامة, والمراكز الموضوعية والتي تدور حول فكرة الواجب, كوجوب الخدمة العسكرية , و أداء الضرائب التي تقع على الأفراد[20].

    و بهذا يكون الفقه القانوني قد انتهى إلى فكرة ازدواج النظام القانوني, فهناك من ناحية القانون وهو مجموعة من القواعد العامة المجرّدة, وهناك من ناحية أخرى المراكز القانونية الخاصة, وهي أثر تطبيق لقواعد القانون العامة. وهذه المراكز منها ما هو مبني على فكرة الحق, وتُسمى بالمراكز الشخصية, ومنها ما هو مبني على فكرة الواجب, وتسمى بالمراكز الموضوعية[21].

    وبهذا تكون قد ارتسمت معالم نظرية الأمن القانوني الذي من خلاله يستلزم على المشرّع مراعاة هذه المراكز القانونية في عمله التشريعي.

 

  • ·        المبحث الثاني: مرحلة التطور الفلسفي

  شكّل ظهور الدولة ميدانا خصبا جلب اهتمام الفكر الفلسفي من خلال تعرّضه للعلاقة التي تحكم الدولة بالفرد، وقد كان لهذا الفكر الفلسفي على مرّ العصور الأثر البارز في تطور الوعي لدى الشعوب والأفراد، فقامت العديد من الثورات ضد الأنظمة الاستبدادية للمطالبة بتعزيز كرامة الإنسان، والتقليل من القيود المفروضة على حقوقه[22].  

    فقد ساهمت المذاهب والنظريات الفلسفية والفكرية ابتدءاً من الفلسفة اليونانية وظهور فكرة القانون الطبيعي، وصولا إلى عصر النهضة الأوربية وظهور فلسفة العقد الاجتماعي في بلورة اتجاه يخدم بشكل أو بآخر بعض المفاهيم والمبادئ الحقوقية.

   ومن ثم فإن التعرض لبعض التيارات أو الأفكار التي ساهمت عبر تاريخ البشرية في إرساء الأصول الفكرية والنظرية لفكرة الأمن القانوني أمر يساعد على فهم جانب من الأصول الفكرية لتطور هذا المبدأ.

   وفي المقابل فإن الساحة الفكرية لم تخلو من الاتجاهات الفلسفية المتعارضة مع هذه الفلسفات الحقوقية، المنكرة لوجود الحقوق أو المراكز، على اعتبار أن الدولة أو السلطة السياسية ما هي إلاّ مظهر من مظاهر القوة، وكل ما ينتج عنها تابع وأثر من آثار تلك القوة حسب فلسفة نيتشه، كما أن الحقوق وكل المُثل والقيم ما هي إلا تضليل طبقي وانعكاس لعلاقات القوة الاقتصادية والسياسية المهيمنة في المجتمع حسب رأي ماركس وفلسفته المادية.

     وتفصيل هذه الفلسفات على تناقضاتها، وبحث مواطن الاختلاف بينها يكون بالتعرض لفلسفة النزعة الإنسانية المنادية بضرورة احترام الحقوق والقيم في المطلب الأول، وبعدها يتم التعرض للفلسفة المشكّكة والمتوجسة في المطلب الثاني.

  • المطلب الأول: فلسفة النزعة الإنسانية.
  • المطلب الثاني: الفلسفة المشكّكة.

   

المطلب الأول:

     تعتبر فلسفة العقد الاجتماعي الخلفية الفلسفية التي يجد فيها مبدأ الأمن القانوني أصوله الفكرية والنظرية، إلاّ أن هذه الفلسفة لم تنطلق من فراغ، بل استعان أصحابها في صياغتها بنظرية القانون الطبيعي التي أنشأها اليونانيون، مما جعل البعض[23]يرى أن فلسفة العقد الاجتماعي ما هي إلاّ امتداد وطرح جديد لفكرة القانون الطبيعي وللإجابة على هذا الإشكال وعلاقة النظريتين بمبدأ المن القانوني يتم بحثهما من خلال الفرعين الآتيين:

-        الفرع الأول: فلسفة القانون الطبيعي.

-        الفرع الثاني: فلسفة العقد الاجتماعي.

 

الفرع الأول: فلسفة القانون الطبيعي:

   عرَفَ المُفَكّرُونَ والفلاسفة منذ القدم فكرة القانون الطبيعي, وأقرُّوا منذ زمن بعيد بوجود قانون أسمى من القوانين الوضعية يعتبر أساسا لها, ومثالا أعلى يجب الاعتماد عليه عند وضعها،عُرِفَ بالقانون الطَّبيعي, والذي يتكوّن من مجموعة قواعد عامة أبدية ثابتة لا تختلف, ولا تتغيّر باختلاف الزمان أو المكان, وهي ليست من صنع الإنسان وإنما يكشف عنها بعقله[24].

     ويرى الفلاسفة أن أقوى تعبير عن هذه القواعد العامة التي أمكن للإنسان استخلاصها من القانون الطبيعي, هو تلك الحقوق التي نص عليها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في 10 ديسمبر 1948.

  وفي ذلك يقول الفيلسوف "جاك ماريتان": "إنّه من الواجب أن نتّفق على أنَّ حقوق الإنسان هي الوجه الوحيد للقانون الطَّبيعي"[25].

   وكان ميلاد هذه الفكرة على يد الفيلسوف اليوناني أرسطو[26], بالرغم من أن الإرهاصات الأولى لنشأة القانون الطبيعي كمذهب فلسفي ترجع إلى ما لاحظه فلاسفة الإغريق منذ القدم من أن هناك قوة عليا تحكم العالم, وتُحقّق نظامه وتناسقه من الوجهة المادية والروحية. فالعالم يسير وفق قوانين ثابتة لا تتغير، وهذه القوانين تحكم الظواهر الطبيعية كما تحكم الروابط الاجتماعية، وهي ليست من صنع البشر، بل ناتجة عن الطبيعة يهتدي إليها الإنسان بفطرته[27].

    يرى أرسطو أنّ الإنسان يميل بطبعه إلى الحياة داخل مجتمع سياسي منظّم يخضع للعدل وتتحقّق معه مصالحه وتصان كرامته, كما أنّ المجتمع أو الدولة ليست هدفاً في ذاتها, بل ما هي إلاّ وسيلة لحماية الإنسان, وحفظ حقوقه وفق مبادئ العدل والفضيلة[28] التي لا يمكن أن تتحقّق إلا من خلال التزام قواعد ثابتة خالدة، والمتمثلة في  قواعد القانون الطبيعي التي تُحقِّق العدالة على أكمل وجه, والتي تعدُّ المثل الأعلى الذي يسعى القانون الوضعي إلى تحقيقه, بحيث لا يمكن لهذا الأخير أن يكون عادلاً إلاّ إذا اتّفقت قواعده مع قواعد القانون الطّبيعي[29].

 

الفرع الثانيفلسفة العقد الاجتماعي

    تُشكّل فكرة العقد الاجتماعي، على الرغم من طابعها الفَرَضِي من الزاوية التاريخية، الفكرة المحورية للفلسفة السياسية الحديثة، وعنوان ثورة فكرية في تصور المجتمع  والسلطة والسياسة، وقد شكّلت هذه الفكرة مطيّة تحول أساسي في فكرة الشرعية حيث أصبحت السلطة من خلال المنظور التعاقدي مؤسسة إنسانية تستمد شرعيتها من التعاقد بين الناس، وهو التعاقد المنظّم للحريات والحقوق. وبذلك أصبحت المشروعية السياسية والاجتماعية مرتبطة بالذاتية الإنسانية كذاتية مسؤولة وفاعلة من حيث أنها حرة.

    ويفترض هذا المذهب أنّ الأفراد كانوا يعيشون على الفطرة لا يخضع أيٌّ منهم لأيَّة ضوابط معيّنة, إلى غاية ظهور الملكيّة الفرديّة حيث كثرت الصِّراعات والنِّزاعات بسبب تضارب المصالح, فتحوّلت حياتهم إلى فوضى ممّا اضطرّهم إلى إبرام عقد بينهم, سُمِّي بـ: "العقد الاجتماعي". تمّ من خلاله تحديد الحقوق والواجبات فيما بينهم. فاستبدلوا بذلك القانون الطّبيعي الذي كان ينظّم حياتهم الطّبيعيّة بقانون وضعي بشري اتّفقوا عليه فيما بينهم, وقد أسّس هذه النّظريّة مجموعة من الفلاسفة انطلاقا من الفيلسوف الهولندي جروتوس، ثم الفيلسوفان الإنجليزيّان: "توماس هوبز", "وجون لوك", وصولاً إلى الفيلسوف الفرنسي "جان جاك روسو", غير أنّ هؤلاء وإن اشتركت مذاهبهم في التسمية إلاّ أن كل واحد منهم اختلف عن الآخر في تفسيره لهذه النّظرية, فإذا كان جروتيوس ولوك وروسو قد استعانوا بها لتبرير الحريّة الفردية وحقوق الإنسان الطبيعية, فإنّ هوبز وعلى النقيض من ذلك  اعتمد عليها لتبرير الحكم المطلق[30].

   تناول جمع من فلاسفة القانون نظرية العقد وأسسوا لها، وقد تباينت مفاهيمهم حولها، ويتم من خلال العناصر الآتية تناول أهمها:

  1. 1.     نظرية العقد عند جروتيوس.
  2. 2.     نظرية العقد عند توماس هوبز.
  3. 3.     نظرية العقد عند جون لوك.
  4. 4.     نظرية العقد عند جون جاك روسو.
  5. 1.       نظريّة العقد عند هيغو  جروتيوس(GrotiusHugo )  (1583– 1645)[31]:

    هو حقوقي، ودبلوماسي، ومؤرخ، وفقيه لغوي هولندي، يعرض فلسفته السياسية خاصة في كتابه "قانون الحرب والسلم" الذي ألفه سنة 1625 وأهداه للويس الثالث عشر عندما كان سفيرا في فرنسا، ويتألف هذا الكتاب من ثلاثة أجزاء يفسر فيها جروتيوس الحق الطبيعي، مبيّناً من خلالها المبادئ التي يقوم عليها هذا الحق، والمتمثلة في الآتي:

أ‌.       استقلالية الحق الطبيعي:

    المبدأ الأساسي الأوّل الذي يصوغه في هذا الكتاب يتعلق بالحق الطبيعي الذي ينفصل ويتميز في نفس الوقت عن الأخلاق وعن السياسة والحق الوضعي، فالحق الطبيعي عنده مُؤسَّسٌ على الطبيعة الإنسانية، وبالتحديد على المبدأ العقلاني للخاصية الاجتماعية للطبيعة الإنسانية، فالإنسان له ميل طبيعي للاجتماع.

     وبناء على ذلك فإن الحق الطبيعي لا يؤسّسه ولا يحدّده أي مشرّع وضعي، إذ هو كوني وأزلي، وانطلاقا من ذلك يقدم جروتيوس نظرية فردانية حول المجتمع، ذلك أن المجتمع لا يمثل شراكة بأتم معنى الكلمة، بل أنه يتولّد عن الإرادة العاقلة للناس التي تدفعهم للاتحاد بما يضمن الحقوق الفردية.

                     

ب‌.   قيام الدولة على فكرة التعاقد:

   فكرة التعاقد التي تمثّل أساس قيام الدولة والمجتمع المدني عند جروتيوس. فالدولة هي "جسد" كامل يتكون من أشخاص أحرار اجتمعوا للتمتع بطريقة سلمية بحقوقهم وبمصالحهم المشتركة. لذلك ينظر جروتيوس إلى دولة قوية تكون قادرة على إحلال السلم الداخلي والخارجي. فتكون المصلحة العامة الغاية الأساسية للدولة التي وإن كانت متكونة من أفراد، تتعداهم باعتبارهم أفرادا ولا تنتفي معهم إذ هي متأبِّدة.

ج‌.    تأسيس القانون الدولي على فكرة الحق:

   هذا المبدأ جعل من جروتيوس "أباً للقانون الدولي"، ففي فترة تاريخية زاخرة بالنزاعات بين الدول الأوروبية، وفي حين كان بعض المفكرين[32] ينادون بحلها بواسطة القوة، دعا قروتييس إلى إقامة هذه العلاقات على الحق الذي يؤسسه العقل، لذلك فإنه لا يعتبر الرقعة الأرضية التي تقوم عليها الدولة عنصرا في الدولة، إذ لا تمثل في أقصى الحالات إلا موضوع حق ملكية وسيادة، وهو حق تحده حدود مرتبطة بالعلاقات بين الدول، وخاصة المرور في المياه الإقليمية بالنسبة للسفن الأجنبية.  

  1. 2.       نظريّة العقد عند توماس هوبز Thomas Hobbes  (1588 –1679)[33]:

     يرى هوبز في كتابه (التنين) أن البشرية بدأت بحياة فطرية سابقة عن نشأة الجماعة، وبسبب الأنانية والطمع التي طُبِع عليها البشر أعقب حياة الفطرة حياة فوضى وصراع اضطر معها الأفراد إلى التفكير في مخرجٍ لها، فاهتدوا إلى فكرة التعاقد لإنشاء الجماعة السياسية، وهذا التعاقد تم بينهم واختاروا بمقتضاه وبكامل إرادتهم حاكما لم يكن طرفاً في العقد تنازلوا له عن جميع حقوقهم الطبيعية ولم يرتبط اتجاههم بشيء, ثم منحوه سلطة مطلقة في تحديد الحقوق والواجبات, لأنّ سلطته أرحم من الرّجوع إلى حياة الفوضى[34]، وترتّب على ذلك أن  السلطان الحاكم غير مقيد بشيء وهو الذي يضع القوانين ويعدلها حسب مشيئته، وانتهى إلى تفضيل النظام الملكي على النظامين الأرستقراطي والشعبي[35].

    كما يرى أن مسيرة الإنسان كلها قائمة على غريزة حب البقاء، وينكر طبع الاجتماع والتعاون بين البشر، ويرى أن الأصل في الإنسان أنه ذئب للإنسان وأن الكل في حرب ضد الكل. فضلاً عن ذلك يذهب إلى القول بأن الحاجة إلى استشعار القوة يحملان الفرد على الاستئثار بأكثر ما يستطيع الظفر به من خيرات الأرض وإن أعوزتهُ القوة لجأ إلى الحيلة[36].

    كانت تجربة الحرب الأهلية الإنكليزية عام (1640م) قد جعلت هوبز يستنتج أن الناس لا يملكون القدرة على حكم أنفسهم بأنفسهم، وللتخلص من الخوف المستحوذ عليهم من بعضهم البعض، ورغبة منهم في الحصول على النظام والأمن والتمتع بمزايا القانون والحق لجؤوا إلى نوع من الاتفاق أو التعاقد تنازلوا بمقتضاه عن حريتهم وأوكلوها إلى يد الحاكم، وكان من الضروري أن يملك هذا الحاكم سلطة مطلقة غير مقيدة إذ بها وحدها يستطيع حفظ النظام[37] .

   وكان دفاع هوبز عن الحكم المطلق قائماً على الحاجة إلى هذا النظام لتوفير السلام الداخلي وطمأنة الأفراد وسيادة القانون، حيث يرى أن السلطة المطلقة اعتمدت على اتفاق اختياري عقلي قبلها الشعب بمقتضاه وأن الحكومة المطلقة التي تخرج عن شروط هذا الاتفاق خروجاً صريحاً واضحاً يصعب تبريرها[38].

    وعليه يرى هوبز أن المجتمع السياسي ليس واقعة طبيعية، وإنما هو الثمرة الاصطناعية لميثاق إرادي ولحساب مصلحي، كما يرى أن السيادة تقوم على عقد اجتماعي تم بين الأفراد الذين قرّروا أن يكون لهم ملك.

  1. 3.     نظريّة العقد عند جون لوك Locke  John (1637–1704) [39]:

يعتبر لوك أحد مؤسسي المذهب الحر الجديد، فهو يعارض هوبز في تصويره الإنسان قوة غاشمة، ويذهب إلى أنه للإنسان حقوق مطلقة لا يُنشؤها المجتمع، وأن العلاقة الطبيعية باقية بغض النظر عن العرف الاجتماعي، وهي تقيم بين الناس مجتمعاً طبيعياً سابقاً على المجتمع المدني وقانوناً طبيعياً سابقاً على القانون المدني ويرى أنّ حياة الفطرة كانت تتّسم بالمساواة والسّلام والحريّة في ظل قانون طبيعي ملزم لكل الأفراد حيث لا فرق بينهم, ذلك أنّ الإنسان قد خُلق حرا بطبيعته, وقد عاش طليقا من كل قيد أو حدود قبل تكوين أو نشوء المجتمعات, إلى أن ظهر العنف والصّراع بسبب تضارب المصالح, فحصل التفكير في إنشاء مجتمع ذو تنظيم أحسن, يتم فيه تحديد الحقوق والحرّيات, وإنشاء هيئة تتولى تنفيذ بنود العقد التي تصاغ من قواعد القانون الطّبيعي بحيث تُطبَّق على الجميع وعلى قدم المساواة[40].

    وطرفا العقد حسب لوك خلافا لهوبز هما الأفراد والحاكم المختار من قِبَلِهِم, ولذلك تكون سلطته مقيّدة بما اتُّفق عليه أثناء التعاقد, ومن واجبه أن يُسخِّر كامل جهده لحماية حقوق الأفراد وحرِّياتهم. فإذا أخلّ بالتزاماته يحقُّ للأفراد فسخ العقد معه وتنحيته, والأفراد حسب لوك لم يتنازلوا عن كامل حقوقهم وإنّما عن الجزء الضروري لإقامة السّلطة بما يكفل احترام وحماية حقوق الغير[41].

 إن لوك بعكس هوبز يرى أن الملكية الخاصة موجودة في حال الطبيعة، وأنها سابقة للمجتمع المدني وهذه النظرية حول الملكية تحمل عند لوك مكانة كبيرة.

 فحق الملكية حق طبيعي يقوم على العمل ومقدار العمل لا على الحيازة أو القانون الوضعي، على أن حق الملكية خاضع لشرطين الأول أن المالك لا يدع ملكيته تتلف أو تهلك والثاني أن يدع للآخرين ما يكفيهم.

يرى لوك أن الناس يملكون بحكم الطبيعة حقوقاً معينة لا علاقة لها بوجود الدولة مطلقاً، وهذه الحقوق هي حق الحياة والحرية والتملك، ذلك أن الغرض من إنشاء الدولة هو الحفاظ على الحرية ورفع حالة الخلاف الدخيلة على الجماعة البشرية بعد الاتفاق الذي ساد حالة الفطرة، وعليه فإن الحكومة لا يجوز أن تكون تعسفية[42].

ولأنه يستحيل على الناس حماية حقوقهم بأنفسهم لما ينتج عن ذلك من فوضى وخلاف يمنعان المجتمع من الاستقرار ومن ممارسة الحقوق سبب الاختلاف،  فإنّ ذلك كان سببا حمل أفراد المجتمع على الاتفاق فيما بينهم على إقامة حكومة تُلزم الناس على احترام حقوق الجميع، وهكذا نشأت الحكومة بمقتضى عقد بين أفراد الجماعة والحكومة الممثّلة في شخص الحاكم، إلا أن هذا العقد حسب لوك وخلافا لهوبز مشروط بالتزامات متقابلة على الحكومة وعلى الأفراد، فإذا خرجت الحكومة عن أحكام العقد وهدّدت الحقوق الطبيعية فإنه يكون من حق الأفراد إعادة النظر في هذه الحكومة، وله عند الضرورة القصوى أن يثور عليها[43].

ومعنى الحرية الشخصية عند لوك هو أنه ليس هناك سيادة طبيعية لأحد على الآخر، فسلطة الأب مثلا أعطيت له لكي يربّي الابن ويجعل منه إنساناً، فهي واجب طبيعي أكثر منه سلطة، وهي مؤقتة ولا تشبه في شيء سلطة السيد على العبد، وتُفقد بسوء الاستعمال والتقصير، وعلى قياس ذلك فإن سلطة الحاكم هي لحفظ حقوق الناس ومنع الاعتداء عليها.

وكانت فلسفة لوك بمثابة هجوم كبير على التقاليد والحكم التعسفي والسلطان الكنائسي، فتعاطفت معها الطبقة الوسطى النامية التي اصطدمت اصطداما مريراً بأسرة ستيوارت المالكة بالمجتمع الأرستقراطي وبرجال الدين، واحتشدوا خلفها من أجل الحصول على قدر من الحريات التي ترفع عنهم تلك الأوضاع[44].

  1. 4.     نظريّة العقد عند جون جاك روسوJean-Jacques Rousseau (1712ـ1778) [45]:

   مع أواخر القرن الثامن عشر أصدر الفيلسوف الفرنسي "روسو"  كتابا بعنوان: "العقد الاجتماعي" قرّر فيه أنه لا سلطان إلا للشعب, الأمر الذي مهّد قيام الثورة الفرنسية تحت شعار "الدفاع عن الحرّيات والحقوق الطبيعية للإنسان" التي لا يجوز للحاكم أو السلطان, ولا للقوانين المساس بها أو الانتقاص منها[46]. وقد أصدر مجلس الثورة الفرنسية سنة 1789 الوثيقة الشهيرة "إعلان حقوق الإنسان والمواطن"والتي جاء في ديباجتها "أنّ جهل الإنسان بحقوقه أو نسيانها أو حتّى تجاهلها هي الأسباب الوحيدة للبؤس العام وفساد الحكّام", وأكّدت أنّ هذه الحقوق مقدّسة لا يجوز التنازل عنها, وجاء في المادة الأولى منها: "أنّ الناس يولدون أحرارا ويستمرون أحرارا متساوين في الحقوق", ونصّت المادة الثانية على أنّ: "الغاية من كل مجتمع سياسي حفظ الحقوق الطبيعيّة الخالدة لإنسان", كما نصّت المادة السّادسة على أنّه: "لا دستور لمجتمع يكون ضمان هذه الحقوق فيه غير مكفول"[47].

 يفترض روسو أن الإنسان كان متوحداً في الغالب يحصل بسهولة على وسائل إرضاء حاجاته الطبيعية. ويرى أن الحرية هي التي تميز الإنسان عن غيره من الكائنات حيث أن الحيوان ينقاد لدافع الطبيعة بخلاف الإنسان الذي يرى نفسه حراً في الانقياد له أو مقاومته، كما يعتقد روسو أن هوبز قد أخطأ في قوله أن حالة الطبيعة تتميز بالطمع والكبرياء، فإن هاتين العاطفتين لا تنشآن إلاّ في حالة الاجتماع، فالإنسان المتوحّد كان كاملاً سعيداً لأن حاجاته قليلة، إلا أنه اضطر للخروج من حياة الطبيعة إلى حياة التعاون لأسباب متعددة دفعته إلى ضرورة التعاون مع غيره، ثم إلى حياة الاجتماع بصفة مستديمة فاختُرعت اللغة فتغيّر السلوك، ثم برز الحسد والطمع[48].

إلا أن هذا الاجتماع بسلبياته قد أضحى ضروريا ومن العبث فضُّه والعودة إلى حالة الطبيعة، وكل ما يمكن فعله إصلاح مفاسده من خلال إقامة الحكومة الصالحة وتهيئة المواطنين الصالحين[49].

  لقد كان العقد أداة إرادية يتنازل بها الأفراد عن حرياتهم الطبيعية إلى كل فرد آخر، وأذابوا إرادتهم الفردية في إرادة عامة مشتركة واتفقوا على قبول أحكام هذه "الإرادة العامة" كأحكام نهائية قاطعة، وكانت هذه الإرادة العامة هي السلطة صاحبة السيادة، وإذا ما فُهمت هذه السلطة فهما صادقا فإنها سلطة "مطلقة" و"مقدسة" ولا يمكن الخروج عليها. أما الحكومة فهي أمر ثانوي عرضي، فالملك والموظفون أو الممثلون المنتخبون ممثلون عن الشعب الذي يملك السلطة والسيادة[50].

  إن العقد الاجتماعي عند روسو ليس عقداً بين الأفراد -كما عند هوبز- ولا عقداً بين الأفراد والسلطات -كما عند لوك- وإنما هو بين المجموعة؛ بحيث يضع كل واحد شخصه وقدرته في الشراكة تحت سلطات الإرادة العامة, وسيكون كل شريك متّحداً مع الكل ولا يتّحد مع أي شخص بشكل خاص.

إن العقد الاجتماعي هو الشرط الضروري والملازم لكل سلطة شرعية وهو من منظور روسو يمثل مرحلة من التطور التاريخي تشير إلى الانتقال من الحالة الطبيعية إلى المجتمع المدني، وأن ما يخسره الإنسان من جراء العقد هو حريته الطبيعية والحق اللاّ محدود في كل ما يقرّ به وكل ما يستطيع أن يبلغه ويطوله، إلا أنه يربح بالمقابل الحرية المدنية[51].

   لقد حاول روسو في "العقد الاجتماعي" أن يُثبت أنهُ يستحيل في المجتمع الحرّ أن يُحكَم أي إنسان من قبل أي إنسان آخر، فالسيادة –حسبه- تكمن في الإرادة العامة، والذين يشغلون منصباً عاماً لا يؤدُّون مهامهم بمقتضى حقهم الخاص، أو حق موروث، وإنما بمقتضى سلطة أوكلتها إليهم الإرادة العامة[52].

   وعليه فإن الدولة حسب روسو وليدة عقد اجتماعي, وبالتالي فإنها متأخّرة في الوجود عن الأفراد, ولذا فلا يمكنها أن تتعالى عليهم, و قد ألحّ روسو على ضرورة احترام حقوق الأفراد الطّبيعية التي يُدركها العقل البشري, ووضع الحريّة الفرديّة في المقام الأوّل إلى درجة أنّه كان يرى أنّ الأفراد ليسوا ملزمين بقبول ما يقرّره النّواب الذين انتخبوهم[53].

    وباستثناء التفسير الذي سلكه هوبز في إطلاق سلطة الحاكم[54], فقد كان لأفكار لوك وروسو الأثر الكبير في اندلاع الثورات والخروج على سلطة الملوك الذين حكموا شعوبهم بالغلبة والقهر, وانتشار الوعي بين الأفراد بأنّ الحكّام والملوك ليسوا إلاّ أفراداً أمثالهم منهم. وكان من أبرز تلك الثورات الثّورة الفرنسية التي تُوّجت بإعلان حقوق الإنسان والمواطن[55].

 

  • ·        المطلب الثاني: الفلسفة المشكّكة

    تتسم الفلسفة المعاصرة باتخاذها موقفا توجسياً وتشكُكِياً تجاه المُثُل والقيم العامة، إذ تكشف عما يَكمُن خلفها من رغبات وإرادات قوة أو استثمارات اقتصادية وإيديولوجية وسيكولوجية. فمُثُلٌ كالوحدة والحرية والحق والديمقراطية والاشتراكية قيم نبيلة في حدّ ذاتها، لكنها – حسب هذه الفلسفة- معرّضة للاستثمار أو الاستغلال من طرف أفراد أو فئات أو نخب اجتماعية تتخذ منها أقنعة تُخفي بها إستراتيجيتها في الهيمنة.

   وخطاب حقوق الإنسان نفسه لم يسلم من هذه الاستثمارات، إما على الصعيد الداخلي لكل بلد، حيث يتم توظيفها من قبل الدولة أو الأحزاب أو بعض الفئات المهنية كالحقوقيين والمحامين والأساتذة، كل بطرقه الخاصة، وإما على الصعيد الخارجي خاصة بعد أن تم استغلالها من طرف الغرب و"العالم الحر" كقوة ضاربة ضد المعسكر الاشتراكي سابقا، أو بانتزاع "حق التدخل" ضد بعض الدول باسم حماية حقوق الإنسان فيها، كما حدث من تدخل أمريكي ضد أفغانستان ثم العراق ولبنان وسوريا وإيران وغيرها من البلدان باسم حقوق الإنسان عامة تارة، وباسم حقوق الأقليات تارة أخرى.

   هذه الأحداث والوقائع وبفعل تكرّرها وما نتج عنها من انتهاك فاضح لكرامة الإنسان و الذي لم تشهده حتى عصور الاستبداد قدّمت السّند والأساس الفكري الذي ساعد على تطوير موقف الشك والتوجس تجاه هذه المُثُل العامة.

   وقد حاولت هذه الفلسفة المشكّكة هدم فكرة الأمن القانوني، واستبدالها بنموذج آخر تحلُّ فيه فكرة الواجب أو الوظيفة الاجتماعية مقام فكرة الاستئثار أو التسلّط الفردي، وفكرة المركز القانوني محل فكرة الحق.

   مثل هذا الموقف المشكّك نجده واضحا ضمن فلسفات كان لها الأثر البارز في تغيير الكثير من مجريات التاريخ، هي الفلسفة المادية التي أسسها كارل ماركس، وفلسفة القوة التي قال بها نيتشه، وبحدّة أقل فلسفة التضامن الاجتماعي لصاحبها العميد ليون ديجي. 

 

  • الفرع الأول: الفلسفة المادية (الماركسية):

    يعتبر ماركس[56](1818-1883) المُثُل أوهاما وتضليلا طبقيا، ناظرا إلى القانون وإلى وجهه الآخر المتمثل في الحق، على أنهما انعكاس لعلاقات القوة الاقتصادية والسياسية المهيمنة والسائدة في المجتمع.[57]

   ويؤسس ماركس فلسفته الاجتماعية على أنّ الإنسان المنعزل لا وجود له إلاّ في مخيّلة فلاسفة المذهب الحر أو الليبرالي, ولذا فلا يصلُح ما تفرّع عن أصل هذه الفكرة من أنّ حقوق الفرد وحرّياته الطبيعية سابقة في وجودها عن وجود الدولة, وإنّما ينبغي أن يقوم القانون على أساس واقعي محسوس و مشاهد, والمتمثل في الجماعة التي لا قِبَلَ للفرد إلاّ أن يعيش على أساسها ووفق قوانينها[58] .

   وتذهب النزعة الاجتماعية إلى أنّ الحقوق ليست من عمل الأفراد بل من عمل المجتمعات, بحيث تكون الحقوق الطّبيعيّة التي يزعم أنصارها أنّها نابعة من الذات البشريّة مجرّد خرافة ميتافيزيقية, إذ الحقوق إنّما تتصوّر ضمن المجتمع, حتى و لو كان هذا المجتمع مجتمع لصوص كما يقول أفلاطون في جمهوريته, فلكل جماعة حقوق وقوانين تنظّم علاقات أفرادها, ولا يمكن استخلاص هذه الحقوق تبعا لمتطلبات كل فرد, لأنّ الحقوق الطبيعية ليست إلاّ مطالب ذاتيّة تفتح المجال أمام النزوات الشّخصيّة. فالمجتمع هو الذي يمنح الحقوق لا العكس[59]

 

  • الفرع الثاني: فلسفة القوة (نيتشه 1840-1900)[60]:

    ومثل هذا الموقف المتشكّك لدى كارل ماركس يوجد أيضا عند فريدريك نيتشه الذي يعتبر المُثُل بنيات أخلاقية تحمل أقنعة ماكرة من حيث أنها تعبير مقنَّع عن إرادة القوة. وقد سبق لنيتشه في كتابه إرادة القوة أن عرّف الحق من خلال القانون الذي يصوّغه ويعبّر عنه على أنه تعبير عن "الرغبة في تخليد ميزان (أو علاقات) القوة الحالي للطرف الذي هو في صالحه".[61]

   ويعتبر نيتشه أبرز ممثل لفكرة القوة في الفلسفة الغربية الحديثة ، والتي بناها من خلال تأثّره الشديد بنظرية داروين في الانتخاب الطبيعي، والبقاء للأقوى، فطرح مبدأ الإنسان الأرقى أو الأقوى واستوحى ذلك من فلسفة زرادشت، واستعان بعلم الأحياء الدارويني، وأُعجب جداً ببسمارك[62] ونابليون[63].

  إن القوة هي الفضيلة الأساسية بنظر نيتشه، والضعف هو النقيصة الوحيدة، وإن الحكم الفصل في جميع الخلافات ومصائر الأمور هو القوة لا العدالة، وبهذا ينتهي نيتشه إلى المناداة بتحويل العقل من وظيفته المعرفية والقيمية إلى مجرد خادم للغريزة وقوة الحياة المفرغة من أي توجيه قيمي.

  إن هذا النقد النيتشوي للوظيفة المعرفية للعقل يمتد إلى نفي الثنائية الديكارتية، حيث لم يعد الإنسان فكرا وجسما، إنما بإرجاع وظيفة التفكير إلى الامتداد الجسمي، أصبح الإنسان جسما فقط!. وبذلك يسقط التمييز الديكارتي بين الكائن الإنساني والكائن الحيواني؛ لأن كليهما مجرد امتداد بيولوجي حيوي!.

  • o        الفرع الثالثفلسفة التضامن الاجتماعي:

   أسّس هذا المذهب المفكّر الفرنسي "ليون ديجي" "Leon Duguit" أواخر القرن التاسع عشر, ونشر أفكاره في كتابه: "المطوّل في القانون الدستوري", ويطلق على مذهبه اسم "مذهب التضامن الاجتماعي" أو المذهب العلمي الواقعي، ويقال له أحيانا "مذهب ديجي"، ويرى أن خضوع الأفراد لأحكام القانون لم يكن نتيجة عقد صوري بين الأفراد والحاكم, وإنما وقع بإرادتهم طبقا لما يفرضه مبدأ التضامن بين أفراد الجماعة"[64].

   ويقوم هذا المذهب على أساس واقعي بدل الأساس المثالي التقليدي للقاعدة القانونية، وإنكاره لفكرة الحق وفكرة الشخصية القانونية وغيرهما من الأفكار الثابتة في فقه القانون، ويرى أنّ فكرة الحق دخيلة على عالم القانون لأنها فكرة فلسفية ميتافيزيقية، وبالتالي فلا يصح أن تبقى في علم القانون باعتباره علما وضعيا يجب أن تكون حقائقه مبنية على الواقع الملموس والمشاهد، فالعلم حسب ديجي هو ما يستند إلى ما تسجِّله المشاهدة وتؤيده التجربة وكل ما يجاوز دائرة المشاهدة والتجربة فليس عنده من العلم في شيء إذ هو ضرب فيما وراء الطبيعة وعالم مجهول غير محسوس تستحيل معه المعرفة اليقينية وتروَّج على حسابها الظنون والفروض، والتزام هذا المنهاج العلمي الواقعي هو الذي حدا بالفقيه "ديجي" إلى الدعوة لتطهير القانون من كل ما دخل فيه من أفكار غير واقعية وغير مبنية على الواقع الملموس والمشاهدة، وفي مقدمتها فكرة الحق[65].

     وانتقد ديجي فكرة القانون الطبيعي التي يقوم عليها المذهب الفردي، حيث أنكر وجود حق طبيعي يمكن أن يوجد قبل قيام القانون وخارج نطاقه، بل ويُفرض عليه، وذهب إلى حد التأكيد على أنّ الحق لا يمكن أن يوجد إلا في الجماعة، وأن هذه لا يمكن أن توجد بغير قانون، فالمذهب الفردي عند "ديجي" هو الذي روّج لوجود تلك الحقوق بل واتّخذها أساسا للقانون حينما اعتبر أنها ثابتة للأفراد منذ عهد الفطرة الأولى قبل قيام المجتمع، لأنها ملازمة للطبيعة الإنسانية، وأن القانون لم يوجد ولم يقم إلا على أساس كفالة تمتُّع الأفراد بهذه الحقوق تمتعا متساويا، فالقول بوجود حقوق ثابتة للفرد بمقتضى صفته الإنسانية يعتبر عند "ديجي" مجرد ادّعاء يستحيل إصابته بدليل مادي محسوس، ومقولة "الفطرة الأولى" لا تعدو أن تكون ـ في نظره ـ محض خرافة ينقُضُها الواقع المشاهد المسجّل من أن الفرد كائن اجتماعي لا يستطيع الوجود إلا في مجتمع من الأفراد ولم يوجد أبدا إلا في مثل هذا المجتمع[66].

   وحسب ديجي  فالإنسان ليس كائنا حراً مستقلاّ عن غيره، ولكنه كائن اجتماعي وتبعا لذلك فما يتقرّر له من حقوق ينبغي أن يُنظر فيه إلى هذا الاعتبار، أي أنّه إنسان يعيش في جماعة, فالأََولَى تحقيق سعادة الجماعة وفي ذلك تحقيق لسعادة الفرد، لأن صلاح الكل يترتّب عليه صلاح الجزء والعكس غير صحيح، الأمر الذي يدفعه إلى التّضامن معهم لتعذُّر كفاية نفسه بنفسه, وهو أمر ضروري لتحقيق الحياة المشتركة، وهذا التّضامن لا يتحقّق إلاّ بوجود قواعد تُنَظَّمُ سلوك الأفراد في المجتمع, وتُحدِّد مركز كل فرد[67].

  ولم يقف "ديجي" عند حدود إنكار فكرة "الحق الطبيعي"، بل تعدّاه لإنكار فكرة "الحق المكتسب" الذي تُنشئه قواعد القانون، ذلك أن ما اصطَلح الفقهاء على تسميته بالحق ليس عنده إلا وجهاً ثانياً للقاعدة القانونية نفسها في تطبيقها على الأفراد حينما يستفيد بعض الأفراد من أداء الآخر لما تفرضه عليهم هذه القاعدة من واجبات والتزامات، وهكذا كان "ديجي" مضطرا لأن يُفسر المركز الخاص الذي يكون فيه من اتّفق على تسميته بصاحب الحق عن طريق القول بما يسميه "المركز القانوني". وعنده ليس ثمة حقوق وواجبات تكون للأفراد أو عليهم وإنما يوجد الأفراد في مراكز قانونية معينة ايجابية أو سلبية.

  فهو يرى أن الشخص بالنسبة للقواعد إما أن يكون في مركز قانوني ايجابي ينْتُجُ عن هذه القواعد التي تفرض على غيره عملا أو امتناعا عن عمل يفيد منه هو، وإما أن يكون في مركز قانوني سلبي يترتب عليه أن يُكلَّفَ بعمل أو امتناع يفيد منه غيره[68].

   كما أنّ "الحق" لا يُمكن تصوُّره إلاّ في وسط اجتماعي, فلا يمكن الكلام عنه بالنسبة لفرد يعيش في معزل عن النّاس, ولمّا كان كذلك فالفرد وحفاظا على استقرار الجماعة ملزم بالامتناع عمّا يُخلُّ بهذا التّضامن, وملزم كذلك بإنجاز كل فعلٍ يُؤدّي إلى صيانته و تنميته[69].

    ويرى ديجي أنّ السّلطة التي تعلو الدّولة هي التّضامن الاجتماعي, وعلى وِفقِه يجب أن تُصاغ القوانين, لأنه الأصل الذي تنشأ عنه الحقوق. فكل قانون لا يتماشى, أو يتعارض معه يُعدُّ عملاً غير مشروع, لأنّ الدّولة حدث اجتماعي ما وُجد إلاّ لخدمة هذا التّضامن[70].

   وتعويل ديجي على هذه الفكرة يجد مصدره في حاجة الفرد إلى الجماعة, لأنّه لا يُمكنه تحقيق حاجاته إلاّ إذا شارك الغير في العمل والعيش معا, لما للأفراد من حاجة إلى التّعاون والحياة المشتركة[71].

   أمّا عن المصالح أو الحقوق الفرديّة فإنّها حسب ديجي تتحقّق تلقائيّا ضمن تحقيق مصلحة المجتمع, لأنّ الفرد جزء تكويني فيه, وليس مستقّلاً عنه, أي ليس له كيان ذاتي, ولا شخصيّة منفردة ذات مصلحة خاصّة مستقلّة عن مصلحة المجتمع. فليس للقانون من أساس وغاية إلاّ المصلحة العامّة, كما أنّ الحقوق ما هي إلاّ مراكز قانونيّة يشغلها الفرد لأداء وظائف اجتماعية للمجتمع لا لأنفسهم, فإذا لم يعد للمجتمع مصلحة في حق ما ألغي ذلك الحق, وبالتالي فهو قابل للزّوال إذا فقد مبرِّر وجوده[72]. 

   ووفق هذا المذهب فإنّ الحقوق تُعتبر وظائف اجتماعيّة خالصة، أو مراكز قانونيّة يُنشئها المشرّع متى شاء, وكما يشاء حسب ما تقتضيه مصلحة المجتمع, دون النّظر إلى الأفراد، وبهذا فلم يعد لتعريف الحق حسب هذا المذهب إلاّ مفهوما واحدا هو "المعنى الاجتماعي", حيث جعله ديجي وظيفة اجتماعيّة خالصة, أو واجبا محضا بعد أن كان مفهومه فردياً خالصاً, يورِّث صاحبه سلطة مطلقة[73].

   وهذا المذهب قد انتُقد من طرف فقهاء القانون, وذلك لأنّه أعدم المبادرة الفرديّة وألغى شخصيّة الفرد وقيّد حريّته التي جعلها مجرّد مركز قانوني يُوسَّع ويضيّق حسب ما يقتضيه التضامن الاجتماعي, كما أنّ الحق في مفهوم هذا المذهب لم يعد يُطلق على معناه الخاص بحيث يكون امتدادا لشخصيّة الفرد, وإنّما أصبح وظيفة اجتماعيّة. وبذلك يكون هذا المذهب قد عالج تطرّف المذهب الفردي بتطرّف مثله[74], والحقيقة أنّه لا يمكن تجاهل شخصيّة الفرد أو مركزه في المجتمع, فهو كائن حي عاقل مفكّر حرّ, مسؤول له ذاتيّته, وإرادته المستقلّة[75].كما أنّ العدل يقتضي الموازنة بين مصالح الفرد ومصالح المجتمع, رعاية للحقين معاً, بحيث لا يمكن الميل إلى مصالح المجتمع جملة وتجاهل مصالح الأفراد كليّة, فالعدل يقتضي الإقرار بالحق الفردي وحق المجتمع على السّواء, ثمّ يُقيّد الأوّل بما يدفع كل ضرر غير عادي يلحق بالغير. وذلك لأنّ تقييد الحق خير وأولى من إلغائه[76].

  • خاتمة:

من خلال هذه المداخلة يمكن استخلاص النتائج التالية:

  1. 1.     الأمن القانوني متعدد الأشكال والمعاني والأبعاد، وتشترك في مجموعها حول مجموعة الحقوق والمبادئ الواجب احترامها تأمينا لقاعدة قانونية سليمة من العيوب.
  2. 2.     يعتبر مبدأ الأمن القانوني أحد أهم الأسس التي يقوم عليها بناء الدولة القانونية.
  3. 3.     الأمن القانوني ابتدأ تاريخياً فكرة فطرية مرتبطة بنظرية القانون الطبيعي.
  4. 4.     اتضحت فكرة الأمن القانوني عقب التزاوج الحاصل في إطار النظام القانوني بين فكرتي الحق والقانون.
  5. 5.     تقف خلف فكرة الأمن القانوني خلفيات فلسفية أبرزها فلسفتي القانون الطبيعي، والعقد الاجتماعي.
  6. 6.     لا زال مبدأ الأمن القانوني مجرد فكرة في طور المخاض في حاجة إلى تأسيس وتنظير.


[1] ـ سمير تناغو : النظرية العامة للقانون, ط 1 ,د,ت, منشأة المعارف , الإسكندرية , مصر , ص8 .

[2] ـ علي محمد جعفر : تاريخ القوانين , ط1 , 1998 , المؤسسة الجامعية , بيروت , لبنان , ص18 .

[3] ـ علي محمد جعفر: المرجع السابق , ص17 .

[4]ـ عدنان حمودى الجليل: الأساس الفلسفي للحقوق, مجلة الحقوق, السنة5, العدد1, فبراير1981, الكويت, ص124.

[5] ـ توماس هوبز (1577ـ1679) فيلسوف انجليزي , اشتهر بكتابه : "التنّين الجبّار" دافع فيه عن حكم الملوك المطلق,   وحتميّة تنازل الأفراد عن حقوقهم الطبيعيّة, ويعتبر مع مكيافيلي, وسبينوزا واضعي النظريات السياسية الحديثة .

  روني إيلي ألفا: موسوعة أعلام الفلسفة, ط1, 1992, دار الكتب العلمية, بيروت, ص123.

[6] ـ سليمان مرقس: المدخل للعلوم القانونية, المؤسّسة الجامعيّة, بيروت, لبنان, ج1, ص285 .

[7] ـ سمير تناغو: المرجع السابق, ص8 .  

[8] ـ ذهب أغلب المؤرخين إلى أن عصر النهضة انطلق مع الثورة الفرنسية 1789 .

[9] ـ فقيه روماني ساهم في وضع قانون جوستينيان .روني إيلي ألفا : المرجع السابق , ص127.

[10] ـ أولف جيجن : المشكلات الكبرى في الفلسفة, ترجمة عزّت قرني,ط 1973,مكتبة سعيد رأفت, بيروت, ص374.

[11] ـ عبد الرحمن بدوي : آرسطو , ط1980 , دار القلم , بيروت , ص108 .

[12] ـ إبراهيم أبو النّجا : محاضرات في فلسفة القانون, ط1982, د.م.ج, الجزائر , ص48 .

[13] ـ يقصد بالقانون الطَّبيعي مبادىء العدل التي يدركها العقل , ويقصد بالقانون الوضعي القانون الساري المفعول .

[14] ـ روسكوباوند : مدخل إلى فلسفة القانون ، ط1, 1982 , مؤسّسة فرنكلين , بيروت , ص 37 .

[15] ـ ابراهيم أبو النجا: المرجع السابق, ص37 .

[16] ـ فيلسوف نمساوي, كان أستاذا لفلسفة القانون بجامعة فيينا سنة1917, كوّن بتعاليمه مذهبا عُرف باسمه, كما عُرف باسم مذهب القانون البحت, ثمّ انتقل الى جامعة "بركلي" بال.و.م.أ/إبراهيم أبو النجا: المرجع السابق, ص36 .

[17] ـ توفبق العطّار: مدخل لدراسة القانون , ط2 ,1983, بدون دار الطبع, ص420 .

[18] ـ توفيق حسن فرج: المرجع السابق, ص87 .

[19] ـ ابراهيم أبو النجا : المرجع السابق ، ص44ـ47 .

[20] ـ عبد الفتاح عبد الباقي: المرجع السابق, ص49 ـ52.

[21] ـ سليمان مرقس: المرجع السابق, ص143.

[22] - عبد الواحد محمد الفار: قانون حقوق الإنسان في الفكر الوضعي والشريعة الإسلامية، ص 15.

[23] -  تعتبر نظرية العقد الاجتماعي امتدادا لنظرية القانون الطبيعي، إذ تُصوِّر خروج الإنسان من حالته الفطرية ليصبح عضواً في مجتمع منظم. وهي تقوم على فكرة العقد القائم على اتفاق الجماعة لإقامة نوع من التنظيم الذي يضمن لها الأمن والاستقرار، وأنصار هذه النظريةيفسرون ظاهرة وجود السلطة والدولة نشأتها نتيجة اتفاق بين الأفراد تعاقدياً، في إطار المجتمع / محمد سعيد المجذوب: الحريات العامة وحقوق الإنسان، ص20.

[24] ـ حسن كيرة: المرجع السابق,ص121/ سليمان مرقس: المرجع السابق, ص347/ ابراهيم أبوالنجا: المرجع السابق, ص50.

[25] ـ سمير تناغو: المرجع السابق، ص248.

[26] ـ حسن كيرة: المرجع السابق, ص123 / حسن فرج: المرجع السابق, ص94ـ95.

[27] - طه عوض غازي: فلسفة وتاريخ النظم القانونية والاجتماعية، ط 1988، ج 1، نشأة القانون وتطوره، ط 1988، دار النهضة العربية، القاهرة، مصر، ج1، ص 263.

[28] ـ سمير تناغو: المرجع السابق, ص130ـ131.

[29] ـ ميشال مياي: دولة القانون, ط2, 1990, د.و.م.ج. الجزائر, ص151ـ152.

[30] ـ سعيد بو شعير: القانون الدستوري, ص32.

[31] - حقوقي ودبلوماسي، ومؤرّخ، وفقيه لغوي هولندي، يعرض فلسفته السياسية خاصة في كتابه "حق الحرب والسلم" الذي ألفه سنة 1625 وأهداه للويس الثالث عشر عندما كان سفيرا في فرنسا / ناجي صادق شراب: قانون الحرب وقانون السلام، ص 43.

[32] - أمثال الفيلسوف ميكيافيلي من خلال كتابه الأمير.

[33] - توماس هوبز (1588ـ1679): فيلسوف انجليزي, اشتهر بكتابه: "التنّين الجبّار" دافع فيه عن حكم الملوك المطلق, وحتميّة تنازل الأفراد عن حقوقهم الطبيعيّة, ويعتبر مع مكيافيلي, وسبينوزا واضعي النظريات السياسية الحديثة./ روني إيلي ألفا: موسوعة أعلام الفلسفة, ص123.

[34] ـ نور الدين حاطوم: تاريخ عصر النهضة الأوربية, ط1968, دار الفكر, دمشق, سوريا, ص208.

[35]  ـ  روبرت بالمر: الثورة الفرنسية وامتداداتها، ترجمة هنبريت عبودي، ط1، 1982، دار الطليعة، بيروت، لبنان، ص84 -88.

[36] ـ سمير كرم: الموسوعة الفلسفية، ط2، 1980، منشأة المعارف، الإسكندرية، مصر، ص53 - 64.

[37] ـ إحسان محمد: رواد الفكر الاجتماعي، ط1991، دار الحكمة للطباعة والنشر، بغداد، العراق، ص 43-54.

[38] ـ ألبان ويدجري: التاريخ وكيف يفسرونه، ترجمة عبد العزيز توفيق، ط 1972، الهيئة المصرية للكتاب، مصر ص35.

[39] ـ جون لوك(1637ـ1704): فيلسوف إنجليزي تأثّر بتعاليم ديكارت, وعُرِف بتحرُّرِه, وفلسفته حسيّة تجريبيّة, ومن آثاره, "محاولة في الفهم الإنساني", و "ما هي الحقيقة؟" .

[40] ـ اندريه هوريو: القانون الدستوري والمؤسسات السياسية، ترجمة علي مقلد وآخرون، منشورات الأهلية للنشر والتوزيع، بيروت، لبنان, ج1, ص128.

[41] ـ سيّد صبري: مبادئ القانون الدستوري, ط1970, منشأة المعارف, الإسكندرية, مصر, ص16 / ثروت بدوي: النظم السياسية, ط1972, دار النهضة العربية, مصر, ج1, ص58.

[42] ـ جون لويس: مدخل إلى الفلسفة، ترجمة أنور عبد الملك، ط 1، 1973، دار الحقيقة، بيروت، ص 146 / بالمر: تاريخ العالم الحديث، ترجمة حسن علي ذنون، ط 1964، مكتبة دار المتنبي، بغداد، العراق، ص96.

[43] ـ سمير كرم: المرجع السابق، ص 123 – 129.

[44] ـ بالمر: المرجع السابق، ص 117 / جون لويس: المرجع السابق، ص 151_ 157.

[45] ـ جون جاك روسو(1712ـ1778): فيلسوف اجتماعي فرنسي, ولد في جنيف السويسرية, من آثاره "العقد الاجتماعي" وهو الكتاب الذي تأثّر به قادة الثورة الفرنسية, ورواية "إيميل", و"اعترافات" / برنارغروتويزن: فلسفة الثورة الفرنسية, ص47.

[46] ـ المرجع نفسه: ص129.

[47]ـ عمر اسماعيل سعد الله: المرجع السابق, ص35ـ37.

[48] ـ كرم يوسف: المرجع السابق، ص 194.

[49] ـ هنريت عبودي: فلسفة الأنوار، ط1، 1981، دار الطباعة، بيروت، ص203.

[50] ـ المرجع نفسه: ص 208 – 209.

[51] ـ هنريت عبودي: فلسفة النوار، ط1، 1981، دار الطباعة، بيروت، ص203.

[52] ـ بالمر: المرجع السابق، ص 63.

[53]  ـ جان جاك روسو: أصل التفاوت بين النّاس, ترجمة علاّل زعيتر, ط1984, دار المعارف, مصر، 98ـ103 . 

[54]  ـ لأنّه من مناصري عائلة استوارت الملكية.

[55]  ـ اندري هوريو: المرجع السابق, ج1, ص129.

[56] - كارل ماركس: عالم اقتصادي وفيلسوف اجتماعي ألماني، أصبح أكثر المؤثرين الاشتراكيين في القرن التاسع عشر الميلادي. وقد عبّر عن أفكاره الاشتراكية الرئيسية ـ بداية ـ في البيان الشيوعي (1848م) الذي كتبه مع صديقه فريدريك أنجلز. وقد سمى ماركس اشتراكيته بالاشتراكية العلمية، ليفرق بينها وبين الاشتراكية المثالية. ويعتقد ماركس أن التاريخ صراع بين المالكين والعاملين، وأن الاشتراكية ستنهي هذا الصراع الطبقي وتحل محل الرأسمالية.

[57] - كارل ماركس: إسهام في نقد فلسفة الحقوق، ترجمة هيثم مناع، ط1986، منشورات الجمل، بيروت، لبنان، ص6.

[58] - فتحي الدريني: الحق ومدى سلطان الدولة في تقييده, ص45 .

[59] - عبد الفتاح عبد الباقي: المرجع السابق , ص48ـ49 .

[60]- فريدريك غليوم نيتشه (1844-1900م): ولد في بيت كاهن رعية روكن، في إحدى مناطق تورينج التي جرى ضمها إلى بروسيا، من عائلة قساوسة، درس فقه اللغة ثم الفلسفة وعيّن أستاذا في بال، ثم اختص  في الفلسفة والنقد الكلي فكتب "إنساني جداً" (1878)، المسافر وظله (1879)، الفجر (1880)، وزرادشت بأجزائه الأربعة (1883 - 1885) الذي بلغ معه النقد إلى أعلى مستوياته، جعل منه سلاح تحويل في القيم، وأكمل نظريته في نقد القيم بكتابيه ما وراء الخير والشر (1886)، وأصل الأخلاق (1887). ليصل إلى انتقاد الدين ثم التبشير بموت الإله من خلال سلسلته (غسق الأوثان، قضية فاغنر، المسيح الدجال، Ecce Homo) (1888)، وفجأة أصابه مرض "السفلس" فأقعده مشلولا ثم جنّ بفعل ذلك إلى أن مات في قايمار عام 1900 / جيل دولوز: نيتشه والفلسفة، ترجمة أسامة الحاج، ط1، 1981، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، ص 8 - 16.

[61] - عبد الرحمن بدوي: نيتشه، ط5، 1975، وكالة المطبوعات، الكويت، ص 216.

[62] - بسمارك: كان يلقب بسياسي القوة فرض سيادتهعلى النمسا، وأخضع فرنسا في شهور قليلة، ودمج الدويلات الألمانية في إمبراطوريةعظمى، لم يكن يؤمن بأخلاق الحب والتسامح والتواضع.

[63] - نابليون بونابرت الأول(napoléon Bonaparte)  هو قائد عسكري وحاكم وملك إيطاليا، وإمبراطور الفرنسيين، عاش خلال أواخر القرن الثامن عشر وحتى أوائل عقد العشرينيات من القرن التاسع عشر، حكم فرنسا في أواخر القرن الثامن عشر بصفته قنصلاً عامًا، ثم بصفته إمبراطورًا في العقد الأول من القرن التاسع عشر، وقد كان لأعماله وتنظيماته تأثير كبير على السياسة الأوروبية / يوسف سعد يوسف: نابليون بونابرت، ط1، 1988، المركز العربي الحديث، مصر، ص 5 -9.

[64] ـ ليون ديجي: دروس في القانون العام، ترجمة رشدي خالد، ط1، 1981، وزارة العدل، بغداد، العراق، ص 15.

[65] ـ المرجع نفسه: ص 16 / حسن كيرة: المرجع السابق، ص 424.

[66] ـ محمد كامل ليلة: النظم السياسية, ص261ـ263 / عبد الحي حجازي: المدخل لدراسة العلوم القانونية، ط1، 1970، جامعة الكويت، ج2، ص 13.

[67] ـ حسن كيرة: المرجع السابق, ص123. / ثروت بدوي: المرجع السابق, ص125ـ126.

[68] ـ ليون ديجي: دروس في القانون العام، ص 21.

[69] ـ المرجع نفسه:  ص24.

[70] ـ ثروت بدوي: المرجع السابق , ص125ـ127.

[71] ـ  توفيق حسن فرج: المرجع السابق, ص119.

[72] ـ عدنان حمودى الجليل: الأساس الفلسفي للحقوق, مجلة الحقوق, السنة5, العدد1, فبراير1981, الكويت, ص125.

[73] ـ فتحي الدريني: نظرية التعسّف في استعمال الحق, ص349 .

[74] ـ عبد الفتاح عبد الباقي: المرجع السابق, ص 25 / عبد المنعم بدراوي: المرجع السابق, ص37.

[75] ـ فتحي الدريني: نظريّة التعسّف في استعمال الحق , ص350.

[76] ـ فتحي الدريني: الحق ومدى سلطان الدولة في تقييده, ص50ـ51.

 

 Télécharger l'article

 

Appel à communication