January 2017
S M T W T F S
1 2 3 4 5 6 7
8 9 10 11 12 13 14
15 16 17 18 19 20 21
22 23 24 25 26 27 28
29 30 31

 

أرخبيل الذباب وتداخل البنيات النصّية

أ/ يمينة بن سويكي

جامعة أم البواقي ( الجزائر)

 

1/البنية الفكريّة:

*الكاتب: بشير مفتي كاتب جزائري ينتمي إلى الجيل الجديد’هو عضو فعّال في رابطة الاختلاف الجزائرية’بدأ   الكتابة في منتصف الثمانينيات’قدّم مجموعة قصصيّة تحمل عنوان :أمطار اللّيل سنة 1992 .ثمّ خمس روايات متتالية:أرخبيل الذباب سنة 2000 ’ عن منشورات البرزخ ’ثمّ بخور السّراب ثمّ أشجار القيامة ثمّ خرائط لشهوة اللّيل  ثمّ دمية النّار.ثمّ أعيد طبع  أرخبيل الذباب دون باقي الرّوايات سنة 2010 ’عن الدار العربيّة للعلوم ناشرون لبنان بالاشتراك مع منشورات الاختلاف ’هي خمس روايات في عشريّة تقريبا’بمعدّل رواية كلّ سنتين.رشّحت روايته :دمية النّار لجائزة البوكر سنة2012’كاتب بهذا المستوى’يستحقّ الالتفات إليه ودراسة نصوصه.                                    

لمكتوب: أرخبيل الذّباب:هي الرّواية الّتي نالت حظّها من الطبع مرّتين اثنتين’دون غيرها من روايات   مفتي’تتكوّن من 143 صفحة’من الحجم المتوسّط’الأرخبيل: ينتمي إلى حقل معجميّ جغرافيّ’وهي مجموعة الجزر.أمّا الذّباب:ينتمي إلى حقل معجميّ حشراتيّ’أرخبيل الذّباب هذا العنوان المركّب بالإضافة يحيل إلى حالة اللاّتواصل الّتي كان يعيشها المجتمع الجزائري بين طبقتين سياسيّة ودينيّة والضّحيّة هي الطبقة الاجتماعيّة الّتي تعيش في جوّ غير واضح؛من المسجون ؟ومن السّجان؟ هذا ما يوحي به مصطلح الأرخبيل.أمّا مصطلح الذّباب:فهو يوحي بالهشاشة والتشيّئ  واللاّقيمة’وهو مستوحى-كما صرح به بشير-من المثل الشّعبيّ الّذي عرف في العشريّة السوداء:-يموتو كي ذّبان-بمعنى يموتون مثل الذباب’لا قيمة لهم.

-الرّواية يصدّرها صاحبها بمقولة للمفكّر الفيلسوف:مارتن هايدجر"الإنسان يتيه ’إنّه لا يسقط في التّيه’في لحظة معيّنة.إنّه لا يتحرّك إلاّ في التّيه لأنّه ينغلق وهو ينفتح وبذلك يجد نفسه دوما في التّيه".

هذه العتبة النقديّة تضع قارئ الرّواية منذ البدء في حالة من التيهان...حيث لا يجد الحقيقة أو النتيجة المنتظرة بعد الإنتهاء من عمليّة القراءة الّتي بدأت بحالة تيه لتنتهي إلى حالة تيه أخرى’وكأنّها كتبت في عصر تيه"العشريّة السوداء"

-ملخّص الرّواية:

تحكي الرّواية عن الصّراع الّذي عاشته الطبقة المثقّفة آنذاك’من صحافي وأستاذ ورسّام وبائع كتب...’الكلّ كان يبحث عن الحبّ ليخفّف عنه ألم الضّبابية وحالة التّيه وملاحقة المجهولين وتهديداتهم’ليدخل الجميع في صراع مع الذّات والآخر’هكذا تتشكّل شخصيات الرّواية المحرومة من مزاولة حياتها وممارسة حقوقها ؛في الكتابة والتعبير والرسم والأبوّة والبنوّة والحبّ والّلقاء و...’كما تقول الرّواية:"نداس ليعيش السّادة "(1) .

إنّ البحث عن الحب ومحاولة النّسيان بالخمرة وباقي وسائل التّيه تجعل الأبطال يتيهون في صراع وخوف وقلق يفسد حياتهم ويدمّرهم من الدّاخل ليصبح كلّ بطل هو مشروع جثّة’والموت في الرّواية هو البطل الحقيقيّ وباقي الأبطال ما هم إلاّ ديكور أو اكسيسوارات تزيّن الروّاية فقط.

هي صورة للفوضى واللاّمعنى عن جزائر العشريّة السوداء ويشهد الأبطال على أنفسهم أنّهم يشبهون الذباب لا قيمة لهم ولا لحياتهم ؛"فلقد وجدوا في عالم يغرق ولا أحد يملك طريق النّجاة"(2)

الموت الّذي تعرفه الشخصيات ينبثق من رحم كينونة الفرد’هو قضيّة العدم بعد الوجود ’حيث يتحوّل مفهوم الموت إلى مفهوم التشيّئ والعبثيّة والسّخريّة المرّة أوالكوميديا السوداويّة’يقول البطل :"لم يكن يثيرن أمر القتل’الوحشيّة’الذّل’العبثيّة’لعبة الدّم والتسلّط.تمثيليّة الحكم’الخونة السّياسيين’المغامرون بالبلد’الكتّاب الّذين لا وجه لهم’الفنّانون المنذهلون بالواقع’الصّحافيون الّذين يباعون ويشترون في كلّ دقيقة’كلّ هذا صار أليفا حتّى أنّه لم يعد يشعرن بأنّها الحافة النّهائيّة للإفلاس".(3 )

القارئ لرواية أرخبيل الذّباب يمكن أن يحكم عليها بأنّها رواية الأزمة أو رواية التّاريخ أو حتّى رواية الواقع’ "...الإبداع الرّوائيّ الجزائريّ المكتوب بالعربيّة دوما وليد تحوّلات الواقع الجزائريّ .."(4).

2/بنية  الشخصيّات:

قبل أن أغوص في الدّراسة ينبغي أن أشير إلى ملاحظة جدّ هامة:"...السّائد حاليّا في الدّراسات الأدبيّة أنّ "المنهج "الواحد والأوحد خرافة لا يمكن أن تنتج عنها سوى الأوهام .فالقراءة تستند إلى فرضيّة يبرّرها وجود نصّ يبني معانيه استنادا إلى قوانين لا يمكن الكشف عنها إلاّ ارتكازا على تصوّرات تخصّ شروط إنتاح المعنى وشروط تداوله ’وهي فرضيّات لا تشكّل "منهجا"بل يجب النّظر إليها باعتبارها "ترتيبات تحليليّة" قد تفيد من تصوّرات نظريّة متعدّدة ’فالنّاقد قد لا يبحث في النّص عمّا يعرفه بشكل مسبق ’بل يستدرجه التّأويل إلى اكتشاف ما لم يتصوّره من قبل".(5)

الشّخصية الأولى في الرّواية هي البطل (س) الّذي اتّخد دور الرّاوي ’يحكي بطريقة "المونولوج"’"لم تكن الحرب واضحة ..لم تكن علاقتنا أيضا واضحة..كنّا بحاجة إلى تبرير كلّ شيئ ..وأمام لا معنى الحرب ..كان هناك لا معنى في الحبّ..هل هي الحرب؟أم هو الحب فقط...الغيوم الرّماديّة في السّماء  تبعث بداخلي السّأم ..آه من الحرب.."(6)ومن بداية السّرد يتّضح لنا التّلوين الأسلوبي وذلك بأنّ البطل (س) يسرد ماحدث له مرّة في عدّة مرّات وهو ما يطلق عليه بالسّرد التكراري(7) ’ الذي نجده يهيمن على كامل الرّواية.

أوّل علاقة يتقاطع معها البطل في الرّواية هي صاحب الحانة ’الّذي ألف وجود (س) منذ سبع سنوات ينصحه  بأن يخرج لأنّ الحانة أصبحت فارغة إلاّ منه هو(8).تتدخّل شخصيّة أخرى باستعمال السّرد الاستذكاريّ ألا وهي "ناديا":"ناديا لم تعد ..أنا الّذي أصبحت مملاّ ’وربّما مقرفا وهي لا تدرك أنّ خيط الحبّ يتهشّم مثل رأس ملاكم تحت لكمات خصم  قويّ وعنيد ’ لا رحمة في ضرباته.."(9).هكذا تبدأ الرّواية بحالة انفصال البطل (س)عن ناديا بسلميّة لا حرب فيها "وهي تحاول أن تمسح شعري بأصابع يدها النّاعمة أضافت :لقد عشنا معا السّراء والضّراء ...تمتّعنا بالحياة اعتصرنا جسدينا بالنّشوة وذقنا حلاوة النّعيم وغرفنا من مفاتن الكون حتّى صار لنا قلب واحد’جسد واحد’صرت لك وصرت لي’صار كلّ ما فينا واحدا’وهذا لم يكن قليلا ..كان كثيرا وكثيفا وعزيزا ..لهذا صار انفصالنا موعدا مفروضا’..."(10).

بعد هذا التذكّر يقرّ البطل قرارا خطيرا :"قرّرت أن شربت حتّى صرت مخمورا أن أبعث لكلّ الجرائد الوطنيّة والدوليّة و وكلات الأنباء والقنوات المسموعة و المرئيّة رسالة أعلن فيها خبر انتحار الكاتب (س)...(11).

يتفاجأ القارئ منذ البدء بهذه النّهاية السلبيّة الّتي تدلّ على البنية النفسيّة الهشّة الّتي يعانيها البطل."العاصمة تنام باكرا ’ثمّة إحساس لاهب بالخوف .رغبة جامحة في فعل شيء يمزّق الصمت الملفوف كجدران زنزانة صدئة ’...وبداخليّ جوع شرس للكتابة .."(12).لا شكّ أنّ القارئ يقف متعجّبا لأمر هذا (س) فمن جهة يبعث برسالة انتحاره للأنباء ومن جهة أخرى يشتاق إلى فعل الكتابة كاشتياق الرّضيع لأمّه ؛فمن جهة ينفصل الكاتب عن نفسه وعن محيطه ومن جهة أخرى يعلن الرّغبة في الاتّصال بعالم الكتابة وكأنّه يجد العالم الّذي لا خوف فيه ولا خوف منه .ويستمرّ البطل في تذكّره لكلّ الأشخاص الّذين كان معهم في علاقة اتّصال أو انفصال وهذه المرّة مع محفوظ حيث ذهبا إلى المقبرة فيسأل :"ما الّذي جئنا نفعله هنا؟ أجبته بصوت منخفض :ثمّة جذور هنا.."(13).وكأنة ّ (س) دخل في علاقة تواصل مع الأموات حالما أعلن خبر انتحاره للأنباء.

مباشرة بعدها نجد (س) يدخل في علاقة  اتّصال مع سمير الرّسام "ثمّة مأساة وراء كلّ لوحة أو صورة إنسان ..."(14). يحدث في هذه الرّواية أن يتذكّر (س) شخصيات ليست لها دور فعّال في سيرورة أحداث الرّواية وكأنّه لا يريد أن ينسى كلّ الذين تقاطع معهم في حياته قبل رحيله الحقيقيّ."تصفني نيروز قائلة:تملك ملامح طفل ..شيء ما يخطف إليك بسرعة .."(15).يتدخّل بعد ذلك مصطفى فجأة في حوار مع البطل وهو الصحافيّ الّذي يعاني من اضطهاد السّلطة حيث يقف حائرا بين الهرب إلى  الخارج أو البقاء مع أمّه؟يطمئنه(س):"لا تقلق بشأن والدتك سأتكفّل برعايتها....الّلعنة عليك وعلى كلّ من ضيّع فرصة الهرب."(16) وتعود ناديا لتطفو على سطح الذّكريات "ناديا كانت لحظة الخوف الكبير الّذي عشته بكلّ شراسة.بكلّ ضعف وبكلّ جنون ولا أعلم إن كان بوسعي وضع صورتها في الإطار المحدّد.أي على الوجه الصّحيح من اللّوحة ."(17).وفي غمرة هذا التذكّر يظهر محمود البرّاني في الخمسين من عمره ..صاحب مكتبة صغيرة بحي باب الواد ..هو الّذي عرّف البطل (س) بناديا أوّل مرّة..(18).

ونحن نعيش مع (س) ذكريات تعارفه نجده فجأة يعود بنا إلى مراهقته وتذكّر أوّل حبّ له مع امرأة تكبره بعشرين سنة ’ثمّ حبّ ابنتها ومغامراته معها رغم وصفه لعائلته بأنّها كانت شديدة المحافظة ومتديّنة بصورة متزمّتة(19).

في كلّ مرّة يعود (س) لتذكّر ناديا الّتي هزّت كيانه حيث كانا يلتقيان في كلّ مرّة في مكتبة البرّاني الّذي كان يوفّر لهما ما يغذّي جوعهما المعرفيّ معا"على عجل أخدت الكتب الّتي تريد ثمّ انصرفت "(20).ويمدّ (س) جسور  ذكرياته مع شخصيّة أخرى عزيز الصّافي "الغريب أنّه لا أنا ولا سمير الهادي خمّنا ما كان يدور بخلد عزيز في تلك السّهرة ’ولم نتوقّع بتاتا أن نجده مع الصّباح قد غادرنا إلى العالم الآخر بعد أن ابتلع عددا من أقراص (...)"(21)

هكذا يظهر البطل في علاقة مع شخصيات تظهر فجأة لتختفي فجأة وكأنه أرخبيل يمنع تواصل جزره بقوّة .وما يبقى من الاتّصال بهم سوى الذكرى وألم الفقدان "فقيمة الكلّ هي في أجزائه ’كما أنّ قيمة الأجزاء تتأتّى من مكانتها في هذا الكلّ..."(22).إنّ أبطال أرخبيل الذّباب يتأثّرون بتواصلهم مع بعضهم كما يـتأثّرون بانفصالهم أيضا "كلّ واحد يرى في الآخر صديقه وندّه .حلمه وعذابه .جرحه وسعادته..وحتّى الوطن ليس إلاّ وهم.."(23).لم يتمكّن أحد من الأبطال أن يساعد صديقه لأنّ الكلّ كان يعيش حالة الفوضى والتّيه والانكسار و الرحيل بطريقة ما...وفي زخم الذكريات هذا يظهر (س) في علاقة مع نفسه هذه المرّة "كنت  تعوّدت على تأديّة مهنة الأستاذ الّذي يلقي دروسه في القسم بشيء من القلق وعدم الاطمئنان .."(24).لتعود ذكريات ناديا من جديد لتقطع على (س) رحلة تذكّره وتطفو هي على السطح دائما"وجدت صعوبة في التحكّم بنفسي إذ ظهر لي الحبّ هذه المرّة كأعنف ما يمكن للرجل أن يتكهّن فيه حتّى بمستقبله فيما بعد"(25).وفي رحلة الاسترجاع يتّصل بشخص اسمه عيسى  عازف الساكسو وهو الحبيب الأوّل لناديا ’لينصحه بمواصلة البحث عنها ليفهم سرّ اختفائها المفاجئ كلّ مرّة دون إشعار(26).حتىّ هؤلاء المجهولون لا ينساهم (س) في رحلة تذكّره "لا أذكر جيّدا ما الّذي حدث لي بعدها’ أظنّ أنّ سيّارة سوداء توقّفت بقربي وأنا خارج من باب العمارة وشخص يرتدي بدلة سوداء ويضع نظّرات شمسيّة على عينيه أخرج مسدّسا وقال لي أدخل.."(27).وتمتزج الهواجس بالذّكريات ليدخل البطل في متاهة بعدما جابه ألم الاتّصال والانفصال مع هؤلاء الّذين عايشهم في الماضي"عيون القتلة تحرس الباب’أنا مستسلم لغواية التأمّل ’نائم جسدي وروحي طليقة في فسحة العالم’لا أرى إلاّ  ما يراه النّائمون في بحر الخوف ..."(28).

وهو في مثل هذه الحالة التي يقترب فيها من حالة الجنون يخاطب ناديا وكأنّها أمامه:"ناديا ..حيثما تكوني ..اعلمي جيّدا أنّ الأمر كان محبطا من البداية..وأنّ الحرب لم تكن واضحة ...وحبّنا أيضا ...وهذه القصّة كذلك ..."(29).هكذا تنتهي رحلة تذكّر (س) مع شخصيات الرّواية حينما يتوقّف عن التذكّر وسرد ما حصل من أحداث كان الجميع طرفا فيها ’ليأخذ شخصيّة الرّاوي شخص كان في علاقة اتصال دائمة مع (س)وهو محمود البرّاني الّذي يفتتح سرده بقوله:"كان ذلك آخر ما كتبه (س) ولم يقدر لناديا أن تقرأه على الإطلاق ولا لأحد غيري الاطّلاع عليه ..."(30).تغيب ناديا عن أحداث الرّواية كما يغيب (س) في جوّ غامض لا أحد يدري كيف كانت نهايتهما؛لا القارئ ولا الرّاوي الثّاني الّذي أخذ يروي بدلا من الرّاوي الأوّل (س).

يبدأ البرّاني نفسه تقنيّة التذكّر  أو استرجاع الأحداث كما فعل (س) وكانّ الرّاوي  وإن تعدّد في أرخبيل الذّباب يرفض التصالح مع الحاضر ليعيش ذكرى الماضي فقط؛"أفكّر في "فاطمة ح" الآن وأتساءل كيف أمكنني تضييعها بذلك الشّكل؟..كيف سمحت لنفسي بالخضوع للابتزاز ؛حياتي أو حبّها "(31).ذكريات البرّاني تعود إلى ما قبل استقلال الجزائر عندما كان مهاجرا في اسبانيا’"كانت الجزائر قد استقلّت بالفعل وشهدت منذ سنواتها الأولى ذلك الصّراع العنيف على السّلطة  ’ممّا أفشل مشروع عودتي ..."(32).وكأنّ الرّواية محكومة بالغوص في الماضي من أجل التنقيب على الذكريات فقط؛"مادلين أحبّتني بعدها وأنستني دنياي القديمة ودفعتني لأفكّر بالفعل في الكتابة.."(33). ينتهي البرّاني من ذكريات الهجرة ليواصل ذكريات الوطن’ليتذكّر بدوره نفس الشخصيّات الّتي تذكّرهم البطل (س) "بسعادة كنت أحضر الكتب أشتريها من هنا وهناك أرتّبها في صفوف ومحاور..كنت أرغب فقط في الاستماع إلى الشّبان الّذين يزورون مكتبتي.."(34). وتذكّر "عندما حلّ (س) لأوّل مرّة ضيفا على مكتبتي كان بصحبة مصطفى"(35).وتظهر ناديا فجأة هذه الأنثى الخرافيّة الّتي تؤثّر على الرّاوي الأوّل كما تؤثّر على البطل الثاني بالقوّة نفسها أي أنّها تصل بهما إلى مرحلة الزلزال "مضى أكثر من شهرين على تعارفنا قبل أن تقول لي إنّ اسمها "ناديا"خبطت رأسي على الحائط ’وكدت أجهش بالبكاء .."(36).ناديا إذن هي البنت الحقيقيّة للبراني أصبح هو يعلم وهي لا’لكنّها تعلم أنّ زوج أمّها المسؤول في السلطة ليس هو والدها الحقيقيّ.

تسترق ناديا هنا عمليّة السرد كما فعلت مع (س) ,"ووجدت في عيسى الأب والحبيب معا.كنت بحاجة إلى ذلك ’لكنّهم لم يتركونا نعيش تلك الأيّام الجميلة من العمر .."(37).ويدخل البرّاني في مونولوج بعد اكتشافه أنّ ناديا تكون ابنته"كيف أصلح غلطتي؟..ما الّذي يجب أن أفعله الآن ؟.."(38).يتذكّر البرّاني تحوّل  هؤلاء الشّخوص من حالة إلى أخرى وكيف كانوا يتبادلون التأثير على بعضهم البعض "..كان وجود ناديا يعطني الحيوّية لأفكاري ...مصطفى تعرّض لحادث غريب ...(س) عرّفته على ناديا حتّى باتت بشائر البهجة تطّل كلّ صباح من عينيه .."(39).ليتم الرّواية :"..(س) فلا أحد يعلم ما الّذي حدث له بعدها ...لقد قرأ الجميع بيان انتحاره ...أمّا ناديا فقصّة اختفاءها ما تزال تثير حكايات ...وبالنّسبة لي كانت رحلتي إلى الصّحراء ...هي آخر أسفاري إلى مكان يتجرّد فيه الإنسان إلاّ من علاقته بالذّاكرة والطّبيعة والموت..."(40)".

من تتبّعنا لبنية الشخصيات في أرخبيل الذّباب يمكننا القول:هذه الرّواية تدخل فيما يسمّى بالوظيفة التفسيريّة (41)’ وذلك لما قدّمه الرّاوي من تفسير لوضعيّة شخصيّاته ووضعيّة السّلطة أو القوّة الّتي كانت تؤثّر عليهم بطريقة أدّت إلى هلاكهم كلّ بطريقة مختلفة. أمّا عن تعدّد الرّواة في أرخبيل الذّباب بين (س) ونادية والبرّاني ’يجعل هذه الرّواية تدخل فيما يسمّى بالرّواية داخل الرّواية(42).حيث يتناوب هؤلاء الأبطال على الحكي كلّ واحد منهم قام بسرد قصّة وهي رواية قائمة بذاتها.

3/بنية الفضاء:

أرخبيل الذّباب رواية تتوزّع على كثير من الأفضيّة منها الفضاء الاجتماعيّ والفضاء السّياسيّ والفضاء الثّقافي’دون أن ننسى الفضاء الجغرافيّ.أمّا الأماكن فهي تختلف بين المغلقة والمفتوحة’إذ لا يجد القارئ صعوبة في تحديد الفرق بين الفضاء والمكان في هذه الرّواية’حيث يبرز الثّاني أصغر من الأوّل حجما وامتدادا في الزّمن وتأثيرا على سيرورة الأحداث’والأوّل يحتوي الثاني إذ يعدّ جزءا منه.

أ/الفضاء الاجتماعيّ:

المجتمع يعيش حالة من الاضطراب والضّبابيّة تمثّلتا في فاتحة الرّواية:"لم تكن الحرب واضحة ...لم تكن علاقتنا أيضا واضحة..."(43).اللاّتواصل بين الأفراد في المجتمع تكون نتيجته الانطواء على الذّات والدّخول معها في صراع بين المونولوج والتذكّر"سأحفر من جديد في هذه الذّاكرة  البعيدة والمتوحّشة وحتما لن أصل إلى نقطة السّر سأفتح شهيّة قلبي ليقول حالاته ."(44).الغوص في مثل هذه المتاهات يؤدّي بالفرد إلى الهروب باحثا عمّا ينسيه "صاحب الحانة يسألني إن كنت أرغب في مزيد من الوسكي"(45).وكأنّ الشرب هو الحلّ المؤقّت الّذي يشفي النّفس من آلامها و يحعلها تنسى الخوف والتّهديد وفشل الحبّ.

الأبطال في الرّواية ما هم إلاّ نماذج اجتماعيّة يتكرّر وجودهم في المجتمع ؛ناديا المرأة المثقّفة الّتي تقرّر الخروج عن أعراف المجتمع نموذج حيّ عن امرأة التسعينيات "كانت تحكي بطلاقة’لم تكن خائفة من أيّ شيء’كيف حدث تمرّدها الأوّل على والدها الوحشيّ’عندما دخل إلى غرفتها وأراد أن يغتصبها’لقد قاومته بشدّة حتّى تمكّنت من النّجاة من قبضته’...تحدّثت عن أوّل مغامرة لها مع شاب في الثانويّة وكيف أنّها لم تكن تحبّه ولكنّها أقدمت معه على خطوة جريئة في حياتها وأنّه بعدما فقدت عذريّتها’تركته لشأنه ...وبقيت حرّة ومندفعة كالرّيح...أوّل رجل أسعدها كان اسمه عيسى’عازف جاز ممتاز ورغم كبر سنّه إلاّ أنّها أحبّته بالفعل وتمكّنت من أن تعيش معه سنوات بكاملها’في غمرة حبّ مفعم بالحرّية والسّعادة."(46).

إنّ تداخل البنيات في هذه الرّواية يجعل القارئ لا يستطيع أن يفصل بنية عن أخرى ’حيث بدت كلّ البنيات متشابكة "لذلك ترى البنيويّة أنّ كلّ نصّ يحتوي ضمنيّا على نشاط داخليّ يجعل من كلّ عنصر فيه عنصرا بانيا لغيره ومبنيّا في الوقت ذاته ...وبعبارة أخرى فإنّ (البنية) في رأيهم ليست ساكنة سكونا طلقا إنّما هي خاضعة للتحوّلات الدّاخليّة ."(47).  

ب/الفضاء السّياسيّ: 

"لم تكن الحرب واضحة ..وهل كانت هنالك حرب؟ثمّة حروب لا نعرف مصدرها وأخرى نعرف لكي لا نقول أيّ شيء.فقط الصمت أمام جبن اللّحظة ..هل هو الخوف من الموت الّذي زلزل كيان المرء فيحوّله إلى بعوضة؟.."(48). من هذا المقطع يتّضح لنا حالة الضياع والجبن والخوف الّذي يهشّم كيان إنسان العشريّة السوداء فيجعله فقط يصمت لأنّ الحرب لم تكن واضحة أطرافها."محفوظ لا يبالي وقد نصحني أن أشرب لأنسى وردّد عليّ جملا كثيرة في لا معنى الحياة وصعوبة أن يكون لك عقل تفكّر به في هذا  النّظام الصّارم الّذي أنبيّ على ميراث ضخم من حسابات اللاّعقل والخرافة والجنون.."(49)

وفي هذا الوضع المأساويّ كن ينبغي على الأفراد أن يغرّفوا بأنفسهم وإلا عدّوا في غمرة المجهولين"عليك أن تحمل دائما بطاقة هويّتك ..إن لم تحملها فأنت مجنون’سيضربونك.."(50). وللقارئ أن يتصوّر مثل بشاعة هذه المشاهد آن ذاك."..لا تجادل في الثّوابت’الواحد هو الواحد’الشّمس هي الشّمس’الكرسيّ هو الكرسيّ’الزّعيم هو الزّعيم’الزّعماء هم الزّعماء ثمّ قل من جديد إن هم اعتدوا عليك ..أنا لا شيء ..أنا لا شيء ..وحتّى إن سامحوك فلا تأمن ..صدّقني ..لا تنخدع برأفتهم ..إن هي إلاّ بعض من حيّلهم الدّنيئة للغدر بك في الغد أو بعد الغد سيقتلونك إن اشتمّوا فيك قليلا من الصّدق ...فأنت عدوّهم الأوّل’ الخائن الكبير لهذا الوطن.."(51).  

إذن النّظام صارم ولا يعترف بذوي العقول لذلك كان على الجميع أن يعيشوا حياة لا نشاط للعقل فيها ’فقط شيء يشبه المتاهة أو الخرافة أو الجنون"ذات يوم طرق بابي أناس مجهولون وهدّدوني وقالوا كلاما مخيفا وشتموني وأرغموني على أن أحني رأسي عندما أردّ عليهم ثمّ هدّدوني بالقتل إن أنا تفوّهت بشيء ..لحدّ السّاعة ما زلت أجهل من هؤلاء ولم جاؤوا إليّ وما الّذي أرادوه منّي بالفعل وبعدها عشت غربتي الجحيميّة وتنقّلاتي المستمرّة من بيت إلى بيت ومن صديق لصديق  ..لكن بقيت أحسّ كلّ خطوة أخطوها ..أنّهم ورائي وأمامي وبقربي يمينا ويسارا وفي اللّيل داخل كوابيسي ..لقد احتلّوا خيالي "(52).هي صورة جدّ مفصّلة عن الوضع الأمنيّ السّياسي الّذي كان يعيشه مواطن التسعينيّات ."سأتكفّل بالأمر ..يجب أن تبقى مختفيّا ..رأسك مطلوب وهم ينفّذون كلّ ما يخطّطون له. عليك أن تصمد وأن تسافر ."(53).وضع مخيف ينبئ بالخطر في كلّ خطوة كان يخطوها أفراد المجتمع لا سيّما المثقّفون فيه." استيقظت صباحا بالفندق’الغرفة نفسها أين كنت؟من قادني إلى هنا؟وماذا حدث لي؟لم أعد أذكر من كلّ ذلك الرّعب أيّ شيء’فقط الدردشة المخيفة وورقة صغيرة مكتوب عليها هذا تحذير بسيط فقط"(54).مثل هذه الحال تجعل المرء يفقد عقله لا محال "أصوات كثيرة تصلني من بعيد.تتداخل بالرّصاص والصّراخ والفزع العام الّذي استولى هكذا على مدينة كبيرة كالعاصمة إنّه الجنون حتما وعندما يدخل الجميع في حالة الهذيان .يصير الموت هو الوحيد القادر على إخماد نفس الرّعب ذلك هو الّذي أصبح سيّد اللّحظات الأليمة لشعب بأكمله".(55).أصبح "هذا البلد مثل القطة الّتي تأكل أولادها"(56).حالة الرّعب السّياسيّ وغياب الأمن بكلّ معانيه جعلت الأفراد يعيشون الكوابيس باستمرار"داخل الغرفة المغلقة عليّ ’أشاهد جثّتي تسبح فوق دماء تجرفها إلى أرض أخرى"(57)."ألتقي في المنام برجل يطلب رأسي".(58)."عيون القتلة تحرس الباب ".(59).لقد"تحوّل العنف إلى ضرورة وحالة مبهمة تثير الرّعب والبهجة في الآن ذاته ..عندما انفجرت لأوّل مرّة أمامنا أنا ومحفوظ تلك القنبلة وقفنا ذاهلين شعرنا بالفزع أمام الدّخان والنّار وصوت الانفجار والأجسام المفحّمة والدّم ثمّ يا للعبث كدت أنفجر ضاحكا"(60).الوضع السّياسيّ المتأزّم جعل الإنسان يعيش في حالة برود كادت تجمّد إحساسه أمام الأهوال.

ج/الفضاء الثّقافيّ: 

في مثل هذا الجوّ السّياسيّ والاجتماعيّ المليء بكوابيس القتل والدّم و الفوضى وضبابيّة الرّؤية’حتّى نخبة المجتمع وهم الطبقة المثقّفة تسقط ضحيّة الوضع المأساويّ ولا ينفعها علمها أو ثقافتها في الخروج بحلّ سلميّ تكون فيه الخسائر قليلة."لن أكون رسول هذا البلد’ولا رجله الحقيقيّ.لقد وعيت دائما بحدود شجاعتي ’وفهمت منذ طفولتي أنّ أحلامي لن تتحقّق."(61).في بلد اللاّ أمن صار الحلم مرفوضا وليس حقّا طبيعيّا.

"قرّرت وبعد أن صرت مخمورا أن أبعث لكلّ الجرائد الوطنيّة ....رسالة أعلن فيها خبر انتحار الكاتب(س)..ومن المضحك أنّي وضعت سطرا تحت كلمة(كاتب)حتّى يأخذني الجميع بالجدّية المطلوبة’.."(62).غريب أن يصل تذمّر الفرد من حياته إلى درجة أنّه يذيع خبر وفاته للجميع .هل سينتحر بعدها فعلا أم أنّه سيواصل الحياة بشكل عادي؟؟؟؟.

"هذه الرّواية جزء من التّاريخ الكلّي للمأساة ".(63).هي عبارة يتماهى معها القارئ فيعتقد أنّه يقرأ واقعا وليس رواية’خصوصا إن كان على علم أنّ بشير مفتي عاش العشريّة السوداء وهو ابن العاصمة ’أي لم يكن بعيدا عن تلك الأحداث الّتي يرويها في عمل سرديّ.

إنّ القارئ لهذه العبارة بإمكانه أن يقف ندّا ليمنى العيد الّتي تصرّح بأنّ "كلّ كتابة’تنهض على مستوى  المتخيّل.بمعنى أنّ الكاتب ’حين يكتب ’لا يتعامل مباشرة مع الواقع’بل مع ما يرتسم في ذهنه’أو في مخيّلته’ من صوّر تخصّ هذا الواقع’ أو تمثّله أو تعنيه."(64). هذا ما يجعلنا نقول بأنّ رواية الأزمة كانت رواية ليس فيها تخييل على الإطلاق.لا سيّما إذا كان قارئها قد عاش الأزمة حقيقة.

"كنت قد تعوّدت على تأديّة مهنة الأستاذ الّذي يلقي دروسا في القسم بشيء من القلق وعدم الاطمئنان ..وبطريقة ما ’ كان طلّاب القسم النّهائيّ بثانويّة المقراني يعتبرونها جديدة عليهم ..وأنا نفسي لم أكن مهتمّا إن كان ما أفعله مفيدا أم لا.."(65). تتحوّل رسالة الأستاذ النّبيلة الّذي يبني الأجيال بالعلم والمعرفة إلى مهنة قلقة عبثيّة أيضا’كلّ هذا حدث في زمن الموت(العشريّة السّوداء)ل حيث لم يعد معنى للأشياء الجميلة في الحياة ؛

"في عيد ميلادي قرّرت أن أدعو مصطفى إلى الحانة الّتي أشرب فيها باستمرار’لم يكن يعلم أنّ دعوتي مبطّنة بخبث’كنت مجروحا في الباطن العميق للقلب وكنت أريد أن أتحدّث وأبكي .."(66).مؤلم حقّا أن تتحوّل حفلة عيد ميلاد إنسان مثقّف إلى الشّرب في حانة من أجل النسيان والبكاء فقط..

"لم يكن يثيرن أمر القتل’الوحشيّة’الذّل’العبثيّة’لعبة الدّم.."(67).كلّ فرد كان يهمّه إنقاذ نفسه من الجنون والضّياع وأصبح ما يحدث للآخر غير مهمّ على الإطلاق؛"مصطفى هاجر إلى بلد آخر"(68).أمّا محفوظ"..عاد إلى عائلته..وتزوّج من ابنة عمّه "(69). "الدّوامة هي الّتي قادت مصطفى إلى الهجرة وعزيز الصّافي إلى الانتحار وناديا إلى الهرب المستمرّ من حبّها.."(70) .

وحده محمود البرّاني وهو يفتح مكتبته للشّباب يشعر بنشوة كبيرة "هنا كلّ ما أقوم به له قيمة"(71).قد تكون هذه الإشارة لفعل القراءة وحدها الضوء الّذي كان ينير أحداث الرّواية  السوداويّة من البداية إلى النهاية’بمعنى أنّها الفعل الايجابيّ الوحيد الّذي لم يحوّله الرّاوي أو الأبطال إلى فعل عبثيّي لا فائدة منه’ بل بالعكس تماما رغم الضبابيّة وكبر المأساة إلاّ أنّ الجميع ظلّ يتهافت على الكتاب.

إنّ نهاية هؤلاء  الأبطال كانت تمثّل نهاية كلّ مثقّف عاش جزائر التسعينيات السوداء’إلى درجة أنّ الموت والحياة أصبحتا متساويّان عند الجميع.

د/ الفضاء الجغرافيّ:

تتقاسم أحداث أرخبيل الذّباب فضائين اثنين ألا وهم:الجزائر العاصمة الّتي تدور فيها أغلب الأحداث و وهران الّتي دار فيها جزء صغير من الأحداث.إضافة إلى فضاءات أخرى لم تأخذ الحيّز الكبير في الرّواية.

ويعدّ " الفضاء كمنظور أو كرؤية :يشبه زاويّة النظر الّتي يقدّم بها الكاتب أو الرّاوي عالمه الرّوائيّ"(72).وإذا كانت وهران والعاصمة وهما من كبرى المدن الجزائريّة تعيشان مثل هذا الوضع المأساويّ’يحقّ للقارئ أن يتساءل عن حال باقي المدن...

-العاصمة: هي ذلك الفضاء الّذي انتقلت إليه هواجس الأبطال من خوف وضياع وتيه؛"كانت مدينة العاصمة مثل لوحة رسمها فنّان وانتحر..لم يلتفت إليها على الإطلاق لم يحاول حتّى التكهّن على أيّ صورة ستكون ..مجرّد لوحة’فضاء ممزّق .ذاكرة مثخنة بالألم’ألم الذّاكرة’ألم الجوع’ألم الرّوح’ألم النّفس’ألم العقل’ألم الكتابة’ألم الخوف’ألم القتل’ألم الضوضاء."(73).في أوّل تقاطع معها يسقط البطل على العاصمة كلّ أحاسيسه وكأنّها هي الآثمة مع أنّها جماد في الواقع."العاصمة هواؤها ملوّث وحبّها دافئ"(74).ولأن أبطال الرّواية تماهت روحهم بالفضاء العاصميّ’أصبحت العاصمة تصرخ أوجاعهم"العاصمة..الصّخب المفعم بالجري’الحلم الّذي يسكن الأسوار والمبانيّ والحكايات’كوشم يحكي الأسطورة ويفجّر الغوايات القديمة الّتي تصنع للإنسان معناه في غربته’غربته في منفاه..العاصمة تغازل جروحها.."(75). إذن هي صورة المدينة الإنسان التي أذنبت كما أذنب هو .."العاصمة تنام باكرا’صار الجميع متأكّدا من السّاعة الّتي يهربون فيها إلى بيوتهم وحتّى في الحانات الّتي تتظاهر بتحدّي الخوف –فإنّ هناك ساعة محدّدة يتوقّف عندها أفق السكر...لطالما حاولت أنا ومصطفى ومحفوظ تجاوز الوقت المحدّد لكن صاحب الحانة يوقف لحظة النشوى ويطردنا بالقوّة .ما أن نتجاوز الوقت القانونيّ لحظر التجوّل يبقى مصيرنا معلّقا.."(76).حينما يشعر الإنسان بلا جدوى حياته يصبح لا يهتم اذا ما داهمه خطر الموت.         

-وهران:"وصلت إلى وهران صباح السّبت متعبا ومنهكا’كانت حرارة الشّمس تمنح الجوّ رتابة مملّة"(77).منذ البدء تبدو وهران ليست في حالة أفضل من العاصمة؛"وهران كانت مخيفة وشرسة أكثر من مرّة شعرت بهذا الإحساس وأنا أتجوّل داخل شوارعها المتداخلة لكنّها كان جميلة وفي قلب جمالها يسكن نداء مخيف للذّة والاندفاع الأعمى نحو ممارسة الحياة بكلّ شهوانيّة’والتقاط حرارة الزّمن الوهرانيّ الّذي عرف كلّ أنواع الانتهاكات والأحلام الكبيرة.." (78).شدّة وصف الرّاوي لوهران جعلها تبدو للمتلقّي وحشا إذا ما زارها ستنقضّ عليه.              

*الأماكن: تتنوّع الأماكن في أرخبيل الذّباب بين المفتوحة والمغلقة.

-الأماكن المفتوحة :تمثّلت في الصّحراء والمقبرة والبحر والجامعة و باب الواد.

-الأماكن المغلقة:تمثّلت في الحانة و السّجن الفندق والمكتبة العمارة والغرفة والثانويّة والمقهى والبار...

"إنّ تشخيص المكان في الرّواية ’هو الّذي يجعل من أحداثها بالنّسبة للقارئ شيئا محتمل الوقوع ’بمعنى يوهم بواقعيّتها ’إنّه يقوم بالدور نفسه الّذي يقوم به الديكور ’والخشبة في المسرح.وطبيعيّ أنّ أيّ حدث لا يتصوّر وقوعه إلاّ ضمن إطار مكانيّ معيّن ."(79).

أ-الأماكن المفتوحة:

-الصّحراء: "وبالنّسبة لي كانت رحلتي إلى الصّحراء ...آخر أسفاري إلى مكان يتجرّد فيه الإنسان إلاّ من علاقته بالذّاكرة والطّبيعة والموت ."(80).

-المقبرة:"لا ضوضاء ..لا حرس ...لا تلفزيون..لاحركة..كانت المقبرة غاية الجمال .في غاية الكآبة’لم أكن أدري أبدا أنّ ثمّة مقابر يمكنها أن تدفعني إلى مثل هذا الإحساس العميق بجمالها الفائق".(81).

-الشاطئ الرّمليّ الصّخريّ:"..عادة ما كان سمير يفضّل الذهاب إلى شاطئ بالقرب من بيوت قصديريّة’يسكنها سكارى ومزلوطون ومتشرّدون من كلّ أنحاء البلاد .."(82).

-حديقة الجامعة::تركت محمود مع مكتبته وسرت على أثرها ’كنت أعلم أنّها حتما ستذهب إلى الجامعة’وخمّنت أنّها قد تجلس في الحديقة الصنوبريّة لتقرأ أحد كتبها .."(83).

ب-الأماكن المغلقة:

-الحانة:"الحانة باردة .."(84)."صاحب الحانة ينصحني أن أخرج"(85)."صاحب الحانة يسألني ان كنت أرغب في مزيد من الوسكي"(86)."من الغريب أن يكون خروجي من الحانة على السّاعة الثّانية صباحا."(87).

-السّجن:"عندما ماتت أمّي من فرط حزنها بسبب فقدانها والدي الّذي رمي في السّجن كالكلب أصبحت أمّك أمّي"(88).

-الفندق:"وصلت إلى وهران ..استقرّيت في أوّل فندق صادفني .."(89).

-مكتبة باب الواد:"فتحت أبواب المكتبة صباح يوم السّبت ..منظر الشّباب وهم يتطلّعون إلى العناوين متصفّحين بأيدي مرتعشة أوراق الكتب كان جميلا للغاية."(90).

-العمارة:"..أمام عمارة جانبيّة لاتتعدّى أربعة طوابق ’وجدتني أدقّق في الورقة الصّغيرة حتّى لا أخطئ في رقم الباب.."(91).

-الغرفة:"الغرفة باردة وروائح مليئة بالغبن تتداعى كما لو هي عطر الموتى"(92).

-نادي القمر الأحمر:"حين جلسنا بنادي القمر الأحمر’تقابلنا في ركن منزوي..أخرجت ناديا من حقيبتها علبة السّجائر وأخذت واحدة لنفسها ثمّ سألتني إن كنت أريد.فقلت بأنّي أدخّن نوعا آخر من السّجائر.."(93).

-مقهى الحصان البرنزي:"إلتقيته هكذا ’ في مقهى "الحصان البرنزي" بسانتوجان على مقربة  أمتار من البحر الّذي كان في حالة صخب وفوضى"(94).

-بار باريس:"..وعدت إلى البار الباريسيّ  القبيح لأعمل من جديد بارمان حقير يوزّع المشروبات بيأس ويستمع لحكايات من لفظتهم الحياة بألم.."(95).

-ثانويّة المقراني"كنت قد تعوّدت على تأديّة مهنة الأستاذ ..قسم النّهائي بثانويّة المقراني .."(96).

وصف الأماكن في هذه الرّواية يضفي عليها سمة الواقعيّة’فتبدو الرّواية كأنّها حقيقة و"التّلاعب بصورة المكان في الرّواية يمكن استغلاله إلى أقصى الحدود’فإسقاط الحالة الفكريّة أو النفسيّة للأبطال على المحيط الّذي يوجدون فيه يجعل للمكان دلالة تفوق دوره المألوف كديكور أو كوسيط يؤطّر الأحداث إنّه يتحوّل في هذه الحالة إلى محاور حقيقيّ ويقتحم حالة السّرد محرّرا نفسه من أغلال الوصف."(97)

 -ه/البنية الزمنيّة:

حتّى الزمن في هذه الرّواية يلتبس بأحداثها ويسقط عليه الأشخاص أحاسيسهم وهمومهم’فأصبح الإمساك به ليس بالأمر السّهل "كلّما دقّت السّاعة.تدقّ دائما عند منتصف اللّيل في هذه الحانة اليتيمة.."(98).إذن منتصف اللّيل يوحي دائما بالتّواجد في الحانة من أجل الشّرب ونسيان صراع الحرب مع الحبّ."..هيّا الوقت متأخّر –والحرب هل ذهبت؟-لقد ذهبت ..هيّا أخرج.."(99).الغوص في الظلام هو الغوص في الخمر والغوص في المتاهة."..أذكر فقط الأمطار الّتي كانت تسقط ’والضّباب الّذي كان يخيّم على العاصمة..أمّا اللّيل فكان جميلا للغاية"(100).الّليل إذن بسكونه وظلامه وحالة الهذيان الّتي يكون فيها الأبطال بعد الشّرب تسمح لهم بهذا الإحساس المؤقّت :جماليّة اللّيل ."منذ سبع سنوات ...منذ أربعين سنة ..منذ مائة سنة ..منذ ألف سنة..لقد أخذت منّا الحياة ’والحرب لم تتوقّف بعد..بعد..بعد.."((101).يتساءل القارئ أمام ذكر هذه الأعداد من السنوات تحديدا’فلا نجد إجابة سوى أنّها عمليّة إسقاط كلّي لما دار من أحداث في تلك السّنوات المتباعدة.إنّها ثغرة في السّرد تعمّدها الرّاوي ربّما ليشرك معه القارئ في البحث عن دلالتها.(102).يتماهى زمن العشريّة السوداء بزمن الاحتلال الفرنسيّ في رحلة الاسترجاع الّتي تقوم بها ذاكرة(س) ’فيصبح الإحساس بأنّ الحرب لم تتوقّف منذ ألف سنة وفي هذا شيء من المبالغة النّاتجة عن التذمّر."كلّ شيء لم يكن واضحا ..لقد أخبرتني منذ البداية تقريبا "أنّ سباقنا مع الزّمن هو من أجل الانفصال لا غير ..أنّ انفصالنا حتميّة تاريخيّة ولن يكون على حساب أحد.."(103).محاولة اتّصال الأبطال ببعضهم من أجل تجاوز زمن الحرب جعل انفصالهم حتميّة يفرضها الزّمن بالسّلطة المتحكّمة فيه.

"اللّيل بارد مثلي ..بداخلي جوع شرس للكتابة .."(104).تشخيص اللّيل وجعله إنسان بارد يجعل البطل يشتاق إلى فعل الكتابة لتسجيل أو لنسيان هذا الزّمن الموحش الّذي لا رحمة فيه ’حيث لم يترك لهم الأقوياء إلاّ الخمر والجنون والانفصال.:من الغريب أن يكون خروجي من الحانة على السّاعة الثانيّة صباحا. أنا الّذي تعوّدت خلال هذه السّنوات المفزعة أن لا أكترث للوقت’أن لا أهتمّ بأكثر ممّا أنا فيه ..."(105).الاهتمام بالوقت لم يعد له معنى في زمن الحرب لأنّه أصبح يحمل دلالة الموت."هذه الرّواية جزء من التّاريخ الكليّ للمأساة"(106).تأكيد البطل على أنّ هذه الرّواية حقيقة يجعل القارئ يشعر بالشّعور نفسه.

"..حتّى لو كنّا نحتقر بعضنا البغض’فالعظمة تأتي من القوّة ونحن أقوياء’لقد طردنا الفرنسيّين ..هل تعلم لقد طردنا الفرنسيّين بعد مائة وثلاثين سنة.."(107).توقّف السّرد في لحظة الحكاية والعودة بالذّاكرة من زمن العشريّة السّوداء إلى زمن الاستعمار الفرنسي’يجعل الإحساس بأنّ الحرب قدر في هذا الزّمن.ّ"كلّ هذا تعلّمته في تلك السّن الّتي يمكن للمرء أن يحلم فيها فقط بيوم أفضل بكلّ الغد ..لعلّك تذكر أنت أيضا تلك الشّعارات "العمل و الصّرامة من أجل ضمان المستقبل"من أجل غد أفضل "لقد وضّفوها فوق رؤوسنا لتخديرنا فقط."(108).زمن الشّعارات هذا هو زمن ما بعد الاستقلال حيث كانت الجزائر تعيش على مبادئ الاشتراكيّة الّتي قد تكون سبب حرب العشريّة السوداء’المتتبّع لاشتغال الرّاوي على الزمن "حيث يغلب استطراد السّرد ’فالقصّة الواحدة تحكي ضمنها مجموعة أخرى من القصص’ ومثال ذلك قصص ألف ليلة وليلة."(109).

"لم يبق هناك ما من شأنه أن يملأني بالنّشوة.أشعر بالشّيخوخة.ثلاثون سنة فقط تحوّلت خلالها إلى عجوز لا يقدر حتّى على التّنقّل بين بيته والعمل."(110).كم يتعجّب المتلقّي لهذا الإحساس فسنّ الثّلاثين مليء بالحيويّة والنّشاط والتفاؤل’أن تصبح سنّ عجوز هي صدمة للقارئ الّذي سرعان ما يدرك أنّه إحساس خاص بزمن الحرب والدّمار ."لست خائفا على أمّي.لقد وصلت إلى السّن الّتي تسمح لها بوضع  حدّ نهائيّ لكلّ أحلامها .. (111).نتساءل عن معنى هذه السّن الّتي تمنع حقّ الحلم عن المرء؟

"وأوّل حبّ عشته كان مع امرأة تكبرني بعشرين سنة.."(112).غريب أن يحبّ الرّجل امرأة تكبره بهذا الفارق .

"في تلك السّاعة المتأخّرة من اللّيل.حيث يمكن لسمير أن يستسلم قليلا لحالته الوجدانيّة المتكسّرة .."(113).أيّ ساعة متأخّرة هذه’قد يتساءل القارئ بدافع الفضول..."في تلك السّاعة المتأخّرة من اللّيل حاولت أن أخرج من البيت .."(114).عدم تحديد الزّمن بوضوح في الرّواية زاد من غموض أحداثها وضبابيتها .".. وربّما الموعد الوحيد الّذي كانت مصرّة على أن تأتي إليه هو ذاك الّذي يجمعنا بمكتبة البرّاني .مرّة كلّ نصف شهر.هناك أصبح الّلقاء حتميّا."(115).

"لا..لا..هذه ستّة أشهر وأنا أقاوم إغراءها.عنفها .لكنّني لم أعد أطيق ..أنا أحبّها بالفعل..وهي..لا أدري.."(116).إنّ هذا الإيجاز في عبارة "ستّة أشهر"جعلت الرّاوي يقصّ في سطرين ما حدث في ستّة أشهر كاملة دون ذكر للتفاصيل وهي تقنيّة سرديّة تدخل في إطار ترتيب أحداث الرّواية’وهو ما تطلق عليه يمنى العيد "الإيجاز".(117).

"في ذلك الجوّ من الصّراع والألم والحبّ حتّى آخر اللّيل ..حيث استطعت حينها فقط النّوم.."(118).وبعد رحلة تذكّر هذه الأزمان يفاجئنا الرّاوي بتحديد تاريخيّ دقيق :"29 ديسمبر1989 :وهذا الشّهر كان مليئا بالغليان.لا أعلم كيف قضيته.المهمّ أنّه قد انقضى.وأنّني في الغد فقط على موعد مع ناديا..حتما."(119).إنّ تحديد الزّمن بهذه الطّريقة:اليوم’الشّهر ’السّنة ’يجعل القارئ في جدل بين التخييل الرّوائيّ والواقع الاجتماعيّ."لأنّ الاعتماد على الإشارات التّاريخيّة ذات المرجعيّة الواقعيّة يقدّم ضمن بنية روائيّة والعلاقة تبعا لذلك تأخذ طابع علاقة جدليّة بين المتخيّل والواقعي’وضمن هذه العلاقة ينبني النصّ وينتج دلالته الفكريّة والفنّية معا."(120).وبعد ما يخيّل للقارئ أنّ هذا  العام مضى أي عام1989.يعود الرّاوي وبنفس التّقنيّة إلى التّأكيد على اليوم الموالي مباشرة"30 ديسمبر"دون ذكر للسّنة لكن من تتابع الأحداث يفهم القارئ أنّها سنة 1989.إذن:"30 ديسمبر ..كم أنا سعيد هذا الصّباح.."(121).ثمّ يأخذ الزّمن صفة المدينة في قول الرّاوي:"الزّمن الوهرانيّ بدأ يقتل بداخلي حواسيّ المشتعلة كان عليّ من جديد العودة إلى نقطة البداية أتجوّل ثانيّة في هذه المدينة.."(122).والعودة إلى المكان تليها عودة بالذّاكرة إلى الزّمن"أنا هنا منذ شهرين:ثلاثة أشهر.الغرفة باردة وروائح مليئة بالغبن تتداعى كما لو هي عطر الموتى.فقط الصّورة تغيّرت."(123).حتّى الزّمن لا يسلم من العبثيّة واللاّمعنى  "أكثر من سبع سنوات كان كلّ شيء يحيل على عبثيّة مطلقة في الواقع ’الزّمن ليس له معنى’فقط له لحظات معيّنة هي الّتي كانت تجعل منه مرعبا ومثيرا للهزيمة ...كان اللّيل أجمل ما في العاصمة .."(124).هي أسطر قليلة لا تعبّر عمّا حدث فعلا في سبع سنوات."مع الوقت .لم أعد أهتمّ بمن يسقط أمامي من القتلى’"(125).يتهيّأ للقارئ أنّ للوقت دور في قتل الإحساس بالمأساة."لكننّي كنت أتصوّر أنّ القضيّة انتهت في ذلك الزّمن البعيد’في ذلك العصر نفسه عندما كنت مهاجرا في اسبانيا.."(126).

في النّهاية أقول:"إنّ الاستكانة إلى الخطّاطات الجاهزة افقار للنصّ.فالنّص في هذه الحالة لن يقول إلاّ ما تسمح  به الخطّاطة.ومعناه بعبارة أخرى’أنّ المعنى ليس في النّص’بل  في الحقائق الثّابتة داخل الخطّاطة :هناك نقّاد كثيرون يقولون الشيء ذاته عّن كل  النّصوص’لأنّهم موجّهون ب"خطوات تحليليّة"من طبيعة واحدة."(127).لهذا اعتمد هذا العمل على بعض إجراءات البنيويّة إضافة إلى التّأويل بهدف استخراج بعض المعاني الّتي يحملها نصّ أرخبيل الذباب؛وقد يلاحظ المتلقّي لهذا العمل أنّ بنياته (الفكريّة والشخصيّة والفضائيّة والزمنيّة )كلّها بنيات متداخلة يصعب معالجة إحداها دون تقاطع مع الأخرى’لأنّ العلاقة بينها هكذا تواجدت عبر الإبداع وهكذا كان حالها عبر الدّراسة .

ومن خلال تصاعد أحداث الرّواية يتهيأ للقارئ أنّه أمام رواية بوليسيّة ’حيث يدخلنا الكاتب في متاهة جميلة تكشف حدّة الحبّ وجبروته’إضافة إلى عنف تلك المرحلة وقسوتها’حتّى الرّاوي لم يفش أسراره مرّة واحدة’ممّا جعل الرّواية تغوص في لغة التعتيم الّتي طغت عليها’فالبداية غامضة والنّهاية غير متوقّعة .وهنا نتذكّر قول الرّوائي الفرنسي "آلا نروب غريبه":"إنّ الرّواية ليست حلاّ لمشكلة’بل هي نتيجة الشّعور بوجود مشكلة وبعدم القدرة على حلّها .."(128).

 

تحميل المقال

Appel à communication