January 2017
S M T W T F S
1 2 3 4 5 6 7
8 9 10 11 12 13 14
15 16 17 18 19 20 21
22 23 24 25 26 27 28
29 30 31

اللّغة والقارئ النموذجي في رواية ذاكرة الجسد

 

نادية ويدير

جامعة تيزي وزو (الجزائر)

 

يُعدّ التّوظيف المكثّف للغة الشّعرية في الخطاب الرّوائي  مظهرا من مظاهر الحداثة في الرّواية الجزائريّة، حيث لاحظ النقاد أنّ لغة الخطاب الرّوائي الجزائري المابعد حداثي تنزاح عن تقريرية لغة الرّواية التّقليديّة وبساطتها إلى لغة إيحائية مليئة بالمجازات والاستعارات، فالرّواية التّقليديّة وإن "كانت لغتها قائمة على التّشبيهات والاستعارات، فإنّها من قبيل الاستعارات الميتة التي يحيا بها النّاس العاديون ويتداولونها وتشكّل جزءا من حديثهم اليومي"1، بينما تشكّل الاستعارة في الرّواية الجزائريّة المابعد حداثيّة إحدى الدعائم اللّغويّة للخطاب.

فمن المعروف أنّ "الخطاب الرّوائي  بشكل عام هو بنية لغوية دالة، أو تشكيل لغوي سردي دال يصوغ عالما خاصا، تتنوّع وتتعدّد وتختلف في داخله اللّغات والأساليب والأحداث والأشخاص، والعلاقات، والأمكنة والأزمنة، دون أن يقضي هذا التّنوع والتعدّد والاختلاف على خصوصية هذا العالم، ووحدته الدّالة، بل يؤسّسها"2 وقيام هذه البنيّة اللّغوية على الاستعارة يجعل من الخطاب الرّوائي قريبا من الخطاب الشّعري ويأخذ بعض خصوصياته، من بينها الاهتمام باللّغة لا كوسيلة كتابية بل كغاية في ذاتها؛ أي أنّها تشكّل موضوعا للكتابة، وبذلك تصبح فضاء واسعا للإبداع.

والاهتمام باللّغة الرّوائية كفضاء للإبداع أصبح ظاهرة تتكرّر مع الرّوائيين الجزائريين المابعد حداثيين، ومن بينهم الرّوائية أحلام مستغانمي، ولعل سبب ذلك مرّده إلى كونها كانت شاعرة قبل أن تكون روائيّة، ﻓ"عناية الكاتبة بلغتها الرّوائيّة يفوق كل توقّع، حتى يخيّل للقارئ أنّ لغة الخطاب الرّوائي عندها هي موضوع النّص ذاته"3، ممّا يجعل رواياتها تتصف ببلاغة السّرد وشعريّة اللّغة وثراء الأسلوب، وهذا الاحتفال والاحتفاء باللّغة في الكتابة الرّوائية عند مستغانمي يتبدى في كل مقاطع النّصوص التي يصطدم بها القارئ وهو يقرأ روايتها «ذاكرة الجسد» مثلا، ذلك أنّ الكاتبة يمتد بها سرورها باللّغة إلى جعلها «بطل» النّص4،  فاللّغة في «ذاكرة الجسد» قد أضحت بطلا في الرّواية، خاصة وهي لغة شعرية أقرب إلى الشّعر منها إلى النّثر، ويتّضح ذلك من خلال الاستعارات المكثفة -والمجازات بصفة عامة- التي يستعملها البطل «خالد بن طوبال» في سرد الأحداث، والتي تتجلّى في الرّواية في مستويات مختلفة وهي: العنوان، الكلمة، الجملة، والمكان الرّوائي.

1- استعارة العنوان:

عندما يكون العنوان مكتوبا بلغة شعرية فإنّه يخترق أفق انتظار القارئ، خاصة إذا كان "من نوع «العناوين القولية» أي العناوين الإيحائية، ويقصد بها الطّريقة التي يمارس بها العنوان وظيفة الإفهام"5، ويحيل على دلالات عديدة ومختلفة تحيّر القارئ وتدفعه لقراءة النّص "الذي يصبح في هذه الحالة شارحا للعنوان"6، مثل عنوان «ذاكرة الجسد» الذي يعدّ عنوانا مراوغا لأنّه يوحي بكل الدّلالات الخاصة بالجسد والدّلالات الخاصة بالذّاكرة، لكنه لا يحيل على مدلول الثّورة والسّياسة والوطن الكامن في الرّواية، كما أنّه يطرح تساؤولات عديدة في ذهن القارئ من مثل: هل للجسد ذاكرة؟، لذلك "لا يجد القارئ من حيلة أمام هذا العنوان إلاّ أن يتكأ على النّص لتفسيره"7.                        

من هذا المنظور يكتسب العنوان الوظيفة التي قال بها أمبرتو إيكو - وعلاوة على وظائف جاكبسون والوظائف التي يسندها جيرار جنيت للعنوان- والتي نقترح أن نسميها الوظيفة التّشويشية* (La fonction parasitive)  والمقصود بها "أنّ العنوان يجب أن يشوّش  على الأفكار لا أن يحوّلها إلى قوالب مسكوكة"8، ويعني تشويش الأفكار مفاجئة القارئ وكسر أفق انتظاره بانتقاء عناوين تصدمه عند قراءة النص، لذلك يرى إيكو أنّ الكاتب عند اختياره العنوان يجب أن يكون لئيمًا بشكل نزيه كما فعل دوماس في روايته (les trois mousquetaires) التي هي في واقع الأمر قصة أربع شخصيات9، وقد يكون ذلك هو منطلق إيكو في اختيار عنوان «اسم الوردة» لروايته التي تتحدث عن جريمة وقعت في دير، يقول: "الصّدفة وحدها جعلتني أستقر على فكرة اسم الوردة. ولقد راقني هذا العنوان، لأنّ الوردة صورة رمزية مليئة بالدّلالات لدرجة أنّها تكاد تفقد في نهاية الأمر كل الدّلالات: «الوردة الصّوفية»، «حرب الوردتين»، «إنّ الوردة هي الوردة هي الوردة هي الوردة»، «وردة الصّليب»، «أشكرك على هذه الوردة»، «الحياة الوردية»، وحينها لن يكون القارئ قادرا على اختيار تأويل ما"10.

يندرج عنوان رواية «ذاكرة الجسد» ضمن العناوين التي تحقق الوظيفة التي قال بها إيكو، أي العناوين التي تشوش فكر القارئ، وتحدث نوع من الصّدمة لديه، وتجعله في حيرة وارتباك، وفي هذا السّياق يقول البّاحث عبد الحق بلعابد: "العنوان مجموع معقد أحيانا أو مربك وهذا التّعقيد ليس لطوله أو قصره، ولكن مرده قدرتنا على تحليله وتأويله"11؛ فالمتلقّي لعنوان «ذاكرة الجسد» يجد نفسه في ارتباك وقلق لأنّ هذا العنوان يجمع بين كلمتين متنافرتين دلاليا: كلمة «ذاكرة» المتعلّقة بالذّهن، وكلمة «جسد» المتعلقة بكائن مادي معروف، ممّا يطرح عدة استفسارات في ذهن القارئ من مثل: كيف يكون للجسد ذاكرة؟ وهل يمكننا فعلا أن نتذكّر بأجسادنا؟ وما هي العلاقة بين الذّاكرة والجسد؟، فينفتح العنوان على عدة احتمالات تندرج في مستوى التّأويل الذي يفعله المتلقّي، وذلك لأنّ أوّل عملية يحاول المتلقّي ممارستها عند تلقي هذا العنوان كعلامة، هي البحث في عناصره عن العلاقة السّببية بينها، كالعلاقة السّببية المنتفيّة بين كلمتي ذاكرة وجسد12، وذلك نظرا للخرق الدّلالي الذي يحدثه الربط بين هاتين الكلمتين.

يتمثّل الخرق الدّلالي في عبارة العنوان «ذاكرة الجسد» في التّناقض الذي يربط بين هاتين الكلمتين المتنافرتين دلاليا، إذ وردت البنية التّكوينية لهذا العنوان على شكل جملة اسمية «مركب اسمي» مكوّنة من كلمتين، الأولى «ذاكرة» وهي "كلمة مكتفية الدّلالة"13 تحمل دلالات مختلفة مثل الماضي، الغياب، وتتعلّق بالذّهن، والثّانية «جسد» وهي أيضا كلمة مكتفية الدّلالة، فالجسد هو "جسم الإنسان"14 المعروف، يحمل مجموعة من الدلالات من مثل: الحضور، الحس، ويتعلق بكائن مادي وملموس، ممّا يجعل "علاقة تكوينية العنوان وفق هاتين الكلمتين لا تمت الواحدة منهما إلى الأخرى بصلة، ذلك أنّ الذّاكرة لا يمكن حصرها في الجسد- باعتباره كائن عضوي- لأنّها محصورة في الحيّز النّفساني"15، وهذا ما يجعل من «ذاكرة الجسد» عنوانا مغريا يجذب القارئ إلى أغوار النّص قصد الكشف عن دلالاته العميقة، فالعنوان عموما "يعد نظاما سيميائيا ذا أبعاد دلالية، وأخرى رمزيّة تغري الباحث بتتبع دلالاته، ومحاولة فك شفراته الرامزة"16.

إنّ الخرق الدّلالي الذي تحدثه كلمتي عنوان «ذاكرة الجسد» يخرج هاتين الكلمتين من دلالاتها الحرفية، ويربط بينهما بعلاقة غير مألوفة كما يوضّح الجدول الآتي:

النّتيجة

الخرق الدّلالي

الدّلالة الحرفيّة

العنوان

- الرّبط بين دلالة الذّاكرة ودلالة الجسد على سبيل الاستعارة   (دلالة استعاريّة).

- اسناد وظيفة التذكّر للجسد.

- قدرة الجسد على امتلاك ذاكرة خاصة به.

- الذّاكرة: قوة نفسيّة موجودة على مستوى الذّهن، تقوم بوظيفة التذكّر.

- الجسد: كائن عضوي، مادي، ملموس، يرتبط بالحواس، لا يقوم بوظيفة التذكّر.

ذاكرة الجسد

 

 

 

نستنتج من الجدول أنّ الرّبط الدّلالي لكلمتي: الذاكرة والجسد يحقّق دلالة استعارية تنبثق من اسناد وظيفة التذكر للجسد، مما يحقق الدّلالة الاستعارية للعنوان؛ فالعنوان عبارة عن استعارة شبهت فيها الكاتبة الجسد بالذّهن الذي يتذكر، فذكرت المشبه «الجسد»، وحذفت المشبه به «الذّهن»، وأبقت لازمة من لوازمه «الذّاكرة»، والقرينة المانعة من إرادة المعنى الحقيقي هي إثبات «الذّاكرة» للجسد وليس للذّهن على سبيل الاستعارة المكنية.

تصوّر هذه الاستعارة، الجسد على أنّه ذهن لديه ذاكرة ويملك القدرة على استحضار الماضي، وهذه الدّلالة الاستعارية تنبثق من فقدان الجسد السّمات اللازمة فيه من مثل: [+مادي]، [+ملموس]، [+حواس]، واكتسابه إحدى السّمات اللازمة في الذهن وهي [+ذاكرة] التي تصبح سمة عرضية في الجسد على النّحو الآتي:

السّمات اللازمة                  السّمات اللازمة                 السّمة العرضية

في الجسد                        في الذّهن                          في الجسد 

 

[+إنسان]                          [+إنسان]                           [+ذاكرة ]

[+ملموس]                         [+مجرد]

[+مادي]                           [+معنوي]

[-ذاكرة]                            [+ذاكرة]

[+حواس]                          [+حواس]

[+كائن بيولوجي]                 [+قوة نفسية]

                   

دلالة حرفية                        دلالة حرفية                     دلالة استعارية 

تعمل الدّلالة الاستعارية لـ «ذاكرة الجسد» على "جعل عنوان نص الرّواية استفزازي بدرجة كبيرة، ومدعاة للفضول لمعرفة محتوى النّص الرّوائي واكتشاف مضامينه الفكرية والأدبية التي تؤهّله لتلقي إيجابي وجمالي لدلالة هذا العنوان"17، حيث يلجأ المتلقي إزاء هذا العنوان إلى إعمال الفكر وإمعان النظر لمحاولة إيجاد إجابة للسؤال الذي يطرحه وهو: ماهي علاقة الجسد بالذّاكرة؟، "فالمعروف عن العنوان أنّه يطرح دائما تساؤلا لا يفك تشفيره إلاّ بعد الانتهاء من قراءة الرّواية"18، وللإجابة عن هذا السؤال يجد المتلقّي نفسه مضطرا لأن يلجأ إلى تأويل استعارة «ذاكرة الجسد» بغية استنطاق ماسكت عنه هذا العنوان، فالمعروف أنّ العنوان من واجبه أن "يخفي أكثر ممّا يظهر، وأن يسكت أكثر مما يصّرح، ليعمل أفق المتلقّي على استحضار الغائب أو المسكوت عنه الثاوي تحته"19، والذي لا يصل إليه المتلقّي إلاّ بعد قراءة الرّواية من بدايتها إلى نهايتها.                      

2- استعارة الكلمة:               

تتجلّى الاستعارة على مستوى الكلمة في الخطاب الرّوائي ﻟذاكرة الجسد من خلال توظيف الكاتبة بعض الكلمات توظيفا استعاريا من مثل: كلمة ذاكرة، كلمة حب، كلمة موت، كلمة وطن، إذ نلاحظ انزياح هذه الألفاظ عن دلالتها الحرفية إلى مجموعة من الدّلالات الاستعارية تختلف حسب السّياقات التي ترد فيها.

2-1- استعارة الذّاكرة :                                                   

لاحظنا من خلال استقرائنا للاستعارة المشكّلة من كلمة «ذاكرة» أنّ توظيف كلمة «ذاكرة» كان في معظمه توظيفا استعاريا، نورد بعضها في الجدول الآتي:

  نوع الاستعارة

 وجه الشّبه

المشبّه به

المشبّه

الصفحة

  استعارات الذّاكرة

   مكنية

المطر

 سماء (محذوف)

الذّاكرة (مذكور)

ص11

- تمطر الذّاكرة فجأة.

   مكنية

تلبس

ثياب (محذوف)

الذّاكرة (مذكور)

ص66

- ياطفلة تلبس ذاكرتي.

   مكنية

الارتواء

ماء (محذوف)

الذّاكرة (مذكور)

ص96

- ارتوي من ذاكرتي سيدتي.

   مكنية

الجدران

منزل (محذوف)

الذّاكرة (مذكور)

ص183

- جدران الذّاكرة.

مكنية

النّزيف

جرح  (محذوف)

الذّاكرة (مذكور)

ص284

- من يوقف نزيف الذّاكرة الآن؟

2-2- استعارة الجسد:

تحضر كلمة «جسد» في ذاكرة الجسد بصفة قليلة مقارنة بكلمة «ذاكرة»، وتوظّف هذه الكلمة أيضا توظيفا استعاريا في معظمه، كما تبيّن الأمثلة الواردة في الجدول الآتي:

نوع الاستعارة

وجه الشّبه

المشبّه به

المشبّه

الصفحة

استعارات الجسد

مكنية

البكاء

إنسان (محذوف)

الجسد (مذكور)

ص191

-اللّوحة التي بكى لها جسدي.

مكنية

الاختيار

إنسان (محذوف)

الجسد (مذكور)

ص191

- الجسد يختار.

مكنية

التّرويض

حيوان توحش (محذوف)

الجسد (مذكور)

ص241

- ترويض جسدي.

مكنية

المشي

أرض (محذوف)

الجسد (مذكور)

ص360

- أشعر أنك تمشين على جسدي.

مكنية

النّسيان

إنسان (محذوف)

الجسد (مذكور)

ص385

- نسي هذا الجسد... شوقه لك.

2-3- استعارة الوطن:

تتجلّى الاستعارة على مستوى الكلمة أيضا في كلمة «وطن»، وذلك من خلال بعض الاستعارات التي تتمحور حول تعلق بطل الرّواية «خالد بن طوبال» بوطنه الجزائر، ويتّضح موقف خالد من وطنه من خلال توظيف الكاتبة لكلمة «وطن» توظيفا استعاريا، كما توضّح النماذج الآتية:

استعارات الوطن               

الصفحة

المشبّه

المشبّه به

وجه الشّبه

نوع الاستعارة

- الوطن نفسه أصبح لا يخجل.

ص23

الوطن (مذكور)

إنسان (محذوف)

لا يخجل

مكنية

- كان كلامك يصالحني مع الوطن.

ص240

الوطن (مذكور)

خصم (محذوف)

المصالحة

مكنية

- كراسي الوطن.

ص282

الوطن (مذكور)

مكاتب (محذوف)

الكراسي

مكنية

- هناك يتم الأوطان.

ص289

الوطن (مذكور)

والدين (محذوف)

اليتم

مكنية

- يحدث للوطن أن يصبح أميا.

ص404

الوطن (مذكور)

إنسان (محذوف)

الأميّة

مكنية

2-4

-4- استعارة المدينة (قسنطينة):

 

تقول أحلام مستغانمي في حوار لها مع الصحفي «كارم الشريف»: "عندما نحنّ إلى الوطن نحنّ إلى المدينة بالذات، الوطن يصبح مدينة واحدة"20، ولقد تجسّد قولها هذا داخل الرّواية من خلال شخصيّة البطل خالد بن طوبال المهوس بقسنطينة، إلى درجة أصبحت فيها هذه المدينة الموضوع الوحيد للرسم عند خالد، باستثناء لوحة اعتذار التي رسم فيها صديقته الفرنسيّة كاترين. نقترح في الجدول الآتي بعض النماذج الاستعارية:

 

استعارات المدينة (قسنطينة)

الصفحة

المشبّه

المشبّه به

وجه الشبّه

نوع الاستعارة

- استسلمت لإغراء قسنطينة.

ص273

قسنطينة (مذكور)

امرأة  (محذوف)

الإغراء

مكنية

- شعرت أن قسنطينة هزمتني.

ص290

قسنطينة (مذكور)

خصم (محذوف)

الهزيمة

مكنية

- مدينة... تلفّ نفسها بملاءتها السّوداء.

ص292

مدينة (مذكور)

امرأة (محذوف)

تلف نفسها بملاءتها السّوداء

مكنية

- تتحاشى النّظر إلى هذه المدينة في عينيها.

ص315

 

المدينة (مذكور)

امرأة (محذوف)

العينين

مكنية

- مدينة «سادية» تتلذّذ بتعذيب أولادها.

ص344

مدينة  (مذكور)

أم سادية (محذوف)

تتلذّذ بتعذيب أولادها

مكنية

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

2-5-استعارة الحب:

 

تكررت كلمة حب في ذاكرة الجسد على مدى صفحات الرّواية 383 مرّة21، وكان هذا التّوظيف في معظمه توظيفا استعاريا، كما تبيّن الشّواهد الواردة في الجدول الآتي:

 

استعارات الحب

الصفحة

المشبّه

المشبّه به

وجه الشبّه

  نوع الاستعارة

- تجمعين حقائب الحب.

ص16

الحب )مذكور(

سفر (محذوف)

حقائب

مكنية

- كان حبّك يجرفني.

ص101

الحب (مذكور)

سيل (محذوف)

يجرف

مكنية

- جذور...الحب.

ص212

الحب (مذكور)

نبات (محذوف)

جذور

مكنية

- كم هو الحب عقيم.

ص237

الحب (مذكور)

إنسان محذوف)

عقيم

مكنية

- فللحبّ بعد الموت، رائحة كريهة أيضا.

ص386

 

الحب (مذكور)

جثة (محذوف)

رائحة كريهة

مكنية

 

 

2-6-استعارة الموت:

يحضر موضوع الموت في رواية «ذاكرة الجسد» بصفة ملفتة للانتباه حيث تكررت هذه الكلمة على مدار الرّواية 165 مرة22، نلاحظ أنّ  توظيفها كان في معظمه استعاريا، ويتضح ذلك في النماذج الآتية:

استعارات الموت

الصفحة

المشبّه

المشبّه به

وجه الشّبه

نوع الاستعارة

- كان الموت يمشي إلى جوارنا. وينام ويأخذ كسرته معنا على عجل.

ص26

الموت (مذكور)

إنسان (محذوف)

يمشي، ينام،

 يأخذ كسرته

مكنية

- كان الموت يمشي ويتنفّس معنا.

ص26

الموت  (مذكور)

إنسان (محذوف)

يمشي، يتنفّس

مكنية

- الموت قرر أن يرفضني.

ص34

الموت (مذكور)

إنسان (محذوف)

يقرر، يرفض

مكنية

- يهزمه الموت.

ص260

الموت  (مذكور)

 خصم (محذوف)

يهزم

مكنية

2-7- استعارة القدر:

يتحدث خالد عن القدر الذي حرمه من أمّه وذراعه وسي الطّاهر وزياد وحياة وحسّان، وحرمه من قسنطينة ومن الوطن من خلال الاستعارات الخاصة بكلمة «القدر» والممثّلة في الجدول الآتي :       

استعارات القدر

الصفحة

المشبّه

المشبّه به

وجه الشّبه

نوع الاستعارة

-كتبها قدرنا.

ص21

القدر (مذكور)

إنسان (محذوف)

يكتب

مكنية

- القدر كان يتربّص بنا.

ص34

القدر (مذكور)

عدو (محذوف)

يتربّص

مكنية

- القدر يطردني.

ص35

القدر (مذكور)

إنسان (محذوف)

يطرد

مكنية

- معركتي مع القدر.

ص35

القدر (مذكور)

عدو (محذوف)

معركة

مكنية

- القدر البخيل.

ص46

القدر (مذكور)

إنسان (محذوف)

بخيل

مكنية

2-8-استعارة الكتابة:

تتوفّر «ذاكرة الجسد» على بعض الاستعارات الخاصة بموضوع الكتابة من مثل استعارة «قررت أن أدفنك في كتاب لا غير»، واستعارة «من الجرح يولد الأدب»، إضافة إلى الاستعارات الخاصة بأدوات الكتابة كاستعارات الكلمات، الحروف، الصّفحة البيضاء، القلم، اللّغة العربية، ولعل حديث مستغانمي عن أدوات الكتابة وتعريفها للكتابة والأدب من خلال بعض الاستعارات، يعني حضور تقنية الميتاروائي في ذاكرة الجسد عن طريق الاستعارة كما توضّح الاستعارات الواردة في الجدول الآتي:

استعارات الكتابة

الصفحة

المشبه

المشبه به

وجه الشبه

نوع الاستعارة

- أكتب هذا الكتاب لأقتلك به.

ص48

الكتاب (مذكور)

سلاح (محذوف)

قتل

مكنية

- رسائل انفجرت في ذهني. 

ص218

رسائل (مذكور)

قنابل  (محذوف)

انفجار

مكنية

- فتجرفني الكلمات... إلى حيث أنا!

ص365

الكلمات (مذكور)

سيل (محذوف)

تجرف

مكنية

- قررت أن أدفنك في كتاب لا غير.

ص386

كتاب  (مذكور)

قبر (محذوف)

دفن

مكنية

- من الجرح وحده يولد الأدب.

ص387

الأدب (مذكور)

إنسان (محذوف)

ولادة

مكنية

                                                                              

2- 9- استعارة الرّسم:

لا تتجلّى استعارة الرّسم في ذاكرة الجسد من خلال الكلمة نفسها، بل تتجلّى من خلال الكلمات الخاصة بأدوات الرّسم، كاللّوحة والفرشاة والألوان الموظّفة في الرّواية توظيفا استعاريا، ويتّضح ذلك من خلال الاستعارات الخاصة بالكلمات الآتية: اللّوحة، الفرشاة، الألوان، والتي تدل على حضور فن الرّسم في الرّواية كما يوضّح الجدول الآتي:

استعارات الرّسم

الصفحة

المشبّه

المشبّه به

وجه الشبّه

نوع الاستعارة

- غادرتني... الألوان.

ص9

الألوان (مذكور)

إنسان (محذوف)

المغادرة

مكنية

- الفرشاة العصبية.

ص74

اللّوحات (مذكور)

نساء (محذوف)

المزاج، العواطف

مكنية

- ردت علي اللّوحة.

ص79

اللّوحة (مذكور)

امرأة  (محذوف)

الرّد

مكنية

- لوحة عذراء.

ص163

لوحة (مذكور)

 امرأة (محذوف)

عذراء

مكنية

- شهية جنونية للرسم.

ص190

الّرسم (مذكور)

أكل  (محذوف)

الشّهية

مكنية

2-10-استعارات مختلفة:

علاوة على استعارات الكلمة التي عرضناها من قبل، والمتجلّية بصورة مكثّفة داخل الرّواية، كاستعارات: الذّاكرة، الوطن، الحب، تتوفّر ذاكرة الجسد كذلك على زخم من الاستعارات المختلفة، منها ما تصف بها الكاتبة الوضع السّياسي ومنها ما تصف بها الوضع الاجتماعي والوضع الثّقافي، وهناك أيضا مجموعة من الاستعارات التي تتحدث عن الثّورة والتّاريخ والغربة، وبهذا تكون الرّواية حاملة لأبعاد عديدة تتّضح مع تحليل هذه الاستعارات، منها البعد التّاريخي الذي استعرضت من خلاله الكاتبة تاريخ الجزائر وعرضت بعض أحداث الوطن العربي، والبعد الاجتماعي والعقائدي الذي انتقدت من خلاله مستغانمي معظم المظاهر الاجتماعية الشّكليّة والعقائد الدّينية المزيّفة في الأوطان العربية عموما وفي الجزائر تحديدا، كما تعكس الرّواية كذلك بعدا إيديولوجيا توضّح فيه الكاتبة زيف الطّبقات «الرّأسمالية» في المجتمعات العربية وهشاشتها، وعلاقات النّفاق التي تحكم أصحاب تلك الطّبقة. ونظرا لوجود عدد كبير من الاستعارات المختلفة داخل الرّواية، اخترنا عينة منها فقط وهي الممثّلة في الجدول الآتي:

استعارات مختلفة

الصفحة

المشبّه

المشبّه به

وجه الشبّه

نوع الاستعارة

- عتبات الاستقلال.

ص45

الاستقلال (مذكور)

منازل (محذوف)

العتبة

مكنية

- المناصب الحلوب.

ص81

المناصب (مذكور)

بقرة  (محذوف)

الحلوب

مكنية

- ماتت فصاحتنا.

ص302

الفصاحة (مذكور)

كائن حي (محذوف)

الموت

مكنية

- رانا غارقين في المشاكل.

ص357

المشاكل (مذكور)

بحر  (محذوف)

الغرق

مكنية

- قتلتنا أحلامنا.

ص403

الأحلام (مذكور)

سلاح  (محذوف)

القتل

مكنية

3- استعارة الجملة:

تتجلّى الاستعارة على مستوى الجملة في «ذاكرة الجسد» من خلال التّوظيف المكثف للجمل الاستعارية، حيث تتوفر الرّواية على العديد من الجمل التي يتعدى عدد الاستعارات فيها ثلاث، ناهيك عن الجمل الواردة في المقاطع الشّعرية، مما يجعل القارئ لهذه الجمل- بمنأى عن الرّواية - يظنّ أنّها جمل مأخوذة من قصيدة وليس من رواية، ولتوضيح رأينا هذا سنحاول أن نحلل هذه الجملة الاستعارية التي يصف خالد من خلالها صوت حياة:

"صوتك الذي كان يأتي شلال حب وموسيقى فيتدحرج قطرات لذّة علي"23

تتضمن هذه الجملة ست استعارات هي:    

- الاستعارة الأولى: «صوتك يأتي».           

- الاستعارة الثّانية: «يأتي شلال».

- الاستعارة الثّالثة: «شلال الحب».           

- الاستعارة الرّابعة: «شلال موسيقى».

- الاستعارة الخامسة: «صوتك سيتدحرج».  

- الاستعارة السّادسة: «قطرات لذة».

تمثّل هذه الاستعارات في مجملها، استعارات مكنية ذُكر فيها المشبّه وحُذف المشبّه به مع إبقاء لازمة من لوازمه كما يوضّح الجدول الآتي:

 

    استعارة

     المشبّه

    المشبّه به

   وجه الشّبه

 نوع الاستعارة

1

    الصّوت

    إنسان

    يأتي

     مكنية

2

    الشّلال

    إنسان

    يأتي

     مكنية

3

    الحب

    ماء

    شلال

     مكنية

4

    الموسيقى

     ماء

    شلال

     مكنية

5

    الصّوت

  شيء مادي

    يتدحرج

     مكنية

6

    اللّذة

   مطر

    قطرات

     مكنية

-4 استعارة المكان:       

تعتمد مستغانمي في وصفها للمكان على الاستعارة -ناهيك عن حضور المكان في الرّواية حضورا استعاريا، والذي عرضناه في بداية هذه المداخلة في جزء: استعارات المدينة «قسنطينة»- فخرج المكان من الواقعية الجغرافية وحضر في الرّواية حضورا فنيا استعاريا، وفيما يلي سنحاول تقديم عينة دراسية من الرّواية في الجدول الآتي:

استعارات المكان

النماذج

الصفحة

1

المدينة الجالسة على صخرة

ص292

2

وُلد أكثر من جسر حول تلك المدينة

ص292

3

ها هي مدينة.. تحرسها.. كهوفها

ص292

4

الجسر الحجري الرّمادي، الذي يجري تحته نهر السّين

ص161

 

تصف الكاتبة في استعارة: "المدينة الجالسة على صخرة" البنية التّحية للمدينة، وهي عبارة عن صخرة، وذلك من خلال تشبيه المدينة بامرأة جالسة على صخرة، فذكرت المشبّه «المدينة» وحذفت المشبّه به «إنسان» أو«امرأة» - باعتبار صيغة التأنيث التي وردت عليها صفة الجلوس- وأبقت لازمة من لوازمه، وهي «الجلوس»، فالعلاقة المشابهة في هذه الاستعارة هي «الجلوس»، والقرينة المانعة من إرادة المعنى الحقيقي هي إثبات الجلوس للمدينة وليس للمرأة على سبيل الاستعارة المكنية.

تفقد كلمة «مدينة» في هذه الاستعارة سماتها اللازمة، من مثل: [+مكان]، [+واقع]، [+حسي]، [+مساحة]، [+حدود]، [+سكان]، [+منازل]، وتكسب إحدى السّمات اللازمة في المرأة، وهي [+جلوس]، التي تصبح سمة عرضية في المدينة، وإلحاق صفة الجلوس بالمدينة يكسب هذه الكلمة دلالتها الاستعارية، لأنّ الجلوس مرتبط بـ [+عاقل] والمدينة      [-عاقل]، وعليه لا يمكنها الجلوس، ويمكن أن نمثّل ذلك على الشّكل الآتي: 

                        امرأة                      دلالة حرفية.

جالسة                 

                       مدينة                       دلالة استعارية.

تعمل الدّلالة الاستعارية لكلمة «مدينة» على نقلها من الواقع الجغرافي، لتحضر في الرّواية فنيا من خلال هذه الاستعارة، فالمدينة المقصودة هنا موجودة في الواقع وهي مدينة قسنطينة القديمة التي "تتميز بكونها مبنية على صخرة الغرانيت القاسي ممّا أعطاها منظرا فريدا لا يوجد مثله عبر العالم"24، وتشبيه بناء هذه المدينة فوق صخرة بامرأة جالسة على صخرة جعل من هذا المكان «المدينة» يحضر حضورا استعاريا في الرّواية.

انطلاقا من هذا التّحليل يمكننا أن نستنتج أنّ استناد مستغانمي على لغة في معظمها استعارية يعمل على تكثيف دلالات الخطاب وأبعاده الجمالية، ممّا يجعل النّص الرّوائي ينفتح على قراءات متعددة ومختلفة باختلاف الموسوعة الثّقافية للقرّاء، وذلك انطلاقا من تأويل الاستعارات المبثوثة في الرّواية، ولكي تتم عملية التأويل بنجاح يشترط أمبرتو إيكو "أن لا تكون عملية التّأويل مفتوحة على مصراعيها بحيث لا تضبطها ضوابط ولاتحدّدها حدود"24 بل يجب أن يُضبط التّأويل في عمومه – تأويل الاستعارة أو تأويل النّصوص-  بمرجعية هي في اصطلاح إيكو عالم الخطاب (l’univerts du discours‌ (الذي يعمل على الحد من الانفلات القرائي ويساعد القارئ على استنطاق المسكوت عنه  (Le non dit) في النّص.

فالنّص عند إيكو عبارة عن آلة كسولة (Une machine parsseuse) تحتاج إلى قارئ نموذجي (Lecteur modél) "قادر أن يتحرك تأويليًا كلما تحرك المؤلف توليديًا"26، وهذا معناه أنّ النّص يدور في إطار زمكاني يجب أن يستوعبه القارئ النموذجي لكي يساهم في بناء المعنى، لأنّ المعنى لا يمكن له أن يصبح مرئيًا وقابلاً للإدراك إلا إذا تمّ الكشف عن النّسق المولّد له، فلا وجود لدلالة معطاة بشكل كلي وتام ونهائي قبل تدخل الذات القارئة التي تقوم بإعادة بناء القصديات الضمنية المتحكمة في العلاقات غير المرئية من خلال التّجلي المباشر للنص27.

والقارئ النموذجي عند إيكو هو القارئ الذي يفكر فيه الكاتب أثناء الكتابة ويتجلى ذلك في قوله: "نحن نفكر في قارئ ما أثناء الكتابة. تمامًا كما هو حال الرّسام الذي يفكر في المشاهد أثناء رسمه اللوحة. فبعد لطخة من لطخات الفرشاة يتراجع إلى الخلف خطوتين أو ثلاث خطوات ليدرس الوقع. إنّه ينظر إلى اللوحة كما يجب أن ينظر إليها مشاهد ما، ضمن شروط إضاءة مناسبة ويتأملها وهي معلقة على الحائط"28. وإن كان الرّسام يكتفي بالتفكير في المشاهد أثناء رسمه اللوحة، فالكاتب لا يكتفي بالتفكير في القارئ أو توقعه فحسب إنّما يعمل على بنائه أثناء كتابة النّص، وفي ذلك يقول إيكو: "أن يرتئي المؤلف قارئه النموذجي لا يعني، حصرًا، أن يأمل في وجوده، بل يعني ذلك أن يُؤثّر في النّص بما يؤدي إلى بنيانه"29، فالقارئ النموذجي في نظر إيكو إذن هو استراتجية مبثوثة داخل النّص الهدف منها تحقيق المشاركة التّأويلية، ومن هنا يتضح أنّ هذا النّاقد قد أسند لقارئه النموذجي "وظيفة تعاضدية تساعد النص على تحيين** جمله التعبيرية"30 أي أنّه يؤمن به كعنصر فاعل في عملية خلق المعنى في النّص الأدبي وكأساس لنجاح عملية التّأويل، وقد ورد ذلك في التعريف الذي خصّصه إيكو للقارئ النموذجي في كتابه القارئ في الحكاية يقول: "القارئ النموذجي إن هو إلاّ جماع شروط النجاح أو السعادة التي وُضعت نصيًا، والتي ينبغي أن تستوفي في سبيل أن يؤوّل نص ما"31 تأويلاً صحيحًا.

ينقسم القارئ النموذجي عند أمبرتو إيكو إلى قسمين:

1- القارئ النموذجي من المستوى الأوّل:

يرى أمبرتو إيكو أنّ القارئ النموذجي من المستوى الأوّل هو القارئ الذي يكتفي بالدلالة السطحية للنّص دون أن يغوص في دلالته العميقة، هو إذن "قارئ دلالي"32 يهتم بمعرفة مسار الأحداث وكيف تنتهي القصة، كأن يهتم القارئ النموذجي من المستوى الأوّل في النّص الروائي "ذاكرة الجسد" بمعرفة هل سيلتقي البطل خالد بن طوبال بالبطلة أحلام/حياة عبد المولى مرة ثانية بعد التقائهما للمرة الأولى في معرض الرّسم الذي أقامه خالد بن طوبال في مدينة باريس؟، هل ستنشأ قصة حب بينهما؟، وكيف ستنتهي هذه القصة؟، هل بعلاقة زواج؟، أم بفراق البطلين؟.

يمكن للقارئ النموذجي من المستوى الأوّل أن لا يتعدى المستوى الأوّل لقراءة النّصوص وفي ذلك يقول إيكو: "بالتأكيد قد يكون هناك قراء من المستوى الأوّل لا يصلون أبدًا إلى المستوى الثاني"33 للقراءة، لكن في المقابل هناك نوع من القرّاء النموذجيين ينتمون إلى المستوى الأوّل ويمكنهم بعد فترة أن يصبحوا قرّاء من المستوى الثاني، وهنا يشترط إيكو على القارئ النموذجي من المستوى الأوّل "من أجل أن يصبح قارئًا من المستوى الثاني أن يقرأ النّص مرات عديدة، وهناك قصص تستدعي قراءات لا متناهية"34، وهكذا يتسنى للقارئ من المستوى الأوّل أن ينتقل من قارئ دلالي إلى قارئ نقدي أو جمالي بتعبير إيكو.

2- القارئ النموذجي من المستوى الثاني:

يُعرّف أمبرتو إيكو القارئ النموذجي من المستوى الثاني بقوله: "القارئ النموذجي من المستوى الثاني، نطلق عليه القارئ السميائي أو الجمالي، وهو قارئ يتساءل عن نوعية القارئ الذي يبحث عنه المحكي والذي يود اكتشاف الطريقة التي يشتغل بها المؤلف الذي يزوده بجرعات من المعلومات"35، نفهم من هذا التعريف أنّ القارئ النموذجي من المستوى الثاني هو قارئ فضولي لا يكتفي بما قاله المؤلف إنّما يسلّط الضوء على المعطيات المبثوثة داخل النّص حتى تكون هذه المعطيات نقطة انطلاقه وبداية مساهمته في بناء المعنى.

ولكي يصبح قارئ النّص قارئًا نموذجيّا من المستوى الثاني عليه (أو من واجبه) أن يعترف بأمرين، أولاً الاعتراف بمشروعية القراءة من المستوى الأوّل، يقول إيكو:"إنّ واجب القارئ الجمالي هو الإقرار بشرعية القراءة الأولى وباستقلاليتها، وأنّ النّص يبيحها"36، ثم معرفة أنّ قيمة العمل الفني تُكتسب أولاً من المستوى الأوّل للقراءة وفي هذا يقول إيكو أيضًا: "إنّ القارئ من المستوى الثاني هو ذاك الذي يعرف أنّ العمل الفني يستمد قيمته أيضًا من المستوى الأوّل"37، ومن هنا يتّضح أنّ القارئ النقدي (من المستوى الثاني) لا يمكنه الاشتغال دون المرور من المستوى الأول للقراءة، أي دون أن يكون أولاً قارئًا دلاليًا (من المستوى الأول)، لأنّ المستوى الأوّل للقراءة سيكون بمثابة القاعدة التي تُؤسس للعبور إلى المستوى الثاني، وفي هذا المستوى الثاني للقراءة النقدية يحدّد القارئ الجمالي هل يشتمل النّص على معنيين أو معاني كثيرة، وهذا الأمر يستدعي البحث عن معنى مجازي، وهل القصة تحكي للقارئ شيئًا ما. وهل ترتبط هذه المعاني فيما بينها ضمن شبكة صلبة ومنسجمة، أوتتحرك منفصلة عن بعضها البعض؟38.

وعليه نقول أنّ القراءة من المستوى الثاني تحتاج إلى قارئ ثري من النّاحية المعجمية، ولعل ذلك ما يميّز به إيكو قارئه السيميائي (من المستوى الثاني) حيث يقول: "القارئ من المستوى الثاني أغنى معجميًا من القارئ من المستوى الأوّل"39، وعلاوة على ذلك يتمتع القارئ النموذجي من المستوى الثاني عند إيكو "بذوق جمالي رفيع يركز اهتمامه على اللغة"40 ممّا يكسبه القدرة على الفصل بين المعنى الحرفي والمعنى المجازي فيؤوّل الدلالة حسب مرجعيته الثقافية أي موسوعته، عكس القارئ النموذجي من المستوى الأوّل الذي يتبع قراءة أو قرائتين لصورة مجازية ممكنة، وبعد ذلك يتوقف منهكّا، إنّه يضيع، فيقفز إلى المستوى الثاني لكي يتأمل دقة التضمينات غير المتوقعة والمصادر المجهولة لقراءات ممكنة لا يمكن معرفة مصدرها، ثم يعود من جديد محاولاً فهم ما إذا كانت هناك أشياء تحدث في النّص، ويضيع من جديد وهكذا دواليك41. لكن رغم ذلك يحذرنا إيكو من الاستخفاف بالقارئ الدلالي إذ يقول: "حذار، يجب ألا ننظر إلى هذا التمييز بين مستويات القراءة كما لو أنّه تمييز بين قارئ يمكن إرضاءه بسهولة، قارئ يكتفي بالقصة"42، وقارئ لا يرضى إلاّ إذا كان النّص رفيع المستوى من النّاحية الأسلوبية، وإن كانت الرواية رديئة فالقارئ من المستوى الثاني ليس هو فقط من يرى أنّ الرواية مكتوبة بشكل سيئ، ولكنه أيضًا ذاك الذي ينتمي إلى المستوى الأوّل فبإمكانه أن يدرك أنّ البنية السردية جيدة والصور النمطية موضوعة في المكان المناسب، والتحولات المفاجأة مصنوعة بشكل جيد43، أو يدرك عكس ذلك تمامًا.

نستخلص - استنادًا على رأي إيكو- أنّ النّص وخاصة النّص ذا الغاية الجمالية ينحو إلى بناء قارئ نموذجي مزدوج، إنّه يتوجه في المقام الأوّل إلى قارئ نموذجي من مستوى أوّل قد يصبح قارئًا نموذجيًا من مستوى ثان وقد لا يصبح كذلك، وفي المقابل يتوجّه في المقام الثاني إلى قارئ من مستوى ثان لم يصبح كذلك إلاّ بعد أن كان قارئًا جيدًا من المستوى الأوّل. وإذا نظرنا إلى الرواية الجزائرية نقول- قياسًا على رأينا هذا- أنّ الرواية الجزائرية التقليدية هي رواية موجهة إلى قارئ دلالي، أي قارئ نموذجي من مستوى أوّل، لأنّ اللغة فيها معظمها تقريرية وبسيطة حتى وإن كانت تتخللها بعض المجازات والاستعارات الميتة، في حين تتوجّه الرواية الجزائرية المابعد الحداثية إلى قارئ نموذجي مزدوج (أول وثاني) وذلك لما تتميز به من لغة شعرية في معظمها -حسب رأينا- استعارية.

تنطبق الفكرة أعلاه على رواية ذاكرة الجسد، وكنا قد رأينا من قبل (في النماذج السابقة) أنّ هذه الرواية مكتوبة بلغة في عمومها استعارية، لذلك نرى أنّ النّص الروائى «ذاكرة الجسد» يحتاج إلى مستويين للقراءة (دلالية وجمالية) أي قارئين نموذجيين أوّل وثاني، ففي المستوى الأوّل يبحث القارئ الدلالي عن موضوع القصة الذي قد يستشفه من العنوان، فالموضوع حسب ما يبدو من القراءة الأولى يتعلق بالذاكرة، وبعدها يتساءل القارئ الدلالي: عن أي ذاكرة تتحدث أحلام مستغانمي في هذه الرواية؟، ثم يمضي ليقرأ العبارة الأولى في الرواية: "مازلت أذكر قولك ذات يوم"44 فيدرك أنّ هناك شخصًا في الرواية يتحدث عن ذكرياته، ثم يقرأ العبارة الثانية: "الحب هو ما حدث بيننا"45 التي تبيّن أنّ ثمة قصة حب في هذه الرواية فيزداد الفضول عنده لمعرفة تفاصيل هذه القصة: بين من ومن؟، أين كان اللقاء الأوّل؟، هل ستتطور القصة؟، وكيف ستنتهي؟. ثم يمضي مع تسلسل الأحداث في التعرّف على شخصيات الرواية مثل: خالد بن طوبال، سي الطاهر، زياد، أحلام/ حياة عبد الموالى، حسّان، سي الشريف، سي مصطفى، كما يتعرّف على الأماكن التى جرت فيها أحداث الرواية وهي: قسنطينة، باريس، العاصمة، وهكذا دواليك إلى أن يصل إلى آخر ذكرى تجمع البطل خالد بن طوبال بالبطلة أحلام/ حياة عبد الموالى وهي ذكرى حضور حفل زفاف حبيبته أحلام/ حياة من سي مصطفى صديق عمّها سي الشريف، ويصل إلى آخر ما تنتهي به القصة وهو عودة خالد إلى قسنطينة - بعدما قرّر أن يرحل نهائيًا إلى فرنسا- بعد وفاة أخيه حسّان إثر أحداث أكتوبر1988، وهنا ينتهي دور القارئ الدلالي.

يبدأ دور القارئ النموذجي من المستوى الثاني حيث ينتهي دور القارئ النموذجي من المستوى الأوّل، فبعد عدة قراءات يصبح القارئ الدلالي لذاكرة الجسد قارئًا جيدًا من المستوى الأوّل وذلك ما يبيح له الانتقال إلى المستوى الثاني حيث سيهتم بالمعنى المجازي للنص، أي ينتقل من القراءة الدلالية التي تُعنى بالمعنى الحرفي إلى قراءة نقدية تركّز اهتمامها على البعد الجمالي الذي تحققه اللغة الاستعارية -الشعرية عموما- في هذا النّص الروائي، فإذا تساءلنا: من هو القارئ النموذجي الذي كانت ترغب فيه أحلام مستغانمي وهي تكتب روايتها ذاكرة الجسد؟، فالإجابة ستكون: هو القارئ السميائي لأنّ مستغانمي رغبت -حسب رأينا- في قارئ يساير اللعبة اللغوية التي اعتمدتها في شعرنة اللغة التي تحقق مفارقة دلالية ليست في متناول القارئ الدلالي (من المستوى الأوّل).

انطلاقا من رأينا هذا يمكن أن نقول أنّ الخرق الدلالي الذي يحققه عنوان رواية ذاكرة الجسد لا يمكن أن يدركه القارئ الدلالي، فوحده القارئ الجمالي من يستطيع أن يتفطن إلى وجود علاقة غير مألوفة بين الكلمتين: ذاكرة وجسد، وذلك ما سيفتح له باب التأويل فيمضي في النص باحثًا عن أي ذاكرة تتحدث الكاتبة؟، وأي جسد هو المقصود في النّص؟، ليكتشف في آخر المطاف أنّ الذاكرة ليست ذاكرة خالد فحسب إنّما هي ذاكرة مجاهد وذاكرة شعب بأكمله، كما يكتشف أنّ الجسد المقصود في النّص ليس جسد خالد المبتور الذراع فحسب لأنّ كلمة جسد تحمل في هذه الرواية أبعادًا مختلفة يصل القارئ الجمالي إلى إحداها من خلال تأويل كلمة جسد وربطها بموضوع الرواية.

ينتقل القارئ السميائي -بعد العنوان- إلى متن النّص فيصطدم بجملة الاستعارات التي يوظّفها السارد في سرد الأحداث ليجد نفسه ملزمًا بتأويلها حسب ما تمليه عليه موسوعته الثقافية، وبتأويل هذه الاستعارات يكتشف أنّ النّص الروائي "ذاكرة الجسد" يتوفّر على معاني متعددة، فالرواية ليست قصة حب انتهت بفراق البطلين بقدر ما هي رواية تحكي قصة نضال شعب ضد الاحتلال الفرنسي، وقصة وطن تنكّر لأبنائه الشرفاء بعد الاستقلال فاقتُسِم وليمة بين أصحاب النفوذ والسلطة، قصة جزائر بُترت فيها أحلام الشهداء وبُتر فيها حلم المواطن البسيط، فالحلم في جزائر الاستقلال أصبح يقتل ويتضح ذلك في استعارة: "قتلتنا أحلامنا"، والوضع أصبح مزريًا على جميع الأصعدة وذلك ما يستشفّه القارئ الجمالي عند تأويل بعض الاستعارات من مثل: "المناصب الحلوب"، "ماتت فصاحتنا"، "رانا غارقين في المشاكل"، فالاستعارة الأولى تصوّر الأرباح الكبيرة التي يحقّقها الأثرياء الجدّد في الجزائر-من خلال توليهم بعض المناصب التي تحقق ثروة طائلة بطرق غير مشروعة- على أنّه حليب البقرة الذي لا ينضب، باعتبار الحيوان بقرة مصدر رزق سخي، ومن خلال هذه الاستعارة تصف الكاتبة الوضع السّياسي الذي آلت إليه الجزائر في فترة ما بعد الاستقلال، أمّا الاستعارة الثانية ﻔتصّور الكاتبة من خلالها حالة الثّقافة في جزائر الاستقلال حيث أصبح المواطن الجزائري لا يقرأ، ممّا أثّر سلبا على فصاحته، في حين تصوّر  الاستعارة الثالثة الوضع الاجتماعي الذي آلت اليه جزائر الاستقلال حيث أصبحت المشاكل تُغرق كالبحر. وفي الأخير نستنتج أنّ اللغة هي الآلية أو الاستراتجية الكتابية التي اعتمدتها مستغانمي في بناء قارئها الجمالي.

 

 

تحميل المقال

 

Appel à communication