January 2017
S M T W T F S
1 2 3 4 5 6 7
8 9 10 11 12 13 14
15 16 17 18 19 20 21
22 23 24 25 26 27 28
29 30 31

تبنيـــن الــنص والسيــــلان الحـــــــر للمعــــــــنـى

 من خلال "لذة النص " لرولان بارت .

 

مديحة دبابي

جامعة سطيف (الجزائر)

 

 

في لذة النص، يحاول رولان بارت (1915 -1980) Roland Barthes الأخير أن يعيد النظر في النص-   بعد الطرح البنيوي - بانخراطه في نقد البنيوية ورؤيتها الدغمائية للنص؛التي تعتبرالنص بنية مغلقة على ذاتها ومكتفية بذاتها، مواكبا في ذلك حركة التفكيك لأنساق الفكر الغربي، خاصة بعد أحداث ماي 1968.ولعل ما يهم هنا هو فضح وهم البنية المغلقة على ذاتها، والكشف عن البنية الأساسية لهذه البنية، والتي تتعالق بها وتتفاعل معها، حيث لا يمكن فصل النص عن باقي النصوص في إطار البنية الاجتماعية والتاريخية المنغرس فيها. فينسج معها علاقات دلالية تجعل المعنى يفيض عن حدود البنية النصية، ساعيا إلى خلق وجوده الخاص والفريد موقعا على خصوصيته ضمن النسق الذي تكوّن فيه، فبارت يرى أنّ حركة النّص »هي العبور والاختراق«().

ومن ثم يغدو سؤال القراءة والنقد هو كيف تكوّن النص؟كيف تشتغل هاته البنية من الداخل ؟ ماهي إحالاتها؟ وكشف العلاقات الدلالية بين هذه البنية وباقي النصوص، واستكشاف تضاعيف النّص، وفض مستغلقاته ومجاهيله، والإبحار في لا نهائية النّصوص، والتقاط الوشم الذي تركته كل تلك النصوص على هذه البنية النصية، من خلال تتبع تاريخ تكوّن النص وتخلّقه، حتى يظهر في شكل نهائي أو مايعرف بالنص الظاهر؛ بمعنى تتبع تعالقات النّص التحتية، وملاحقة آثار النصوص الموشومة داخل هاته البنية الكبرى، أو العلامة الفوقية؛ بوصفها ممارسة إنتاجية بالأساس بين النص والرحم الذي تخلّق فيه، وتعالق قبل أن يخرج منه، ليؤسس لحياته الخاصة. وهو ما يعني أن النص يمارس بفاعلية الامتصاص والتحويل والتعديل لتلك المدونة التي يغرف منها .

يتكوّن النص تاريخيا في عملية توليدية يتبنين فيها النص خلقا من بعد خلق كائنا آخر، فلا يمكن استيعابه خارج النسق التاريخي والاجتماعي الذي ساهم في تشكيله « اللغة ليست بريئة على الإطلاق، فللكلمات ذاكرة أخرى، تغوص في عمق الدلالات الجديدة بطريقة عجيبة.»()ولهذا يعنى التحليل النصي بإدخال النص داخل سياقاته التاريخية، عبر جدلية خلاّقة تسهم في خلق النص لمرجعيته الخاصة، التي تصوغ فرادته في إطار البينية الشاملة التي ينتمي إليها ، يصبح من خلالها النص أثرا (trace ) لنصوص سابقة تشتغل تحتيا في هذا النص الظاهر، فهي دمغات وبصمات، تظهر في النص كالطيف، تلوح كشبح يسكنه، و ترفرف في خلفية النص.

يتحدد النص عند بارت في كتابه ''لذة النص'' بجملة من المفاهيم تحدد كنه وماهيته بما هي وجوده فهو: نسيج، متن ومدونة، جسد، ساحة عمومية، لغة كل اللغات، بعض لغة، يقع خارج اللغات، بابل سعيدة، النص جهاز يعيد توزيع نظام اللغة ... فالنص جسد أي بنية رمزية وتاريخية، وهو ساحة عمومية متعددة الأصوات، وهو بابل سعيدة تتساكن فيها اللغات جنبا لجنب، من غير أن تكون هناك لغة أصلية ولغة ثانوية، نسيج من الاستشهادات واللغات والملصقات الثقافية، التي يمتصّها، ثم يحوّلها، ثم يعيد إخراجها مخرج الجديد، إذ يشكل أداء النص خلخلة للتصنيفات الميتافيزيقية، ويسقط مقولة "الأجناس" فهو الفكاهي الذي لا يضحك، يقع خارج اللغات أو هو بعض لغة أو لغة كل اللغات (). وهو ما يجعل النص يفلت من أن يكون إيديولوجيا بهاته الأصداء واللغات الثقافية المختلفة المحملة في داخله، حيث يصنع النص ذاته عبر تشابك دائم مع تلك النصوص، فينسج معها علاقات دلالية، وتعالقات تحتية رغائبية في عالمه الداخلي الدلالي، الذي يقوم على صراع جدلي مع البنية الاجتماعية والتاريخية التي نشأ فيها، إذ أن الوجود- في -العالم يعني دخول الجسد/النص في علاقات مع الآخرين، أي بماهو وجود اجتماعي، حيث يصوغ النص/الجسد خصوصيته عبر أدائه الجسدي أو وجوده الفعلي في العالم، والتي تماثل النمو اللّيبيدي للكائن الذي يتشكّل تاريخيا انطلاقا من الجدلية بين الخيالي والرمزي، فيدخل الفرد في علاقة مع محيطه، بحيث تسهم هاته الجدلية في بناء شخصية الفرد، وهي هنا النص الظاهر الذي يعد سيرورة تاريخية، وبنية تتبنين خلقا من بعد خلق.

1  ـ المماثلة بين النص و الجسد:

تأكيدا منه على جودة الإصغاء، يلتفت بارت إلى رنين جناسي بين النص،المتن، المدونة (corpus) والجسد (corps) فالنص جسد له صورة بشرية.« يمكن أن نتصور حصادا جماعيا هائلا قد تجمع فيه كل النصوص التي حدث أن لذت لأحد (من أي محل أتت منه هذه النصوص) ويظهر فيه للعيان هذا الجسم النّصي (متن corpus:وهذه تسمية حسنة) وذلك على وجه التّقريب كما يعرض التحليل النّفسي الجّسد الإيروسي للإنسان () ويقول أيضا" النّص صورة بشرية هل هو صورة تجسيديّة له وجناس خطي؟نعم ولكنّه كذلك بالنّسبة إلى جسدنا الإيروسي.» () وتأكيدا على الخروج عن المركزيّة الغربيّة يأخذ "بارت" هذا الجناس من الثّقافة الشرقيّة، والمرجعيّة العربيّة خصوصا إذ يقول بارت:»يبدو أن علماء العرب استعملوا وهم يتحدثون عن النّص العبارة الرّائعة التالية"المتن (الجسم الصّحيح) » ()

إن هذه النصوص لبارت تفصح عن رؤية وجوديّة للنّص، فقوله إن النص جسد، هو بمعنى آخر إن النص وجود متعين خصوصي وفريد، بل الوجود في صورة جسدية هو ما يمكن الكائن من الوجود في العالم ومع الآخر. إذ أن» وجودك في العالم يعني أن يكون لك جسد، أو أن تكون جسدا أو أن"تتجسد"...وليس في وسعي أن أكون في العالم إلا من خلال وجودي في صورة جسديّة، فمن خلال الجسد أدرك الأشياء والأشخاص الذين يتألف منهم العالم ومن خلال الجسد أكون قادرا على التأثير فيهم وبالعكس يكون في استطاعتهم التأثير فيّ « () بمعنى أن الإنسان يتمكن من الوجود في العالم من خلال الجسد، فأنا جسد يعني أنني مرئي كفرد متعين.فالكائن البشري موجود في العالم من خلال الجسد الذي يصوغ فرادته، ومن خلال الجسد يمكن الإنسان من الدخول في علاقات مع الغير، الموجود معهم في العالم. إذ أن الجسد مقولة أنطولوجية ،وهو ما يعني خصوصية أو الوجود العيني المقابل للوجود الماهوي الكلي، يوجد الكائن في العالم بتجسده  الذي هو هنا الدال/جسد النص المادي.ومن خلال الوجود الجسدي يتمفصل الجسد مع عالمه وينخرط فيه

الغاية من المماثلة هي إلحاح "بارت" على جسدية النص، وكثافته التعبيرية، وإيماءاته؛ أي الجانب المحسوس والملموس، الذي هو الدال باعتباره الجانب المادي الذي يتشكل منه النص ويصوغ حضوره الخصوصي ومرجعيته الذاتية أمام النسق المتحكم في إنتاجه، أي اللسان، خاصة الجانب الخيالي « يقبل جسدنا المقارنة بينه وبين العمل الفني، إنه مركب من الدلالات الحية وليس فقط نظاما من الألفاظ المتغيرة وتبعا لهذه العلاقة يستعير النص من الجسد حساسيته وخاصيته الإيحائية والرمزية، ويتخذ منه نموذجا لتناغمه الداخلي وانسجامه الدلالي والفني.» ()  يستعير النص من الجسد: التصوير والإيحاء والإيماءات الجسدية. والتاريخ ؛أي ليس بينة لا زمنية وهما أبرز ما يجعل النص يختلف عن المنظومة التي تشكل فيها فهو صيرورة تاريخية. وإذا فالتعامل مع النص بوصفه جسدا يعني «البحث عن نوعيات صياغته الثقافية التي يتداخل فيها بقدر كبير الخطاب التخييلي ببلاغته وأسلوبيته واستيهاماته والحقيقة التاريخية بوصفه واقعة ثابتة ومؤرخة، إن الجسد إذا كان لا يملك حقيقة فهو مع ذلك يملك تاريخا هو ذلك التاريخ الجهوي الذي دعا ميشيل فوكو وجاك دريدا بوصفه تاريخا لا يتسم بالشمولية بقدر ما يتسم بالخصوصية والانغراس في تربة الوعي واللاوعي الجماعي الذي يسم مراحل معينة.»() الجسد إذا كيان ثقافي وبناء رمزي وتاريخي فريد، لا ينقل المعنى الواقعي يتكلم بالإيماءة وبالتلميح لا بالتصريح تصوير يكتنز ظلالا دلالية . إذ أن لغة الجسد هي لغة تعبيرية رمزية تاريخية ، اللغة- الإيماءة والإيحاء «هذه الإيمائية هي مصدر لذائذ كبيرة»() كلمات لها رنة موسيقية/الجناس، لها حركات راقصة/ لعب لغوي، كلمات لها تاريخ/ لها أصداء... «لغة الحياة والجسد، إذن لغة استعارية، يتقاطع فيها الإدراك مع الإنصات،والفهم مع الذوق » (). اللغة الحسية ، اللغة الحركية أو ما يشكل حركية اللغة (الجانب الخيالي الاستيهامي للغة )   

إذا كان الجسد هو المكون للوجود البشري، فإن الدال هو المكون للنص. فالأهمية هي فعل الدال أو أداء النص الذي يتمكن من جعل النص قابلا للإدراك الحسي واشتغال جسد القارئ. لأن الوجود العيني للنص كجسد يعني إمكانية إدراكه بالحواس؛ أي لمسه وشمه وتذوق عباراته، كلماته، جمله،أصدائه.... ولكن "بارت" لا يقف فقط على النص كجسد بل جسد إيروسي، فهو ينتقل إلى هامش الهامش، فهل لهذا النزوع الجنسي من دلالة ما، من خلالها يمكن أن نقول أن النص يحتفي بالآخر، أين تخلق اللغة علاقة بالآخر؟. إنما يسكت عنه هذا القول هو محاولة « دمج النزعة الجنسية مع الوجود الإنساني »()  و في  المقابل  دمج النص بالباقي الهامشي أو ملحقات النص .

يضيع النص درجة تماثل الواقع واللغة فلا ينقل المعنى، ولايسمى الأشياء وإنما يخلقها من جديد. إذ يكرس النّص هذا الغياب والنسيان للمعنى الأصلي فالنص يقول "بارت" يهاجم القانون النحوي للغة، ثم إنه يفكك التسمية؛ أي النص لا يسمي الأشياء فكل علامة لا تحيل إلى مدلول مرجعي واقعي، فالكلمات لا تريد أن تكون "هو ذاك" إنما توجد وجودها المفرد العيني هناك () ينجز النص ذاته من خلال حركاته وإيقاعاته التي تبتعد به عن التماثل مع المعنى القاموسي، إذ تخرج الألفاظ والكلمات عن دلالتها الأصلية، وتوجد وجودها الآخر هناك تنبثق من خلفية ما، من الخواء من الأماكن المعتمة. فالكلمات تنسى الدلالة الأصلية، ثم إنها تلعب بقوانين اللغة ،إنه الإثم والانحراف المضاعف.. هذا الإنتهاك للغة والتفكيك للتسمية ،وإزاحة سلطة المعنى المرجعي ،هو ما يضمن «تولد الدلالة» () و يدنو النص من المتعة بحسب "بارت"

النص له شكل مهلوس La forme hallucinée du texte() وهنا يماثل بارت بين النص والأوديب ذلك البطل الذي لا يعرف الأسماء« يسر إلي (أ) بأنه قد لا يطيق أن أمه كانت متهتكة ولكنه قد يحتمل ذلك من أبيه ويضيف :هذا غريب، أليس كذلك؟ويكفي اسم لوضع حد لاندهاشه :الأوديب! إن (أ) ليدنو في نظري من النص،إذ النص لا يسمي الأشياء بأسمائها-أو ينتزع الأسماء الموجودة إنه لا يقول...فالاسم لا يحضر على طرف اللسان بل هو مجزأ إلى ممارسات وإلى كلمات ليست أسماء...إن النص في ذلك يفكك التسمية وهذا التفكيك هو ما يدنيه من المتعة»()  فالقارئ يقرأ نصا غير حقيقي لا يعرف حقيقته . فالهلوسة تهتك/تشوش الخط الفاصل بين الخيال والواقع، برسم صورة لا تكون حقيقية بأي حال من الأحوال. ومن ثمة لا ثقة فيما يقوله النص.

ولما كان النص جسدا فإن له التكوين النفسي و الأنطولوجي ذاته للكائن « النص صورة بشرية هل هو صورة تجسيدية له وجناس خطي؟ نعم ولكنه كذلك بالنسبة إلى جسدنا الإيروسي فلذة النص لا تقبل أن تختزل إلى عملها النحوي (عملها النحوي المتعلق بالنص– الظاهر)، وذلك مثلما أن لذة الجسد غير قابلة لأن تختزل إلى الحاجة الفسيولوجية . لذة النص هي تلك اللحظة التي يسير فيها جسدي وراء أفكاره الخاصة - ذلك لأن جسدي ليس له نفس أفكاري » ()لأجل ذلك لابد من إلقاء نظرة على التكوين النفسي والأنطولوجي للكائن من أجل سبر نشوئية النص.ووجوده المتجسد ،الذي ينبغي على القارئ أن يحلله ويصفه. بمعنى أن للنص مرجعية ذاتية لا يمكن أن نفهمه إلا من خلال فينومينولوجيا تنفذ إلى عمقه و باطنه.لتسبر ما به يكون النص فريدا وما هي خصوصيته.

النص/الجسد هو نظام متماسك على المستوى الظاهر، ونسق متفاعل عضويا يتكون من عناصر ومكونات وعلاقات تستمد مكوناتها من النظم العليا السوسيو ثقافية والتاريخية، فهو ليس بنية مغلقة على ذاتها، بل بنية منفتحة على النسق الثقافي المنغرس فيه، هذا ويتشكل النص من نص ظاهر"Phino-texte"ونص باطن،تكوين،خلق"Géno-texte" إي النص مزدوج، ولا يمكن إظهار خصوصيته من غير تجاوز النص الظاهر/الجسد العلمي للنفاذ إلى النص الباطن الذي ينتج هذا النص في سيرورة خلاقة من خلاله يندمج الكائن/النص في العالم:« لدينا أجسام عديدة، جسم التشريحيين، وجسم علماء وظائف الأعضاء ذلك الجسم الذي يراه العلم أو الذي يتكلمه:إنه نص النحويين والنقاد والشراح وفقهاء اللغة (النص الظاهر) غير إن لدينا أيضا جسم متعة، وهو جسم مصنوع من العلاقات الإيروسية وحدها لا صلة له بالجسم الأول: إنه تقطيع آخر وتسمية أخرى كذلك النص. » () و الحديث عن الجسد إيروسيا يذّكر بالتناسل وحركة النص/الجسد عند التحام الكائن بالعالم والاندماج فيه، ومن ثمة يكوّن حوله خبرة وجوديّة داخليّة شخصية ،تجعل بمقدور الكائن التعايش مع عالمه المتغيّر. فهذا النص الباطني المسكوت عنه، الهوامش، الصور و الخيال، الملحقات... هي التي تجلي تكوين النص وتمنحه معطياته التاريخية و الاجتماعية العليا التي تشابك معها.

2 ـ النص نسيج وشبكة من النصوص المتداخلة  :

يصدِّر لنا "بارت" بعضا من أبرز مقولاته وأشهاها: النص نسيج العنكبوت : كلمةtexte  (نص) تعني النسيجtissu  ()الذي لا يكمن خلفه معنى ، ذلك أن النص نسيج من الاقتباسات، والاستشهاد، والملصقات الثقافية، فهو نسيج لغات، شبكة من النصوص متداخلة ، كتناص Intertextualité. النص ممارسة نسج نصوص ؛بمعنى هو منسوخ من وفرة لا نهائية من النصوص ما يجعل الحضور الامبريالي للمعنى مستحيلا «نشدد داخل النسيج على الفكرة التوليدية، التي ترى إلى النص يصنع ذاته ويعتمل ما في ذاته عبر تشابك دائم ..... ولو أحببنا استخدام الألفاظ لأمكننا تعريف نظرية النص بأنها علم نسيج العنكبوتhyphologie (hyphos) هو نسيج العنكبوت) » ()

والتفكير في تشكل النص من هذا الشتات النصوصي إلى أن صار نصا واحدا/نصا ظاهرا/ علامة فوقية. هو ما يجعل بارت يفكر في الاسطورة البابلية() أو ما يعرف بالبلبلة، فلم يعد عقابا ذلك التعدد واختلاف الألسنة، فالتعدد ليس عقابا ليس خطيئة « نص اللذة هو بابل سعيدة» فكما يذكر في قصة البلبلة ،جاء تعدد اللغات نتيجة خطيئة الإنسان، الذي أراد بلوغ السماوي، والتساوي بالرب ما ترتب عليه هذا العقاب  لكن التعدد داخل النص بالنسبة إلى بارت ليس خطيئة؛ بمعنى لا تحتاج إلى تكفير أوشعورا بالذنب، والإضافة الأخرى أنه لا توجد لغة أصلية، إنما هناك تناسخ لا يوجد أصل، ومن جهة أخرى :التأكيد على الرغبة اللا محدودة للكائن /المادي، لبلوغ السماوي /الإلهي، أي تحقيق الخلود والحلول مقام الإله. يصبح النص فضاء مفتوحا على التعدد والتردد،ساحة عمومية نسيج خيوط وملصقات ثقافية. لأجل ذلك يصبح التعدد الدلالي، والتداخل النصي، أو هذه البلبلة اللغوية في النص، هي ما يشكل متعة، وليس الخطيئة والشعور بالذنب، أين تدخل وتعبر تلك اللغات والنصوص الثقافية، إلى داخل النص من غير أن تكون هناك لغة أصلية بينها.فالتحول من لغة الإله إلى لغات مختلفة، ليس لعنة بل حرية في إنتاج المعنى وإعطاء الإنسان الثقة في نفسه من أجل الإنتاج، وعبور لمقام المبدع، والرغبة في التشبه به والتماهي به فبعد تنحية الإله/المؤلف والإعلان النتشوي عن موته، هناك فسحة في الخلق والإيجاد والتكوين، فتصبح له صورة الإله الخالق. وهو ما يعضد أن النص لا هوية له،خاصة بعد إقراره بأن النص نسيج من لغات مختلفة، بلا مركزية لغة ما، ليعلن موت المؤلف وسقوط أبوته على النص.

3- النص ذلك اللقيط الذي لا هوية له :

يفتقر النص إلى هوية فهو عبارة عن نسيج من النصوص و الشذرات معاصرة أو قديمة، فليس له أصل ثابت قار بل منسوخ، أو أوديب الذي لا يعرف من يكون، ويبحث عن والديه، وعن حقيقته، إنها ذلك اللقيط كمايرى بارت«تنفك الذات وسط هذا النسيج- هذا النسجtexture - ضائعة فيه،كأنها عنكبوت تذوب هي ذاتها في الإفرازات المشيدة لنسيجها.» ()  ويقول في مقطع آخر: «المؤلف يضيع دائما وسط النص (لا وراءه على شاكلة إله من آلهة...) لقد مات المؤلف من حيث هو مؤسسة: اختفى شخصه المدني، والغرامي،السيري.ولما جرد من كل ما لديه فإنه لم يعد يمارس على مؤلفه تلك الأبوية الرائعة، التي تكفَّل كل من تاريخ الأدب والتعليم بإقرار سردها. » () مات المؤلف/ الأب وتحرر من النص من كل الأسئلة عن الأصل والهوية بموت الكاتب في نصه .

ولعل بارت هنا يجد أن العلاقة التي ينسجها النص مع باقي النصوص هي علاقة أوديبية، فالنص يقترب من أوديب له رغبة محرمة تحريما مضاعفا: رغبة قتل الأب من جنسه والزواج بالأم من الجنس الآخر : «سوف ينتزع موت رمز الأب من الأدب كثيرا من لذاته، فإذا لم يعد هناك رمز الأب فما جدوى حكي الحكايات؟ أ ليس كل سرد يعود إلى الأوديب؟أليس الحكي هو بحث الحاكي عن أصله، هو قول منازعاته مع القانون، هو الدخول في جدلية الحنان والكراهية؟ واليوم يتخلص دفعة واحدة من الأوديب ومن السرد: فما عاد أحد يحب، ولا عاد أحد يكره، ولا عاد يحكي أبدا.لقد كان الأوديب بوصفه متخيلا يصلح لشيء ما:يصلح لكتابة روايات جيدة، وللحكي الجيد.» ()

تلخص الأسطورة اليونانية "الأوديب" التجاوز وتعدي الحدود والتيه:ذلك الذي قتل والده، وتزوج أمه، فلما أبصر الحقيقة، فقأ عينيه، وتاه في المجهول.حكاية تراجيدية ترتيب التيه فيها يبدأ من الصراع مع الأب، والذي يتم بقتله، وقطع رأسه. والأب هنا رمز: القانون،الأصل ،السلطة. ثم انتهاك الحرمات أي الزنا بالمحارم: الزواج من الأم. لحظة إبصار الحقيقة هي لحظة العمى، أين يفقأ عينيه، ويسير هائما/تائها في الأرض فأوديب اخترق مناطق اللامفكر فيه فكانت نهايته تراجيدية مأساوية.

من خلال أسطورة أوديب فسر"فرويد"* الكثير من الحالات المرضية، وسميت في علم النفس بـ "عقدة أوديب" (complexe d’Œdipe): «إنها الجملة المنظمة من رغبات الحب والعداء التي يشعر بها الطفل تجاه والديه، تظهر هذه العقدة في شكلها المسمى إيجابيا كما في قصة أوديب - الملك أي:رغبة في موت المنافس وهو الشخص من نفس الجنس، ورغبة جنسية في الشخص من الجنس المقابل...تلعب عقدة أوديب دورا أساسيا في انبناء الشخصية وفي توجيه الرغبة الإنسانية. » () فهاته العقدة تنطوي على رغبة محرمة تحريما مضاعفا–رغبة قتل الأب، ورغبة الزواج من الأم – بحسب ما تواطأت عليه قوانين الطبيعة البشرية وشرائع المجتمع.فعقدة الأوديب هي رغبة مزدوجة في القتل/الهدم والحب/البناء في آن واحد.

يعيق الأب /السلطة/القانون تحقيق تلك الرغبة الجنسية المحرمة، ما يؤدي إلى أفول تلك الرغبة المحرمة.إذ يحتكر الأب جسد الأم ويعتبره مركزا للإنجاب، ويمنع الطفل من التفكير المحرم في جسد الأم عبر التهديد بالخصاء ، حيث تترافق عقدة الأوديب مع خيال/هوامFantasme* الخصاء أي الطفل يتخيل نفسه دائما مهددا من الأب، ما يشكل عند الطفل عزوفا عن تلك الرغبة المحرمة، أي تحريم العلاقة الآثمة بالمحارم.مما يؤدي إلى انتهائها بشكل مفاجئ .لأجل ذلك تعد لحظة قتل الأب لحظة حاسمة في نشأة كائن يريد أن يكون()

في الأسطورة، لم تتحقق الرغبة المحرمة إلا بعد قتل الأب، والدخول معه في صراع ومقاومة، حتى يتم قتله وإفساح المجال للكائن الذي يريد أن يكون. وإسهام هذه الجدلية ''الأب والابن'' في انبناء الشخصية.لأجل ذلك يقول بارت "إذا انتزع رمز الأب فقد الأدب لذته" ولعل هذا ما يجعل بارت يقول : إنه بـحاجة إلى صورة الأب /الكاتب'' بيد أني أرغب في المؤلف على نحو ما داخل النص: إنني بحاجة إلى صورته (وهي ليست تمثلا لي ولا إسقاطا)كما أنه بحاجة إلى صورتي.» ()  إن ما يريد بارت الالتفات إليه أن التخيل الذي يحدث في نفس الطفل نتيجة الخوف من الأب والصراع الداخلي هو ما يضمن فاعلية الذات.وثانيا يبدو أن تحقيق الرغبات اللاواعية /المحرمة لا تسلك الطرق المباشرة، بل طرقا ملتوية. لكن الإشكال الذي يبدو أن "بارت" يحاول توجيه النظر إليه كيف نتفادى ونحن نشكل ونبني الذات تلك النهاية المأساوية؟.

تلخص هاته الأسطورة السؤال الأنطولوجي للكائن الذي يبحث عن أصله وحل ألغاز الوجود الكبرى، أمام إشكاليات وجودية من قبيل: الخطأ، الذنب، والاغتراب والعقاب.كيف أوجد في العالم على نحو مختلف، كيف أجد خلاصا من عالم كثرت فيه المتناقضات؟ كيف أحقق الوجود في العالم من غير أن أخاف، أقلق، أغترب، أتيه، من غير الشعور بالذنب؟ كيف يكون الكائن ذاته وكيف يتجاوز الخوف؟ كيف ينفذ إلى موضوعات حبه/أمه  أمام سلطة وتهديد الأب ؟ إننا إذن بهذا القول نطرح إشكال التهديد الذي يلقاه الكائن والذي يحمل طابعا مأساويا ومحبطا له ورؤيته لذاته وإمكاناته واستشراف مستقبله .إذن كيف يقاوم الكائن هاته العوائق التي تظهر سلطتها أمام الفرد؟ كيف يمارس الكائن الحرية من غير أن يصيبه ضر-العمى والتيه في حالة أوديب-كيف نجعل تلك العقدة الأوديبية التي تتوارث من جيل إلى جيل سيرورة أي فاعلية ودينامية أكثر من كونها كبتا يصبح جلدا للذات، أو نشهد أفولها حيث يطمس ويمحى الوجود الفريد للكائن في العالم حيث يدخل ضمن طائلة الاستلاب حتى نقول مع بارت:«في نص اللذة لم تعد القوى المتضادة في حالة كبت، بل في هي حالة صيرورة ما من أشياء متناحرة حقا، كل شيء متعدد.»() كيف يحقق الكائن إمكانا وجوديا أصيلا في عالم كثر فيه الزيف والوهم والتناقض؟ إنه سؤال الكينونة، سؤال الانعتاق والحرية المسؤولة،السؤال الذي يريد التغيير وفضح الإيديولوجيا وتعرية الأنساق المتمركزة على ذاتها..

يشير بارت هنا إلى قمع لذة النص،التي ترجع إلى الأوديب،بوصفه متخيلا تنبني عليه الحكاية والسرد. هذا القمع جعل لذة النص في أدنى مستوياتها؛لأنها لا تحكي صراعا مع القانون/السلطة/المعنى/المجتمع/المرجع اللغوي، ولا تنتهك حرمة اللسان/الرغبة في المحرم وانتهاك المقدس ف"كريستيفا" ترى أن المس بمقدسات اللسان مس بمقدسات المجتمع ()، فهناك مؤسسة/سلطة مانعة تعيق الاقتراب من المحرم/المحظور/المقدس.فتحاول دائما القضاء على تلك الرغبة المزدوجة (الموت والحب)/(الهدم والبناء)، وصرف الكائن عن ممارسة الكتابة والتفكير بما هو تقويض وإطاحة بالإيديولوجيا واستراتيجيات الهيمنة، هذه المعوقات المتسلطة على الكائن، والتي تهدد الكائن تجعله خائفا باستمرار في عالم متغير، وهنا تصبح للمشاعر والأهواء فاعلية في رؤية العالم، فهاهو الخوف كما قال هوبس "نزوع حياتي الوحيد"، قد يصبح ذاك الانفعال مرشدا للكائن في العالم، مرشدا يجنبه المأساة والتيه ويحرك الجسد للفرار إلى الأمام ،كيف نتجاوز الذات المتمركزة على ذاتها والمتمركزة في الحاضر والحقيقي.

في الشذرة الثانيةيأتي بارت على ذكر نموذجين للنص() ويطرح فيها بمبالغة وتكثيف الخاصية النوعية لكل من هذين النموذجين: نص هو ظاهرة طبيعية ،كتابة صوتية. اللغة في أقفر/أفقر تواجد لها كجسد علمي لها بعد نفعي، وجود كلي ماهوي مجرد، نص يكتب تحت الطلب أو ما يسميه هو بالنص الثغثغة( texte – babille).لا يعدو إن يكون رغوة لغة، لا ينتج لغة، لغة آلية ميكانيكية.، نص العرض الإيديولوجي«أما العرض فهو من جهة قد يكون تصويرا مرتبكا.»() .يعيد المعنى متطابقا مع ذاته ولا يحدث تغييرا وتعديلا على النصوص التي تشكل منها "التكرار الخجول:تكرار المضامين، والخطاطات الإيديولوجية ومحو التناقضات،لكن مع تغير الأشكال السطحية:ثمة دائما كتب وبرامج وأفلام جديدة وأحداث يومية ولكن المعنى هو نفسه دائما"() فلا يعيد تشكيل ولا صياغة اللغة ولا يمارس عليها أي انتهاك ،له دلالة أحادية من غير ظلال ولا كثافة .لغة ذات طابع نفعي. تعتبر القارئ وعاء() (Un vase) ، إذ هو نص تحكمه«علاقة المحاكاة الإيمائية بالنموذج» ()فهو نص التمثيل/المحاكاة.

ثم هناك نص هو ظاهرة شاذة، كتابة تصوغ اختلافها، لغة في كثافتها وإبداعيتها ،جسد، رمزي، وجود عيني،.نص يكتب تمردا وانحرافا (perversion) على النمطية والثقافة السائدة، يحرك ويخلخل المجتمع وقوانينه ومصادراته وبديهياته ومقدساته ومحرماته، باحثا عن إمكان فجائي (imprévision) للمتعة ،وهي الكتابة الإيروسية، اللغة الشهوانية  .نكون أمام إرادة النص للاختلاف وإلحاح على الآخر أين يصبح النص فعل رغبة مزدوجة في هدم تلك الإرادة السلطوية المكرسة للمعنى الشمولي الواقعي وتحقيق رغبة محرمة في انتهاك مقدسات اللسان وتحريك المنظومة الاجتماعية والتاريخية، فهي النصوص المرعبة (textes terribles) المغناجة (coquets) ويظهر أهم مميزين لهذا النص: العصاب والرغبة يفترض النص المرعب القارئ جسدا تراوده عن نفسه نصوص ترغب في القارئ، أو في مشاركة وجودية لها طابع جنسي مع جسد القارئ/الآخر ، فلكي يقرأ لابد له من تجسد، حتى يتحول إلى مشهد للمتعة والإغراء، فالقارئ محكوم بالهيأة التي يتقدم له فيها النص، لإشراكه في إنتاج المعنى وتكوين النص وإخراجه إلى الوجود. إذ «أضحى النص فضاء افتتان، لا فضاء تعبيريا، وينبغي طرح مسائل تتعلق بالفتنة عندما نكتب والتمكن من افتتان الآخر مغامرة صعبة. » ()– ولا يتسع المقاوم لطرح هذا- فهو النص الذي يشكل جوهره: الزمن والأخر .

4 - رغائبية النص :

النص الذي تشكل فيه العصاب والرغبة () هو نص الصراع بين الوعي واللاوعي، وهو صراع داخلي، وصراع خارجي بين الوعي والعالم الخارجي، أو الواقع و يقع هذا الصراع في الجهاز النفسي* للكائن ، حيث يريد اللاوعي تحقيق اللذة * بينما يريد الوعي الحفاظ على الذات، في المقابل يعمل الواقع والعالم الخارجي على إعاقة إشباع رغبات اللاوعي، ما يجعل الجهاز النفسي للكائن فاعلا بامتصاص الإثارة، والتخفيض من كمية التوتر، وهذا هو مبدأ اللذة حيث تلتزم النفس بهذا المبدأ الذي يعمل على تحويل منتجات اللاوعي، في صيغ رمزية تعبر وتطفو إلى السطح من غير أن تنتبه لها السلطة ، وهو ما يعرف بمبدأ الواقع ***الذي يعمل على تأجيل الإشباع .

يعمل الجهاز النفس بطريقة مزدوجة على الصعيد الداخلي والخارجي في آن معا،محاولا التخلي، والتخلص عن رغبات الهو**** التي لا تتوافق مع الواقع من خلال الحيلة النفسية التي يلجا إليها الجهاز النفسي وهي الكبت، من أجل الحفاظ على الذات وهو ما يعرف ب جدلية الخيالي والرمزي والتي من خلالها يتم انبناء الشخصية /النص فلما يولد الطفل يولد مفطورا على رغبات جنسية بدائية وفي مراحل نموه يصطدم بالواقع والعالم الخارجي، فيبدأ الأنا في التشكل مشتقا عن الرغبة الجنسية بعد تعديلات وتحويرات، هكذا حال النص مع النصوص التي يحولها لحسابه الخاص.

إثر ذلك فإن لذة النص/الفرد هي استنادا على ما سبق ذكره هي مبدأ يحكم اشتغال الجهاز النصي في علاقته مع النصوص الموجودة في الثقافة المنغرس فيها. إذا قلنا أن مرور محتويات اللاوعي إلى الوعي يتم عبر مراقبة ثنائية ،أولى: تحور منتجات اللاوعي والثانية : تنقي منها ما يعبر للوعي ،يكون بالمقابل النص ينتج من خلال تحوير النصوص وتشويهها في مرحلة أولى ثم في المرحلة التالية يتم فيها الانتقاء. من تلك المنتوجات ما يطفو على السطح. أو ما يظهر ليشكل النص الظاهر/الأنا المثالي .

وعليه سيتتبع القارئ تكوّن النّص من كونه لاوعي أو آثار ذاكريّة، نصوص ، واقتباسات وأشلاء ومقاطع، أي من يوم كان نسخة ومخطوطا، إلى أن صار نصّا ظاهرا على غرار النّشاط النّفسي للكائن.

بناء على ما تم ذكره تكون لذة النص هي النشاط العقلي للنص، في تحويل النصوص أو اللغات الثقافية المختلفة وإخراجها جديدة. ولذة النص نشاط اقتصادي كمي وكيفي، بوسعنا أن نقول يتعامل مع كمية من النصوص ويحاول أن يصوغها كيفيا صياغة رمزية، تقصد إلى إغراء الآخر/القارئ وتتوحد به لبلوغ لحظة سكينة.

الجدلية والصراع الدينامي الذي بين النص/الأنا والثقافة/الأنا الأعلى، هي في الأخير ما يسهم في تشكيل خصوصية النص باعتباره منتوجا ثقافيا بالمرور بمراحل/أجيال يتكون فيها النص/الفرد.وهنا فالقراءة هي ملاحقة تشكل النص، وسيرورة هذه العملية. والمراحل التاريخية التي مر بها .

الصراع بين العالم الدلالي الصغير للنص، وعالم الثقافة ليس له إجراء لمنع وقوع الضرر بالأنا/النص إلا تأجيل الحصول على اللذة أو الحصول على اللذة بطريقة ملتوية، فيكبت النص النصوص التي يأخذ منها ويدخلها في لاوعيه/عالمه الباطني، ويعمل على تحويرها وإخراجها مخرج الجديد. وتتحقق متعة النص في نهاية هاته العمليات. فالجهاز النفسي للكائن لا يتقبل مباشرة كل ماهو مصدر إثارة ولذة، بل يعرضها على مبدأ الواقع حيث يتم تأجيل الإشباع ويتم تعديلها وتحويرها والانتقاء منها لتعبر وتطفو إلى الوعي، هذا التأجيل فيما بعد يوصلنا إلى متعة.ويستمر مبدأ اللذة في السيادة على قطاع بأكمله من النشاط النفسي وهو الحيز الخاص المكرس للهوام والذي ينشط تبعا لقوانين العمليات الأولية ونقصد به اللاوعي() بمعنى آخر أن مبدأ اللذة (العقلي) يشتغل داخل العالم الباطني /اللاوعي /اللاعقلي  .

من آليات الإقصاء والاستبعاد التي يخفي بها الأنا/النص رغباته وميولاته: الكبت "Refoulement" الذي يعد آلية لمواجهة الرغبات الجنسية، إذ يدفع الأنا النزوة الجنسية والتصورات والذكريات المرتبطة بها وإشاراتها إلى اللاواعي، حيث يتم كبتها.ويعرف الكبت بأنه «دفاع مرضي بالمقارنة مع دفاع سوي من نمط التجنب ويوصف الكبت منذ البدء كعملية دينامية. وهو معرض دوما للتفشيل من قبل قوة الرغبة اللاواعية التي تجهد للعودة إلى الوعي» () الكبت أهم إجراء للأنا/النص في مواجهة الغرائز الجنسية/النصوص السابقة التي تشكل منها هذا النص من أجل الحفاظ على الذات؛ وظهور الأنا/النص كوحدة شاملة ومتناسقة، رغم صراعاته على المستوى الداخلي والخارجي.لكن تنفذ النزوات الجنسية إلى الوعي،وتفشل قوة الكبت وهو ما يدعى عودة المكبوت «Retour du refoulé» فتكسر نظام الحظر المفروض عليها من الأنا لكنها عودة مختلفة للمحتويات اللاواعي وآثاره الذاكرية إذ تظهر رمزيا « تتطابق لحظة بزوغ الجنسية مع لحظة ظهور الهوام ومع الإنجاز الهلاسيللرغبة*» () بمعنى أن النزوة تختفي أو كما يقال بلغة التحليل النفسي تتثبت على بعض الأخيلة والصور والاستيهامات، فالصلة وثيقة بين الهوام والنزوة الجنسية التي تجعلها تخترق نظام الوعي فتخرج محولة ومحورة في هذه الصيغ الرمزية «تنتظم التصورات اللاواعية في هوامات،وسيناريوهات خيالية تتثبت عليها النزوة، مما يسمح لنا باعتبارها وكأنها إخراج مسرحي***حقيقي للرغبة» () فخروجها إلى نظام الوعي هو خروج رمزي لا حقيقي، أي كما قال لابلانش"إخراج مسرحي"من نقل وتكثيف وترميز فلا تنتبه إليها سلطة الأنا الأعلى بفعل هذا الكلام غير الواقعي، الذي تختفي وراءه النزوة وتتفادى التعارض مع الواقع؛  أي أن إشباع الرغبات الجنسية يتم على المستوى الهوامي، ولا يعني هذا انتصارا للمكبوت على الكبت، تبقى هاته العمليات حيلا نفسية تقاوم بها الذات/النص ، على صعيدين داخلي وخارجي. فالكون التخيلي للنص هو مسرح الأحداث التي من خلالها تتعدل النصوص واللغات الثقافية.

تنزع الرغبة اللاواعية إلى إن تتحقق من خلال استرجاع الإشارات المرتبطة بتجارب الإشباع الأولي لأن الرغبة غير الحاجة (Besoin) فالحاجة متولدة عن حالة من التوتر الداخلي، ويتم إشباعها من خلال الفعل النّوعي الذّي يؤمن الموضوع الملائم لها (كالطعام مثلا)؛ بينما ترتبط الرغبة برباط لا فكاك منه"بالآثار الذاكرية" وتجد تحقيقها في إعادة الإنتاج الهلاسي للإدراك الذي أصبح إشارات على هذا الإشباع تحكم، وتتوجه للبحث عن الموضوع في الواقع. إذا فالرغبة مرتبطة بإشارات طفلية لا تمحى لأنها ليست في جوهرها علاقة بموضوع واقعي مستقل عن الشخص بل هي على علاقة مع الهوام وتثيرها أحداث راهنة.()

في الجهاز النفسي/النصي نمطين من الطاقة/الدلالة:ساكنة ومتحركة ويتعرض ثبات المستوى الطاقوي في الجهاز النفسي إلى التهديد من خلال حالات الإثارة، أو من خلال التوزيع غير المتساوي للإثارة ضمن النظام، ويتيح التوزيع والتحول السريان الحر للطاقة ، فتضطر الجهاز النفسي إلى محاولة استعادة الحالة السابقة على الإثارة أي حالة الاستقرار.

أصبحت المسألة/الإشكالية بالنسبة لفرويد هنا: هل مبدأ اللذة يتطابق مع الاحتفاظ بثبات المستوى الطاقوي: بمعنى هل الطاقة تظل ثابتة داخل نظام مغلق ويعني هذا أن الوقائع النفسية/النصية تخضع لهذا المبدأ الذي يؤدي إلى افتراض وجود طاقة نفسية أو عصبية لا يتغير مقدارها رغم تعرضها لمختلف التحولات والانتقالات فهذا المبدأ يترادف ومبدأ الاستقرار.لأنه ينزع إلى الحفاظ على الثبات، أو على العكس يتطابق مع تخفيض جذري للتوترات إلى أدنى مستوى ممكن.

لاحظ فرويد أن مبدأ اللذة يتعارض بالأحرى مع الاحتفاظ بالثبات، فهو يتطابق مع السيلان الحر للطاقة/الدلالة، بينما يتطابق الثبات مع ربط هذه الطاقة.() وهنا اللذة هي السيلان الحر للطاقة من تصور إلى آخر في الجهاز العصبي، المتكون من تشعبات عصبونية وتحطيم قيد الكبت الذي يربط الطاقة ويعيق حركيتها وانتقالها وسيلانها وما يضمن هذا السيلان هو تلك العمليات الأولية للاوعي،بالمثل يكون النص نسيج ينتقل فيها المعنى من دال إلى دال في شكل من الهروب والفرار والانزلاق، فهو يفتقد إلى استقرار أو ثبات ويحاول استرجاع حالة سكينة ، فالنص جهاز يعيد توزيع نظام اللغة وهو ما نقله بارت عن نظرية النص ()  مستندا عل طروحات "كريستيفا " التي ترى أن النص جهاز عبر لساني يعيد توزيع نظام اللسان، بواسطة الربط بين كلام تواصلي يهدف إلى الإخبار المباشر، وبين أنماط عديدة من الملفوظات السابقة عليه أو المتزامنة معه فالنص إذن إنتاجية وهو ما يعني:

-      أن علاقته باللسان الذي يتموقع داخله هي علاقة إعادة توزيع .

-      أنه ترحال للنصوص وتداخل نصي، ففي فضاء نص معين تتقاطع وتتنافى ملفوظات عديدة متقطعة من نصوص أخرى. ()

فالنص الرغائبي نص ذاكري له آثار ذاكرية ،رمزي، وهو ما يشكل مواقع إيروسية تغري وترواد القارئ « إن على النص الذي تكتبونه أن يقدم إلي الدليل على أنه يرغب في وهذا الدليل قائم إنه الكتابة» () فقصدية هذا التجسد هي إغراء القارئ بهذه الكتابة الرغائبية الرمزية الذاكرية «تقصدونني لكي أقرأ لكم ولكني لست بالنسبة إليكم شيئا آخر غير هذا القصد، لست في أعينكم بدلا لأي شيء لا صورة لي (بصعوبة تبقى لي صورة الأم ) لست بالنسبة إليكم جسدا، ولا حتى موضوعا...» ()

العصاب Névrose هو واحد من مما يحدد النص كذلك عند بارت ، ويتشكل العصاب كذلك نتيجة الصراع والكبت  « من المؤكد أن كل"ألم"يتصل بالعصاب والأمراض النفسية، إنما هو من ذلك النوع؛ أي إنه في صميمه لذة لم يمكن الظفر بها على أنها كذلك. » ()المريض العصابي لا يقول الحقيقة ولا ينقل الواقع لأن كلامه رمزي  هذا من جهة، ويستمد صوره من الذاكرة وهذا من جهة ثانية، إنه تاريخ قديم جدا/طفلي تصور ينتقل من الطفولة إلى الرشد، فالتصورات تبقى قابعة في اللاوعي ولا يقدر الأنا إلغاءها مطلقا، وكأنها تبقى منقوشة أثرا، ندبة تاريخية في اللاواعي.

يحاول المكبوت أن يجد سبلا تتفاوت في مراوغتها لنجاح العبور، ومن هذه الاستراتيجيات التكرار المختلف/التكرار الإيروسي-الذي يتحدث عنه بارت - يعيد هذا التكرار إنتاج ما مضى، بشكل متفاوت في تستره، فالمكبوت يحاول العودة إلى الحاضر في صيغة مختلفة، متجسدا في نظام الوعي، من خلال تلك العمليات الأولية التي تجري في اللاشعور، فتتثبت وراء الهوّامات والصور التي من خلالها يحطم المكبوت قيود الكبت، التي تضمن سيلان الطاقة في الجهاز النفسي،  يشترك العصاب والرغبة في الأثرية والصياغة الرمزية والعودة المختلفة للمعنى، لكن الصراع والجدلية هنا تتم في العالم الباطن الخيالي للنص حيث يتم تحويل وعودة المكبوت/النصوص عودة مختلفة .

لا يوجد الكائن في عالم يقين وثبات، وهو بإدراكه لا حقيقة هذا العالم يدفعه ذاك الإدراك إلى أن يبدع ويخرج المكبوت وتلك الأحاسيس إخراجا مسرحيا؛ تعابير رمزية بها يحدث تنفيسا للذات من أغلال الكبت. أي إخراج التجربة الباطنية للكائن إخراجا جماليا .فبتعرضها لمحك الواقع تتعدل الرغبات الفطرية للكائن، تبدع الذات حلولا لمآزقها بإنزال رغبة لاواعية إلى الواقع.

فكشف عالم اللاشعور بماهو عالم باطن/مظلم يتم من خلال تفحص سلسلة الدوال ، خاصة تلك التي تظهر في شكل عرضي هامشي،رمزي،حيث تبدأ الرغبة اللاواعية في الفرار والهروب من تصور إلى تصور، إذ تكتنز اللغة الرمزية طاقة إيحائية وإيمائية تسهل جريان/سيلان الدلالة، فتفضح تماسك النص/العلامة الكلية/الأنا. فالدال له أصداء لاواعية، فيتمكن المحلل من حدس الرغبة اللاواعية «فانطلاقا من الكلمة نكتشف إذا أرهفنا السمع تداعيات الذات ورغبتها اللاواعية» () انطلاقا مما جاء في التحليل النفسي فإنه يتعين الإنصات إلى ما يصمت عنه الوعي ولا يتكلمه اللسان، هناك في الفجوات، وبين السطور وفي البياض، تقبع الرغبات المكبوتة.و تغدو عملية الكشف متيسرة إذا ما تم إدراك العمليات الأولية التي يتخذها المكبوت للنفاذ إلى الوعي، وهي :الإزاحة والتكثيف كأبرز العمليات التي يمر من خلالها المكبوت وهنا نتعرف مع "لاكان" على أهمية الاستعارة والمجاز المرسل.فالمجاز المرسل هو تنقل الرغبة المستمر على طول سلاسل التداعيات،أو هو الهرب الأهوج للرغبة من دال إلى دال وهو وسيلة هذه الرغبة للإفلات من الرقابة، لأجل ذلك ينبغي تتبع الرغبة من دال إلى دال قصد الاقتراب من التعالقات الأولى للرغبة، وبالمقابل تعطي الاستعارة لرغبة الشخص بل وحتى لكثير من رغباته، تعبيرها الصادق. () بمعنى أن على القارئ أن يرصد الرغبة في تعالقات النص التحتية مع نصوص سابقة التي حل محلها،وأن يتتبع انزلاقات المعنى وانجراف الدلالة الذي يحدثها اختلاف الدوال. فالقارئ يشتغل على اللاواعي ،ذلك أن كلمة قد تحل مكان كلمة أخرى تحوز حق ظهور في البنية الفوقية وتؤخر حضور كلمات أخرى كان بالإمكان إن تظهر على سطح النص حتى الحرف قد يخفي حروفا أخرى مقموعة، وهنا يحدث لا استقرار اللغة وانجراف الدلالة وتداعياتها فيصبح النص أثرا وهنا نفهم ما يقوله بارت أن للحرف لذته وهاجسه فالحرف قادر على هز الدلالة وتقليبها.

يستعير النص عند بارت من الكائن البشري هذه البنية التكوينية النفسية- أين يصبح العصاب عند بارت ما يتيح الكتابة والقراءة فالنص ملغوم بعقدة نواتية هي الأوديب لأن" العقدة الاوديبية عقدة نواتيه في العصاب" ()فيه رغبة مكبوتة، وتستر في البنية الخيالية للنص،.وبما أن الرغبة تتستر خلف العمليات اللاواعية فعلينا تتبعها عبر الإزاحة والنقل لأن الرغبة ذات طبيعة تاريخية «إن انتقال الرغبة في صورة مرموزة هو الذي يتيح لنا وحده تصور الاحتفاظ بحقيقة تاريخية عبر الأجيال: ذلك أنه بإمكانها ولو أنها لا تكون مقولة ضمن ذلك الخطاب أن ترد في بنية قوله» ()

الممارسة الإنتاجية التي تحكم علاقة النص بباقي النصوص السابقة والمعاصرة له، تسهم في توليد الدلالة فلا مجال هنا لحصر المعنى ، بحيث يغدو معها النص استعارة كبرى تعوّم المعنى وبها يسهم في تحرير دلالات جديدة، وفتح التعدد داخل النسيج والذي سنحاول الآن أن نتناوله:فهو يتبنين ويتشكل في صيرورة وانبثاق مستمر به يخرج اللغة إخراجا إبداعيا.

5- انبناء النص: الصيرورة وتولد الدلالة

إن ما يشكل لذة نص هو الزيادة أو ما يفيض على البنية حيث يفلت الفائض من سيطرة الوعي/النص الظاهر فتلك التعالقات التحتية التي ينسجها النص مع النصوص القديمة والمعاصرة له. هذا الفائض يؤكد أمرا مهما أن النص غير مكتمل وغير منجز ..فالازدواج الدلالي، والتعبير الرمزي، والأثرية والتصوير ، وأهم انفعال للنص هو التردد وتلك الهلوسة، وذلك التوزيع والتقطيع، أليست هاته الاستراتيجيات إشراكا للآخر/القارئ، في إنتاج المعنى ،ومع ذلك أليس من الاستحالة القبض على هذا الفائض وهاته الزيادة ؟

يماثل نظام اللذة النصية، نظام اللذة الجنسية هذا الأخير الذي يعد المحصلة النهائية لصيرورة من الفاعلية و الدينامية تقطعها نزوات جنسية/النصوص  مشتتة ،تدخل في تفاعل وانصهار، عبر تاريخ نمو الليبيدو حتى تظهر في وحدة متناسقة، وتعد الجدلية بين النزوة ووسيلة القمع الكبت لنظام الأنا، أخصب مراحل نمو الليبيدو) )

تمر اللذة بمراحل مختلفة حتى تصل إلى لذة الكائن الراشد، وهي محطات مهمة : الطفولة – البلوغ- الرشد ويساهم هذا النمو الليبيدو للكائن في تشكيل الأنا والأنا الأعلى . فالنظامين الأخيرين لم يكونا في الأصل إلا لاواعي، تم تحويله وتعديله من خلال المساهمة الكبرى لمبدأ الواقع «النزوات الجنسية تفرض على الجهاز النفسي مهمة تحويلها»)) فليس اللذة الجنسية إلا ترجمة نهائية، لمجهود الطبقة العاملة الكادحة في الأعماق، أو اللذات العضوية التحتية.

يتحدث بارت عن توليد الدلالة من لذة حسية ،فإننا والحال هذه نستند إلى نمو الليبيدو ، فصيرورة تكوين النص هي صيرورة تكوين الأنا في آن واحد: فالمراحل التي من خلالها تتكون الذات هي ذات المراحل التي يتم من خلالها تمايز الأنا عن الهو، والتعديلات التي يمر بها الهو، نتيجة احتكاكه بالواقع فيتشكل الأنا الأعلى .يجب كذلك تذكر العقدة الأوديبية التي يظهر أن بارت من خلالها ينسج على غرار فرويد تكوين النص ،.خاصة فيما يتعلق بجدلية الأب و الابن. فبارت يبحث عن وضع نظرية للنص من خلال التحول، والتوليد اللانهائي للدال ، ما يجعل النص الفوقي هو تعدد نصوص ، والذات بالمثل متعددة متكثرة.

سيان تكوّن النص وتكوّن الأنا كما يطرحها التحليل النفسي، و لما استند بارت في طرح نظرية للقراءة على واحد من المرجعيات المعرفية المهمة وهو التحليل النفسي ، خاصة تكون أو توليد الأنا من خلال العقدة الأوديبية ومن خلال مبدأ اللذة الجنسية، فإن مراجعة نمو الليبيدو أو ما يعرف بتنظيم الليبيدو وانبناء شخصية الكائن.ضرورة لفهم الطرح البارتي فيما يخص البنية النصية  «ليست الذات نقطة بل نتيجة بنية معقدة وانطلاقا من حدث معين هو الوحيد الذي يحدث للذات المفردة خلال مسار حياتها » () وبدل البحث عن مميزات كل جنس تصبح القضية المحورية التي تشغل القراءة هو التداخل وتوالد النصوص. وفضح استراتيجيات الهيمنة الأبوية الرمزية على الدال وتحريره من أجل أن يعبر المكبوت إلى الوعي بمعنى آخر: المشاركة في انفتاح النص على اللانهائي والمطلق من هامش مدنس هو: اللذة الجنسية التي تقبع في اللاواعي.

إن البيولوجيا المحتكم إليها في "إنتاجية النص" عند "بارت"تبدأ من نسيج العنكبوت، وجدل اللذة والموت، إلى تماهي الحرباء بالمحيط الذي توجد فيه، خاصة إذا داهمته الأخطار وقدرة ذلك الكائن على الانفصال عن جزء من جسده أثناء تعرضه للخطر. ومتابعة هذه البيولوجيا النصية، هو ما يحدد اختلاف النص، كما يحدد نزهة القارئ في اختلافها، ولعل الجامع بين هاتين الخاصيتين للنص عند "بارت" هو درء الخطر عن الذات أو باعتبارها إجراءات دفاعية، تقاوم من خلالها الكائنات الحية الخطر الواقعي، أي الحفاظ على الذات وهو المطلب العقلاني بامتياز لكائنات غير عاقلة. وبعبارة وجيزة تمفصل الجسد مع العالم الواقعي بعيدا عن كل استثمار إيديولوجي.

من النسيج إلى التماهي يتخلق النص فردا مختلفا له خصوصياته، فالنص مفتوح على لانهائية النصوص، نسيج من ملصقات كثيرة قديمة وحديثة، وهي ما تجعل المعنى ممتنعا على الحضور، إن لم نقل مستحيلا. وما يعني القارئ هو ملاحقة هذا التشكل، من خلال مبدأ عقلي/مبدأ اللذة في بنيات لاواعية /لاعاقلة. فهي القراءة التنبيه إلى إن خلف الحضور هناك شيء ما ينسحب وينزلق. إن في كلام الذات الراهن شيء تصمت عنه ولا تقوله. فالنص يكرس« التراجع اللانهائي للمدلول، النص تمددي مجاله مجال الدال، ولا ينبغي تصور الدال على أنه "الجزء الأول من المعنى" وحامله المادي وإنما هذا الذي يأتي بعد حين، وبالمثل فإن لا نهائية الدال لا تحيل إلى ما يعجز اللسان عن التعبير عنه(أي إلى مدلول لا يمكن إن يجد التعبير عنه)وإنما إلى فكرة اللعب.إن التوليد الدائم للدال داخل مجال النص (أو لنقل الذي مجاله النص)لا يتم وفق نمو عضوي، أو حسب طريق تأويلي ،وإنما وفق حركة تسلسلية للتداخل والتغير.»() فيتم في كل جهد قرائي تقويض وتحطيم، أي ارتباط بين الدال والمدلول، في عملية توليدية تحويلية ،تخضع الدال إلى سلسلة من التغيرات والتحويلات الجوهرية والتي تسهم في فرض خصوصية النص .

يخفي النص الظاهر وراءه نصا مكبوتا، لانهائية من النصوص تم تحويرها ومعالجتها فخرجت نصا جديدا ممتعا أي النص الظاهر المتماسك المنسجم ،باعتباره المنتج النهائي لتلك الإنتاجية.ومتى ما وقعت يد العاشق/القارئ على ذلك النظام فترجه وتحركه، لتطل على الأعماق الدفينة والمكبوتة والسيرورات المنتجة لنظام اللذة النصية.من خلال مبدأ اللذة، فإنها لا محالة تدرك الفاعلية والدينامية النصية في معالجة النصوص الثقافية وتخريجها جديدة، وهذه الملاحقة والوصف، لإنتاجية النص هي بالنسبة إلى الذات تشكيل لهويتها فلا ننسى أن مطلب القارئ كذلك هو تحقيق ذاته في بحثه النهم عن الآخر الذي يستعص على الظهور في العلاقة المرآوية التي يتحدث عنها بارت فيما يخص صورة الكاتب و صورة القارئ –ولا يتسع المقام لهذا الطرح- .

إن الدينامية التي نتحدث عنها هي توليد الدلالة تبعا للنشاط المزدوج أو الرغبة المحرمة تحريما مضاعفا أقصد رغبة في الأم/البناء/الحب، ورغبة ضد الأب/الهدم/الموت؛ إقامة علاقة إيروسية مع الأم/النصوص، وهدم وعلاقة عدوانية تجاه السلطة /الأب المعنى المرجعي « وتبعا لطبيعة النص المزدوجة (التفكيك والبناء ) فإن النص المتعدد المستويات يعتبر إنتاجية Productivité كما ترى "جوليا كريستيفا"، تهدف إلى إنتاج دلالة متواصلة Signifiance» ()إن التوليد الدلالي هو الفسحة من الزمان، التي يتم فيها تأخير المعنى المرجعي للكلمات، والالتفات إلى الأصداء المحملة داخلها، والتي يشتغل فيها الجسد في فعل المعرفة، والبحث عن الآخر.إن هاته الفسحة هي الناتجة عن التأخير/التعليق الفينومينولوجي للمعنى الكلي الشمولي.وهي ما يتيح للجسد الاشتغال والفعل الدينامي في توليد الدلالة Signifiance بإيقاظها وجعل الدلالة في حالة صيرورة وسيلان،بغياب منتج النص، فـ«اللاحقة "ance " تؤكد على مفهوم سير العلمية، الاشتغال الدائم »() انزلاق المدلولات وسيلانها من دال إلى دال دون انغلاق النص . بمعنى جعل النص /النسيج الاجتماعي من طبقات دلالية متعددة ومن لغات ثقافية كثيرة ،بنية دينامية من غير تمركز ومفاضلة أي بنية عادلة () يحكمها منطق الاختلاف في الواحد المتعدد فهو النص الجمع )  ( Le texte plurielوتنجرف معها الذات في فعل اللعب الكتابي المقوض للايدولوجيا داخل هذا النسيج .من خلال الإخراج المسرحي للأب/الأنا الأعلى/للنظام الرمزي/اللغة .

استنادا إلى مراحل نمو الليبيدو ،يقوم النص بجمع وامتصاص و تكثيف كل النصوص الآتية من الثقافة(المرحلة الفمية ) فمن خلال امتصاص هاته الوفرة من النصوص الثقافية قديمة وجديدة ؟إنه الدخول الذي يكشف الغطاء عن البنية التاريخية والاجتماعية التي تحيط بالنص. يقول حسين خمري إن مهمة النص المتداخل intertextes هي''موضعة النص داخل المنظومة الثقافية وتشكيل بياناته السوسيو- ثقافية والتاريخية'') ). والنص المتداخل هو نص المتعة، لأن المتعة ممنوعة تقال في الداخل  Interdite ،كما يقول بارت لاعبا على الرنين الجناسي ،الذي يقال في الداخل والمحذور ، وهو المصطلح الذي يرن في مصطلح النص المتداخل، إذن فمصطلح (الامتصاص) مصطلح بيولوجي لو رجعنا إلى الجهاز الهضمي للكائن فبعد إدخال الأكل ، تتم المعاجلة داخل المعدة واشتغال آليات الهضم بتحليل المواد الغذائية ، إلى عناصر جزئية مكونة لتلك المادة، كمصدر للطاقة حيث يتم امتصاص العناصر الحيوية، والتخلص مما هو غير مفيد -فاعلية الإدخال والإخراج بالنسبة للجسد- وهكذا تعبر بالنسبة للتحليل النفسي محتويات اللاواعي إلى الوعي، عبر عمليتين مهمتين: عبور من اللاوعي إلى ماقبل الوعي، و هنا تبرز فاعلية التحوير والتشويه بمعنى العبور، أما العبور من نظام ما قبل الوعي إلى الوعي فتتم بفاعلية الانتقاء) )  ، النص أثر ذاكري ، فنص بروست الذي تحدث عنه بارت))يترك آثاره عند القارئ ، تبعا لأنماط من الترابطات/سلسلة تداعيات ، ويحرك تداعيات في ذاكرة القارئ ، بما تحتفظ من نصوص التي تنفذ وتخترق الوعي من خلال العلامة الفوقية، نص"بروست" الذي يصبح نواة عقدة، بين مختلف النصوص/الخيوط تتقاطع عندها، تلك الصور/ الآثار الذاكرية، يصبح محرك ذكريات وتداعيات فهذا التداعي(Association)الذي حدث لبارت بمجرد ما قرأ تلك العينية الجزئية، هذا السيلان للطاقة، عملية انجراف لتلك النصوص الغائبة من الذاكرة/الخزان، لأن الصور تشكل صدمة لوعي القارئ واختراقا بالغا للأنا ،تغمره بالكامل تزيد اللذة، وتنمو بنمو الجسد. فالنص دفق قوي من الكلمات ،كما يقول بارت، مايجعل المعنى غير حاضر بل دوما مرجأ مؤجل إلى حين ، واللعب داخل هذه الفسحة الزمانية هو المتعة،فالنص إذن ليس تعبيرا ، بل كتابة/ممارسة استنساخ ،لا متناهي لأصوات تأتي من هناك من فردوس النصوص .يغدو معها النص ملتقى لانهائية من النصوص أو تتكثف داخلها، نصوص لانهائية.

ثم بتفكيك الدال وحل ارتباطه بالمعنى المرجعي وطرح المعاني المعجمية (المرحلة السادية ) و ما يأخذه الدال من معاني داخل سياقات النصوص المختلفة ، فبعد توسيع دائرة النص لاحتواء كل الصور الآتية من شتى الثقافات، أو جمع النصوص التي حدث أن لذت لأحد كما قال بارت؛ مع شرط المساواة، وعدم المفاضلة بينها، وهناك تحس الذات / النص بالبدانة، حيث تتداخل النصوص بعضها مع بعض. ينفق النص بلذة كل  المعاني المرجعية ، وتستبعدها في المرحلة السادية الحالة للروابط، والتي تتطلب مجهودا عضليا في هدم وكسر الرابطة بين الدال والمدلول ، بخلخلة الترسبات، كسر التكلسات القديمة، حيث تتفكك الترابطات الدلالية، وتفقد تماسكها المنطقي، وهي المرحلة التي تجعله ينفق الكثير من المعاني، ويخسر الكثير من التصورات، وتحدث الكثير من الإزاحات وأهمها موضوع الرغبة، ثم يزيح في المرحلة القضيبية كل دال مركزي  متسلط يقبض على الدلالة ، ويجرد النص من المعنى المركزي الشمولي الثابت، ثم يدخل مرحلة الكمون  هدوء  و سكينة وقد تلاشى النص/ الفرد في  النصوص /الجماعة ، أصبح النص هو الجماعة  أو هو الواحد المتعدد ، ثم يعيد خلق دلالات جديدة للغة لم تكن لها قبلا(المرحلة التناسلية) فالتحويل الذي يجريه النص على اللسان ، و إعادة توزيع نظام اللسان هو تقويض للمعنى المرجعي الواقعي ، الذي يعلق بالكلمات أي إكساب العلامة اللغوية معاني جديدة باكتشاف دوال ترقد تحت العلامة اللغوية واكتشاف علاقات دلالية جديدة، ومختلفة، عما هو متعارف عليه ، فإبعاد وقذف المدلول المرجعي للكلمات وتعليقه ، ومن خلال اللعب اللغوي، يبدأ الكائن في التصور والتخيل أي تفعيل مخيلته وإبداع دوال جديدة، هو الإبداع من خلال إحلال تصورات أخرى محل التصور المركزي فـ «النص باعتباره ملفوطا شخصيا، أي انجازا فرديا يعيد التركيبة اللغوية والمنظومة السيميائية، ويوزعها توزيعا جديدا ، وفق حاجاته التعبيرية ورؤيته الجمالية، وعن طريق هذه العلمية الازدواجية توزيع /إعادة بناء، يقدم النّص بعملية احتواء وامتصاص بعض العناصر النصية الغريبة عن جهازه اللغوي و إطاره المضموني، وينسق بينها وقد تنتمي هذه العناصر إلى ثقافات متباينة، و أجناس أدبية مختلفة »  فالفاعلية النصية أمام النسق الثقافي الذي تشكل ضمنه النص عبر تناصاته مع تلك النصوص الثقافية، يقتضي هاته الفاعلية ليكون فردا مختلفا مع وجود تعالقات مضمرة بينه وبنيها ،وهاته فاعلية  هي الهدم والبناء أي الرغبة الاوديبية في أجلى  صورها بما هي علاقة عدوانية تدميرية تجاه الأب( اللسان)، ورغبة في الأم/النصوص الثقافية، بما هي رغبة حب ونرجسية فيتمايز هذا النص عن باقي النصوص الثقافية. مرحلة التعرف على الآخر ، ودمجه في الذات هو مرحلة عدوانية وعشقية في آن، واسترجاع حالة الانصهار الكلية بين الجسدين أو التوحد والالتصاق وما قبل الانفصال  عن المدونة، بل هو النسيان المضاعف للمعنى، فالكلمة تنسى مرجعها الواقعي، من خلال المرحلة الأولى، ثم في داخل الذات/النص يتم كذلك نسيان الكلمات لمعانيها في النص،في كل سياق ترد فيه شكل من النسيان المضاعف للدلالة الأصلية ،تظهر الكلمات جديدة والجدة شرط المتعة (فرويد). وتتم خلخلة اللسان وذاكرته والمجتمع ومقدساته ،وهي ذات مراحل العشق الصوفي وكما قال بارت: ''لعل هناك على ما يبدو صوفية للنص '' - والمقام هنا لا يتسع كذلك للحديث عنها-

 

الخاتمة :

من خلال العمليات الأولية/البلاغية حيث  تتم المواجهة و الصراع بين النص والنظام الرمزي:وهنا لا نتحدث عن الاستعارة والمجاز في الجملة، بل النص ككل بوصفه علامة، أو وحدة دالة تتعالق فيها لغات/دوال كثيرة لانهائية. فالنص نسيج ملصقات ثقافية  أي النص تكثيف ولا يتكلم أي لغة من تلك اللغات، بل هو بعض لغة أو لغة كل اللغات. وهو إلى جانب ذلك يزيح مركزية أي صوت و أي لغة ولهجة ، ويزيح الدلالة المركزية للدوال ،ويزيح صنف الخطاب الذي ينتمي إليه ويعيد إخراج الخصائص الشكلية لنصوص السابقة إخراجا جديدا فريدا() يحقق بها جماليته الخصوصية -شكل من النرجسية- عن تلك المنظومة الأبوية التي تشكل في رحمها.و هو الفعل الذي يجد لذة من الحرف إلى النص. حيث يتم جريان الدلالة  فالتكثيف والإزاحة ، هو الجوهر المشكل للعلمية الإبداعية التي تخرج اللغة مخرج الجديد الممتع، أو كما قال بارت : الإخراج المسرحي للأب ، أي إبداع و إنتاج اللغة، من خلال هاته الآليات البلاغية التي تجسد الخصوصية النصية، أو فرادة النص، يقول نيتشه: « لكي يكون هناك فن لابد من  الانتشاء ،لابد أولا أن تكون انفعالية كل الآلة قد كثفتها النشوة ...الأساسي في النشوة هو الإحساس، هو تكثيف القوة، تكثيف الكمال، هذا الإحساس هو الذي يدفع الإنسان إلى وضع شيء من ذاته في الأشياء، إلى إرغامها على احتواء ما يصنعه فيها إلى التعسف في حقها.» ().

النص ذاكرة جماعية من النصوص القديمة والحديثة، تتجمع كلها في هذا المتن/المدونة/ النص/الجسد لكن حضورها شرط لغيابها، وهو ليس إقصاء بل تحويرها، لأن وهذه هي التراجيديا :الكائن ووعيه متمزق بين الرغبة والواقع نتيجة سلطة النظم العليا .فيخفي النص رغباته اللاواعية (النصوص التي يأخذ منها و أنبنى عليها) بل ينكر كل علاقة أو رغبة أوديبية تجمعه بها ، يكتب النص النصوص الثقافية محوا، تحركه رغبة مزدوجة هي اللعبة الهيرقليطية: الهدم والبناء،  ليكون النص/الكائن هو الواحد المتعدد أو بابل سعيدة، بلا مركزية.ولا أصل، ولا خوف من الأب/الإله . وتغدو معها اللذة هي السيلان الحر للمعنى من دال إلى دال، ومن نص إلى نص وهنا تتحطم قيود الكبت التي تعيق حركية الدلالة، وما يضمن هذا السيلان هو تلك العمليات الأولية للاوعي (عمليات بلاغية ) يغدو معها النص مسرحا لرغبة أوديبية محرمة تحريما مضاعفا.تتخلص منها الذات/ النص خلال تفاعلها مع الجماعة/ النصوص ، فالنص نسيج متفاعل تسيل فيها الدلالة بلا مركزية.لغة من اللغات ودون استثمار إيديولوجي.

 

 

 Télécharger l'article

 

Appel à communication