January 2017
S M T W T F S
1 2 3 4 5 6 7
8 9 10 11 12 13 14
15 16 17 18 19 20 21
22 23 24 25 26 27 28
29 30 31

المنهج النقدي عند محمد مفتاح بين التوفيق والتلفيق

 

أ/ كاملة مولاي

جامعة أم البواقي (الجزائر)

 

1- مفهوم المنهج :

المتصفّح في المعاجم و القواميس يجد أن مدلول " المنهج" يحمل شبكة من الدّلالات اللغوية التي تحيل على الخطة و الهدف، بمعنى" الطريقة التي يسير عليها دارس ليصل إلى حقيقة في موضوع من موضوعات الأدب و قضاياه" (1) .

و هو أيضا عبارة عن خطة واضحة الخطوات و المرامي تنطلق من مجموعة فرضيات وأهداف و يمرّ عبر سيرورة من الخطوات العلمية و الإجرائية قصد الوصول إلى نتائج ملموسة و مضبوطة.

المنهج ليس سلعة و إنما ممارسة و إعادة إنتاج للمفاهيم، و على حد تعريف "يمنى العيد" للمنهج تقول:" ليس المنهج قالبا جاهزا في حرفيته و تفاصيله.المنهج مفهوم أو مجموعة مفاهيم يتطلّب مجرّد تبنّيها مقدرة شخصية و جهدا ثقافيا هاما ؛ كما أن ممارسة هذه المفاهيم ليس مجرّد تطبيق، بل هو إعادة إنتاج لها قابلة للتبلور و التميّز و خاضعة في تبلورها و تميّزها لعلاقتها بالموقع الفكري الذي منه تمارس علاقتها بموضوعها و بالوضعية الثقافية و الاجتماعية التي تشكل حقل ممارستها"(2).

المنهج ليس قالبا جاهزا ، و إنما مفهوم أو مفاهيم يستوجب ثقافة و قدرة على التعامل معها ، و النّاقد الجيّد هو الذي يعيد إنتاج تلك المفاهيم، و لا يكتفي بتطبيقها و إنما يراعي أيضا حقلها الذي تشكّلت فيه فالمنهجية ليست بالاستظهار الجيّد و إنما بفهمها و تكييفها و تطبيقها و مراعاة وضعيتها التي انبنت فيها .

و يراد بالمنهج النقدي في مجال الأدب تلك الطريقة التي يسلكها الناقد في قراءة العمل الأدبي و الفني قصدا استكناه دلالته و بنياته الجمالية و الشكلية. و "محمد مفتاح" في دراسته هذه اعتمد على تصوّر نظري ليقوم بالتحليل النقي محدّدا أول الأمر مجموعة النظريات النقدية و الأدبية ومنطلقاتها الفلسفية و الابستيمولوجية كمسلمات،منتقلا بعد ذلك إلى التأكد من تلك التصورات النظرية عن طريق التطبيق الإجرائي،مستخلصا مجموعة من الخلاصات التركيبية.

 و رغم الجدل الثائر حول المنهج لا يمكننا نفي أهميته في ذاته بوصفه نوعا من الخبرة، أوبوصفه منظومة متكاملة. فالنقد المنهجي بما يقوم عليه من دقة ذهنية ضمان للحد منالطرطشات العاطفية و النزوات التأثرية فهو كقطب المغناطيس الذي يحول المتنافر و المتباعد عن برادة الحديد إلى المتناسق في إطار خاص .

إن " مفتاح "كيّف جملة من المناهج و النظريات العلمية و اللغوية لمقاربة النصوص الدينية و الوضعية، فهل هي ملائمة في تناوله النقدي ؟

و لتقريب الرؤية المنهجية التي سار وفقها الباحث ،ارتأينا الوقوف عند كل فصل لكشف الواقع المنهجي المعتمد في تحليل تلك النصوص.

2 –امبريالية التخصصات في نقد محمد مفتاح:

الباحث محمد مفتاح من النقاد الذين  وظفوا عدة مناهج و نظريات في استنطاق  الخطابات الأدبية ،و قدموها تقديما يتأرجح بين الدقة و العمق ، فمن الجدير الإشارة إليه هو أن إشكالية المنهج  و دقة المفاهيم تدعوا الدارس بالعودة لهذه الأسس و المناهج في أصولها و جذورها ، و تأمل أدواتها الإجرائية في التحليل و التطبيق و هذا ما حاول الباحث تحقيقه في دراساته .

كما أن تطبيق مبادئ ما كتبته و دعت إليه نظرية واحدة لا يفي- حسب بعضهم – بغرض الباحث لأنها لم تتمكن إلى الآن من صياغة نظرية نقدية شاملة في تحليل الخطاب ، و إنما ما يوجد فهو المبادئ الجزئية و النسبية التي إذا أضاءت جوانب بقيت أخرى مظلمة مما أدى إلى قصور النظرة الأحادية .

إن قراءة محمد مفتاح مكنته من التموضع موضع قوة من حيث أنه عالج النصوص المختارة بأدوات علمية تجعله يقدمها للآخرين في صورة واضحة فتكون بذلك النظريات العلمية  و اللغوية الحديثة التقنية المتطورة التي يتسلح بها الباحث وسيلة ناجحة لسير القضايا اللغة العربية و تفسير المكتوب و تحليله.

وحري بالذكر أن نقول بأن "مفتاح" استمد نسغ الحياة من خلال إدخال الخطابات الأدبية العربية في حقبة متطورة تكون بمثابة مصب حضاري تتلاقي  فيه روافد العلم و الموضوعية و الحداثة ، و رائد البحث هنا هو استشراف المستقبل المشبع بروح العصر الحديث .

كما أنه يمتاز بتنويعه  لمراجعه النظرية التي تتحول مع الزمن حيث يلاحظ أنه انطلق من التحقيق إلى التنظير لأشكال تحليل الخطاب الأدبي بكل أنواعه من الشعر إلى الرحلة مرورا بالقصة القصيرة إلى أدب المناقب وصولا إلى النص القرآني المقدس .

و ما يلاحظ عنه أنه يتجاوز نفسه  باستمرار و أن ما يظل ثابتا عليه هو وفاؤه للتنظيم و التقاطه للمفاهيم على اختلافها و تأطيرها ضمن رؤية معينة تبدو له في زمن إنتاج كتاب ما مسعفة لخلق آلية جديدة لمقاربة النص و التنظير في نفس الوقت لكيفيات تحليل نصوص مشابهة.

لقد استفاد الناقد من السمييائيات السردية ثم من سمييائيات بيرس و غريماس و رولات بارث وامبرتوايكو و جوليا كريستيفا ، و يلاحظ أن مقارباته  تتوسل أكثر إلى النظريات اللسانياتية ربما لأن "التحليل السيميائي هو تحليل لسانياتي بنيوي مادام مشروعه يدور حول اقتراح التمثيلات الدقيقة التي تمفصل محتوى النص "(1) و تنطلق مبدئيا من وجهة بنيوية للوقوف على التحليل الأفقي التفسيري السطحي كي تجعله أرضية للتحليل العمودي التأويلي العميق للنص الأدبي .ممّا يؤكّد التوجه اللسانياتي النصّاني في النقد الأدبي المعاصر .

كما استفاد من نظرية المعرفة و من الذكاء الاصطناعي و من المنطق و في استيحائه لكل خلفية إبستمولوجية و معرفية يستحضر النظريات الأخرى التي سبق له أن وظفها و شغلها حيث يحاول تطويع مفاهيمها لكي تخضع للخلفية الجديدة .

  و لهذا غالبا ما نجد عنده نزوعا نحو المقاربة بين المفاهيم مع تجذيرها في أسسها النظرية و هو في ذلك لا يميّز بين المرجعيات  العربية الكلاسيكية و الإغريقية و الغربية المعاصرة ، و يعتبر نقده في الغالب نظريا ، و تأسيسيا في المجال السيميائي عامّة.

 3-منطقية منهج محمد مفتاح بين التوفيق و التلفيق:     

إن هذا الجمع بين أكثر من منهج واحد كاللسانيات بتياراتها العديدة (التداولية و الشعرية.....)، و من السيمياء كما ذكرنا باتجاهاتها المتنوعة ، و من البلاغة هو ما ميّز كتابات "مفتاح" وجعله عرضة للنقد من طرف الباحثين الذين لا يرون في التركيب إلا عدم الإحاطة بمفاهيم و إجراءات المنهج الواحد .

إن هذا الجمع أو التركيب يعترف به "محمد مفتاح" ، و يستوّغه بقوله : " حينما نوينا الاستيحاء من اللسانيات و السيميائيات تردّدنا بين أمرين ممكنين : العكوف على ما كتبته مدرسة واحدة لفهم مبائها العامّة و الخاصّة ثم تطبيقها على الخطاب الشعري ، و لكنّنا رفضنا هذا الخيار لأسباب موضوعية من حيث أن أية مدرسة لم تتفق إلى الآن في صياغة نظرية شاملة ، و إنما كل ما نجده هو بعض المبادئ الجزئية و النسبية التي إذا أضاءت جوانب بقيت جوانب أخرى مظلمة ، و قد أدّى بنا هذا الشعور بقصور النظرة الأحادية إلى اختيار الأمر الثاني و هو التعدد، رغم ما يتضمنه من مشاق و مزالق " .(3)

وهنا إشارة واضحة –من الباحث – إلى أن النظرة الأحادية ليس بمقدورها صياغة نظرية شاملة تطبق على النص الشعري بسبب مبادئها النسبية و الجزئية و قصورها في التحليل.

و هذا ما جعل الباحث محمد عزام ينتقده على أن اعتذاره ليس له ما يبرره إذ يبدو –بالنسبة لعزام – أن " هذا الاعتذار عن جمع أكثر من منهج نقدي واحد ليس له ما يسوّ سوى ضعف الإحاطة بمفاهيم المنهج الواحد و مقولاته و حب التوفيق بين أكثر من منهج ( إذا لم نقل التلفيق)". (4) بهذا يصبح هذا الاعتذار مجرّد التماس لتبرير النقص . فادعاء "مفتاح" مبالغ فيه يفسّر على أنه تهرب من اتخاذ موقف حاسم و تعبير عن إقناع.

ويرى  الناقد محمد الدغمومي أن ظاهرة الاعتذار التي يعمد عليها عدد هام من النقاد العرب ، إقرار ضمني بأن خطابات النقد و التنظير تشعر بعجزها"(5)

الإدعاء و الاعتذار و الإقصاء من الظواهر المعوقة التي يستحيل معها إنجاز المشروع النقدي العربي فهي مجرد ممارسة للإقصاء و تبريرات للتنقيص من شأن النظرة الأحادية حتى تظهر الاعتذار مقبولا.

و"محمد عزام" من النقاد الذين لا يعترفون إلى حد ما بالنظرة الجامعة أوما يسمّى حاليا بالقراءة المتعددة أو التركيب المنهجي فعلى سبيل المثال يرى أن أعمال الناقد الجزائري عبد المالك مرتاض مخيّبة لأمل القارئ العربي،و خالية من أي نقد حداثي منهجي،فكل كتاب من كتبه تحمل عنوانا مازجا بين منهجين نقديين "لكن مضمونه يخالف عنوانه تماما ، فمو بعيد حتى عن التوفيق ( أو التلفيق ) بين منهجين أو أكثر " (6)

نفس الملاحظة أسقطها على الباحث عبد الله الغذامي في كتابة "الخطيئة و التكفير" و يقول عنه:" استقى من بارث ، وليتش ، و ياكسون، و دريدا ، و تودوروف ، فإنه جمع  بين ثلاثة مناهج نقدية كانت الحدود بينها غائمة في ذهنه ، لأنها ما تزال في بدايتها و لكنّها-بعد ذلك-انفصلت و استقلّ كل منهج بمصطلحاته و مفهوماته و روّاده ،ممّل يجعل تلفيقيته مشروعة أنذاك، و لكنها مرفوضة من بعد". (7)

إن "عزام" يجرد "مرتاض" حتى من التلفيقية و يتهم "الغذامي" بها ، و يتم عمل "مفتاح" –كتاب تحليل الخطاب الشعري- بحب التوفيق في قوله:"و من الواضح أن السّمة الغالبة على "منهج" مفتاح هي التوفيقية، بين ثلاثة مناهج على الأقل ،و أنه غالبا ما يخرج على مقولاتها ليعود إلى التراث البلاغي العربي ، فيشبّعه و خزا و استنباطا ، ثم يميل الى التقعيد المنطقي الفلسفي" (8)

يُجمع بعض النقاد و منهم "مفتاح" على أن سبب رفضهم الأحادية النقدية سبب واحد لا ثاني له: هو ضيق النظرة الذي يحتم في النهاية وجود نتائج نسبية يسهل نقضها.

حتى إن النقاد الذين وقعوا في اسر الأحادية في نقدهم التطبيقي ، يجدون أنفسهم مضطرّين عند التنظير من أشد المعارضين للمنظور الأحادي في النقد داعين إلى التعددية ، و مد آفاق الرؤية النقدية بعيدا لتجاوز هيمنة منهج بعينه و انفراده بالنصوص، و من هنا ظهرت دعوات النقاد إلى التركيب .

أراد "مفتاح" أن يجد نظرية نقدية يزواج فيها بين ما جاء به النقاد العرب القدامى و ما وصلت إليه الدّراسات الغربية في ميدان النقد ، فراح ينحت جسما من المفاهيم منطلقا من فرضيات لإيجاد قوانين أو قواعد لتفسير الظواهر و حل مشاكل نوعية في حقل العلم و الفكر و الفلسفة.

ومن ذلك جاء التنظير الذي هو بحث عن نظرية مقترحة أساسا ، "و إن لم يكن في وسع التنظير أن يصنع النظرية إلا نادرا ، ما دامت النظريات لا نظريات – و هي محدودة في العلم أصلا- إلا إذا تمكّنت من فرض نفسها و صمدت للتحقيق و التجريب" (9)

وذلك ما حاول رصده في كتابه "دينامية النص" من خلال تجريب نظريته على النص الشعري و القصصي و الصوفي و القرآني حتى تكون شاملة و صالحة.

هناك عناصر جوهرية لابد من ذكرها حتى نتمكن من استيعاب تنظير الناقد المغربي محمد مفتاح، و هي: - مجموعة الافتراضات ،القواعد و المبادئ ، المفاهيم ، الاصطلاحية ، النسقية ، الإنتاجية . هذه الكوكبة من العناصر جعلت عمله يتسم بالمعقولية و المقبولية ، محققا الفهم القابل للاستدلال عليه و الإقناع به ، و إن كان لابد من ذكر حقيقة و هي أن النقد في واقعنا الأدبي العربي ضارب في فوضى سببها غياب الوعي بطبيعة النقد و دوره ، غياب يفضحه أمران هما:المصطلح و عدم أصالته.

إننا نرى الكثير من النقاد الذين سطّروا لتحليلاتهم منهجا يجمع بين عدة مناهج كي يتمكنوا من القبض بزمام النص من الداخل و الخارج لأن:"سيطرة منهج واحد في أي دراسة غالبا ما تكون نتيجة لأحد سببين: إمّا أن المنهج هو في حد ذاته موضة العصر، و إما أن الناقد قد انبهر بأدوات هذا المنهج الجديد فأعجبته فطبّقها على النصوص ودعا الآخرين إلى تطبيقها" (10).

و هكذا نجد بعضهم يريدون كسب قدرة و كفاءة من أجل قتل النص تحليلا و تأويلا، رغم ذلك هناك حقيقة لا تلغى و لا يجب أن تفوتنا و هي أن".....الدراسات هي التي تموت، و تبقى النصوص حيّة لا تعرف الموت" (11).

فالنظرة الأحادية هي حداثة مسكونة بروح قلقة و متوترة بما يطبعها من تجريبية و نسبية و حالات نقص واضحة، و بعدم قدرتها على استنطاق خصوصية النص العربي في سياقه الثقافي الخاص و في نكهته العربية ،إضافة إلى نزوعها نحو الممارسة التمهيدية التي تقف عند حدود الشروع و الرغبة في التأسيس.

كل ذلك لم يمنع "مفتاح" من اقتحام المرجع اللغوي بصوره المتعدّدة،و انجاز أعمال نقدية ناتجة عن قراءة متعددة متفردة بأسئلتها و رؤيتها و أدواتها.

وبذلك تحولت قراءة "مفتاح" إلى مسحة من الحداثة هدفها ملء جملة من الفراغات و الحد من سلطة المنهج الواحد،للاقتراب من التعدد؛و هو تعدد من نوع غير الذي تؤدي إليه الاجتهادات التلفيقية ، أي الجمع بين مناهج يستحيل الجمع بينها دون تحطيم المنهج و جعله أجزاء متناثرة أو مختزلة يسهل الربط بينها و بين أشلاء منهج آخر.

إن القراءة هنا هي منهج يستقرئ النص و يعيد شرح عناصره في ضوء افتراضات ليست سوى فهم لسياقات النص الأصلية،صورة لنص أصلي، أو نص غائب ، و باختصار إنها تأويل.(12)

وعلى الرغم من كون القارئ يتصدّر مقدّمة الاهتمام، فالنص هو هذه المادة الأساسية التي يحولها فعل القراءة إلى شكل جديد عن طريق تفاعل بنيات نص مع آفاق التلقي، فيتخذ المعنى صورة اللااستقرار ضمن جدلية الأخذ و الرد في مكان ما بين بنيات نصية، و بنيات أفعال الفهم ليستقر المعنى بعد كل هذه المراوغة في صورة إبداعية متعددة الألوان.

وهكذا نلفي "مفتاح" يتعامل مع النصوص بتفاعلية و هو يشكل بذلك انقداح شرارة الوجود للنص و بالتالي فاللغة لا يمكنها أن تحيط وحدها بالمعنى مالم يكن للذات القارئة دور في استنطاق بنيتها لتبوح لها بمكنوناتها.إن خطاب الباحث المغربي محمد مفتاح يملك قوة انتظامه الذاتية ، و مرجعيّة كما يملك فرضيات نابعة من صميم الثقافة العربية و من صميم الممارسة الإبداعية و الفكرية الخاصة به.

و بالعودة إلى المنهج المركب أو التكاملي يمكن الوقوف عند ثلاث محطاّت، نبين دلالة كل منها ، و هي: التوفيقية ، التلفيقية و التكاملية . فهل استعمال الباحث نظريات و مناهج عدة في استنطاق النص تلفيق أم توفيق أم هاجس حب التركيب؟

إن التوفيقية منزع فكري و فلسفي ،فهي عند الفلاسفة"نوع من العمل الذي يجمع من الفلسفات المتعارضة بعض آرائها المتطابقة ،في وحدة متماسكة"(13) أما بالنسبة للفكر بعامّة،فهي منزع"يجمع بين الثنائيات المتعارضة على المستويات الفلسفية آو الدينية أو الاقتصادية أو الاجتماعية" (14)

وهذا المنزع لم يختص به العقل الأوروبي دون غيره ، ففي تراثنا الفلسفي الإسلامي نشهد اتجاها توفيقيا ، حاول الجمع أو التوفيق بين الثنائيات المتعارضة بين الدين و الفلسفة ، النقل و العقل ، و خير من مثل ذلك :أبو نصر الفارابي (ت 335هـ/950 م) في كتابه "الجمع بين رأي الحكيمين " و ابن سينا (ت 428هـ /1037م) في كتابه " تسع رسائل في الحكمة و الطبيعيات "

وفي العصر الحديث،حاول بعض النقاد و المفكرين التوفيق بين الثقافة العربية و الثقافة الغربية، من خلال تحقيق تعاون يقوم على الأخذ و الإفادة بين القديم و الجديد ، بين الأصالة و المعاصرة.

ويرى الناقد إبراهيم عبد الرحمان محمد أن "....النقد التوفيقي  هو صيغة نقدية جديدة يؤلفها الناقد المثقف من المذاهب و الاتجاهات و الفلسفات النقدية المختلفة و يتخيّر عناصرها تخيُّرا خاصّا ثم يربط بينها ربطا يفقد فيه كل اتجاه أو مذهب خصائصه المميزة ليصبح عنصرا في بناء نقدي متكامل صالح للتطبيق ، دون معاناة من مخاطر المذاهب التي اختيرت عناصره منها"(15)

وكان "مفتاح" من هؤلاء الذين أحدثوا تجاوبا بين المناهج الغربية و العربية من أجل تحقيق صيغة توفيقية في النقد متجاوزا المصطلحات و المفاهيم المتباينة .

إن الانتقائية مفهوم عام و شامل تتداخل فيه ظواهر معوقة لإنتظام  النقد و هي الاحتذاء و المقارنة و التعميم و الاختلاس ثم الإقصاء و التحول و الاعتذار ، هذه العناصر تجعل الخطاب النقدي مستويا بل محكوما بالاختلال و عدم الملائمة .

ولهذا حذر "مفتاح" من الانتقائية المتعسّفة التي لا تغني لأن التنظير للنقد العربي أصبح عمليا و نظرا لأن النقد العربي يتم وفق نماذج غربية مترجمة من نظريات و مناهج غير معهودة في الثقافة العربية ، نجد هذه المذاهب تدّعي العمومية و الشمولية و الصلاحية لكل الآداب العالمية . وهذا المشكل ساهمت في تسريبه مؤسسات التعليم الجامعية و البعثات العلمية إلى الجامعات الغربية في بداية القرن العشرين.

إن الانتقاء المتعسف يتم عن غياب الوعي المنهجي هذا ما يصطلح عليه بالتلفيقية التي لها معنى معيب تشير إلى اللامنهج و اللانسقية. وإذا التلفيقية ظاهرة شائعة في خطاب التنظير و النقد ، نجدها لدى الكثير من النقاد نحو : إلياس خوري و شكري عياد .....الذين أرادوا أن يكون النقد علما و فنا معا ، و نجدها لدى أولئك الذين أرادوا المصالحة بين النقد الواقعي و النقد السيميائي كما هو الشأن في كتابات يمنى العيد. 

ما نلخص إليه أن الانتقاء اللامنهجي يؤدي حتما إلي اللانسقية، و إلي دخول الخطاب منطقة التلفيق، حيث يتم الجمع بين عناصر منتقاة لغاية المصالحة بينها أو بهدف تركيبها بربط منهجين مختلفين أو أكثر في صورة منهج واحد.

ويصل" محمد الدغمومي" إلى أن "النتيجة التي ينتهي إليها هذا النزوع التلفيقي الناتج عن الانتقاء و البحث عن التوفيق و الجمع و الرغبة في الإحاطة و الشمول هي نسف كل مفهوم نسقي للنقد بكل تصور نظري ذي بعد منهجي واضح ، أنتج – في آخر المطاف – ممارسات ترجع بالنقد إلي بداياته التي مثلها النقد الأوروبي في القرن التاسع عشر ....."(16)

ويرى "الدغمومي" أن تفاعل الثقافات أو ما يسمّى بالتثاقف، إضافة إلى الإيديولوجيا هو الذي يؤدي إلي انتشار ظاهرتي التلفيق والاستعارة و غيرها من المظاهر المعوقة لانتظام نقد النقد والتنظير للنقد، ويقول في هذا الشأن: "الدينامية الثقافية و الإيديولوجية هي التي تسهل لعبة الإقصاء والانتقاء والتحول واستعارة النماذج وتجاهل سياقاتها الأصلية وعدم الالتفات إلى الخلفيات والمنطلقات المحركة للنماذج والنظريات، بل وتجاهل جذورها التي تدعي الانتساب إليها."(17)

ومن حسن الحظ أن "مفتاح" وعى بهذا الإشكال و ذلك عن طريق هضم المرجع الآخر،  و فصل بين ماهو عرفي و إستراتيجي ، و إنجاز ماهو مبدئى و كلي ، من أجل نقد خطاب الذات و البحث عن صوتها الخاص وفق قواعد كلية لا تخص ثقافة بعينها ، أو إيديولوجيا بعينها ، و تقديم قراءة للفكر و العقل و النص في مجال الثقافة العربية من أجل بناء خطاب ، يقوم على أنقاض انتظام زائف سواء من جهة العناصر المعرفية المشتركة في حدودها العامة أو في نزوع هذا الخطاب نحو التثاقف و توقه إلى الانتقائية و التوفيقية كموقف عام سائد.

و تحت وطأة التلفيق و الانتقاء اللامنهجي " يقتضي منا تأسيس لنظرية نقدية ثقافية لها أساس هو بمثابة الذاكرة الاصطلاحية ....»(18) علّنا نتخلص أو نتفادى الوقوع في هذه المشاكل التي تسبّب ركود النقد.

وفيما يخص طبيعة المدونة  corpus  التي اشتغل عليها مفتاح، فقد اشتغل بادئ الأمر على قصائد أندلسية غير أنه لم يحلل سبب اختياره لها.

يقول "أنور المرتجى" عن مفتاح أنه " لم يشتغل في الجانب الشعري إلا على قصائد تنتمي إلى العصر الأندلسي ( أبو البقاء الرندي ، ابن زيدون ) سواء في كتابه الأول في سيمياء الشعر القديم أو في تحليل الخطاب الشعري ( إستراتيجية التناص) دون تبرير أسباب اختيار المدونة ، مما يجعل من المادة المدروسة و كأنها ليست غاية في حد ذاتها ، و إنما فقط مادة للتطبيق و دعوة من أجل إثباث صلاحية نظرية "(19) وردّا على هذا النقد الذي وجهه "المرتجى" إلى "مفتاح" ، راح "مفتاح" يطبق على قصيدة معاصرة بعنوان "القدس" لأحمد المجاطي.

و أبرز سمة وسمت دراسته هي الإعلان عن مفاتيحه من أجل قراءة النص بمواءمتها مع ما يطابقها في التراث النقدي العربي ثم يعمد إلى تطبيقها واحدا واحدا على النص المدروس ، و هذه السمة التعليمية ، و يتضح ذلك في قوله عن كتاب" دينامية النص " إنه –مع ذلك – كتاب متعلّْم معلّم : يتعلّم ما تشير له من المناهج ...و يرفض الاحتفاظ بسر المهنة أنانية و أسرة  ، و إنما يعلّمها و سيدأب على تعليمها حتى تصير متاعا مشاعا، و سيحث من كانت له رغبة السير في هذا الطريق إلى أن يتفوق على معلّمه"(20)

إن مفتاح يسعى جاهدا من اجل تعليم الناشئة خاصة من كانت له الرغبة ، و هو من جهة أخرى ينوه بأنه كغيره من طلبة العلم يتعلم ما أمكن.

في " دينامية النص " إلى التركيب بين مجموعة من المناهج ، صاحبنه في تحليلاته النقدية فاستعمل الأسلوبية و اللسانيات و التداولية و الحرارية و جمالية التلقي إلى جانب المنهج السيميائي و هو المنهج الطاغي في الكتاب.

وهناك أمر مهم ينبغي أن نشير إليه في هذا الصدد، و يتعلق بالجانب المنشود نم وراء هذه  التطبيقات ، و هو تقديم قراءة  شمولية دقيقة للنصوص التي يعالجها و لا سبيل إلى التحقيق هذا الهدف إلا بالقراءة المتعددة أو المركبة التي توفق بين جملة من المناهج لاستنطاق النص من جميع الزوايا.

وظاهرة التركيب أو الجمع بين المناهج ليست وليدة اليوم ، و إنما تعود إلى وقت سابق في تاريخ الشعرية العربية ، و قد سبق للباحث سيد قطب أن تحدث عنها . و دعا إلى اعتمادها في معالجة النصوص و سمّاها "بالمنهج المتكامل" في كتابه " النقد الأدبي : أصوله و مناهجه" وقد رأى أن أهميته النقدية تكمن في كونه " يتناول العمل الأدبي من جميع زواياه ، و يتناول صاحبه كذلك ، بجانب تناوله البيئة و التاريخ  ، كما أنه لا يغفل القيم الفنية الخالصة ، و لا يغرقها في غمار البحوث التاريخية أو الدراسات النفسية ، ثم أنه يجعلنا نعيش في جو الأدب الخاص دون أن ننسى مع هذا أن أحد مظاهر النشاط النفسي ، و أحد مظاهر المجتمع التاريخية إلى حد كبير أو صغير "(21)

إن التكاملية لا تغفل العمل و لا صاحبَه و لا بيئته و كذا تاريخه إنها تجمع شتى المناهج الخارجية و الداخلية من أجل تحقيق الإمتاع و الإفادة، و هي أيضا "تكفل لنا صحة الحكم على الأعمال الأدبية، و تقويمها تقويما كاملا"(22)

" مفتاح" تبنى السياق و التقويم، و خالف من دمّر المعنى المركزي للنص بدعوى التأويل، و قد ظهرت بهذا الشكل شخصية "مفتاح" القادرة على النقد و الاستلهام من كافة المناهج و تكييفها بطريقة تتناسب مع مختلف النصوص الدنيوية و الدينية.

إن ذلك المزيج المنهجي تظهر فيه بوضوح شخصية الناقد المتكامل حين ينجح في وضعه بوتقة حسّه المرهف و ذكائه الخاص ليصنع منه سبيكة منهج مطهرة من حيث القصور اللاحق بأحدهما.إن التكاملية بهذا المعنى دفعة تركيبية(23).

التركيب المنهجي بهذا المعني دفقة تكاملية تحمل أهم شروط نجاحها و هو الانسجام cohérence الذي يأتي بعد الاختيار sélection  و للتكاملية حرية مطلقة في اختيار شركائها من المناهج. والشراكة هي لون من ألوان المعارف و المناهج " لا تسهم في تحقيق التكاملية ناجحة نحسب ، بل تضمن لها مستقبلا آمنا غير مهدد بالانهيار ، كما أنها قاعدة تتنوع فيها أسهم العلوم المساعدة و تتعدد أملا في تحقيق نتائج مطمئنة ذوات أسهم رابحة في عالم المنهج "(24) و أخيرا التركيب المنسجم مسلمات بدهية تشكل عقيدة التكاملية ، و تحفظها من كل خطر يهدد أسهمها .

إلى جانب الناقد سيد قطب هناك كوكبة من النقاد الذين دعوا إلى التركيب لاستخراج مزيج منهجي موحد قادر على الإحاطة بالنص من كافة جوانبه ، و عمدوا إلى ممارسة هذه الطريقة القرائية في النصوص .

ومن هذه الكوكبة نذكر على سبيل المثال لا الحصر : الناقد المغربي أحمد اليبوري ، و الناقد السعودي عبدالله الغداني ، و الجزائري عبد الملك مرتاض و غيرهم ممن نهجوا هذا الطريق في سيرتهم النقدية.

اعتمد الناقد المغربي أحمد اليبوري نهج القراءة المتعددة في دراسته التي خصها لمقاربة نصوص روائية مغربية ، و عنوانها "دنيامية النص الروائي" (1993) و من بين المناهج التي وظفها في نقد الرواية اللسانيات و السيميائية و التداولية و السيميائيات الدينامية و البنيوية التكوينية على النحو  الذي عرفت به عند لوكاتش و غولدمان فضلا عن التحليل النفسي و نظرية التلقي و جماليته ساعيا من خلالها إلى تأسيس مقاربة ملائمة للنصوص الأدبية عامة و الروائية بصفة خاصة.

والناقد السعودي عبدالله الغدامي تحضر في أبحاثه هذه الظاهرة حيث جمع بين البنيوية والسيميائيات و الأسلوبية و التفكيكية في كتابه" تشريح النص" (1987) .

وقد مارس هذه التعددية أيضا الناقد الجزائري عبد الملك مرتاض و بشكل لافت، بحيث جمع بين البنيوية و الأسلوبية في كتابه النص الأدبي: من أين ؟و إلى أين؟ (1983) كما جمع بين التفكيكية و السيميائية في:"ألف ليلة و ليلة" (1989) و( أ- ي) (1992) و تحليل الخطاب السردي 995 1 .

و مما قاله "مرتاض" في هذا الاتجاه ." إن التعددية المنهجية أصبحت تشيع الآن في بعض المدارس النقدية الغربية و نرى أن لا حرج في النهوض بتجارب جديدة تمضي في هذا السبيل بعد التخمة التي مُنيَ بها النقد من جرّاء ابتلاعه المذهب تلو المذهب خصوصا في هذا القرن" (25)

إن هؤلاء النقاد –وغيرهم ممن ينتصرون للتركيب المنهجي-يرون أن ركوب المنهج التكاملي المؤسس على قاعدة التوفيق بين مناهج عدة عمل مفيد جدا ،لأنه يتيح معالجة النص من شتى الزوايا ،وتحقيق نتائج علمية دقيقة وشاملة .

و "محمد مفتاح" من هذا الرعيل الذي انتهج تركيب المناهج ،فطغى على مشروعه النقدي ، و طبع ممارسته التحليلية كلها، فما كان لنا إلا أن نقول بأنه متمكن من أدواته التحليلية و واع بمسؤوليته العلمية و مدرك لواقع و آفاق مشروعه النقدي و حاضر و مستقبل شعريته.

لقد سلك سبيل القراءة المتعددة في محاولته الأولى حيث قال:"و قد اخترت قصيدة أبي البقاء الرندي"النونية" لتحقيق نياتي و لتطبيق عناصر " نظرية" نحتها مما ورد عند بعض النقاد العرب القدامى من مبادئ، و مما انتهت إليه الدراسات الشعرية -السيميائية الآن- فالمحاولة إذن تدخل ضمن القراءة المتعددة".(26)

و اتبع نفس الدرب من القراءة في دراسته الثانية "تحليل الخطاب الشعري"التي حلل فيها رائية ابن عبدون من خلال التوفيق بين السيميائيات و التداولية و الشعرية.

و اتبعا(أي القراءة المتعددة )في كتاب"دينامية النص"موضوع دراستنا هذه،و اعتمد منهج التركيب أيضا في كتابه"المفاهيم معالم" بحيث يقول:"سيتخذ هذا المخطط معالمه الرئيسية من السيميائيات و الدليلية و تدقيقاته من علم النفس المعرفي و من نظرية العماء"(27).

ونجد المنهج التركيبي أو التكاملي حاضرا في الدراسات الأخرى ، و بدرجات متفاوتة ، هكذا بدت لنا منهجية مفتاح متميزة بشموليتها ، و نسقيتها و خلفيات معارفها ذات الأصول الإنسانية الواسعة تلتقي فيها الأفكار، و تتفاعل فيها المفاهيم و النظريات بخيوط أحسَن المؤلف نظمها بذكاء ، و نفاذ بصيرة، تدل على غنى العقل و صفاء  الذهن، و انفتاح الذاكرة و اتساع أفق البحث ، و عمق التحليل.

إن المنهج التكاملي يفرض صفات محددة تشير إلى مقدرة "مفتاح" الفذة في الاستيعاب ،حيث كانت لديه"...كل ضروب الكفاءة الكامنة وراء تلك الطرق ، فتكون لديه كفاءة ذاتية فذة و علم واسع كاف في كل الميادين ، و قدرة على انتحال الوضع الملائم كلما تغير الموقف..."(28)

 الناقد المثالي من له القدرة على التصدي لهذا العبء النقدي . و "مفتاح" في هذا الموضع يمكن لنا أن نقول بأنه ناقد مثالي لأنه استطاع الاختيار بوعي شديد الطريقة المثلى لتحليل النصوص و بسط المفاهيم للقارئ المبتدئ.

والواقع أن "مفتاح" يستضمر المناهج و يتمثلها بعين ناقدة ، فيستخلص منها ما يحتاجه و يهمل الباقي، أو يضيف إليها ما ينقصها، و ذلك لتتلائم مع طبيعة النصوص العربية التي يخضعها للاستقراء و الاستنتاج و الاستدلال.

لكن يجب التنبيه بصعوبة وخطورة مثل هذه القراءة، خاصة تلك التي تعتمد التركيب الجامع، والتحليل متنوع المنطلقات، ذلك ما عبر عنه المؤلف في كتابه في سيمياء الشعر القديم، بالقول:"ومن الأمانة العلمية الاعتراف بأن القراءة المتعددة محفوفة بالمخاطر والمزالق، إذ تتطلب من منجزها المشاركة في كثير من العلوم، ودون كل علم خرط القتاد".(29)

و لمزيد من التحليل على فكرة التركيب تعود- مرة أخرى- إلى كتاب "دينامية النص" الذي توسّل بمجموعة من النظريات والمناهج المعاصرة. إذ نجدهُ امتاح مفهوم الدينامية من العلوم البحتة و العلوم الإنسانية جميعها فطبّق على النص الأدبي بنوعيه، أي الشعري النثري .و يشمل هذا المفهوم النمو و التناسل و الانسجام و الحركة و كذا السيرورة و الصراع و الحوار.

ولكل مفهوم من هذه المفاهيم حقل نظري و علمي و فلسفي ، و سياق لغوي و نفسي و اجتماعي قد نشأ فيه و ترعرع . فمفاهيم النمو و التناسل و الحركة تعود إلى علم البيولوجيا و العلوم التي تأثرت بها مثل الكيمياء و الفيزياء و الهندسة ذات الصلة الوطيدة بعلم الطبيعة المابعد حداثي. و اللسانيات الوظيفية ، و النحو التقليدي و التحويلي ،و البنيوية التكوينية التي تجسد سيميائية غريماس بنياتها الدالة بالمربع السيميائي و العوامل.

وتعتبر هذه المناهج الأخيرة ،مثل التداولية و الحوارية ،مناهج اجتماعية و أنثروبولوجية تهتم بالاختلاف و السيرورة و الصراع و الحوار.كما طبّق نظرية التداولية و الحوارية التي تعنى بالحوار بكل أنواعه و مقصدياته و مبادئه ،كما استخدم مفاهيم استقاها من نظرية العماء ، مثل الفوضى و الاضرابات اللامتوقعة علاوة على الصدفة و السلوك.

وقد وظف مفاهيم أخرى استمدها من الذكاء الاصطناعي و من بينها الإطار و المدونة و الخطاطة لتحليل النص القرآني.و حلل قصة" الظاهر الغابر"بمفاهيم أنثروبولوجية وبالبنية العاملية و المربع السيميائي إنطلاقا من مبدأ" بتيطو" الذي يقول ببنيوية و موقعية النظرية السردية التي ينبغي تفسيرها بالاستناد إلى هندسة الموقع أي إلى التصور الوصفي الكارثي .

كما استعان ببعض ميكانيزمات الأسلوبية (خاصة الإحصاء منها)،و اللسانيات (الانسجام) ، التداولية (المقصدية)،إضافة إلى الحضور القوي لنظرية التلقي، و مما يدل على ذلك قول مفتاح:" ليس هناك نص بدون رسالة موجهة إلى سلف حقيقي أو مفترض ،تحتوي على معلومات متراكمة تيسر فهمها و تأويلها."(30)

ومن المؤشرات على ذلك أيضا استعماله لعدد من المفاهيم المنتمية إلى نظرية التلقي كالقارئ و التفاعل و التوقع و نحوها،و لا شك في أن احتفال "مفتاح" بالملتقي مرده إلى إيمانه بأهميته و ضرورته بالنسبة إلى أي نظرية نصية جادة ، يقول محمد سويرتي : " و بهذا الصنيع تبرز الشخصية المتميزة للناقد المغربي . و من الممكن القول بأن منهج محمد مفتاح منهج تكاملي ."(31)

وبعد، كان ما سبق تلخيصا لما أثاره الباحث المغربي مفتاح من إفادة من شتى المناهج خارجية و داخلية.و تركيبها في مزيج منسجم . و التركيب المنهجي أو القراءة المتعددة لا يتحقق إلا إذا كان الناقد حاذقا ، مُلمّا ذا ثقافة واسعة و معرفة كبيرة بالخلفيات النظرية و الفلسفية للمفاهيم و التصورات المختلفة.

وقد اعترف "مفتاح" في أُولى محاولاته النقدية بأن"القراءة المتعددة محفوفة بالمخاطر والمزالق، اذ تتطلب من منجزها المشاركة في كثير من العلوم".(32)

عملية التركيب أمر في غاية الصعوبة تتطلب ناقدا ذا ثقافة موسوعية ، تتحقق بعد دراسة معمقة و بعد تمحيص و غربلة.

إن "مفتاحا"يقدم لنا تجربة نقدية متميزة و غنية يمكن إعادة قراءتها و البحث لها عن نسق يؤهّلها لأن تصبح نظرية، لأنه عمل جاهدا في كل مرحلة تركيبَ و جهة نظر جديدة للقراءة وذلك جعله ينتظم في إطار مشروع بحث عن بنيات صورية عامة لقراءة كل أشكال الثقافة.

خلاصة     

إن تركيبه المنهجي هذا غير التلفيق، فالتركيب عند "مفتاح" ينبني على توجه ابستيمولوجي على نحو متجانس و متماسك تنتقي معه خصوصيات كل منهج في بوتقة منهج بديل هو – في العمق- محصلة تمازج مجموعة من المناهج في حين أن التلفيق غير خاضع لتصور مبدئي و منهج ، لذا فهو غير مقبول من حيث المبدأ و الغاية.

 
 

قائمة المصادر والمراجع :

(1)على جواد الطاهر،منهج البحث الأدبي ،مكتبة النهضة،العراق، ط(2) ،1972 ،

(2) يمنى العيد في معرفة النص، دار الآفاق الجديدة، بيروت، 1983،

(3) جان كلود بانييه. السيميائية نظرية تحليل الخطاب ،تر. رشيد بن مالك ،مجلة مجلة الحداثة.جامعة وهران ، الجزائر ،ع 04 ،1996 ، .

(4) محمد مفتاح، تحليل الخطاب الشعري،.

(5) محمد عزام ،تحليل الخطاب الأدبي على ضوء المناهج النقدية الحداثية، دراسة في نقد النقد .

  (6) محمد الدغمومي ، نقد النقد و تنظير النقد العربي المعاصر، ،

(7) محمد عزام، مرجع سبق ذكره .  

(8) نفسه  .

(9) نفسه .

(10) محمد الدغمومي ، مرجع سبق ذكره  ،.

(11) محمد عبد الحميد،النص الأدبي بين إشكالية الأحادية و الرؤية التكاملية،تقديم:عثمان موافى،دار الوفاء،مصر،ط(1) ، 2002،.

(12) وهب رومية،شعر القديم و النقد الجديد ،.

(13) محمد الدغمومي ، نقد النقد ،.

(14) محمد عبد الحميد ، مرجع سبق ذكره  ، .

(15) المرجع نفسه ،

(16) إبراهيم عبد الرحمن محمد ، اتجاهات النقد في الأدب العربي الحديث- دراسة تطبيقية-

مكتبة الشباب القاهرة، 1994، 6.

(17) محمد الدغمومي .نقد النقد .

(18) المرجع نفسه ، .

(19) عبد الله الغذامي،النقد الثقافي،قراءة في الأنساق الثقافية العربية،المركز الثقافي ،سنة 2000.

(20) انور المرتجى،سيميائية النص الأدبي .

(21) محمد مفتاح ، دينامية النص.

(22) سيد قطب.النقد الأدبي، أصوله ومناهجه ،دار الشروق مصر،ط(5)،

(23) رينيه ويلك. مفاهيم نقدية ، ترد محمد عصفور ، عالم المعرفة ، الكويت،1987.

 (24) رينيه ويلك ،أوستن وارين ،نظرية الأدب تر محي الدين صبحي ، مراجعة : حسام الخطيب، مطبعة خالد الطرابيشي ، سوريا، 1972،

(25) محمد عبد الحميد.النص الأدبي بين الإشكالية الأحادية و الرؤية التكاملية .

(26) محمد مفتاح ، في سيمياء الشعر القديم .

(27) محمد مفتاح ، المفاهيم معالم .

(28) ستانلي هايمن . النقد و مدارسه الحديثة، تر: إحسان عباس، محمد يوسف نجم، دار الثقافة، بيروت ط(3)، 1997، .

(29)محمد مفتاح. في سيمياء الشعر القديم.  

(30) محمد مفتاح ،دينامية النص .

(31) محمد سويرتي .شعرية ما بعد حداثية ،.

(32) محمد مفتاح ، في سيمياء الشعر القديم ،

 

تحميل المقال

 

 

 

 

 

Appel à communication