January 2017
S M T W T F S
1 2 3 4 5 6 7
8 9 10 11 12 13 14
15 16 17 18 19 20 21
22 23 24 25 26 27 28
29 30 31

المستوى التركيبي في رواية الزلزال لطاهر وطار

 

إيمان فاطمة الزهراء بلقاسم

 جامعة مستغانم( الجزائر)

 

 

انتحت الرواية الجزائرية المكتوبة باللغة العربية في مطلع السبعينيات منحى جديد اتّسم بالواقعية، ومن الأسماء التي تركت بصماتها واضحة في عوالم هذا الأدب يبرز اسم الطاهر وطار في قمته الشماء فمن أراد أن يعرف وضعية الجزائر منذ الثورة التحريرية وصراعاتها غير المرئية أو أراد متابعة التحولات المجتمعية التي غيرت وجه جزائر ما بعد الاستقلال فلينظر في كتابات وطار.

حاول طاهر وطار من خلال تبنيه لرؤية جديدة في رواية الزلزال مقاربة الواقع الاجتماعي مواكبا تحولاته المختلفة، فجاءت رواياته سجلا شاهدا على التاريخ، بدءا من رصد تناقضات الثورة في "اللاز"، وتتبُع مسار الإصلاحات في "الزلزال" و"العشق والموت في الزمن الحراشي" ، مرورا بصراع السلطة في "عرس بغل" و"تجربة في العشق" و"الحوات والقصر"، وصولا إلى زمن التطرف الديني في "الشمعة والدهاليز"، ثم التقوقع في "الولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي" و"الولي الطاهر يرفع يديه بالدعاء". يقول في ذلك إن همه الأساسي هو الوصول إلى الحد الأقصى الذي يمكن أن تبلغه البرجوازية في التضحية بصفتها قائدة التغييرات الكبرى في العالم . ولا غرو إن صارت هذه العناوين جزءا هاما من الموروث الأدبي، دالة على الطاهر وطار كما صار هو دالا عليها وعنوانا لها، لا يُذكران إلا مقترنين اقتران النص بعنوانه، وذلك لما شحنها به من إمكانيات إبداعية تجلت من خلال توظيفه لمختلف العناصر البنائية شكلا ومضمونا، داخل النصوص وفيما يحيط بها.

وتعد الرواية أصعب الفنون الأدبية على الإطلاق؛ وذلك لنفس الأسباب التي تجعلها تبدو سهلة، وهي غياب الضوابط الشكلية أو التقاليد الثابتة التي تسهل على الكاتب مهمته، فلا هي تُكتب نَظمًا مثل الشعر ولا هي مقسمة إلى فصول ومشاهد تخضع لأعراف سائدة مثل المسرح ، فالكاتب يسرد الأحداث مستخدما قلما يشكل به نسقا من الإشارات الصوتية التي تستخدم للتواصل بين الناس، ونقصد بها هنا اللغة فهي مجموعة منظمة من العادات الصوتية التي تتفاعل بواسطتها أفراد المجتمع الإنساني، ويستخدمونها في أمور حياتهم، فهي طريقة خالصة للاتصال الذي يتم بواسطة نظام من الرموز التي تنتج طواعية ولا يستطيع الفرد أن يغير تتابع الكلمات إذا أراد الإفهام، وهكذا فاللغة تتحرك وظيفيا بتركيب المونيمات والفونيمات لتوليد ما لا حصرَ له من الكلمات والمتواليات اللغويّة ، كما تتركب من إشارات ووحدات لغوية ذات وجهين هما الدال والمدلول، حيث يمثل الدال: البصمة الذهنية والصورة السمعية للصوت، أما المدلول فيعبر عن المفهوم الذي تخلفه الصورة السمعية.

فاللغة نظام له قواعده الخاصة وهي نسق مستقل يتخذه أفراد اللسان الواحد وسيلة للتواصل، مع العلم أن هذا النسق يقوم على أساس اتفاقي أو اصطلاحي وأنه يمثل كيانا مستقلا من العلاقات الداخلية يتوقف بعضها على بعض.

ولتحليل المميزات البنيوية للغة لابد من البحث عن معنى تلك الجمل بالبحث عن البنية العميقة لها، أي أن الجمل التي تُكوِّن النص الروائي أو أي نص آخر تتضمن معنى سطحي ومعنى عميق، وهذا الجانب التركيبي  تناولته لسانيات الجملة، سنحاول في هذا البحث الغوص في رواية "الزلزال" من خلال دراسة تركيبة - دلالية .

تعتبر رواية الزلزال_نشرت سنة 1974_ثاني تجربة روائية للكاتب الطاهر وطار، بعد روايته "اللاز" لقد بنيت الرواية على سبعة فصول، يستمد كل فصل عنوانه من أحد جسور المدينة، تبدأ الرواية بوصول الشيخ "عبد المجيد بولرواح" إلى مدينة قسنطينة، بعد غياب دام ستة عشر عاما، بغية إنقاذ أرضه من التأميم الزراعي. ويطوف هذا الشيخ مدينة قسنطينة بحثا عن أقربائه ليكتب لهم جزءا من هذه الأرض، على ألا يحوزوها أو يتصرفوا إلا بعد وفاته.

ومنذ البداية تسيطر عليه فكرة الزلزال بكل تجلياتها المختلفة، بعد أن استمع إلى وصف زلزلة الأرض يوم القيامة في صلاة الجمعة، وكلما غاص في عمق هذه المدينة المعلقة إلى الجسور، صار هذا الزلزال وشيكا، وازداد إحساسه بالغضب والسخط بعد فشله في لقاء أقربائه اللذين انتقلوا من حال إلى حال.

وأمام التناقض بين العالمين، عالم ما قبل الاستقلال الذي كان محكوما بسلطة الشيخ وعالم ما بعد الاستقلال الذي لم يعد كذلك، يتداعى وعيه وتطارده ذكريات الماضي الأسود مع زوجاته وزوجتي والده وزوجة أخيه اللاتي لقين حتفهن على يده، وكوابيس الحاضر من هذا الواقع الجديد غير مصدق ما آل إليه أهله اللذين احتقرهم في زمن مضى وأهانهم أشد إهانة، فلا يجد نفسه إلا وهو يصرخ بأعلى صوته في محطته الأخيرة "جسر الهواء" فاضحا جنونه، وتحلق الأطفال حوله ضاحكين مقهقهين، لتنتهي الرواية بإلقاء القبض عليه ومنعه من محاولة الانتحار.

ومن أهم الوسائل الفنية المستخدمة في فن وطار الروائي؛ اللغة فهي المادة الأولية في رسم النموذج الروائي والإبداعي عامة، ولاشك أن كتابته للقصة القصيرة قبل الرواية قد أفادته كثيرا في اكتساب هذه القدرة الفنية التي تميز بها. فهو يبذل جهدا كبيرا في جعل لغته تتميز، حيث يقول بأنّه يفكر كثيرا في الكلمة قبل أن يقولها حتى تكون لها دلالاتها التي يستطيع أن يناقشها وأن يدافع عنها، لأن العمل الأدبي الذي يسعى إلى الكمال الفني ينبغي أن تُنتقى كلماته بكل دقة.

v        المستوى التركيبي في العنوان :

إنّ العمل الأدبي إبداع لغوي في أساسه، والعنوان جزء لا يتجزأ من ذلك، فمهارة اختيار العنوان على مستوى اللفظة والصياغة والسياق تتطلب كفاءة خاصة، ومعرفة بأسرار اللغة وجماليتها،  لذا نرى وطار يتفنن في انتقاء البنى اللغوية لعناوينه بين الإفراد والتركيب، متراوحة بين الطول والقصر، مما جعلها ذات بعد جمالي ومحمول دلالي متنوع، لا يمكن الإحاطة به إلا بتجاوز المبنى اللغوي السطحي إلى المستوى العميق الباعث للدلالة المتولدة في دواخل النص عن طريق الفعل التأويلي.

تجسد العنوان عند وطار في رواية الزلزال عبارة عن مفردة واحدة، إذ جاء كاسم مفرد مختزل اللغة، ومن المعروف أنه كلما اختزلت اللفظة زادت قدرتها الدلالية وتكثّف المعنى فيها.

الاسم في النحو يقابل الفعل، من حيث ارتباط الاسم دلاليا بالحدث دون الزمن أي  السكون والثبات، والفعل يقترن بالحركة والتغير، إذن كلمة "الزلزال" من الناحية الصرفية مصدر من الفعل الرباعي " فعلل - زلزل"، وإذا أردنا تتبع الدلالة المعجمية للعنوان " الزلزال" وجدناها تحريك الشيء، قال أبو إسحاق في قوله عزوجل:«إذا زلزلت الأرض زلزالها » المعنى إذا حركت حركة شديدة والقراءة زلزالها.

والزلزال بالكسر المصدر قال الأنباري قولهم: أصابت القوم زلزلة، قال، الزلزلة، التخويف والتحذير من قوله تعالى:« وزلزلوا حتى يقول رسول الله» أي خوفوا وحذروا.

والزلزال: الشدائد، والزلازل: الأهوال، وقال بعضهم الزلزلة مأخوذة من الزلل في الرأي، فإذا قيل زلزل القوم معناه: صرفوا عن الاستقامة وأوقع في قلوبهم الخوف والحذر.

والزلزلة في الأصل: الحركة العظيمة والإزعاج الشديد...ومنه زلزلة الأرض، وهو ها هنا كناية عن التخويف والتحذير أي جعل أمرهم مضطربا متقلقلا غير ثابت.

وتزلزلت نفسه: رجعت عن الموت في صدره"

ولعلّ كلمة زلزال تحيلنا إلى الحركة والتغيير بتجلياتها المختلفة، و أبرزها الدلالة المباشرة المحيلة على حركة الأرض الخفية الباطنية المدمرة، العاملة على تغيير سطح الأرض، بخلق ملامح جديدة على أنقاض الملامح القديمة. وبالجمع بين المعنى المعجمي والبعد النحوي لكلمة الزلزال يبرز بين أيدينا أول ملمح من ملامح علاقة الإضمار والإظهار في العنوان، إذ يتجلى الغياب من خلال سيطرة السكون المرادف للاسم كمعطى نحوى، في حين يهيمن ظهور الحركة من خلال الاستناد على المحمول الدلالي لكلمة الزلزال. وهكذا يكتسب العنوان في شكله الافرادي مَلمحا سكونيا ظاهرا، مضمرا بحركة عنيفة.

يدخل العنوان والرواية في علاقة تكاملية وترابطية، وعلى هذا الأساس يعتبر عنوان الرواية " الزلزال " النواة الدلالية الأصلية التي تتفجر منها الدلالات الفرعية الأخرى .

لعلّ هذه الدلالات المعجمية التي تحملها "الزلزال" تقترن كما هو ملاحظ بمعاني( الحركة الشديدة) و(التخويف والتحذير) و(الشدة والغبن) و(الأهوال) و(الحيد وعدم الاستقامة) و(الزلل) و(الإزعاج) و(الاضطراب) و(التقلقل). ويلاحظ قارئ لرواية الزلزال أن العنوان يرتبط بالمتن الروائي ارتباط السبب بالنتيجة ، إنه يمثل فعلا مفتاح النص إنه البداية الكتابية "التي تظهر على واجهة الكتاب كإعلان إشهاري ومحفز للقراءة". والنهاية المتوقعة التي يرمي إلى تحقيقها النص ،إن الزلزال يوحي بحدوث التغير والتحول "لقسنطينة "، ذلك أن المكان ليس مجرد إطار للأحداث و الشخصيات ، وإنّما هو عنصر حي فاعل في هذه الشخصيات.

إن إشارة الزلزال تحيل على ظاهرة طبيعية أرضية انفجارية ، والمتن الروائي يحاول تعرية فئة بورجوازية  تتخذ من الأرض قاعدتها الأساسية لاستمرار بقائها وهيمنتها ، فالزلزال من هذا المنظور فعل إيجابي يكسر ويفتت القاعدة الخلفية للإقطاع فهو يمثل الثورة الزراعية، وبذلك فهو يتخذ معناه الشمولي ويعن بكل بساطة سقوط زمام المبادرة من أيدي طبقة إلى طبقة أخرى ؛ ففعل التأميم يقع على نفس الإقطاعي موقع الزلزال الذي يدمر الكيان ويهدد الوجود  »هناك مشروع خطير يهيأ في الخفاء ، ينتزعون الأرض من أصحابها يؤممونها .. أقسم في الورق الأرض على الورثاء«. 

إن الشخصية" بوالارواح " تتحرك في رواية الزلزال وفق حافز مضمر لإنجاز برنامج مضاد للزلزال أي التأميم .

وإذ يعجز الإقطاعي بوالارواح ، ويتعبه البحث عن إيجاد مساعدين افتراضين لتحقيق مشروعه المضاد للزلزال يتحول فعل الزلزال إلى إحساس داخلي يحطم مناعة الذات، ويقذف بها في بحر من التوترات الداخلية، وتفتقد الشخصية معالم الطريق وتدخل في عجز تام عن تحديد مكان تواجدها وتحديد الوجهة التي تدفع إليها »لم يعد يدري أين يوجد؟ وهل يحدث أحدا أم لا؟ وهل أن الدفع يدفعه إلى الأمام أم إلى الخلف أم يلولبه ويلولبه في موضع واحد؟ «

الحقيقة انتهت، أقول زلزلت زلزالها،لم يبق من أهلها أحد كما كان»لم يبق من الحياة السابقة إلا الآثار .هدموا عالما وأقاموا آخر «  .

وبهذا يمكن القول إن وطار استطاع أن يجعل من عنوان روايته- بالرغم مما تتميز به من اختزال لغوي-  خزانا للدلالات والإيحاءات الواسعة يستطيع القارئ من خلاله الربط بين العنوان ونصه، وهو بذلك يدفع القارئ إلى التمعن بغرض الإحاطة بأبعادها المختلفة.

v   المستوى التركيبي في أسماء الأماكن والشخصيات :

سنحاول في هذه الجزئية رصد أسماء بعض شخصيات والأماكن في الرواية لأنّ المقام سيطول بنا إذا ما تناولنا كل الأسماء؛ من جماليات الرواية، أنّها اعتمدت على الشخصية الجدع التي من خلالها تتفرع كل الشخصيات الباقية عن طريق الواقع المباشر، هذه الشخصيات المتناقضة تعكس التركيب الجمالي والفني الذي يعبّر ويحدد بدقّة قدرة الطاهر وطار الفاعلة في الواقع الاجتماعي، وفي الواقع الفني ، فالمتن الروائي" الزلزال" يقدم لنا الشعب ممثلا في سكان قسنطينة كمجتمع تحول مع تحول المدينة، التي تعيش حالـة مزرية ماديا وأخلاقيا. فقد أدى تردي أحوال الناس إلى انتشار الكثير من الظواهر الاجتماعية المستفزة، كاستغلال الأطفال بامتهانهم البيع والشراء ومسح الأحذية وتلميعها، ولجوءهم في كثير من الأحيان للسؤال والسرقة كذلك.

     إلى جانب هذا فإننا نجد:  

_ الشيخ عبد المجيد بوالارواح : مصطلح الشيخ:  تطلق هذه الصفة في العامية الجزائرية للدلالة على الاحترام والوقار والهيبة التي يتميز بها الموصوف.

عبد: على صيغة فَعْل للدلالة على الاسم، وهي من باب عبد: والعبد هو الإنسان حرا كان أم رقيقا، يذهب إلى ذلك أنه مربوب لباريه عز وجل، والتعبد هو النسك، والعبادة الطاعة.

إنّ الصفة و الاسم في "بوالارواح " تجعلنا نبحث في مدلولاتها المحتملة وعلاقاتها مع شخوص الرواية وبالمكان والزمان والسرد، ذلك أن الصفة إذ تغدو اسم شهرة أو كنيته تتحول إلى قرينة. فإشارة "بوالارواح " التي تحل محل الاسم في الرواية قد نقرأها على مستوى الأفعال على أنها إحالة على ماض مثقل بالخطايا وسلوكيات تنبعث منها رائحة الأنانية، والخيانة، والقتل، إنها تضمر التعدد والتكرار في الفعل، ونقرأها من خلال السرد على أنها إشارة تضمر فعل التخفي وراء الشبيه الذي لا يمكن إدراكه إلا بقرائن سردية.أما المجيد: فهي صيغة مبالغة من الفعل مجد، والمجد المروءة والسخاء... والكرم والشرف، والمجيد هو الكريم المفضال، وهو من صفات الله عز وجل.

نلاحظ أن طاهر وطار كان حريصا في تعين أسماء الشخصيات لتكون منسجمة ومتناسبة مع النص الروائي فتسمية بوالارواح وهو الناطق باسم البرجوازية والإقطاع في هذه الرواية، مالك لأراضي واسعة بمدينة قسنطينة ورثها أبا عن جد، وورث معها ماض متراكم من الخيانات العائلية للوطن، تحمل في مدلولتها رمز الأرواح، فهو مقترف لجرائم قتل عديد، كما ترمز صفة الروح إلى استماتة هذه الشخصية في الدفاع عن امتيازاتها، كما أنّ نجا من محاولة الانتحار فهو لا يريد الموت بسهولة وكأنّه يملك أرواحا متعددة،إذا، لقد جمعت هذه الشخصية علو الشأن ورفعة المنزلة إلى جانب انحطاط القيم وتردي الأخلاق.

الرزقي البرادعي:من الرزق، والرزاق صفة الله تعالى لأنه يرزق الخلق أجمعين... والأرزاق: مصدر حقيقي نوعان: ظاهرة للأبدان كالأقوات، وباطنه للقلوب والنفوس كالمعارف والعلوم، والرزق ما ينتفع به.. والرزق العطاء.

البرادعي: اسم منسوب: من باب بردع، البردعة: الحلس الذي يُلقى فوق الرِّحل وهنا يقصد به الشخص الذي يمتهن صنع البرادع. 

الطاهر النشال:

    الطاهر: اسم فاعل من باب: طهر، والطهر نقيض النجاسة. ورجل طاهر ورجال طاهرون ونساء طاهرات، وطهره بالماء غسله، والتطهر التنزه والكف عن الإثم. ورجل طاهر الثياب منزه، وفلان طاهر الخلق وطاهره، إنه لطاهر: أي ليس بذي دنس في الأخلاق.

النشال: صفة مشبهة على وزن فعال من باب نشل: نشل الشيء نشلا أسرع نزعه والمقصود هنا هو كثرة النشل وأخذ الأشياء بخفة (السرقة). و اسم الطاهر النشال عبر عن تناقض وازدواجية في الشخصية، بين الطهر والسرقة،فهاتين تعكسان ما كانت عليه وما أصبحت تمثبه هذه الشخصية، والملاحظ في هذه الرواية أن الأسماء قد تنوعت من حيث طبيعتها( مفردة، مركبة) ( أسماء علم _ لقب_ النسب إلى وظيفة... الخ) وطبيعة العوالم التي استمدت منها، فنجد ما ينتمي إلى القاموس الديني أو الاجتماعي أو الشعبي... الخ، كما أنها عربية، أو ذات أصول أجنبية وعربت.

    بالباي: الباء زائدة، أما الباي: فكلمة تعود إلى العصر العثماني وكانت تطلق على الحاكم الذي يكلف بتولي شؤون مقاطعة من مقاطعات الدولة، وله صلاحيات واسعة في تسيير شؤونها.  

كما تدل هذه الكلمة على الانتماء إلى الطبقة الاجتماعية المخملية، وبلباي كان فيما مضى ينتمي إليها، لكننا لا نجد انعكاسا للشق الثاني من حياته على مستوى التسمية، مرده في نظري أن الروائي لم يعنى كثيرا برسم معالم هذه الشخصية لأنه كان يوجه اهتمامه لأقارب الشيخ وتفاعل هذا الأخير مع ما حصل لهم.

عمار الحلاَّق: عمَّار: صفة مشبهة على وزن فعال، من باب عمر.

وعمر الرجل... عاش وبقي زمنا طويلا، ويقال رجل عمار، إذا كان كثير الصلاة كثير الصيام،ورجل عمار، وهو الرجل القوي الإيمان الثابت في أمره. الثخين الورع، وعمار مأخوذ من العمر وهو البقاء(

الحلاق: صفة مشبهة على وزن فعال، من باب حلق، من الحلق، حلق الشعر، فهو حالق وحلاق.

ومن أسماء الأماكن نجد :

سيدي راشد:  وهو أعلى جسر في مدينة قسنطينة، أما التسمية فتعود إلى سجين اسمه ( راشد) ساهم في بناء هذا الجسر وسقط أثناء إنجازه، فبنيت زاوية " سيدي راشد" إكراما له، وأصبحت مزارا لسكان المدينة ووجهة لهم يتضرعون فيها لله عز وجل عله يستجيب لدعواتهم ويفك عنهم كربهم وكدرهم"يا سيدي راشد يا صاحب البرهان استجب لدعوة الحضري في مقهى النجمة: حركها بهم وبمنكرهم وفسقهم ونقابتهم، أقم البرهان، وبدل الشر بالخير والإثم بالتقوى.

سيدي مسيد:  وهي أيضا زاوية بمدينة قسنطينة واسم لأحد جسورها، حيث يدعو بولرواح «هذا الولي الصالح أن يسلط عليهم طيرا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل... ».

من خلال وقوفنا على دلالة التسمية في هذا النص نخلص إلى أن هناك توافقا تاما بين تركيب الدلالي للأسماء ودورها في الرواية.

v   الأشكال اللّغوية في الرواية :

لعلّ من أهم الروايات التي نالت حظوة بالاهتمام والتحليل رواية الزلزال، حيث نقلت إلى أهم اللّغات كالإنجليزية وغيرها من اللّغات، وشهرتها لا تكمن في موضوعها الذي عالجته، بل في معمارها الفني الذي يمتاز بحداثة جمالية رفيعة.

تتعدد الأشكال اللغوية في رواية الزلزال وتمتزج في انسجام محكم مع غلبة ظاهرة التفكير الباطني، وهذا التعدد أضفى على الرواية جوا من الحيوية والحركة يشد القارئ ليعيش عالم هذه الرواية الزاخر الذي لا يستطيع الفكاك منه، فهو يعيش فيه، وساعد هذا الامتزاج الفني المحكم اللّغة الروائية المطاوعة :

«الوجوه أيضا تتميز في قسنطينة. الملامح تختلف من شخص لأخر القامات كذلك (...)

الملامح كالروائح تعلن عن نفسها بنفسها بشكل صارخ في هذه المدينة.

قرر ودفع بعنف يدا متسولة  تعترض  طريقه حذاء، واقتحم الباب وهو يلفظ في تبرم :

اسحبي يدك يا امرأة. لا حول ولا قوة إلا بالله . المصيبة. المصايب، من أين خرجوا، لماذا لا تعودون إلى قواكم و دواويركم؟

تسقط على رأسك إن شاء الله المصيبة. أو تحملنا على كتفك حتى تستقلنا».

مثل هذه اللغة الحيوية الممتزجة الأشكال تمتد من أول الرواية إلى آخرها. ففي هذه الفقرة القصيرة مثلا وصف وسرد، وتفكير باطني، وحوار ودعاء، وفعل وحركة، ومشاعر متنوعة .

v   أدوات الربط:

غالبا ما تكون لغة وطار مقتصدة ودقيقة، ولكن نجده في بعض المواقف يستخدم أدوات الربط المختلفة والتي تميز لغته،  فقد تم سرد العبارة الآتية بالاستعانة خمس مرات بحرف العطف "ثم" الذي يدل  على الترتيب  في وقوع الحدث، فقد جاء لتوضيح المسار السردي الذي يناسب الوصف : « أمتلئ بالدكنة  ثم أغلي  ثم أفيض  بالمادة السائلة  ثم أغمر ثم أعمى ثم أروح أتلمس  بأصابعي» . 

فالشخصية تبدأ بالإمتلاء  بمادة سائلة   تنبعث من داخل الذات  وتتدفق إلى خارجها  فتغمرها  وتجعلها تتخبط فيما يشبه  الغرق . وقد استعار  الكاتب  إشارتين  لغويتين ( أفيض، انغمر) لتقوية الإحساس  بالطوفان و الغرق.

والشخصية في هذه الحالة  الفيضان و الغرق  تكون فاعلا يرتد عليه فعله أو هي إن شئنا  فاعلا ومفعول به، تفيض على الآخر، تغمره فتقتله، ومفعولا بها يرتد عليها الفيضان تنغمر وتعمى  وتحتجب  عنها الرؤية .

 

v   التكرار والقصر:

تمتاز لغة السرد في الرواية القصر، فقلما بتجاوز السرد الفقرة، وأحيانا العبارة الواحدة مثل : «فإن زلزلة الساعة شيء، عظيم يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد»

و نجدها أيضا في الحوار الخارجي متمثلا في نموذج التالي :

« اسمح من فضلك أسألك.

- مرحبا بك. تفضل.

- أبحث عن قريب لي هنا، هذه مدة طويلة ، فقدت أثره، اسمه الطاهر»

« -يا قهواجي

-حاضر.

-قهوة

-شاي

-العربون أولا»

فالجمل في هذا النموذج وغيره كثيرة، قصيرة مناسبة للحوار السريع، فمعظم الكلمات مستعملة في العامية: المغبونة، الحانوت، إيه،يشتغل، العربون)، كذلك العبارة ( الظاهر أنك جئت من الخارج) وهي عبارة فصيحة إلا أنها تستعمل في الدارجة بتسكين أواخر الكلمات وتسهيل همزة قطع)غير أن هناك بعض الكلمات الفصيحة غير أن وطار يكسبها لونا شعبيا محورا وزنها كقوله : (تمسحيه، تلمعيه).

  من الوسائل الفنية المستخدمة في رواية الزلزال التكرار ، حيث تكرر الحديث عن المادة السائلة الحارة الشديدة السواد التي يحس بها بوالأرواح  «شعر عبد المجيد بوالأرواح أن المادة السائلة طفحت من فمه وأنفه وعينه»وعن الزلزال الذي يشعر به أكثر من عشرين مرة في كل حالة« يا سكان مدينة قسنطينة، الزلزال، الزلزال، يا آل بوالارواح الزلزال، الزلزال»، ، بينما ذكرت كل من مقولة بن خلدون وحديث علامات القيامة وحديث الدابة أكثر من خمس مرات على الأقل لكل واحدة منها : « ابن خلدون الخيبث يقول بأن مباني العجم أمتن وأبقى من مباني العرب لأن هؤلاء يختارون الوديان التي سرعان ما تفيض عليهم أو تحمل إليهم الأوبئة، بينما العجم يبنون في المرتفعات حيث صلابة الأرض ونقاء الهوى»،« أن يتطاول الحفاة العراة رعاة الشاه في البنيان وأن تلد الأمة حربتها».  

ونلاحظ في بعض الأحايين تكرار الكلمة في نفس الجملة دون وجود داع لذلك مثلا :  «تأخر فتأخر حتى التصق بالجدار »، وحين يقول: « هذا شارع فرنسا سابق. يبتدأ حيث ينتهي شارع  كراما، حيث ثانوية أولما»، كما نلمس بعض الاضطراب في استعمال أحرف الجر مثل قوله: « -ثيتملقونه بالتظاهر بالدفاع عن دينه»، أو قوله: « وضع قائمة في الأقارب الذين يمكن أن يكونوا أحياء».

كما نجده حريصا على تكرار كلمات ذات دلالات معينة، لعلّ غرضه في ذلك شد انتباه المتلقي، مثلا: « الحرية حرية. الاستقلال استقلال. الحكم حكم. السلطة سلطة»، « أستغفر الله أستغفر الله . الاستقلال استقلال .الانتصار انتصار»،«العسكر عسكر والشرطة شرطة»،«عميق. عميق. الأخدود»وردت هذه العبارة أربعة مرات في الصفحة الواحدة.

وكما ذكرنا آنفا نتج عن هذا التمازج المحكم في الأحداث الرواية وقصر المدة الزمنية أن قل استخدام وسائل الربط المعهودة، كحروف العطف وأدوات الربط المختلفة بدرجة ملحوظة في الرواية، لأنّ أحداثها تتوالى بدون فصل بينها في ذهن الشخصية الأساسية، أو من حولها (الواقع الخارجي) في الشارع والأسواق والساحات كما تتوالى المشاهد السينمائية:

« السلام عليكم .

قال أبو الأرواح وهو يقف أمام حانوت تنبعث منه رائحة الشواء وينظر في استنكار إلى الشاب الذي يقف وراء النار» .

جاءت هذه الفقرة مباشرة وتفكير باطني سبقها، وبدون وسيلة ربط، ومع هذا فإن القارئ لا يشعر بالحاجة إلى أن يخبره الكاتب بأن الشيخ أبو الأرواح أتم تفكيره ثم انتقل إلى حانوت شواء ليسأل صاحبه عن شيء ما.

v   علامات الوقف :

العارضة: أخذت وظيفة إبرازية لوحدة لغوية تعدّ جزءا من الحديث، والذي يتبادر إلى أذهاننا حين قراءتنا للجملة  « لم تكن في حرارة شمس اليوم. طفلها السابع في ظهره – تركه أبوه في الشهر الرابع وذهب إلى فرنسا- وعد أن يرسل النقود»إحساسنا اليقين بأن الكاتب قد وظف هذه العلامة السيميائية لتكون بديلا لمجموعة من الدوال الأخرى لكي لا يتغير المستوى المعرفي للجملة.

النقطة: لقد أخذت النقطة وظيفتها الحقيقية في النص، إذ جاءت بعد انتهاء الجملة أو تمام معناها. وغير أننا لاحظنا تتكرار النقطة في الحديث الباطني مع أن الفكرة تبقى واحدة، فقد نابت النقطة عن استعمال الفاصلة المنقوطة التي انعدمت في الرواية ،كقوله: «ليس مرة.كلما فسد يعاد بناؤه.قبل أن أشتري المحل كان هنا تونسي.آهاه.تذكرت.اشتريت المحل من تونسي.نعم».كما نجده يستعين بالنقطة لإظهار التردد كقوله : «آه .. متأخر عن النفير. لا. تصريح جريء».

الفاصلة : كثر استعمالها ما يناسب الوصف والسرد.

نقاط الحذف: استخدمه الكاتب حين انتقل مثلا من السرد إلى التفكير الباطني الذي يدور في ذهن الشخصية : «تستر تحت ظل نفق، وسرح إلى الأفق البعيد... »، وظل «نينيو يحملق في الفراغ...» ويبدأ التفكير الباطني بعد هذه العبارة السردية من المؤلف والنقاط الثلاث وأحيانا يكون الدخول من التفكير الباطني الذي تتكون الرواية من معظمه بعبارة سردية تمهد له، ومنها مثلا: « حاول أن ينطلق متخلصا من كل ما حوله...» وبعدها بدأ التفكير الباطني.

كما جاءت للدلالة على حذف دال بحضر وروده في النص ولا يستحب ذكره، ولعلها وظفت للدلالة على فكرة غير مكتملة الملامح فهي تظهر ما لا يستطيع الرواوي البوح به، وبذالك فهي تضع المتلقي في موضع تساءل وافتراض وتخمين ، لكي يمنح النص والسياق وظيفة تعدد القراءات«أريد أن أقول ، إن الناس... » ، وربما تكون بغرض جمالي، وهناك أنماط كثيرة للتوقف نجدها أعلنت حظورها ذاخل نسيج النص، فالتوقف القصير (..) هو توقف يدل على قرب نهاية الحديث ، أوقصر الحديث المحذوف«رأس محتضر ميئوس منه.. ابدأ من هنا يا سيدي راشد.. »و« لص ونصاب أيضا لقد بارك الرسول التجارة.. ولكن ليس بهذا الشكل المتردي».

علامات الاستفهام : تمثل انتهاء الحديث الاستفهامي، ولاحظنا كثرتها فلا تكاد تخلو صفحة من صفحات الرواية من هذه العلامة فهي تعوض الصوت بالعين، فورد في « وماذا فعل القاض؟ 

ماذا ؟ هل أوقفوا البيع؟

عسكرية أم مدينة ؟

ماذا تقول ؟»

وتتاليها يثير جملة من الأسئلة، فهو تعتيم استفهامي ونرقب هذا في « الناس كلها تقدمت، وأنت تأخرت؟؟؟» و «مغلقا دون جميع الشعوب؟؟» ، فالقارئ ينتظر التعجب من وراء هذا الكلام.

علامات التعجب: إنّها العلامة التي تبعث على التساؤل المستمر، فالتعجب وليد الحيرة والمفاجأة  كقوله « لا تحتاج إلى مثل هذا !» .

كما تأخذ علامتا التعجب والاستفهام مفهوما جديدا عندما تتتاليا. إنّه الاستفهام المفضي إلى التعجب والعكس، وما التعجب سوى موقف الكاتب من السؤال، ليترك القارئ يضع موقفه من السؤال و التعجب في آن واحد « أو نصل إلى هذا الحد يا عمي؟!» « الدولة؟!» «ومن دفعه؟!»

«لا؟!»  و «الآن؟! »و«تقول!؟ » .

نستنتج من خلال الدراسة أن نسبة استعمال علامتا التعجب و الاستفهام كبيرة مما جعل النص يعيش في حالة قلق وحيرة دائمين.

في رواية الزلزال يتناوب الراوي مع الشخصية " بولرواح " في تقديم أحداث الرواية ، وإذ  تتولى الشخصية القيام بالسرد يتحول فعل الحكي إلى إدانة للذات واعتراف بالخطيئة، فنجاح وطار يكمن في قدرته على دفع الشخصية الإقطاعية إلى مسخ نفسها بنفسها  » ارتميت عليها . انبهرت استسلمت ازرورق وجهها ، وارتسمت أثار أصابعي في عنقها» وفضح للعائلة « ارتسمت أصابعي على عنقك المزرورق مثلما ارتسمت أصابع أبي على عنق عائشة«  والكاتب لا يبرر فعل القتل لدى " بولرواح " أو يبحث له عن مبررات لتكييف أفعاله المنجزة بإدراجها في خانة الأفعال اللاإرادية و إنما يضعه في موقف و يترصد ردود أفعاله «… عندما رجعت في الصيف وجدت عائشة زوجتي غير موجودة … قالوا ماتت أبوك قتلها . خنق أنفاسها . في صباح الغد وجدناها ميتة … وجدنا الدم في قميصها كان عنقها أزرق كان وجهها أزرق كانت آثار الأصابع في عنقها». 

كما نجد  الراوي يقوم بعملية الحكي وبث الخطاب، وهو ما يسمى بالنمط الروائي السردي ويتمثل عندمما تخضع الرواية  لمنظور الراوي، ويلعب الراوي فيها الدور الرئيس في توجيه الأحداث والتعليق عليها وإعطاء الأحكام في نهاية الأمر« حاسة الشم تطغى على باقي الحواس في قسنطينة في كل خطوة وفي كل التفاته ، وفي كل نفس تبرز رائحة متميزة صارخة الشخصية تقدم نفسها لأعصاب وقلب المرء . علق الشيخ بوالارواح ، وهو يفتح باب السيارة التي فرغ من مهمة إيقافها».

نلاحظ أن الراوي يقدم أحداث الرواية ، ويتحول إلى باث للخطاب الروائي ينوب عن الشخصية في عرض الأحداث ويتكلم عنها وبلسانها. 

- ويكون الانتقال من هذا التفكير الباطني إلى الحوار الخارجي بنفس الطريقة الفنية التي يستغني فيها الكاتب عن أدوات الربط التقليدية، فيتم ذلك مثلا عن منبه خارجي: «ماذا تتناول يا بابا».

- بهذه العبارة ينقطع الحوار الداخلي لدى بوالارواح ليبدأ الحوار الخارجي مع النادل. ومن هذه المنبهات الخارجية أيضا الانتقال من مكان إلى آخر الذي قد يؤدي أيضا إلى تغيير الشكل اللغوي، كأن يقع الانتقال من الحوار الداخلي إلى السرد الوصفي في مثل الفقرة التالية: «الحضريون، بكل صفة، هذه عادتهم، يريدون الاستئثار بالمدينة وحدهم ويعلنون بمناسبة وبدونها عن رفضهم للأفاقين»، ويتغير المكان بتغير هذا التفكير الباطني إلى سرد وصفي مباشر بدون أداة ربط : « عند مدخل الجامع الكبير، استرعى انتباه الشيخ عبد المجيد بولرواح  من خلال وجوه المتسولين و المتسولات الذين يقفون في صف طويل مع جانب الجدار، المطلي بالأخضر الباهت...الخ».

لكن الكاتب مع هذا لم يستغن عن الأسلوب التقليدي الذي يقم فيه الربط بين الشكل لغوي وآخر بعبارة محددة، كأن يقدم للتفكير الباطني بقوله : «قال يحدث نفسه» أو «استلم الشيخ عبد الحميد بولرواح إلى خواطر راودته».أو يعقبه بعبارة مماثلة نشير إلى ما سبق حوار داخلي مثل : «استغرق سعدان في خواطر عن ماض سحيق يستحق يتذكر تفاصيله».

إن ما يجب الإشارة  إليه حقاً في رواية الزلزال هو توظيف الروائي للرائحة بشكل ملفت للانتباه إذ في كثير من الأحيان تتحكم في عملية التواصل،  وحاسة الشم  تعوض في الحالة هذه العلامة اللغوية   « حاسة الشم تطغى على باقي الحواس، في مدين قسنطينة...» « حتى الهواء امتصوه ولم يتركوا إلا رائحة آباطيهم  »« بينما اقتحمت أنفه رائحة التراب منبعثة من أجسامهم… ».    

كما نلاحظ ولا أدري إن كان على سبيل المصادفة أو الدلالة أن تتماثل حروف الكلمتين "أرواح"و"روائح" وتتخالف في الترتيب، وربما دل ذلك على انتشار روائح الأرواح التي كانت تطادره حين كان يتجول في مدينة قسنطينة.

v   الزمن في الرواية :

يعدّ الزمن عنصر مهم في بناء فضاء الرواية و ذلك على مستوى تسلسل الأحداث وسردها ويشد انتباه القارئ  أن الزمن ا الذي تدور حوله الأحداث محدود جدا، حيث يقدر ببضع ساعات، من لحظة وصول بوالرواح إلى المدينة وصولا إلى محاولته الانتحار .

وليست رحلة المكان سوي رحلة الوعي في زمن ميقاتي محدود، هو زمن الرحلة التي استغرقت من الفجر إلي الغروب، فمدينة قسنطينة يتوسطها ، نهر عظيم، يرتبط في الرواية بحركة الزمن  المتوترة، بين الماضي والحاضر، فالحديث عن التغير في الرواية يرتبط بالزمن أي أسلوب المقابلة بين الماضي والحاضر ، وعلى امتداد الأحداث نشهد مجابهة في شخص بوالأرواح بين لوحتين الماضي الثابت ذي القوة المرجعية، والحاضر المهتز، الذي يبعث على القرف، وبالرغم من أن الماضي يظل قائما في وعي الشيخ بوالأرواح، إلا أن الإحساس بالتغير يطارده في كل مكان  « لم يبق من الحياة السابقة إلا الأثار...هدموا عالما وأقاموا آخر»  .

ويتضح من خلال رواية الزلزال لطاهر وطار أنها استطاعت أن تقدم اسهاما، يمكن عدّه محاولة للخروج والتمرد من الأطر والقوالب،التي يمكن تحد من قيمة الرواية والتي وعاء تصب فيه الأفكار وأحاسيس الإنسان.

فالطاهر وطار لا يعتمد في كتاباته على موهبته وثقافته فقط، ولكنّه يصارع من أجل الحصول على هذه اللّغة السهلة الممتنعة ، فهي مقتصدة ودقيقة، بسيطة الأسلوب، الذي يتأتى عن جهد مسبق، فهو بحق يعكس تمكن هذا الروائي من لغته.

 

 

تحميل المقال

 

Appel à communication