January 2017
S M T W T F S
1 2 3 4 5 6 7
8 9 10 11 12 13 14
15 16 17 18 19 20 21
22 23 24 25 26 27 28
29 30 31

 

"من المعنى إلى الرؤيا "

- في الخطاب السردي المعاصر

 

د/ الأخضر بن السايح 

جامعة الاغواط  (الجزائر)

 

إذا كان الشعر ديوان العرب فيما مضى,فالرواية هي الدّم البكر الجديد و طموح لا يردّ ,قدمت إلينا كشلّال عشب ,أروت ظمأ العالم وخاضت  في تخومه ودروبه وعوالمه  اللّامنتهية ,فزرعت الضّوء في كهوفه, ومشت إلى الذّات وإلى الغد الآتي .

فالرّواية خرجت من ركام التحوّل لؤلؤة طار حمامها فوق سقف السماء الأخيرة, وتناسلت منها أسراب طير أسمعتنا أصوات أسلافنا ماضيا وحاضرا.

ولم تعد الرواية مجرّد أحجية أو حكاية عابرة من الحكايات التي اعتدنا عليها في تراثنا العربي ,أو مجرّد مجموعة من الحوادث وقعت في زمان ومكان معيّن ,أو مشهد من مشاهد الحياة التي تفقد  عمقها ودلالتها في المستقبل , بل تحوّل الخطاب السردي ككل إلى رؤية  للعالم, و الرّؤيا هي القدرة على الكشف و الخلق و إزالة ما حجبته عنا الألفة و العادة .

من هنا تحرّرت اللغة من معجمها و تجاوزت المعنى المقيّد بقيود الكلمة و ماتوحي  به و تشير إليه إلى دلالة متحرّرة مفتوحة الأفق و متجاوزة للمكان و الزمان  و المناسبة, وتحوّل معها الخطاب السردي إلى الخلق و الإبداع  .

فليست الرّواية رسما للمشاهد كما وقعت أو إعادة للحكاية مثلما حكيت بل تجاوزتها إلى ما يسمح بتشكيل عناصر الواقع في سياق نصّي مفارق ,حقّق لذّة القراءة ,بنمو لذّة المتخيل النصّي .

و عبر النّبش في مخزون الخطاب السردي و التّتبع لمحافله الإبداعية , القصصية منها و الروائيّة ,كانت لنا وقفة مع الرّؤيا التي تركت بصمتها ووشمها على جسد الخطاب و أضافت نكهة جديدة مغايرة هذه النّقلة النّوعية تمثل جزءا فاعلا و رافدا في الثقافة العربية و آدابها رغم طراوة عودها و حداثة وجودها .

-   هذه الرؤيا هي التي ساهمت في نسج علاقات دلالية غير مألوفة ، لأن  حركية المعرفة تساؤّل وتجاوز وكشف و تثوير، كما ساهمت هذه الرؤيا في خلق صور سردية لها كيانها المكثّف للطاقة الدلالية والجمالية .

من هنا تدّخلت آليات الإزاحة والتكثيف من استعارة وتشبيه ومجاز وخرق لمأّلوف اللغة العادية حين حمّلت بأصداء دلالية إضافية ، لأن العملية تكمن في القبض على ما لا يمكن الإمساك به ، فكان الاتّكاء على التكثيف اللغوي الذي يرقى باللغة الروائية إلى مستويات اللغة الشعرية فكان اندفاع اللغة نحو مناطق المجهول ، وكأن الرؤّيا أخرجت النص الروائي من دلالة القصد إلى صيرورة المعنى .

كما أسست لبنية روائية   مفتوحة ومتحوّلة ،لا تقبل قراءة واحدة ، بل هي مزوّدة بدلالات احتمالية مضاعفة .

-   تطلع علينا رواية "موسم الهجرة إلى الشمال " وكأنها قطعة أثرية نادرة ، خرجت من شعاب التاريخ وبدّدت الشكّ باليقين حول بقاء الرؤيا وزوال المعنى.

 فالرواية من أولها إلى آخرها لا تقاس بعوالمها السردية ومشاهد شخصياتها وأحداثها، وهل هي حقيقة أو خيال، كما لا تقاس بفاعلية السارد العليم، وفاعلية الشخصية التي تحكي قصّتها أو قصة غيرها، رغم تأثرنا بالمشهد السردي المحبوّك والمؤّثر الذي بناه مؤلف الرواية  لتمرير رؤيته للحياة المستقبلية للإنسان العربي المربوط بحضارتين وثقافتين مختلفتين فلا هو بالشرقي ولا هو بالغربي فأمسك العصا من الوسط.

باختصار كانت الرواية تبحث عن الهوية وسط عبث عالم تداعت رموزه وقيمه، كما كانت تبحث عن سرّ الازدواجية في الشخصية العربية ومظاهر الاغتراب الموجودة فيها.

 ورغم كون النص نسيج سردي يملك سلطة لغوية مهيمنة في فضاء القراءة كثرت فيها الرموز المشعّة المتعدّدة التأويل ، إلى أن هذا ما يفتّش عنه المتلقي الذي فعّل سلطة الرغبة في الكشف والتأويل ، ورغم قدم الرواية فمازالت تطبع وتقرأ قراءات مختلفة ، نظرا لكثافة الدلالات التي تأسرك ، وما تملك من آليات استطاع بموجبها الكاتب تحريك شجون الرغبة عند المهتم بالتحليل النصي .

ومن يقرأ رواية الموسم يكتشف أشياء جديدة لم يكتشفها بعد متعلقة بالوجود والكون والإنسان والسياسة والمجتمع بما فيها العلاقات الإنسانية والدولية وعلاقة الشرق بالغرب، وكلما دعت الضرورة إلى قراءتها وأحيانا الرغبة الملحّة في اكتشاف أغوارها، يكتشف شكلا آخر ودلالة أخرى ورؤية لم يسبق الوصول إليها عند أوّل قراءة ، وكأن النص تحول إلى كائن علوي مجنح  ، يعيش في عالم مفارق لا يلامس الأرض . لأن النص مكتنز بعلامات سردية تساهم في بناء صيرورته المتجدّدة وتفجّر من جانب آخر مدلولات موازية  تتحكّم في النص وتستدعي التأويل.

ولهذا فأنا أذهب إلى أن" قوة كل نص هي في حجبه ومخاتلته لا في إفصاحه وبيانه، في اشتباهه والتباسه لا في أحكامه أو إحكّامه، في تباينه و اختلافه لا في وحدته وتجانسه... وكلما ازداد الحجب ، ازداد إمكان الكشف وتنوّعت احتمالات القراءة"

هذا هو النص الأدبي الذي يملك سلطة على القارئ هي سلطة دلالية مؤسسّة و موجّهة للمعنى النصّي .

 و المتأمّل للمسار السردي العربي يجد روايات كثيرة سبقت " الموسم" نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر رواية "عصفور من الشرق" لتوفيق الحكيم.

ثم بعد حقبة من الزمن جاءت رواية " الحي اللاتيني" لسهيل إدريس  ، و كلّها روايات باهتة بلا هويّة روحيّة ، و تكاد لا تخرج عن الفضاء التقليدي العتيق الذي يتّسم بالثبات و المراوحة لأن هذه الروايات افتقرت إلى الرّؤيا، و مالت إلى الخطّية التي لا تختلف كثيرا عن الخطية في سرد الأحداث كما وقعت ، كما كانت شخوصها هامشية أو مهمّشة تغصّ بملوحة الحياة ،  فيغدو ماء القصّ بدوره مالحا و طافحا فاقدا لمائيته و شفافيته.

و القارئ للروايات السابقة يجدها سردا لحوادث كما وردت ، فهي أقرب إلى السير الذاتية التي ترتبط بالزمان و المكان و تعتمد على الخطّية في سرد الوقائع، من هنا فقدت دلالتها في المستقبل لأنها  أعمال " واقعية" بالمعنى الشائع للكلمة ، أي الاقتراب من الواقع العادي و أحداثها تتكرر المئات المرّات ، كما استخدمت اللغة وفقا لدلالاتها المألوفة و هذا نقيض للخطاب السردي المعاصر الذي يفرغ الكلمة من معناها العتيق و يشحنها بدلالة جديدة ، تحمل طاقة ترميزية متعدّدة الدلالة مثلما نجد في رواية " الموسم" فعظمتها لم تقتصر على نقل الأحداث و الوقائع كما  وقعت، بل ساهمت بإضافة جديد ما يعبّر عن رؤيا تشمل الحياة ككل ، لأن الكاتب لم يعتمد تصوير عوالم أخرى على أنقاض الواقع الرتيب ، بل أرتكز على الذات و الهوية و التاريخ و اللاشعور ، و مزج بين اللغة الوصفية الحيادية و اللغة الانفعالية التثمينية وفق لغة الاستبطان الذاتي القائم على تقنية الانشطار و التوالد في المحكي و اللغة معا . و قد استطاع الكاتب الوصول إلى هموم الذات العربية في أبعادها الشخصية و الوجودية مستفيدا من مكنونات الذاكرة  و خيبات  التاريخ .

و الفضل يعود إلى الرؤيا التي يمتلكها الكاتب هذه الرؤيا التي أخرجته من الجزئية و أدخلته في الطرح الفكري القائم على كلّية التجربة الإنسانية الغير قابلة  للانشطار.

 و لعل أضعف الأعمال السردية هي الأعمال القائمة على الدقة في نقل الأحداث و ربطها بزمانها و مكانها و مناسبة حدوثها لأنها تفتقر إلى  الرؤيا فكان السرد أقرب إلى الرسم و المحاكاة .

" فالمفروض في النص أنه يعبّر عن و جدان شعب ، و ليس مجرّد تنضيد رتيب لكلمات خالية من أية انفعالات جديدة ، أو إعادة لبناء كون  حدوده معروفة بشكل سابق و لا يضيف تحقّقه أي شيء"

فالعمل الأدبي هو عمل لا يخلوا من طرح فكري ، وعظمة هذا  العمل وبقاءه وتجددّه تكمن في ما يبطّن وراءه من رؤيا لهذا العالم . هذه الرؤيا هي التي تمدّنا بالبصيرة ، و تجعلنا نكتشف ما لم يكتشف.

و ليس بالضرورة أن تكون هذه الأعمال خطّية في نقل الحقائق منطقية في خطابها و في نقلها للوقائع  ، فالخطّية هي الخطأ بعينه. لأن الخطية تكرّر ذاتها و تكرّر غيرها بدون إضافة جديد ما.

فالأحداث الصغيرة لا معنى لها إلا إذا قامت على كلية التجربة الإنسانية.

فالخطاب السردي المعاصر تجاوز السطح و النقل المباشر لمعطيات الأشياء و أتّجه إلى العمق و الغوص في جوهر الأشياء ..  أي أن نغوص في الأشياء وراء ظواهرها.. فالمعنى الجاهز و التعابير المعلّبة الجاهزة  ، و المعطيات المتوفرة تعتبر أشياء مستهلكة  أكلتها الألفة و العادة، فلا قيمة لها لأنّها دخلت في التكديس و " التكديس لا يبني حضارة حسب مقولة مالك بن نبي "

وكم جرت العادة في أيامنا هذه أن نتخفّى وراء وابل من المصطلحات النقدية  والمفاهيم والمقولات المستهلكة باسم علمية الأدب  أو علمية النقد  ، وقد تحول هذا إلى كابوس مزعج أرهق كاهل الطلبة ، وكلّ هذا يعبّر في حقيقة الأمر  عن تصحّر فكري ، يزحف بلا هوادة  في جمع هذه المصطلحات  وتكديسها في بحوث نظرية تفتقر إلى المرجعية  والتشخيص .

"و القيمة الحقيقية للنقد الجديد الوصول إلى حقائق لم تكن متوقّعة منذ البداية ، فالكشف عن خطاطات موجودة بشكل سابق في النص ، أو تعيين أشياء لا دخل للذات القارئة فيها لا يمكن أن ينتج عنه شيء ذو قيمة حقيقية ، فالنص في هذه الحالة يفقد هويته لأنه لن يكون مصدرا لأي متعة. إن المتعة في البناء لا في المعطى الجاهز "

لقد دأبت الأعمال التراثية على الرسم من الواقع ، وتكاد تكون الأعمال الإبداعية رسما أو مشهدا يستمدّ حقيقته من الواقع المعاش ومن هنا تحولت  الصورة إلى تشبيه أو استعارة وهي في العادة تشبيه حذف أحد ركنيه ، فتحوّلت على مدار الزمن إلى الثبات آو التحجر لأنها التصقت بالمعنى الخارجي الذي ارتبط بحادثة معينة أو زمان معين ،وبمجرد مرور الحادثة ، تمرّ هذه القصيدة أو النص في طي الماضي .

كذلك الروايات التي اعتمدت على المعطى الجاهز تحوّلت إلى مجرد وثيقة تسجّل لفترة زمنية معينة وتنتهي بانتهاء تلك الفترة.

تحضرني رواية " بان الصبح " أو"نهاية الأمس " أو"غدا يوم جديد" للروائي الجزائري عبد الحميد بن وهدوقة .

الذي يقرأ هذه الراويات كأنه يقرأ رواية واحدة لا تخرج عن نمط زمني مقسّم بين  الماضي والحاضر والمستقبل الماضي زمن الاستعمار والإقطاع و الظلم والحاضر زمن الحرية والاشتراكية والثورة الزراعية .

-      درامية الرواية وتفعيلها يظهر من خلال العائق الموجود بين الخير والشر وتغلّب نزعة الخير في آخر المطاف .

إن نزعة المنطق الخطابي والأفقية في تناول الأشياء تجعلنا ندور في مشاهد مستنسخة مكرّرة ، كما تجعل السرد تقريريا ذو غاية خارجية محدّدة ، لا تصل إلى جوهر الأشياء ، بل تتناول ظاهرها وما الظاهر إلا ظلّ للباطن ،فنحن نبحث على النسخة وننسى الأصل .

" لقد كان هناك دائما إحساس  بأن الظاهر يخفي شيئا وراءه وأن النسخة لا وجود لها إلاّ في ارتباطها بأصل يبرر وجودها وأن المتحقّق جزء من مثال لا يمكن إدراك سرّه ، والمعرفة ذاتها لا يمكن أن تقود إلى جوهر الأشياء ، إنها سبيل إلى العرض والزائل والمتجدد ، أما الجوهر فسر من أسرار الكون وهذا ما جعل الناس يتغنّون بالأصل في كل شيء في العرق والأفكار والمعدن والآلات وغيرها "  .

-   إن الرواية الحكاية ، أو الرواية الأحجية هي رواية لا تعكس شيئا ولا توحي بشيء لأنها مقيدة بالواقع ، فتحوّلت إلى ظاهرة مستنسخة مكررة مبتذلة ومألوفة . بينما الرواية يجب أن تكتشف وتعرّي ما لا يقدر بصرنا الوصول إليه .

" لأن النص السردي القصصي ليس صورة تحاكي الواقع المرجعي ، حتى عندما تكون حكايته حكاية عن الواقع ، ذلك أن النص خطاب لغوي أي نظام من العلامات دال ، ومن ثمّ مفارق لواقعه المرجعي الذي قد لا يكون موجودا في إدراكنا إلاّ من خلال جسده اللغوي "

-   إن النص الروائي لا يتشكّل من المعنى المباشر كما يرسمه المشهد السردي وإنها يتشكل من " الرؤيا" فالرؤيا هي ذاكرة الخطاب والكتابة ،وعلى ضوئها تبدأ جدلية السرد والفكر والحاجة إلى الانفلات ،كما نلمس تقنية الانشطار والتوالد في المحكي واللغة معا ، فتكثر الإسقاطات التاريخية ، ويقرأ التراث قراءة تثويرية ، كما نلمس صعودا في مدارج الخيال والتحرر من قيود المنطق.

-   إن الرؤيا هي التي تمدّ المبدع بفعالية مشهديه وبصريّة ،  يتحول السرد معها إلى جهاز التقاط ومراقبة يقظ وذكي ، يساعد في تكثيف السرد وشحنه بالرموز والدلالات ، فلم يستنسخ ولم يجترّ نفسه بل تجعله " الرؤيا " يتجدد ويتوالد باستمرار مفتتحا في كلّ مرّة أفقا جديدا للتأمّل والتخيّل والقول  .

-      فالرؤيا هي المجال الحيوي لأيّ موهبة سردية ، بها يتحوّل النص إلى محفل إبداعي ولغوي يمارس الكاتب من خلاله فعل الكتابة مستسلما لغواية اللغة وفتنتها .

-   لا يجوز إذن أن يكون التمييز بين المعنى والرؤيا خاضعا لمعيار الواقع ، أو معيار الحقيقة والخيال ، بل فيما يصل بصرنا إليه بإزالة الغشاوة عن أبصارنا ويجعل الرؤية أكثر وضوحا وبعدا .

-   والمتتبع لمسار الرواية العربية المعاصرة يلمس هذا التحوّل الذي ينبئ بمرحلة من مراحل التجلّي المعرفي للذات والعالم كما يساهم في توجيه منظور الرؤية ليكون للأشياء بعدها المغاير بعيدا عن النظرة المألوفة للحقائق الخادعة.

-   تستوقفنا رواية " الغد والغضب " للكاتبة المغربية خناثة بنونة وكيف اعتمدت على " الرؤيا  " في تحريك عملية السرد ، وتحويل الإدراك المعرفي للمتلقي في اتجاه جديد ، ساهم في توجيه منظور الرؤية السردية ليكون للأشياء بعدها المختلف.

والعنوان هو أوّل عتبة نصّية تمهّد لمحتوى روايتها ، ولما كان العنوان " بنية صغرى ، تشير إلى بنية كبرى (نص) وبنية النص الكبرى جمالية متخيلة"

أمكننا إدراك الحقل الدلالي الذي سوف تتوسله " الساردة " من خلال " موضوعة " العنوان بحيث لا تخرج عن معجمية الغضب  والتمرد والثورة من أجل غد أفضل ، ومستقبل حالم للمرأة المطحونة التي تغالب الزمن بشيئ من القلق والمخاطرة والتوجّس والألم و" خناثة بنونة " في عالمها المتخيّل ، مسافرة ، مغامرة في أعماق الذات ، في المتاهات ، وفي العوالم الباطنية لا المتناهية تتراوح الساردة " هدى " في أجوائها بين شخصيات متناقضة محسن ... سعد ... الساردة.. هدى ...الأستاذة ... سلمان ... في لقاء وحوار وإنصات ، لا ينقطع عن الذات ، وعن عالمها التخيلي ، وفق لعبة الضمائر ، ولعبة المرايا المتقابلة ، تؤشّر على إنفتاح جديد ، يشترك فيه الفكر مع الفعل ، والتجربة الحياتية مع التجربة الكتابية من خلال استدعاء النقيض الغائب مع استثمار بارع  للتأويلات وتحفيز متمكن للعناصر (الغائبة ، الحاضرة ) على أساس التماثل تقول الساردة " هدى" ..

"......الأستاذة تتحوّل إلى أستاذات وأساتذة ، والأساتذة إلى تنظيم ، والتنظيم إلى زمجرة والزمجرة إلى حياة......الحياة تخرج من فمي في صياح ،وأنا أحملق في الأرض والسماء .. الحرية ......؟ الحرية....؟الأب كان حرّا بالوهم ، وأنا أريد حرية مطلقة ، وهؤلاء يريدون حرية موضوعية .. القبر الموت ، الأب قد ولّد موته الحياة في عروق التربة ، والى أين ....؟ الفوضى والضرب والمقاومة ، والعروق تتفجّر في الأرض والناس لو كان الأب حيا ، فما الحرية التي كان له أن يطالب بها ....؟ الحرية قيمة ، والعبد من يخنقها ، أو يلهو بها . فحريتي .....أين هي ....؟ الأضلع تتفجر في الزمجرة ولترحل أنت يا سلمان ، وأب يخدم موته الحياة غير ميّت .الأبنية والأقواس ، والأوسمة والهياكل في خطر ...وشخص لا يغضب ، يجب أن يقبر .....سلمى على الاكتاف ، وغضبها سيفجر الغد للجّموع ....."

التنظيم الثوري ، الصراخ ، التمرّد ، الغضب  هو المنقذ الحقيقي لحياة الساردة هدى التي أرادت من خلال الرؤية الفكرية العامة ومنظورها للأشياء من حولها أن تغيّر المحيط ، وتزيل غشاوة العين التي أخفت الحقيقة ، وسلبت المرأة حريتها ، فالصراخ هو الحياة ، والصمت هو الموت ، وإذا التزمت المرأة الصمت تجد البديل في صراخ اللغة .

-   حين نصغي لهذا النص و نستشعر ذلك الإيقاع السريع والمتحرّك حين يحضر الفعل لكسر الجمود والركود ويعيد تشكيل اللاتوازن ،هذا الصياح والصراخ هو صوت الإنسان المقموع ، صوت الساردة المتبرم من الوضع المتحجّر ، ومظاهر التهميش والإلغاء . غير أننا وجدنا بعض اللذّة في ذلك كون الصّياح دليلا على الوجود والحياة، فالصياح حين يتوحّد ويتصاعد يصبح ثورة وأداة للتغير يغير من وضع المرأة ومن نظرة الناس إليها ويحقّق لها الحرية التي تطمح إليها.

ما نلاحظه في هذه الرواية ، هو تسلح الكاتبة " بالرؤيا " وهي طاقة كامنة في الرواية سمحت لحركية السرد عندها بالتغيّر والمرور والتجدّد حين استطاعت أن تقبض على الكون بأسره بعيدا عن الحادثة المتمثّلة في الواقع.

هذا ما يظهر جليا في سرد "خناثة بونة" ومشهدية مقطعها السردي للطالبة هدى وهي في المطعم الجامعي حين استوقفتها فكرة " القضم " .

"...... تطمرني الأصوات المستهزئة والضجيج المعدني في لعبة الشباب القطيع ....جريت .....جريت ...أرفض ان أكون أية واحدة في أي قطيع مهيأ لقضم ما ، من أسنان الشباب أو أسنان الحياة ، أفرّ.... ،أفرّ ....الحياة تلاحقني ...... الأسنان تولد من كل شيء ....الضجيج والسكاكين القضم، النهم .... الحكم الأبيد ... لتسقط الشارات والأوسمة وقاعة الأضراس المغلوبة، وأنا.... الطنين .... العالم في الطنين والطنين في الأسفلت ، والحياة تفيض على المساحات والأبعاد .... والمطعم في كل زاوية ... ومن الزوايا تطلع الأضراس ...وكل ضرس ينهش لحمي .... الأضراس والأفواه.... والقضم هو الحياة ....وكل فم ضدّي ....."

-   إن الذي يستوقف في هذا المقطع تلك الملفوظان الدالّة، مثل :القضم ، ينهش ، الأضراس ، الأفواه ، الأسنان .... وكأن الساردة (هدى) وقعت في رمال متحرّكة ، وسط صحراء مهلكة ، يستحيل النجاة منها فمحيطها الذي وجدت فيه لا يعرف إلا القضم ....

وكأنا بالساردة ، ومن ورائها مؤلفة الرواية تعرف حيرة المرأة ، وتدرك عمق معاناتها.

لقد أرتكز المشهد السردي على فعل "القضم " الذي أسهم في إعطاء تلك الصور المناسبة التي طعّمت المشهد بدفقة تخيليه زادت المعنى قوة وعنفا ، فالأفواه مفتوحة ، وكل شيء معد للقضم سلفا ، فلا سبيل للنجاة أو الخلاص

" والقضم " هنا مؤشّر لفظي يكرّس فكرة البقاء والحياة بل إنه هو الحياة ، ومعنى أن تقضم هو أن تعيش ، وتحافظ على بقائك ، واستمرارك وإلا كان القضم هو الموت والهلاك والكاتبة بين هذا وذاك ، تمارس طقوس التعرية الفكرية والنفسية ، باستدعاء الوجهين كليهما وصولا إلى جوهر فكرتها الواقعية " أن تكون لك أسنان "

ما يلاحظ على " خناثة بنونة " مزجها بين العالم الخارجي ، وتماثله مع عالمها الداخلي أثناء فعل الكتابة ، حيث يولّد الرؤية من تقابلات الأشياء وتناقضاتها أحيانا ذلك أن " الكتابة قراءة يطلّ منها الغائب والممتنع ، وما لم يفكر فيه ،والهامشي والمنفي ،وما لم يتخلّق جسدا على المحتمل والممكن والكائن من غير ابتداء ،والصائر من غير انتهاء

-  إن محاولة استقراء إشارات النص بحثا عن الذات الساردة " هدى " تسقط جميع المبرّرات الأخرى التي تجعل المرأة متقاعسة في طلب حقّها أو متخاذلة عنه تحت طائل العادات والتقاليد ، وقسوة المجتمع الفحولي الذي لا يعترف بحق المرأة وحريتها .ومن هنا تطالب المرأة ب" الأسنان " التي تنهش من يعترض سبيلها .

-     فهاهي الساردة " هدى " بعد أن إعترضت سيبلها تلك الأفواه الفاغرة المهيأة للقضم ، تقول :

".... لا مفر ... لا مفر يا أفواه الحياة ، ويا فمي .... الطنين المعدني في قاعة الأكل يخفت ، ولكنّه يخلف لّي أسناني ، تطاحنها احتياجها لما تقرضه فتحقّق في إفتقارها انتصار شرعية الحياة ، فأنا ذلك المطعم  بأكمله ...بأصوات الدمار ، وسرمدية الافتقار..... بكل تلك الأفواه المسلّطة على الصحون والمدى والمخالب ..... وكل تلك المفاهيم المجتمعة في مفهوم واحد كلّ يأكل كله أوبعضه .... فأولئك يأكلونني ..... وأنا آكلهم فيما هم يأكلونني ،ومن يحيا ، يجب أن يأكل : طبقه أو مرافقه أو عضوه

على غرار هذه النسيجية ، تقدم الصورة المشهدية حتمية المواجهة التي يفرضها حب البقاء ،وضرورة المقاومة ،حيث المؤشّر الدلالي المباشر يتحول إلى مدلول آخر غير مباشر " ....الطنين المعدني في قاعة الأكل يخفت ولكنه يخلف لي أسناني ..." أصبحت الدلالة السردية تلميحية وإيحائية يستشفّها القارئ من وراء السطور .

إن " الرؤيا " التي توظّفها " الساردة " ومن ورائها مؤلفة الرواية ساعدت في تثوير الأشكال والأفكار وحملها من الواقع إلى المتخيّل فالأفواه المفتوحة آكلة أم مأكولة لا بد من فم وأضراس وكل شيء يمكن أن يتحوّل إلى أضراس ناهشة .. السكاكين والأدوات الحديدية  وغيرها ....، ومن هنا استطاعت الكاتبة أن تجد المعادل الفنّي للقضم وهو الحياة ، فمن أجل أن تحيا ، يجب أن تقضم ومن أجل أن تقضم يجب أن يكون هناك أضراس "،والنتيجة النهائية التي لا مفرّ منها .. أن الحياة هي الفهم ،والأضراس والأكل .

فحيز الصدام والتفاعل والردّ والتحول هو رؤية المرأة في تفاعلها مع محيطها الذي يلزمها بالمقاومة ،كما يلزم المرأة المبدعة أثناء فعل الكتابة ،أن تحافظ على المسار المتصاعد ، حين يتعلق الأمر بوجود المرأة وكرامتها ، وأن تستنهض الطاقة للحركة والتجدّد ، من خلال التكثيف العالي لإيقاع الذات ".....أنا ذلك المطعم بأكمله ...." أنا آكلهم ..." "..... اضغطي يا أضراسي ...."وتكرار ضمير "أنا بتوهجه " الذي يحضر ، باعتباره تقنية توظف دلاليا لتعزّز الفعل ، وتؤكد على فاعله "  وليس غريبا  هاهنا أن نلمس حركية الأفعال والوقائع وامتدادها  في عالم الأفكار والأشياء ،مثل تيمة " القضم " التي تتحوّل إلى وعاء يحتضن جملة المشاهد السردية المتناسلة ، فتغدو دلالة " القضم " فيه فضاء عنكبوتيا تشكّل خيوطه هندسة نصّية محكمة بلورت تفاعلات الذات أثناء الكتابة

هذه الحركية تستقطر المعنى وتؤكّده من مؤشر لفظ واحد يسكن جملة ، ليتحوّل إلى مقاطع سردية متتالية تحكم بناء النص في رحم مخاض ثقافي يعزّز الكتابة ، ويدفعها إلى الانفلات ، عن طريق تقنية " الاستبطان " و" التمثل "

فوجود الساردة " هدى " في المطعم وملاحظتها للأفواه المفتوحة والقضم المستمر ، وربطه بالحياة حتى تصل بقولها "..... اضغطي يا أضراسي ...." نتيجة حتمية للبقاء والوجود.

-  إن الإبداع عن طريق " الرؤيا " يحسن تخصيب الجمل السردية التي تحوّل الألفاظ إلى إشارات لغوية غنيّة بالإسقاطات الرمزية الموازية للواقع ، كما يدفع بالمؤلف إلى امتلاك تلك الحركية القائمة على الالتحام باللغة والولوج فيها ،وفق المرتكزات المعرفية للمبدع ،حيث إن الرؤيا والنص يبقى في تفاعل منتج لدلالات جديدة ، تتحوّل فيه المفردة الواحدة إلى نص سريع الانشطار ، يحقق منابع الفيض في الإبداع مثل فعل " القضم " الذي تحوّل إلى دلالة كونية تمسّ الحياة والوجود والكون ، بل تحوّل الفعل إلى فلسفة ورؤيا لا يمكن تجزئتها عن بقية العناصر الأخرى وتحوّل الفعل " قضم " إلى رمز مشحون بالدلالات اللانهائية و كان وقوعه على النص كسيل من المطر المفاجئ ، لا يستجمع .

-     هذه هي " الرؤيا " التي تساعد في بناء النص ، كما تنفذ إلى البواطن لخلخلة المسلمات ، كما تحمل دلالات ليست منتهية التشكيل ومعلومة الحدود .

فالرؤيا هي النواة المتحرّكة التي يبني المبدع عليها نسيج النص ،كما تتحوّل المفردات المرتكزة على وظيفة الشفرات الثقافية أزرارا تستدعي التأويل بينما "المعنى " ثابت  ساكن يفتقر إلى الحركة ، لأن الحقيقة التي يحملها المعنى هي حقيقة الواقع كما وقعت بدون اكتشاف وجه العالم المخبوء ، وهي جزئية منفصلة عما قبلها وما بعدها وكأنّ العالم  مجموعة أجزاء متناثرة مستقلة عن بعضها البعض .

-  إن الأعمال الإبداعية التي تركّز على المعنى تصبح هشّة ضعيفة أفقية في  بنائها مستنسخة لأحداث واقعها ، فتفقد جديدها وجدّتها وتتحوّل إلى رسوم أو أشكال أو مجرّد حكايات تم هضمها سلفا .

-  إن عصر الحداثة وما بعد الحداثة، تحول فيه الخطاب السردي إلى الكشف والرؤيا ، وتمرّد على كل الأشكال والمضامين الموجودة سلفا ، كما تجاوز الظواهر والوقائع كما ارتسمت في الذاكرة التاريخية وحوّلها إلى ما هو أوسع وأعمق .

-  إن عصر " الرؤيا " هو انتقال من فن قوامه الواقعية والخطّية والخطابية المنطقية والحقيقية الموجودة سلفا إلى فن قوامه التساؤل والتغيّر والتطوّر والحرّية والخلخلة لكل المسلمات الموروثة .

-  " فالرؤيا " هي التي تحدّد المواقف المصيرية  عن الزمان والكون ومعضلات الوجود ،  ومن هنا تحوّل الخطاب السردي إلى أنهار جوفية من الدلالات ، كما انفتحت اللغة على أنواع الإشارات لتستوعب أفق الانفتاح والتعدّد والنقد والمساءلة ، و تبقى الحاجة إلى تثوير الأشكال  والأفكار ، وتبقى "الرؤيا " العامل الأكثر فعالية في تثوير الفكر والحساسيات ومن ثم التحويل ..

 

 

تحميل المقال

 

Appel à communication