January 2017
S M T W T F S
1 2 3 4 5 6 7
8 9 10 11 12 13 14
15 16 17 18 19 20 21
22 23 24 25 26 27 28
29 30 31

 

(( الشعـــريـات والخطـــاب ))

 

                                        د/ رابح بوحـوش

                               أستاذ محاضر في اللسانيات والأسلوبيات

 

تنظر المناهج النقدية الحديثة إلى الخطاب (( discours)) على أنه فعل النطق، أو هو فاعلية تقول  وتصوغ في نظام ما يريد المخاطب قـوله من حيث هو كتلة نطقية لها طابع الفوضى ، وحرارة النفس  والرغبة في الحديث عن اللغة باللغة ، لا هو جملة ، ولا هو نص ، ولا هو نظام ، أو قاعدة ؛ إنه الخطاب الذي يمارسه مخاطب يعيش في مكان ، وزمان تاريخي تسود فيه العلاقات الاجتماعية بين المتحاورين ، والمتكلمين .

هذا السلوك اللفظي يصير في المعالجات الشعرية "خطابا" ؛ لارتباطه بفكرة التداولية ، أو الخطابية التي تميّز بها ، فسمّي باسمها ، وهي المسألة التي  حظيت باهتمام علم التواصل واللسانيات التداولية ، وكان لها حظّ في هذه الدراسة التي ترتكز على إبراز وجه جديد للنص ، وذلك بالانطلاق من ثنائية "اللغة والكلام" التي أحكم استغلالها اللساني "فرديناند دي سوسير" ، واعتمدها اللسانيون من بعد ، فدقّقوا في المصطلحين ولونهما بسمات اتجــاهاتهم ، فكانت (( البنية ))، و(( الرسالة ))، و(( الإنجاز ))، و(( النص ))...وغيرها.

 

        ولما كان هذا الخطاب يتميز بهذه المميزات المتفردة بالإضافة إلى كونه جسما ثائرا يلد خارج النظام  ويعمل على تجاوزه ، وخرقه ، وتكسير قوانينه انفلت من المسكة المنهجية على اعتبار المنهج هو مجموعة من الإجراءات ، والقواعد التي يستعين بها الناقد ، أو المحلل كي يفك لغزه ، ويدخل إلى عالمه المجهول ؛ لترويضه ، وتطويعه ، وارتياده ، لكن من دون جدوى ، فلم تستطع المناهج بلوغ غاياتها  وعلة ذلك – بتقديرنا – هو أن الخطاب جسم لغوي زئبقي يشبه السمكة في البحر عبثا تحاول إمساكه باليد ، فهو ينفلت من كل شيء : من المنهج ، ومن سوط الناقد ، بل إنه ينفلت حتى من ذاته ، ومن السلطة ، والأنظمة الجامدة .

 والشعريـــات من حيث هي معرفة لسانية ، ومنهج في التحليل تحاول التواصل مع الخطاب  ،فكيف نظرت إليه ، وتعاملت معه ؟ .

المبحث الأول – مفـهــوم الشعـريــــات .

        الشعريات جزء لا يتجزّأ من اللسانيات ، وهي العلم الشامل الذي يبحث في البنيات اللسانيـة(1).

بدأ الاهتمام بها مع "جاكبسون" ونظريته اللسانية التواصلية التي اهتدى فيها إلى مفهوم "الرسالة" ، وما يمكن أن تولّده من دلالات كالوظيفة الشعرية التي تكون فيها الرسالة غاية في ذاتها ؛ لأنَّها العمل الفني المعني بالدراسة(2).

        والشعريات « poétics » مفهوم حاول اللسانيون  والنّقاد  العرب نقله إلىالعربية ، فاختلفوا، ولم يتّفقوا على تسميته تسمية واحدة ، من ذلك أنّ بعضهم سمّاه : "الإنشائية" ، أو "الأدبية" ، والبعض الآخر سمّاه "الشعرية" ، وهناك من أطلق عليه مصطلح "الشاعرية"(3)، فمزّقت هذه الاختلافات جوانب العلم  وأضاعت الغاية المرجوّة ، فاختلف القرّاء في فهم كنهه ، وأعرض عنه المبتدئون.

        أمَّا نحن فننظر إلى « poétics » على أنّه مفهوم لساني حديث يتكوّن من ثلاث وحدات :« poeim » ، وهي وحدة معجمية : "lexeme" تعني في اللاتينية "الشعر" أو القصيدة ، واللاحقة « ic » وهي وحدة مرفولوجية « morphème » تدلّ على النسبة ، وتشير إلى الجانب العلمي لهذا الحقل المعرفي ، واللاحقة « s » الدالة على الجمع.

هذا مستوى من مستويات التفكيك ، وتركيبها يعطي : علوم الشعر « sciences du poésie » ، ولمّا كان الذوق العربي قد تعامل مع ما يشبه هذا الضرب من المصطلحات ، واطمأنّ إلى أسلوب نقل أصحابها ، واستأنس إليه ، فإننا نقترح - انطلاقا من هذه المسوغات- تسمية « poétics » بالشعريات  خدمة للقارئ العربي ، والثقافة اللسانية والنقدية ، وتماشيا مع الذوق العام ، وخصائص اللغة العربية .

ويبدو أنّ مردّ اختلاف اللغويين العرب في النقل والتعريب هي المنطلقات الفلسفية ، والمدارس التي ينتمي إليها كلّ دارس أو باحث. وهذا يعود إلى طبيعة "الشعريات" نفسها التي تغيّرت أوجهها ، واختلفت بحسب نظرتها إلى (( الخطاب )) .

أ - شـعـريـــات أرسـطـــو والخطاب .

        لقد عدّ "تودوروف" كتاب أرسطو "فن الشعر" كتابا في نظرية الأدب ، وهو برأيه استثناء جميل وصفه بالإنسان الذي خرج من بطن أمّه بشوارب يتخلّلها المشيب ، وهي إشارة لطيفة إلى "شعريات" أرسطو التي تميّزت بمواصفات العلم بمقياس الشعريات الحديثة، وإلى موضوعها الذي كانت تنطلق منه  وهو الفعل الشعري .

ب - شـعـريـــات العــرب والخطاب .

        حاول الدكتور محمد لطفي اليوسفي البحث في الشعريات العربية من خلال كتابه القيّم :"الشعر والشعرية"(4) ، فذهب إلى أنّ الفلاسفة والمنظرين العرب قد نظروا في النص من منظار بياني ، فنظروا لفعل الشعر وانشغلوا به ، فجاءت مباحثهم تنظيرا للشعريات بعدّها صفة للشعر لا ماهية ، ومعنى ذلك أنّهم نظروا في النص القديم من حيث وظيفته التي تفي بحاجات وجودهم.

وتبرز قيمة هذا العمل في كونه محاولة لقراءة منجزات الفلاسفة والمنظّرين العرب في الشعر والشعريات ،وهو عمل غايته الإسهام في تأصيل الكتابة النقدية.

جـ – شـعــريات "بـــول فــاليــري" والخطاب .

        الشعر - عند فاليري- لعبة ، طقس ، دين ليس له من هدف معيّن أو محدّد ، فهو القانون الخاص لذاته ، وهو غايته الخاصة. وهذه إشارة واضحة إلى الخصائص النوعية للأدب باعتبارها شكلا مطلقا منها. وقد بحث "فاليري" عن علم مناسب لهذه الموضوعات ، فاهتدى إلى "الشعريات" ، وهي عنده تحمل دلالتين :

1 -  الشعريات عنده مفهوم بسيط مشتق من فعل « poéim » ، وهي اسم ينطبق على معناه الاشتقاقي ، أي هي فضاء لكلّ ما له صلة بإبداع كتب ، أو تأليفها ، حيث تكون اللغة في الوقت نفسه هي الجوهر والرسالة، ومن ثمّة فالشعريات لا تعني مجموعة من القواعد والمبادئ الجمالية ذات الصلة بالشعر، وإنَّما هي دراسة للخصائص النصيّة .

2 - الشعريات عنده مرتبطة بالاستعمال العام ، فهي ليست عالقة بمجموعة قواعد ، ولا بفن الشعر.

د - شـعـريــــات "جاكبســـون" والخطاب .

        الشعر عنده لغة في سياق وظيفتها الجمالية ، وموضوع علم الأدب ليس هو الأدب ، ولكن الأدبية ، وهذا يعني أنّ موضوع الشعريات هو الأدبية، أي آليات الصياغة والتركيب؛ لأنَّ الشعر هو تشكيل لكلمة ذات القيمة المستقلة في سياقاتها التعبيرية.

كان لهذا الطرح تأثير كبير في كلّ من ألمانيا ، وأنجلترا، وأمريكا ، وفرنسا، حيث تبلور مفهوم الشعريات وتطوّر ، ولعلّ من أبرز إفرازاته ظهور التيار البنوي الفرنسي الذي كانت اهتماماته مركّزة على كيفية قراءة النصوص باعتبارها بداية جديدة للمرموز الذي صاغ ذلك الأثر.

وهكذا فملامسة النص لا تكون من طريق الرؤية ، وإنَّما من طريق الكتابة والقراءة ؛ لأنَّ القراءة - عادة - ما تتوخَّى تشهيا للنص ، وعشقا للأثر الأدبي.

هـ – شــعـريــات "تـودوروف" والخطاب .

        يتبنَّى "تودوروف" تعريف "فاليري" ، فيذهب إلى أنّ الشعريات ترتبط بكل الأدب (منظومه ومنثوره). غير أنَّ شعريات "تودوروف" لا تتأسس على النصوص الأدبية باعتبارها عينات فردية ، إذ لا يهمّها الأثر الأدبي في ذاته بقدر ما يهمّها الخطاب الأدبي ، ليس بعد حضوره زمنيا ولا فضائيا ، أي هي اتّجاه يتأسّس موضوعه على قاعدة المفهوم الإجرائي.

وهكذا فشعريات "تودوروف" بنوية تهتم بالبنيات المجرّدة للأدب ، وتتّخذ من العلوم الأخرى عونا لها ما دامت تتقاطعها معها في مجال واحد هو الكلام.

ويبدو أنّ البلاغة من أكثر المعارف اتّصالا بالشعريات؛ لأنّ كليهما يشتغل على  الخطاب وخصائص الخطاب الأدبي ، ومن هنا فهي تهتمّ بالأثر الأدبي بعده تجليا لبنية مجرّدة عامة. الأثر الأدبي فيها هو إمكانية من الإمكانات التي تسمح بوصف الخصائص العامة.

و- شعريــات "كمال أبــو ديــب" والخطاب .

        يرى الدكتور كمال أبو ديب أنّ كلّ تحديد للشعريات يطمح إلى امتلاك درجة عالية من الدقّة والشمولية ، ينبغي أن يتمّ ضمن معطيات العلائقية ، أو مفهوم أنظمة العلاقات ؛ لأنَّ الظواهر المعزولة كما أكّدتها الدراسات اللسانية لا تعني ، وإنَّما تعني نظم العلاقات التي تندرج تحتها هذه الظواهر ، ومن هنا فلا جدوى من تحديد " الشعريات"على أساس الظاهرة المفردة كالوزن والقافية، والإيقاع الداخلي ، أو الصورة ، أو الرؤيا ، أو الانفعال ، أو الموقف الفكري أو العقدي ؛ لأنَّ أيّا من هذه العناصر في وجودها النظري المجرّد عاجزة عن منح اللغة طبيعة دون أخرى، ولا يؤدى مثل هذا الدور إلاَّ حين يندرج ضمن شبكة العلاقات المتشكّلة في بنية كليّة.

انطلاقا من هذا المبدأ الجوهري لا يمكن أن توصف الشعريات عند كمال أبو ديب إلاّ حين يمكن أن تتكوّن أو تتبلور، أي تتشكّل في بنية كليّة. ومن ثمّة فالشعريات عنده خصيصة علائقية ، أي أنّها تجسّد في النص شبكة من العلاقات التي تنمو بين مكوّنات أوّلية بنيتها الأساسة أنّ كلاّ منهما يمكن أن يقع في سياق آخر دون أن يكون شعريا ، لكنّه في السياق الذي تنشأ فيه العلاقات ، وفي حركته المتواشجة مع مكوّنات أخرى لها السمة الأساسة نفسها يتحوّل إلى فاعلية خلق الشعريات ، ومؤشر على وجودها.

إنَّ الشعريات التي يحاول "كمال أبو ديب" أن يقيمها هي وظيفة من وظائف الفجوة أو مسافة التوتر ، وهو مفهوم لا تقتصر فاعليته على الشعريات ، بل على أساس في التجربة الإنسانية بأكملها.

وبناء عليه فالشعريات عنده هي إحدى وظائف الفجوة ، أو مسافة التوتر ، ومعدن هذه الرؤية الطريفة هو الانطلاق من أن المادة الوحيدة التي يطرحها النص الشعري للتحليل هي لغته ، هي وجوده الفزيائي المباشر على الصفحة أو في الفضاء الصوتي ، ومن هنا كانت الإمكانية الوحيدة لتحليل الشعرية في النص هي اكتناه طبيعة المادة الصوتية والدلالية،  أي نظام العلامات. والظاهر أنّ شعريات كمال أبو ديب - وإن كانت تنطلق من النص الشعري - تتقاطع مع التعريفات الحديثة التي تحاول إحياء مفهوم البلاغة ، تدمج الشعريات ضمنه باعتبارها تحليلا لتقنيات التحويل  مع التمييز الدقيق بين الأنواع والمواضيع ، ومعرفة الطرائق الكلامية المميّزة للأدب من حيث تكون الشعريات عند أصحاب هذا التيار الحديث هي المعرفة الشمولية بالمبادئ العامة للشعر بعدّه أنموذجا للأدب ، وهو الاتّجاه الذي ارتداه "جنيت" ، فذهب إلى أنّ الشعريات في أحد معانيها بلاغة جديدة.

وهكذا فللشعريات دلالات كما وردت في لغتها الأصلية منها : أنّها كلّ نظرية للأدب ، أو الاختيار الذي يقع عليه مؤلف أدبي (شاعرا كان أم ناثرا) وذلك باعتماد طريقة معيّنه في الكتابة ، أو اصطناع أسلوب معيّن في التعبير. أمَّا موضوعها فهي تهتمّ بالإحالات والشفرات المعيارية التي تتّخذها مدرسة أدبية مذهبا لها كجملة القواعد الفنيّة العلمية التي يصبح استخدامها إجباريا(8). هكذا أقامت الشعريات من حيث هي معرفة لسانية حوارها مع الخطاب ((9 ))  من خلال بنياته الأدبية ، ولغته المثيرة ، وخصائصه العامة .

المبحث الثاني - مــجـــال الشــعـريـــات :

        لقد ساد في البدء بين الناس أنّ الشعريات موضوعها الشعر ، والشعر فقط ، أي ذلك الجنس الأدبي المعروف ، لكن تطوّرات هذا المصطلح ودلالاته على الإحساس الجمالي الخاص النّاتج عن القصيدة جعله يرتبط بالعاطفة أو الانفعال الشعري، ثمّ دلّ مصطلح " الشعر" على كلّ موضوع خارج عن الأدب ، أي كلّ ما من شأنه إشارة الإحساس ، فاستخدمت في الفنون الأخرى: شعر الموسيقى ، شعر الرسم ، والأشياء الموجودة في الطبيعة(10).

ومن تلك الفترة - كما يرى كوهين - لم يتوقّف مجال هذه الكلمة عن التوسّع حتَّى أصبحت تحتوي اليوم شكلا خاصا من أشكال المعرفة ، بل بعدا من أبعاد الوجود(11).

والملاحظ أنّ كثيرا من الدراسات الشعرية تتّخذ محورا لها الحديث عن طبيعة اللغة الأدبية ، وخصائصها باعتبارها ملتقى نظريات الخطاب المعاصر(12).

        وقد ذهب "تودوروف" إلى القول : "ليس العمل الأدبي في حدّ ذاته هو موضوع [ الشعريات] إذ ما تستنطقه هو خصائص هذا الخطاب النوعي الذي هو الخطاب الأدبي"(13).

وبناء عليه ، فالشعريات - كما يرى تودوروف - جاءت لتضع حدّا للتوازي القائم بين التأويل ، والعلم في حقل الدراسات الأدبية ، إذ  "هي بخلاف تأويل الأعمال النوعية لا تسعى إلى تسمية المعنى ، بل إلى معرفة القوانين العامة التي تنظم ولادة كلّ علم ، ولكنّها بخلاف هذه العلوم التي هي علم النفس ، وعلم الاجتماع (..) [وغيره] تبحث عن هذه القوانين داخل الأدب ذاته [فالشعريات] إذن مقاربة للأدب مجرّدة وباطنية في الآن نفسه"(14)، وهي "الكليات النظرية عن الأدب نابعة من الأدب نفسه وهادفة إلى تأسيس مساره ، فهي تناول تجريدي للأدب مثلما هي تحليل داخل له"(15).

 

المبحث الثالث - صــلــة الشعـريــات بالمعــارف الأخرى :

        إنَّ صفة امتزاج الاختصاصات وتداخلها أمر إيجابي ؛ لأنَّ المعارف عندما تتقاطع تخصب  فيحصل التعاون والتكامل بينهما، والشعريات اختصاص ممّا تقاطع مع حقول معرفية أخرى كالأسلوبيات ، والسيميائيات ، واللسانيات التداولية ، فأخصبت فروعا جديدة كانت مهمّة ، وعونا على اكتناه أسرار الظاهرة الغوية عموما، والخطاب خصوصا.

أ - الشعريــــات والأسـلـوبـيـــات :

        يذهب الدكتور الغذّامي إلى أنّ الأسلوبيات تركز على اللغة لذاتها ، لا لما تحمله من دلالات ؛ لأنَّ ذلك من الممكن إبلاغه بطرق كثيرة غير طرق اللغة الشعرية ، وذلك أنّ الشاعر ليس شاعرا لما فكّر فيه  أو أحسّه ، ولكنّه شاعر لما يقوله من شعر(16)، ولكنه يشير في سياق آخر إلى الصلة بين المعرفتين ، فيقول : "وتتّخذ الأسلوبيات مع الشعريات ليتظافرا معا في تكوين مصطلح واحد يضمّهما ويوحّدهما ، ثمّ يتجاوزهما ، وهو مصطلح الشعريات" (17).

والظاهر أنَّ المصطلحات الكثيرة قد تداخلت على صاحب المقال ، فصار لا يميّز بين بين المعارف وحدودها ؛ لأنَّ الشعريات - كما يبدو - قد نشأت في صلب المدارس النقدية التي تقاطع بعضها مع بعض مسالك البحث الحديث ، فأخصبت الشعريات(18).

وقد أرجع الناقد "كابا فنس" التداخل بين الشعريات والأسلوبيات إلى اهتمامهما - في الفترات الأخيرة -  بالأسلوب ،ومفهوم الانحراف ، وفكرة الجنس ، فهو على الرغم من أنَّه حاول أن يفرّق بين أسلوبيات شارل بالي التي كانت تهتم بالتعبير عن العواطف في اللسان دون الاعتناء بالآثار الأدبية وأسلوبيات "ليو سبتزر" التي عمدت إلى دراسة أسلوب الكتاب،  ونظرت إلى الأسلوب على أنَّه "انحراف نسبة القاعدة التي يكونها اللسان المعاصر ، فتطوّرت الأسلوبيات حتَّى وجدت نفسها معنية بالأسلوب ، ومفهوم الانحراف ، والجنس الأدبي ، والخطاب ، فتقاطعت مع الشعريات التي كانت تقوم على دراسة هذه الموضوعات خصوصا ذلك المسمّى بالأسلوب الشعري الرمزي ، والأسلوب النثري ، كما فعله "جان كوهين"(19).

ولكن وجب على النقاد الذين يتبعون هذا المسلك - وهو الإيمان بامتزاج الاختصاصات- التزام الحذر  واعتماد الدقة في التفريق بين الحقول المعرفية ، وعدم الخلط بين حدودها. وهنا نشير إلى أنَّ الدرس اللساني يفرّق بين الشعريات والأسلوبيات من حيث حدودهما العلمية وطبيعتهما ، ذلك أنّ الاتجاه الشعري يظلّ متصلا بمنظار منهجي لا يبحث عن الصفة المميّزة للأسلوب ، ولا يدرس الخصائص المميّزة للعلامات إلاّ داخل منظومة الأثر ؛ لأنَّ هذه الأعمال من مشمولات الأسلوبيات ، وذلك هو الفرق بينهما

(20).

وعلى أساس هذا الفهم عرف الشعر بأنّه نوع من اللغة ، وعرفت الشعريات بأنّها أسلوبيات النوع ، إذ أنّها تطرح وجود لغة شعرية تعتبرها واقعة أسلوبية ؛ لأنَّ الشاعر لا يتحدّث كما يتحدّث الناس جميعا  بل إنّ لغته شاذة ، وهذا الشذوذ هو الذي يكسبها أسلوبا(21).

ب- الشـعـريـات واللسانـيـــات :

        يعدّ اللساني "جان ديبوا" الشعريات فرعا من فروع اللسانيات ، باعتبارها العلم الشامل للبنيات اللسانية(22).. أمَّا تودوروف - في هذا السياق - فيقول :"هذا ما يجرّنا إلى ضبط العلاقات بين الشعريات واللسانيات. لقد قامت اللسانيات بالنسبة لكثير من الشعراء بدور الوسيط اتجاه المنهجية العامة للنشاط العلمي"(23). ذلك أنّ الأدب نتاج لغوي ، ومن ثمّة فكلّ معرفة باللغة ستكون تبعا لذلك ذات أهمية بالنسبة للعمل الشعري. غير أنّ هذه العلاقة ، وقد صيغت على هذا النوع ، لا ترتبط بين الشعريات واللسانيات بقدرما ترتبط بين الأدب واللغة ، وبالتالي بين الشعريات وكلّ علوم اللسان(24).

ومن الملاحظ أنّه مع ظهور اللسانيات التداولية من حيث هي تنظيم غير محالف لعلمي الدلالة والتركيب إلاّ في المستوى ؛ لأنَّها تقوم بجمعها في مستوى ثالث خاص بالسياق المباشر ممّا يجعل اللسانيات التداولية قاسما مشتركا بين بنيات التواصل التركيبي والدلالي والشعري(25).

وتبدو أهميّة هذا القاسم بين الشعريات واللسانيات التداولية من حيث اهتمام كلاهما بالخطاب بعده موضوعا خارجيا يفترض وجود فاعل منتج وعلاقة حوارية مع مخاطب ، وهنا تبرز أهميّة اللسانيات التداولية في ضرورة متابعة تحولات اللغة في الخطاب(26).

ولعلّ أهمية هذه العلاقة يمكن أن تستكشف بصورة واضحة من خلال هذا الطرح النقدي الذي يشير بالقول : "لم يعد بإمكاننا اليوم أن نعالج المسألة الشعرية بمعزل عن المسألة اللغوية، ليس لأنَّ الشعر نص مادته اللغة ، بل لأنَّ ما قدّمته العلوم اللسانية الحديثة من مفاهيم تخص اللغة ترك أثره العميق والمباشر أحيانا على مفهوم الشعر ، وطبعا على الأجناس الأدبية الأخرى"(27).

ويبدو أنَّ المثير في مسألة العلاقة بين الشعريات واللسانيات هي تلك المحاضرة الرائعة التي ألقاها اللساني "رومان جاكبسون" في الندوة متعددة التخصصات بعنوان (اللسانيات والشعريات) بالجامعة الأمريكية "أنديانا" ، وقد ضمَّت لسانيين ، وأنثروبولوجيين ، وعلماء النفس ، ونقاد الأدب.

طرح "جاكبسون" في هذا البحث فكرة العلاقة بين اللسانيات والشعريات، يقول :"لقد طلب مني بغية اختتام أعمال هذه الندوة أن أقدّم نظرة إجمالية عن العلاقات بين الشعريات واللسانيات ، إنَّ موضوع الشعريات قبل كلّ شيئ الإجابة عن السؤال التالي : ماالذي يجعل من رسالة لفظية أثرا فنيا ؟ وبما أنَّ هذا الموضوع يتعلّق بالاختلاف النَّوعي الذي يفصل فن اللغة عن الفنون الأخرى، وعن الأنواع الأخرى للسانيات اللفظية ، فإنَّ للشعريات الحق في أن تحتل الموقع الأوّل من بين الدراسات الأدبية(28)، وذلك يعني - كما يرى جاكبسون - أنَّ الشعريات تهتم بقضايا البنية اللسانية تماما مثلما يهتم الرسام بالبنيات الرسمية ، وربّما أنَّ اللسانيات هي العلم الشامل للبنيات اللسانية فإنّه يمكن اعتبار الشعريات جزءا لا يتجزّأ من اللسانيات(29).

جـ- الشعـريــات وعـلـم التـواصــل :

        تولّدت فكرة العلاقة بين الشعريات وعلم التواصل من خلال الأنموذج التواصلي لدى "جاكبسون" المبني على أساس نظام التواصل القائم على المخاطب المنجز للكلام ،والمخاطب متقبل الرسالة ،والرسالة ذاتها تحتاج إلى سياق، وصلة ، وسنن ، يقول : "إنَّ اللغة يجب أن تدرس في كلّ تنوع وظائفها ، وقبل التطرق إلى الوظيفة الشعرية ينبغي علينا أن نحدد موقعها ضمن الوظائف الأخرى للغة ، ولكي نقدّم فكرة عن هذه الوظائف من الضروري تقديم صوة مختصرة عن العوامل المكنونة لكل سيرورة لسانية ، ولكي تكون الرسالة فاعلة فإنها تقتضي(..) سياقا تحيل عليه(..) وبعد ذلك سننا مشتركا كليا وجزئيا بين المرسل والمرسل إليه (..) يسمح بإقامة التواصل والحفاظ عليه"(30).

وقد انطلق الناقد "رامان سلدن" من هذا الأنموذج التواصلي فطرح مسألة التأثير وتأثر الأعمال الأدبية بالنظرية التواصلية هذه ، فأبرز دور الرسالة ، ودور القارئ الذي يفكّك شفرة الرسالة في بناء الفعل التواصلي وإدراك الدلالات المختلفة(31).

د - الشعريــات والسيمـيـائيــات :

        يرجع الدكتور محمد العمري العلاقة بين هاتين المعرفتين إلى وجهتين : الأولى تداولية تهتم بالمقاصد الفكرية والعاطفية، وعلاقة هذه المقصدية بأجناس الخطاب وتكوينه ، وهو حديث يقود إلى فكرة  المعيار في البلاغة القديمة. والثانية بنائية النص التي تميّزها خمس خطوات هي : إيجاد مواد الاحتجاج  وترتيبها ، وصياغتها لغويا صياغة جميلة ، ثمّ ترتيبها في الذاكرة وحفظها إلى حين العرض ، ثمّ القاؤها على المستمعين بطريقة تعبيرية(32).

معدن هذه الفكرة هو الأنموذج التواصلي السيميائي الذي اقترحه "هنريش بليث" انطلاقا من ثلاثة تصوّرات هي : التركيب ، والدلالة ، والتداول. يقول : "يعتمد الأنموذج السيميائي التركيبي في توليد الصور الانزياحية على إجراء مجموعة محددة من العمليات اللسانية ، وهي : الزيادة ، والتعويض  والتبادل ، والتعادل في مستويات اللغة المختلفة (الفنولوجيا ، والمورفولوجيا ، والتركيب ، والدلالة  والخط ، والنص).

أمَّا الجانب التداولي من خلال التمييز بين مقامات التواصل (التواصل اليومي، والتواصل الخطابي  والتواصل الشعري ، والتواصل الناقص)(33)، لذا ذهبت "جوليا كريستيفا" - انطلاقا من هذه الاعتبارات المنهجية والعملية - إلى أنَّ السيميائيات يمكن أن يتمّ بناؤها على أساس أنّها علم يهتم بالخطابات عليها أن تستعين بالطروحات اللسانية في مرحلة أولى ، وبعد ذلك يمكن أن تفتح أمامها إمكانية الانفلات من قوانين دلالة الخطاب من حيث هي أنساق للتواصل(34).

ولعلّ أبرز مؤلّف يجسد فكرة العلاقة بين الشعريات والسيميائيات إنّما هو كتاب: "فرانسوا راستي" ، وهو جهد حاول فيه صاحبه أن يدرس الخطاب الشعري من حيث بنيته ودلالته ، فاعتنى بالمسائل الصوتية والإيقاعية ، كما اعتنى بالتركيب ، ودعا إلى استخدام بعض المفاهيم التي اقترحها ، كما اقترح نظرية للقراءة عمدتها القارئ"(35).

والظاهر لنا هو أنَّ الشعريات يمكن لها أن تتعاون مع غيرها من المعارف كالأسلوبيات ، واللسانيات ، والسيميائيات ، لكن عليها في مرحلة أولى أن تستعين بالطروحات العلمية المفيدة ، واللسانية منها بخاصة  ثمّ بعد ذلك عليها أن تقيم جسرا للتواصل بينها وبين العلوم الأخرى على أساس البناء والتعاون الإيجابي  وليس على أساس الإمحاء والتلاشي.

        ومن هنا يبرز دور النقاد واللسانيين ، إذ عليهم أن يدقّقوا النظر في المجالات والحدود الفاصلة بين الشعريات والأسلوبيات ، واللسانيات ، والسيميائيات ؛ لتمييز هذه المعارف بعضها من بعض قصد الفصل بين العلوم والمناهج ، فإن حصل هذا تكون سنة امتزاج الاختصاصات وتعاون حقول المعرفة الإنسانية خاصية علمية إيجابية ، وليس خاصية سلبية تؤدي إلى ذوبان الشعريات في غيرها .

والسؤال أيمكن للشعريات من حيث هي حقل لساني ، ومنهج في الوصف ، والتحليل أن تفك لغز الخطاب  وتدرك كنهه ، وتقتحم حصونه ؟ وأيمكن للخطاب أن يسكت ، وينقاد لسوط الناقد ، وقبضه المنهج  وقيود القواعد ؟ .

 

تحميل المقال

 

 

Appel à communication