January 2017
S M T W T F S
1 2 3 4 5 6 7
8 9 10 11 12 13 14
15 16 17 18 19 20 21
22 23 24 25 26 27 28
29 30 31

جماليات بنية الخطاب السردي

في رواية : "تماسخت دم النسيان"

 

                                                                  د. بوشوشة بن جمعة

                                                                 جامعة قرطاج تونس

 

يمثل "الخطاب"- منذ بداية تداوله في الستينات من القرن العشريـــن و إلى حدّ الآن- سؤالا ذا طـــابع إشكــالي في النقد الأدبي الحديث والمعاصر،حيث تعدّدت في شــأنه التصورات النظرية و المقاربات الإجرائية فتراكمت تبعا لذلك الدلالات التي يفيدها، خاصّة بعد أن شاع استعماله  في أكثر من مجال، بسبب أنّه "يمتلك خاصّية موقعه في نقطة اللقاء بين اللسانيات و العلوم الإنسانية". فكان أن استقطب عديد المجالات و التخصّصات التي شكّلت العلامات الدّالة على سيرورته المفهومية، و منها المجال الأدبي(2).

 فقد شكّل الخطاب الأدبي (Discours littéraire ) موضوع "الأدبية" (La littéralité)، التي تتجلّى عند رومان جاكوبسون(Roman Jakobson)–أحد أعلام الشعرية- (La poétique)، في جملة الخصائص النوعية التي تميّز العمل الأدبي عن غيره من النصوص غير الأدبية، و التي نصّت عليها النظرية السيمائية للأدب مثلما بلور مقوّماتها الشكلانيون الروس(3). و هي–أي الأدبية- لدى جيرار جينيت (Gérard Genette): "النظرية العامة للأشكال الأدبية"(4). و تفيد تلك الأشكال في تصوّره مجموع الخصائص النوعية التي تكسب العمل الأدبي التفرّد              و الخصوصية، و لا يمكن البحث عنها و إدراكها إلاّ من خلال الخطاب. و هو ما يفصح عنه تزيفتان تودوروف (Tzevetan Todorov) في قوله : "ليس العمل الأدبي في ذاته هو موضوع الشعرية، إنّ ما تبحث عنه الشعرية هو خصائص هذا الخطاب الذي هو الخطاب الأدبي" (5).

و قد دعا تزيفتان تودوروف (T. Todorov)- في ذات السياق– إلى ضرورة إدخال مفهوم الخطاب ضمن تحديد الأدب مفهوميا، و من ثم إلى استعمال مصطلح الخطاب بدل الأدب أو العمل الأدبي " وذلك لاعتبارات عديدة من بينها أن هناك علاقات بين الخطابات سواء كانت أدبية أو غير أدبية، و بحثنا عن خصائص الخطاب سيساعدنا على إبراز ما يميزّه عن غيره، الشيء الذي سيدفع التحليل و النظرية إلى مداهما الأبعد بإقامة شعرية متكاملة و مفتوحة على خطابات عديدة و إنجاز تصنيفات لها"(6). و يتجلّى الخطاب عنصرا مهّما من العناصر السردية التي عليها العمل الروائي – في "الطريقة التي تقدّم بها المادّة الحكائية في الرواية. قد تكون المادة الحكائية واحدة، لكن ما يتغير هو الخطاب في محاولته كتابتها و نظمها "(7).

فالخطاب السردي يقوم أساسا على الحكي (Récit) الذي يتحدّد كتجلّ خطابي، سواء كان هذا الخطاب يوظف اللغة أو غيرها..." (8)، و لذلك فإن حديثنا عن الخطاب السردي ينطلق من النصّ الروائي الذي اخترنا الاشتغال عليه و المتميز بطابعه الحكائي، و هو نصّ : "كما سخت دم النسيان"، للكاتب الجزائري الحبيب السائح.

ثمّ إنّ بنية الخطاب السردي تفيد – في الأصل- المبنى الحكائي الذي قابل توما شفسكي       (Tomaschofski) بينه و بين المتن الحكائي في سياق تعريفه للعمل الخكائي (9). و هو ما استثمره تزيفتان تودوروف، ليبيّن أن كلّ حكي ينبني على مكونين أساسيين هما القصّة
 (Histoire) و الخطاب (Discours) (10)، و يؤكّد – في ذات السياق – على تلازمهما         و تكاملهما في آن، و ذلك "لما بينهما من صلات تتحدّد بواسطتها العلامة الحكائية" (11).

و بناء على ذلك فإن " الحكي بمعنى الخطاب هو وحده الذي يمكننا دراسته و تحليله تحليلا نصيّا " (12). و من ثمّ فإن تحليلنا لجماليات بنية الخطاب السردي في رواية : " ثمّا سخت دم النسيان "، للكاتب الحبيب السائح سيقوم على المكّونات الأساسية الثلاثة للخطاب الروائي :     وهي : الزمن، الصيغة، و الرؤية. و هي المكّونات التي يشتغل عليها السرديون بصفة عامة و إن كنّا نلاحظ بعض علامات الاختلاف بينهم فيما يتعلّق بترتيبها و بلورة المفيد من العلاقات القائمة بينها.

 

الخطاب – العنوان : جمالية التشكيل و بلاغة الدلالة:

يشكل العنوان فاتحة خطاب الرواية، و أولى عتبات النص : حيث يمثل ملفوظ ما قبل الخكي الأول و ما بعد الحكي الأخير.و هو وثيق الصلة بهما و إن بدا في الظاهر مستقلا عنهما، باعتبار ما يتضمنه من مؤشرات جمالية و دلالية، لتستمدّ بلاغتها من الإحالة إليهما إيحاء لا إعلانا         و تلميحا لا تصريحا. فقد جاء عنوان هذه الرواية في صيغتين : الأولى رئيسية، مفردة، تحيل إلى المكان : "تماسخت"، و رسمت بخطّ سميك، بينما الثانية فرعية مركبة، كتبت بخطّ رقيق، و هي تحيل إلى الإنسان : دم النسيان، باعتبار أن الدم صنو الكيان والنسيان قرين الإنسان، إذ يستقلّ بذاكرته الخاصة في وجوده، هي ذاكرة النسيان. فصيغت عنوان هذه الرواية تنهضان مؤشّرين دالّين على ابننائها على طرفين يشكلان تقاطبها المركزي، و هما: المكان والإنسان، منهما يتشكل حكيها يتوالد و يتشعب إلى حدّ التوهان، و استنادا إليهما تتأسّس أنساق خطابها : أزمنة تتداعى فيض تشطّ، و صيغا تتداخل إلى حدّ الالتباس، و رؤى تتعدد و تتماسّ إذ تتعالق وتتقاطع مع بعضها البعض. فالمكان المهيمن يبقى وطن / المحنة الجزائر الذي يحمله الكاتب جرحا و وجعا وحلما مرتجى أينما ارتجل غربا إلى وجدة و الرباط أو شرقا إلى تونس بحثا عن مرفإ أمان. فيكون الإنسان ذلك الجزائري الممتحن بفتنة الوطن و مأساته التي تشكل قدره إذ يتهدده الموت الذي صار حاله التباس تلوّن أشكال ممارسته للوجود : خوفا و قلقا و حيرة إزاء القدر الفاجع المترصد، و الذي تختزل الدلالة عليه كلمة " دم "يسفكه " الوحش " رمزا شفيفا للجماعات الإسلامية المسلحة.

كلّ هذا يدلّ على أنّ خطاب العنوان يؤشّر إلى انبناء الرواية على تقاطبات تتنوّع إذ تتعدّد هي : المكان / الإنسان، الذاكرة / النسيان، الذاتي / الجماعي، الواقعي / التاريخي،و الروائي / السيرذاتي. و هي تقاطبات  تستمد نظامها من فوضاها، و وحدتها من تشظّيها بفعل استثمار الكاتب لتقنيات التداعي و الحلم و الهذيان و الاستيهام إلى جانب التذكر الذي يشكل مدار خطاب الرواية.

 زمن الخطاب و جمالية انساق البنية

يمثل الزمن عنصرا أساسيا في كلّ حكي و لازما له لكي ينجز. ففي ضوئه تنتظم مادة القصّ سواء اتخذت شكل التعاقب أو التداخل، بحكم أنّه يشكل بنية  قائمة الذات ضمن العمل الروائي، فضلا عن كونه قد تحول إلى موضوع للرواية و حتى إلى شخصية رئيسية فيها. و هو ما يؤكدّه الآن روب غرييه غريبة (Alain Robbe Grillet) – أحد أعلام الرواية الجديدة و منظريها في قوله : "الزمن أصبح منذ أعمال بروست وكافكا هو الشخصية الرئيسية في الرواية المعاصرة بفضل استعمال العودة إلى الماضي و قطع التسلسل الزمني، و باقي التقنيات الزمنية التي كانت لها مكانة مرموقة في تكوين السرد و بناء معماره"(13).

و قد أكد أهمية الزمن في السرد الروائي و ما يقوم به من دور في تشكيل عوالمه تواتر الكتابات النقدية عنه، ممّا أفرز تنّوعا في المنظورات و المفاهيم بسبب اختلاف المنطلقات النظرية    و المناهج الاجرائية في آن(14)، و قد ساعد على ذلك كون الرواية تمثل بؤرة زمنية خصبة المحاور و الإتجاهات التي تبقى مشّرعة دوما على المحتمل من المقاربات تنظيرا و ممارسة.

و يعتبر الشكلانيون الروس من الأوائل الذين نبّهوا إلى أهمية الزمن في الأعمال السردية، حيث أدرجوه في نظرية الأدب، و سعوا إلى وضع بعض التعريفات له من خلال اشتغالهم على عدد من النصوص السردية المختلفة (15)، و ذلك باعتبار تصّورهم أنّ الزمن "مظهر من مظاهر الاختبار يتيح إمكانية الانتقال من الخطاب إلى القصّة (16)، فكان تمييزهم بين زمني القصّة و الخطاب في سياق تقسيمهم العمل الروائي إلى متن و مبنى لكلّ منهما خصائصه النوعية، "فالأول لا بدّ له من زمن و منطق ينظّم الأحداث التي يتضّمنها، أمّا الثاني فلا يأبه لتلك القرائن الزمنية و المنطقية قدر اهتمامه بكيفية عرض الأحداث و تقديمها للقارئ تبعا للنظام الذي ظهرت به في           العمل"(17).وكان تنصيصهم على تعدّد أبعاد زمن القصّة مقابل خطيّة زمن  الخطاب (18).

و قد استثمر العديد من النقاد المقاربات النظرية و الاجرائية للشكلانيين الروس في تعاملهم مع الظاهرة الزمنية في السرد الروائي، و نخصّ بالذكر منهم : رولان بارط (Roland Bartheo)، و ميشال بوتور(Michel Butour) و تزيفتان تودوروف (Todorov Tzevetan). فالأول تحدث عن الزمن السردي في سياق حديثه عن الكتابة الروائية، سواء في كتابه "درجة الصفر في الكتابة"، و الذي بيّن فيه بأنّ أزمنة الأفعال في شكلها الوجودي و التجريبي لا تؤدي معنى الزمن المعبر عنه في النصّ و إنّما غايتها تكثيف الواقع و تجميعه بواسطة الربط المنطقي"(19)، أو في المدخل الذي وضعه للتحليل البنيوي للسرد، و الذي ضمنه كتابه "شعرية القصّة"                 (Poétique du récit) (20)، حيث ربط بين المنطق السردي و الزمن السردي، باعتبار توضيح الأول للثاني، و بيّن أنّ الزمنية (la synchronie) ليست سوى قسم بنيوي في الخطاب و أنّ الزمن لا يوجد إلاّ في شكل نسق أو خطاب، مستخلصا في النهاية أنّ الزمن السردي ليس سوى زمن دلالي، أمّا الزمن الحقيقي فهو وهم مرجعي واقعي حسب تعبير يقتبسه عن فلاديمير بروب          (Vladimir Propp)(21).

أمّا الثاني ميشال بوتور و على عكس رولان بارط في تناوله إشكالية الزمن في السرد الروائي فإنّه يدافع عن الزمن المرجعي لا الوهمي،  مؤكّدا صعوبة عرض أحداث الرواية وفق ترتيب التعاقب "لأنّنا لا نعيش الزمن باعتباره استمرارا إلا في بعض الأحيان و أنّ العادة وحدها هي التي تمنعنا من الانتباه أثناء القراءة إلى التقطّعات و الوقفات و أحيانا القفزات التي تتناوب على    السرد." (22).

و أخيرا نجد تزيفتان تودوروف يصدر في معالجته لقضية الزمن في السرد الروائي عن منجزات الشكلانيين الروس السردية، و التي قسّمت القصة إلى متن و مبنى لكلّ منهما زمن يختلف عن الآخر بسبب التفاوت الحاصل بينهما. فرأى "بأنّ زمن الخطاب يعتبر بمعنى ما زمنا خطيا، بينما زمن الخطاب متعدّد الأبعاد"(23). ثمّ أبرز أنّ العلاقات القائمة بين زمني القصة و الخطاب تنبني على ثلاثة محاور أساسية و هي : "محور النظام ومنه نفهم استحالة التوازن بين الزمنين لاختلاف طبيعتيهما (الأول متعدّد و الثاني أحادي)، و محور المدّة التي قد تتّسع أو قد تتقلّص فينتج عن ذلك مفارقات زمنية ليس من الممكن دائما قياسها كالوقفة و الحذف و المشهد. و أخيرا محور التواتر و يخصّ طريقة الحكي التي يختارها المؤلّف لسرد قصته (السرد المنفرد – السرد المتكرّر – السرد المتواتر).(24)  

و قد اعتمد جيرار جينيت (Gérard Genette) ذات هذه المحاور في اشتغاله على زمن السرد الروائي (25).

إنّ كلّ هذه التصوّرات المتداولة في مقاربة الخطاب السردي، و ما يتأسّس عليه من أنساق تفيد في تحقيق إدراك أفضل للعلاقات الزمنية التي تنتظم الخطاب الروائي، يتيح الكشف عن العلامات الزمنية الدالّة فيه، و الوقوف على طبيعة الوظيفة البنيوية التي تضطلع بها في السرد.

و يمكن الحديث عن بنية زمن الخطاب السردي في رواية "تماسخت" بوجه عام استنادا إلى حركتين أساسيين للسرد الروائي من منظور تعامله مع الزمن،و هما : نسق الزمن السردي،        و وتيرة الزمن السردي.

نسق الزمن السردي :

      إنّ ترتيب الأحداث في هذه الرواية لا يرد في شكل متواليات حكائية تأتي وفق نسق زمني متصاعد يعكس خضوعها إلى نظام التعاقب، و لكنّه ينتظم – على النقيض من ذلك – وفق نظام التداخل بين أنساق الزمن الثلاثة : الماضي – الحاضر – المستقبل، و ذلك بسبب هيمنة السرد الاستذكاري (récit analeptique)، و استئثاره بالمساحة الأكبر من السرد، مقابل ضمور حضور السرد الاستشرافي     (récit proleptique).

و تتجلّى هيمنة السرد الاستذكاري في استثمار الكاتب المكثّف لتقنية التذكّر عبر رجوعات إلى الوراء تقوم بها شخصية عبد الكريم الصائم لماضيها الخاصّ، و تحيلنا من خلالها على أحداث سابقة للحدّ الذي وصلت إليه القصة، "أحداث تخرج عن حاضر النص لترتبط بفترة سابقة عن بداية السرد"(26). و هي تعكس نوعا من احتفاء الكاتب بها باعتبار ما تمثّله من معنى في تاريخ أناه الوجودي و الذي يعمد إلى إعادة بناء مراحل منه تنتمي إلى الطفولة و المراهقة و الكهولة، وترد في أنساق يسمها  التداخل و التشظّي، بسبب توالد الذكريات و تداعيها في غير نظام. وهو تاريخ شخصي يتقاطع مع تاريخ الجزائر الحديث و المعاصر، ليكشف عن مدى شعور الذات الساردة بالانكسار لخسرانها رهانات الوجود/و الاستقلال، بسبب خسران الوطن لرهاناته مع التاريخ، ممّا يعلّل اخفاق الكاتب و جيله في تحقيق التطلّعات التي كانوا يحلمون بها في جزائر الاستقلال، و تحوّلها إلى أشكال إحباط تفاقمت في النفوس قبل أن تولّد الانفجار في أكتوبر 1988، و بداية الفتنة الدموية. و هو ما تفصح عنه الذات الساردة في قولها : "تبغي تأثيث ما نهبه  الدمار من مملكة أحلامنا الضائعة بتذكارات لا تسفر إلا عن عورة الحماقة"(27).

فالزمن الماضي المستعاد من قبل الذات الساردة يستحوذ بحضوره المهيمن على الحكي، حيث يشكّل منطقه الذي يصدر عنه، و مساره الذي يقوم عليه و مداه الذي ينغلق عليه، باعتبار أنّ هذه الذات الساردة تستعيد تجربة حياتية منقضية في الزمان و تعمد إلى إحيائها عبر فعل الكتابة، متوسّلة في تحقيق ذلك بالذاكرة و فعل التذّكر الذي يعيد تشكيل أحداث نوعين من الماضي، أوّلهما الماضي القريب، و يشكّل بؤرة التجربة المستعادة/و المعيشة في مطلع التسعينات من القرن العشرين، من قبل الذات الساردة. و رغم أنّ هذا الماضي القريب لا يتجاوز بضعة أشهر تشكّل مدى الاستذكار و زمن المغامرة الذي لجأت أثناءه هذه الذات إلى المغرب ثمّ إلى تونس بحثا عن ملجأ آمن يقيها خطر الفتنة الذي يترصّدها في وطن / المحنة، فقد كان غنيّا بالأحداث و التجارب و المواقف و الرؤى التي تتولّى هذه الذات عرضها، بعضها يتعلّق بفواجع الدم المراق، التي غيبّت شاعر و هران، و رئيس الحكومة و مدير التلفزيون و غيرهم كثير من أبناء الجزائر، و بعضها الآخر يرسم مناخات و طقوس وجود، شهدتها مدن وجدة و الرباط بالمغرب، و تونس و بنزرت بتونس، تاقت من خلالها هذه الذات إلى النسيان، و تحقيق بدايات جديدة تشّكل أفق وجود أكثر إشراقا و عنفوانا، إلاّ أنّها تخفق في ذلك، إذ تنغلق عليها الدائرة لتجد نفسها تعود مجدّدا إلى وطن/المحنة لتواجه قدرها المترصّد، على إثر ارتحالات كرّست داخلها الإحساس بخسران رهانات الوجود، بعد أن خسرت رهانها على الوطن . أمّا الماضي البعيد فيتجلّى في شكل ومضات تتخلّل المقاطع الدالّة على الماضي القريب، إذ تتداخل معها لتكملها دلاليا، باعتبار تقاطعها معها في الإشارة إلى الإخفاق و الدم و انغلاق الأفق. و هي العلامات الدالّة المقترنة بثورات القرامطة  والزنج مشرقا، و بممالك العرب و المسلمين في الأندلس مغربا، بسبب الجاه و السلطة.

وقائع تاريخ دموي بين الإخوة/الأعداء تمتدّ في الزمان و المكان لنجد رجع صداها يتردّد في جزائر التسعينات من القرن العشرين، بعد أن أخفق الاستقلال في تحقيق التطلّعات و خسر الوطن/الجزائر رهانه مع التاريخ.و هو ما يعلّل رؤية الذات الساردة المتشائمة للتاريخ العربي الاسلامي منذ سقوط غرناطة – بل منذ البدء – و إلى الأزمان الحديثة. و هو التاريخ الذي يبقى في نظرها مقترنا بالخسران. تقول :" اذكر لي موسما واحدا خرجنا فيه منذ خمسة قرون بالورد     و الأغاني من أقصى ترابنا إلى أدنى مائنا و من بدء زماننا إلى نهاية توهاننا"(28).

أمّا السرد الاستشرافي فتختزله فاتحة الرواية الموسومةبرؤيا،التي تجسّد الحلم/الكابوس الذي يلون العجيب معالمه، و الفاجعة مناخاته، حيث يتراءى للذات الساردةوجودها مع شخص في غابة، قبل أن تباغت بكائن له جثة بغل و رأس إنسان، تكتشف من ملامحه أنّه ابن عمّ لها، يعمد إلى التهديد ثمّ إلى الرمي بقذيفة مدفع لم تصب منهما مقتلا. يلقيانه مجدّدا و قد أنهكه الجهد قتهاوى. تلتفت الذات الساردة باحثة عن مرافقها فلا تعثر له على أثر و قد انتهىإليها صياح الديكة في تماسخت.

فقد مثّلت هذه الرؤيا الكابوسية نوعا من الاستباق الزمني، جعل من هذا الاستشراف توطئة "لأحداث لاحقة يجري الإعداد لسردها من طرف الراوي، فتكون غايتها في هذه الحالة هي حمل القارئ على توّقع حادث ما أو التكهن بمستقبل إحدى الشخصيات "(29). و يطلق جيرار جينيت على هذا النوع من السرد الاستشرافي تسمية" الاستشراف الخارجي"(30)، و الذي يبقى "الغرض منه التطّلع إلى ما هو متوّقع أو محتمل الحدوث في العالم المحكي"(31).

فهذه الرؤيا التي تعرض الفتنة بين الأقارب و تفوح منها رائحة الموت و الخراب، تؤشّر إلى ما ستكون عليه عوالم المتن الحكائي لرواية "تماسخت" من استشراء مناخات الرعب و القتل          و الدمار، و التي حوّلت واقع حزائر التسعينات إلى كابوس ثقيل لا يزال يسم حياة الجزائريين في الزمن الحاضر، و تجسّده شخصية كريم في الرواية، حيث يمثّل ماضيا قريبا يثقل عليها في حاضرها الذي يتّخذ شكل الانتظار "و التطلّعات غير المؤكّدة، التي يكون تحقّقها مستقبلا أمرا مشكوكا فيه"(32)، وهو ما يجعل من مستقبلها أفقا غائما لا علامات دالّة على هويته.

فانفتاح رواية "تماسخت" برؤيا/كابوس و انغلاقها على "يقظة"، ينهض مؤشّرا دالاّ على عوالم الفاجعة و المأساة، ممّا يجعل حكيها امتدادا لذلك الذي مهّدت له الفاتحة "رؤيا"،و المنتمي إلى اللامعقول في زمن جزائري تحوّل فيه المعقول إلى لامعقول و هذا الأخير إلى معقول بفعل التباس حدود الأشياء و ضبابية الرؤية، بعد أن صار الموت هاجسا متمكنّا من النفوس التي تمارس أشكال وجودها على إيقاعه الجنائزي، مّما أضفى على مناخات الرواية أجواء قاتمة يلوّنها المصير الفاجع باعتبار إمعان "الوحش" في جرائم قتله للأبرياء. وهو الوحش الذي رمز إليه الكاتب في الفاتحة/الرؤيا بذلك الكائن الأسطوري الذي يتّخذ شكل بغل و رأس إنسان.

و قد مثّل حكي الذات الساردة عن تجربة ارتحالها من الجزائر إلى كلّ من المغرب و تونس نشدانا للأمان من الخطر المحدق بها، نموذجا دالاّ على هذا الواقع/الكابوس، ممّا بعلّل تمنّيه "أن يوجد في زمان غير هذا العصر، في بلد غير هذا الوطن أو أن يكون قد ولد قبل الطوفان، فيعيش و يقبض تحت الماء أو بقي جزئيا سابحا في الفضاء"(33). و هو ما كرّس حضور الحلم تقنية استثمرها الكاتب ليعبّر بها عن موقفه الرافض للحاضر الجزائري/الكابوس و المتطلّع إلى واقع بديل أفضل، فضلا عن استثماره لطقوس الحضرة التي تعبّر عن هذا التوق إلى التحرّر من إسار المكان    و الزمان بغية "استشعار نشوة العبور خلاصا من ثقل الجسم و ضغط الزمان و أسر المكان و توه الامتداد إلى فضاء مهوم يمثل له الحضرة قطعة نعيم، المريديون بدفوفهم و لدانا ثم بأباريق ينشدون سلاما و يسقون عسلا و خمورا و النساء لآلئ انتضدن أبكارا منتظرات أخذهن جزاء "(34).      و هكذا يغدو الحلم بديلا للواقع، حيث يشكّل طقوس وجود يعزّ تحقّقها في الواقع بسبب اقترانه بطقوس الموت.

و يعكس نسق الزمن السردي الذي هيمن عليه السرد الاستذكاري مقابل ضمور السرد الاستشرافي، مدى عمق المفارقة بين زمن الخطاب الذي يبقى مقترنا بالحاضر، و زمن القصة المستعاد، ممّا جعل نظام السرد ينبني على التداخل إلى حدّ التشعّب، و على التشظّي إلى حدّ التتويه، فتكون الفوضى مدار نظامه و مداه. نسقان سرديان أضفيا نوعا من الحركة، و التنويع على الخطاب الروائي، و إن تفاوتت المساحة التي شغلها كلّ منهما في السرد.

و يستتبع تحليل هذين النسقين للحركة الزمنية المتّصلة بنظام الأحداث في رواية "تماسخت"، تحليل النسق الزمني للسرد بالتركيز على وتيرته في حال سرعتها كما في حال بطئها.

 

وتيرة الزمن السردي

تتميز الوتيرة الزمنية لعرض الأحداث في رواية "تماسخت"، باستثمار الكاتب في صياغة مظهريها الأساسيين : السرعة و البطؤ، ما يطلق عليه جيرار جينيت تسمية : "الأشكال الأساسية للحركة السردية"(35). و هي تقنيات : الخلاصة (le résumé) و الحذف أو الإسقاط (l’ellipse)، في حال تسريع السرد، حيث يضمر الخطاب مقابل امتداد القصة، و المشهد         (scène) و الوقفة الوصفية في حال تعطيل السرد، حيث تضمر القصة و يتسع الخطاب.

فالسرد التلخيصي (récit sommaire)، الذي يكثر تواتره في القصة للربط بين المقاطع السردية،   و ملإ بعض الفراغات التي يتركها السرد، يتعالق و السرد الاستذكاري و يتقاطع معه باعتبار ما يقدّمه لنا من إضاءات و معطيات حول ماضي الشخصية و ما ينبني عليه من أحداث، و ذلك في شكل مختزل. و هو ما نمثل له بهذا المقطع من الرواية : " أدخل السرية ؟ خمسة عشر عاما من عز عمره سيحها تشّيعا سراب من بلاغة أممية مرغية، مهدهدة، بيانا و بديعا، لم يكن فردوسها الموعود سوى رمل متحرك سراب(35).

  أمّا الحذف "فيؤشّر على الثغرات الواقعة في التسلسل الزمني و يتميز بإسقاط مرحلة كاملة من زمن القصة و لذلك فهو يعتبر مجرّد تسريع للسرد "(36). و هو متواتر الحضور شأن السرد التلخيصي باعتبار تقاطعه معه في السرد. وهو ما نمثّل له بهذا المقطع : "منذ أعوام عشرة ؟ قالت له : أيّ صيام للجسد؟ أيّ ختم في البشرة؟..."(37).

و لئن كانت الخلاصة و الحذف يسهمان في تسريع الحركة السردية، فإنّ هذه الأخيرة تصبح بطيئة بسبب استخدام الكاتب لتقنيتي السرد المشهدي(récit scénique)و الوقفة الوصفية. ففي الأولى تتمّ الاستعاضة عن السرد بالمشاهد الحوارية التي تنتفي فيها الأحداث فاسحة المجال للشخصيات كي تتبادل الكلام و في ذلك كشف لطبائعها النفسية و مذاهب سلوكها الاجتماعي و مراتبها الفكرية و الاجتماعية. و هو ما يجسّده هذا المقطع:"

-                       أنا متعبة، مفرغة، أحسّني مذنبة، أرجوك أن تمنحني طمأنينتي.

-                       و لحظاتنا ؟ قصيدتك التي أهديتنيها؟

-                       انسها أو أحرقها.

-                       نسخة وحيدة بخط يدك.

-                       لا يهم مجرد عبث.

-                       ورقتك النقدية ؟ تذكارك عليها؟

-                       قصّ منها وجه بورقيبة و أتلفها؟

-                       و القرنفل، و عطرك، و فرحنا المغترب؟

-                       تلزمني التوبة فلا تعذبني أكثر.

- قلت لك، ما أنت تشقّين لي عودة إلى موتي، مرحبا بدمعة منك إن كانت تحوّل دمي أبيض مثل ياسمين"(38).

أمّا الوقفة الوصفية فتقوم فضلا عن الاستطراد بتحليل نفسية الشخصية، و يتعلّق بسببها زمن القصة. وهو ما يجسّده نمثّل له بهذا المقطع : "فامتدّ أرضا، و نزلت مطرا و لباردو كان الظمأ كله، في قلب تونس لا يضير الحمامتين تتسارقان نقرات القبل و ترقبان حولهما عاليتان،         و الشارع تضجه حركة السيارات و الناس في مسير كأنما إلى أنفاق أو كهوف لأن الليل       قادم..."(39).

و هكذا فإنّ "كلاّ من الوقفة الوصفية و المشهد يشكّلان استطرادا و توّسعا في زمن الخطاب على حساب زمن القصة. الأولى بسبب أنّ كلّ منظر يمكن ان يصبح لديها مناسبة لتشغيل الأنساق الوصفية و بالتالي إعاقة زمن القصة على الاستمرار و الثاني لأنه يمدّ د الأحداث و يجعلها تتباطأ في سيرها ضدّا على حركة السرد ومناهضة لوتيرته المتسارعة"(40).

إن تحليل جماليات بنية زمن الخطاب السردي و دلالاتها في رواية "تماسخت"، سمح  لنا بإبراز قيامها على نمطين من السرد: أولهما الاستذكار الذي يهيمن على الحركة الداخلية للسرد و ثانيهما الاستشراف الذي يمتلك حضورا منحسرا ضمنها، و كلاهما يلعب دورا بارزا في بناء الرواية باعتبار تأثيرهما المباشر و المهمّ في وتيرة السرد في سرعة نسقها كما في بطئه. و قد استثمر الكاتب الحبيب السائح جميع هذه التقنيات السردية التي وسمت البنية الزمنية لخطاب روايته، وفق رؤية و تشكيل يعكسان امتلاكه وعيا عميقا بشروط الكتابة الروائية و أدواتها. وهو وعي يسائل السائد السردي في المجال الروائي قبل أن يعمد إلى اختراقه بخلخلة ثوابته. فالبنية الزمنية لخطاب هذه الرواية تستمدّ اختلافها الدّال من نظام التداخل الذي تحتكم إليه، و من تشظّى أنساقها الذي يعكس وحدتها لا شتاتها، و من منطقها المغاير للسائد، و الذي يدرك اللامعقول معقولا في زمن صار فيه اللاواقع واقعا. وهو ما يجعل الزمن في الرواية يفقد إحتماليته وواقعتيه و يتحوّل من جرّاء ذلك إلى محض مدلولات نصية تتوالى تباعا في الخطاب و تكون ذات طبيعة لفظية بحيث يمكن التقاطها و كشف دلالاتها من خلال الإشارات الزمنية المبثوثة في النص"(41).

و يستدعي تحليلنا لجماليات بنية الخطاب السردي في رواية "تماسخت" أن نقارب مكوّنه الأساسي الثاني بعد الزمن، و هو الصيغة، و ذلك بحكم تعالق هذين المكوّنين و تكامل أدوارهما في تشكيل أنساق الخطاب السردي الجمالية و إغناء أبعادها الدلالية.

صيغة الخطاب و تعدد الأنساق :

تعدّ الصيغة (La mode) – مكوّنا أساسيا من مكوّنات الخطاب – مفهوما إشكاليا، يلازمه الالتباس رغم تعدّد المقاربات النقدية التي رامت وضع تحديد دقيق له. وهو ما يعترف به تودوروف في قوله : "مقولة الصيغة من الطبيعي جدا أن تكون أكثر المقولات تعقيدا"(42).       و يعود هذا الالتباس الذي شكّل صفة دالّة على هذا المصطلح إلى عدم اختصاصه بمجال معرفي بعينه، حيث يستخدم في علوم المنطق و اللسان و السيميائيات و العلوم الإنسانية إلى جانب الأدب.   و كلّ منها يدّعي امتلاكه له. و باعتبار اشتغالنا على عمل أدبي ينتمي إلى مجال السرد الروائي، فإنّ مقاربة تودوروف النظرية لمفهوم الصيغة تبدو منطلقا مناسبا يتيح لنا تحليل خصائص أنماطها الجمالية مثلما تتجلّى في بنية الخطاب السردي لرواية، "تماسخت".

فتودوروف يحدّد الصيغة بكونها "الطريقة التي بواسطتها يقدّم لنا الراوي القصة"(43)، ممّا يفيد أنّ أهمية البحث في الصيغة و ما تضطلع به من دور في تشكيل الأنساق البنائية للخطاب الروائي، تكمن في استجلاء ما تقوم عليه من أنماط خطاب، تنتظم تحت نمطين أساسين هما : السرد (la narration) و العرض (la représentation)، يرتبطان بالقصة كما بالخطاب،       و بالراوي كما بالشخصية الروائية. و يمكن أن يوجها "باعتبارهما خطابين إلى متلق مياشر أو غير مباشر"، و إن كان عنصر التلقي مغيبّا في كل الكتابات السردية التي اتّخذت من الصيغة موضوعا، على اعتبار أنّ متلقّي السرد أو المروي له (le narrataire) يتمّ الحديث عنه غالبا في إطار الرؤية أو الصوت، و بحسب نوعية العلاقة التي يقيمها المتكلمّ مع خطابه"(44).

و يتميّز الخطاب السردي في رواية "تماسخت" بخصوصيته التي تتمثّل في تعدّد صيغه الخطابية و من ثم تعدّد خطاباته، ممّا يحتّم علينا تحليل خصائص كلّ خطاب على حدة بغية إبراز خصائصه على صعيد التشكيل و الرؤية و إن كنّا ندرك تداخل هذه الخطابات فيما بينها داخل أنساق الخطاب و ذلك بأشكال مختلفة و متنوّعة، تتجلّى في صيغ ثلاث رئيسية هي: صيغ الخطاب المسرود (Discours narrative)،و الخطاب المعروض (Discours représenté)،و الخطاب المنقول (Discours rapporté).

فالخطاب المسرود "هو الخطاب الذي يرسله المتكلّم وهو على مسافة ممّا يقوله و يتحدّث إلى مروي له سواء كان هذا المتلقّي مباشرا (شخصية) أو إلى المروي له في الخطاب الروائي بكامله"   (45). و هو خطاب متواتر في هذه الرواية إذ يشغل مساحة مهمّة في خطابها السردي.و يتجلّى حضوره في نمطين هما : الخطاب المسرود الذاتي، و الخطاب المسرود غير المباشر. فالأول يتجلّى:" عندما يتحدّث المتكلّم عن ذاته و إليهما عن أشياء تمّّت في الماضي ، أي أنّ هناك مسافة بينه وبين ما يتحدّث عنه."(46). و تظهر أهمية صيغة هذا الخطاب في رواية "تماسخت"في انفتاحها عليه في الفاتحة "رؤيا"التي تصوغ ملفوظها الذات الساردة ، تقول : "وجدتني أسير مع شخص لا أعرفه داخل غابة لما وقفنا على بغل يحتضر، فطلبت إلى مرافقي أن يجهز عليه، فتردد قليلا ثم أخرج مسدسه، و إذا بالبغل ينهض برأس رجل من معارفي يقول لي : أنت كريم بن محمد ابن عمي و تريد أن تقتلني.."  (47) : ثم في انغلاقها – أي الرواية – عليه في الخاتمة:"يقظة"، من خلال قول السارد/ الشخصية الروائية/:

"كم أنا محبط يا وجه جميلة،

كم هي فادحة في قلبي الخيبة يا بسمة شهلة، مقهى سعيدة وحده الغاصّ، و مسجد الغفران ينتظر آذانه الأخير، و قد نامت الرباط بفرح ليلها على غربتي، و اقتاتت تونس من حزني          و تشرّبت من وحدتي، و إذ عدت لموتي فزعت وهران.

أمي لا تجد من الملإ من تتلو عليه من زمن رعبها ما تعسر من سفر الدم.

و في ذاكرتي صوت يزرعني بين رقان و تماسخت نوحا لنشيج دم النسيان(48).

إن صيغة الخطاب المسرود الذاتي و هي تشدّ طرفي الرواية : الفاتحة / رؤيا، و الخاتمة / يقظة، تقوم بتأطير حكيها و إرباك ميثاقها إذ يداخله ميثاق السيرة الذاتية الذي تؤشّر إليه عديد العلامات المبثوثة داخل المتن الحكائي، ممّا يوحي بوجود أشكال تعالق/وتقاطع عديدة بين كريم الشخصية الروائية و الذات الكاتبة، سنخصّها بالتحليل في عنصر لاحق من هذا البحث.

و ترفد هذا الخطاب المسرود الذاتي رجوعات إلى الوراء تقوم بها شخصية كريم الذات الساردة من خلال اشتغالها المكثّف على الذاكرة و ما تنبني عليه من مرجعيات متنوّعة يتداخل فيها الفردي و الجماعي، المحلي و العالمي، الواقعي و الأسطوري، التراثي و التاريخي.

غير أنّ هذا الخطاب المسرود الذاتي يتداخل و آخر مسرود غير مباشر، تعمد الذات الساردة إلى صياغته باستخدام ضمير الغائب. و هو ما نمثّل له بهذا المقطع : "يرى وهران هي المتراجعة في قلبه خيطا من دم لجميلة. حضرته سطوة الوحش و سما في شارع عميروش زواوية من الزيت الحرّ، رفعنا نخبهاقبّلتني و في أذني و شوشت : حبّيت فيك العرب، فتنكّدتها : عاوديها لي بالبربرية. فهمست له أصواتا خاثرة عسلا"(49).

أمّا صيغة الخطاب المعروض، فتقوم على ثلاثة أنماط من الخطاب. أوّلها صيغة الخطاب المعروض المباشر، ".و هي التي نجد فيها المتكلّم يتكلّم مباشرة إلى متلقّ مباشر و يتبادلان الكلام بينهما دون تدخل الراوي" (50). و يمكن أن نمثّل لهذا النمط من الخطاب بهذا المقطع :

    - "من أين أنت ؟

-                       من وهران

-                       يعجبوني الوهرانية في تلقائيتهم و جرأتهم. هكذا، في السماء يخطفوها.

-        وهران كاهنة و أنت جنّية. امرأة من دخان بلون عزلتي، وهران بدء ضلالتي، و أنت فضائي و آخرتي في هذه النهاية، أعطيني يدك الثانية أشدّ على غربتي فيك"(51).

أمّا ثانيها فصيغة الخطاب المعروض غير المباشر. وهي "أقل مباشرة من المعروض المباشر، لأنّنا نجد فيه مصاحبات الخطاب المعروض (Para-discours) التي تظهر لنا من خلال تدخّلات الراوي قبل العرض أو من خلاله أو بعده، و فيه نجد المتكلّم يتحدّث إلى آخر، و الراوي من خلال تدخلاته يؤشّر للمتلقي غير المباشر"(52). و يجسّد مثل هذا الخطاب هذا المقطع الذي نورده على سبيل المثال : "مثلي، مثلك، لا شيء، يحس منتظرا في أفقه، في كلّ زاوية، في أي شارع، في كلّ اللحظات الطويلة الممتدة بين البيت و بين مواقع العمل غير الغدر."(53).

و أخيرا نجد صيغة الخطاب المعروض الذاتي ".وهي نظير صيغة الخطاب المسرود الذاتي، إلاّ أنّ هناك فروقات بينهما تتمّ على صعيد الزمن. فإذا كنّا في المسرود الذاتي أمام متكلّم يحاور ذاته عن أشياء تمّت في الماضي، فإننّا هنا نجده يتحدّث إلى ذاته عن فعل يعيشه وقت إنجاز الكلام"  (54). وهو ما يمثّله هذا المقطع : "و لكن ما الذي بقي غير الكلام في هذا الخراب و لو أنّ امتهانه وظيفة صار من أشدّ ما يشقي الضمير و يوحل الموقف و يعفّر الكرامة و يسبّب الموت الرخيص   و يثير المناخات و المآتم(55).

و يمثل الخطاب المنقول النمط الثالث من صيغة الخطاب السردي في رواية "تماسخت دم النسيان"،حيث يتجلّى في صيغتين تتداخلان وصيغ الخطابات السابقة المسرودة منها و المعروضة على حدّ السواء. و هما: صيغة الخطاب المنقول المباشر، و صيغة الخطاب المنقول غير المباشر. ففي الأولى يختلط سرد  الراوي بسرد الشخصية لأنّ المتكلّم لا يقوم فقط بإخبار متلقّيه بشيء عن طريق السرد أو العرض، و لكنّه أيضا ينقل كلام غيره سردا أو عرضا، و من خلال هذا النمط نصبح أمام متكلّم ثان ينقل عن متكلّم أوّل"(56). و يمثّل هذا المقطع نموذجا دالاّ على هذا النمط من الخطاب المنقول المباشر : "و بالرغم ما فتئ أن ردّد : الرصاصة كلمة و العكس خرافة صدق عمر إذ تنبّأ : أبيعكم مقالة بمسدس و كتابا بكلاشينكوف"(57).

أمّا في الثانية فيتولّى السارد نقل كلام الشخصية بصفة غير مباشرة، كما يدلّ على ذلك هذا المقطع : "قال له بحرها ذات مرة إنه لم يخنها أبدا يوما"(58).

إنّ تحليل بنية صيغة الخطاب في رواية : "تماسخت دم النسيان"، سمح لنا باكتشاف تعدّد أنماطها و من ثمّ تعدّد خطاباتها التي تراوحت بين المسرود و المعروض و المنقول،و احتواء كلّ منها على أنماطه الخاصّة التي تتميّز بسماتها المفيدة.غير أنّ صيغة الخطاب المسرود تبدو مهيمنة، باعتبار قيامها بتأطير كلّ التبدّلات الصيغية التي تضافرت على إغناء الخطاب السردي و تحديد نوعيته وما تتفرّد به من خصائص جمالية على صعيد البنية الحكائية. و هي صيغ خطاب تنتظم وفق نسق التداخل الذي يجعلها تتقاطع مع بعضها البعض في مجرى الحكي، من خلال أشكال التتابع والتضمين و النتاوب، و التي تنهض علامات دالّة على تكاملها. و هكذا فإنّ تعدّد أنماط الصيغة في الخطاب السردي في "تماسخت دم النسيان"، يمثّل أحد المظاهر الدّالة على خصوصيته. 

4-  صيغة الخطاب بين الخطاب الروائي و الخطاب السيرذاتي   

ينفتح الخطاب الروائي لنصّ : "تماسخت" على أكثر من خطاب، فيكون تبعا لذلك ملتقى خطابات : التاريخ الذي يحيل إلى زمن تجربة الذات الساردة المستعاد، و الذي تشير عديد العلامات المبثوثة في النص إلى أنّه مطلع التسعينات، زمن بداية محنة الوطن / الجزائر و إنسانه، وإن كانت  الرجوعات إلى الوراء تعود به إلى أزمنة تلعب دورا في إغناء أنساقه و تنويعها، بعضها يقترن بحرب التحرير و بعهد الرئيس هوارى بومدين،و بعضها الآخر يوغل في زمن بني العباس وما جدّ فيه من توارث للقرامطة و الزنج، و ما شهده من مصائر فاجعة لأعلام من المتصوّفة كالحلّاج، مرورا بالزمن الأندلسي و ما آلت إليه مصائر العرب والمسلمين من فتن انتهت إلى ضياع الأندلس ... و الشعر الذي يلون الخطاب بالذاتية و الشاعرية،  فيضفي عليه طابع إيقاع الفاجعة والمأساة، فتكون الخمرة – سبيل سلوان – حاضرة من خلال استثمار الذات الساردة لمقاطع نواسية(59)، و تصير المرأة / موضوع عشق و جنس سبيل تناس لمناخات الحاضر المأزوم الذي ضخمّ إحساس تلك الذات بالوحشة و الغربة و الضياع، و قد غامت الرؤية و غاب الأفق(60)، وصار الوطن الحال المتلبسة العشقية إلى المدى(61). و التصوف الذي يحضر شذرات حكي تستعيد المصائر الفاجعة التي انتهى إليها عدد من أعلامه كالحلّاج. و هي مصائر يعيد الكاتب إنتاجها بغية إضفاء طابع المفارقة عليها بتحويل دلالتها من السلب إلى الإيجاب، و من الانكسار/ العدم إلى الانتصار/الوجود و البعث:" كان – أي الحلاّج- خلال صلبه، كلّما قطع مفصل من مفاصله تبسّم"(62).

غير أنّ الخطاب السيرذاتي يبدو المهيمن في تداخله مع الخطاب الروائي في نصّ" تماسخت"،   و ذلك مقارنة  بالعلاقات القائمة بين هذا الأخير و الخطابات الآنفة الذكر، و باعتبار كثرة العلامات المبثوثة في الرواية و الدّالة على التقاطع بين شخصية كريم الروائية و الذات الكاتبة. فالانتماء إلى الغرب الجزائري وهران و تحديدا مدينة سعيدة يمثّل تماثل الموطن و الجذور، كما يشكّل احتراف الكتابة عامّة و الرواية خاصّة مدار تلاقيهما و من ثمّة التباس علاقتهما،حيث يتمّ حديث الروائي عن الرواية و هي تنجز أو بالأحرى تنكتب، و حديثه كاتبا عن ماهية الكتابة التي يمارسها و مداها، في قوله:" نحن حين نكتب نوصل المديّة إلى العظم" (63). و يتجاوز الاشتراك بينهما المرتبة الأدبية ليشمل المرتبة الاجتماعية ممثّلة في مهنة الصحافة، و الانتماء الإيديولوجي إلى اليسار المعارض للسلطة و المطارد من قبلها. و هو ما يفصح عنه كريم في قوله:" محترف حرف، متابع بسبب جنون حلمه"(64). و يشكّل الفرار من الموطن وترك الوطن بالسفر إلى المغرب فتونس قبل العودة مجدّدا إلى الوطن/ الجزائر و الاختفاء في أحد أنحائه علامة تلاق أخرى تنضاف إلى السابق من علامات لتثبت عمق تداخل الميثاق الروائي و الميثاق السير ذاتي في هذه الرواية. ففعل الكتابة في  هذه الرواية يبدو مقترنا بفاجعة الموت في حال الاستجابة للكتابة كما في حال الامتناع عنها، ممّا يعلّل اختيار الكاتب أن يكون موته نتيجة الاستجابة للكتابة و ليس العكس، بسبب أنّ سيرورة الكتابة اقترنت بالدم المسفوك عبر التاريخ : "قلت : هل نسلك يوما ممّرا لا يعبّده دم. فقال : "سنظلّ نسير فلا نبلغ نهاية الطريق التي يشقّها دمنا"(65). و هو الدم الذي صيّر وجوده فجائع لا متناهية، و حمله على ترك الوطن حفاظا على كيانه المهدّد، يقول:"خرجت خائفا أنا ؟ بقيت أنت لأنك لست على هشاشة وحدتي. تحرس دم أبيك ؟ من أنساني أنا دم أختي و أخي و ألم أبي و فجائع أمي و تشردي و انصهاري. لم يكن لي حسابك ذاته مع اليأس تصفية و تلك حالي المدمرة. يائسا باغضا  ساخطا و كافرا بدين الجماهير الجديد فرية النعيم الموعود"(66).

و يتجلّى استثمار الكاتب لمكّونات عديدة من سيرته الذاتية شكّلت مدارات حكي روايته، في إعادة صياغته لمراحل مختلفة من تاريخ أناه الوجودي، بعضها يستعيد صورا شتّى من الطفولة حيث يعرض وضع أمه له، فختانه في صيفه الرابع، ثمّ ما كان من تعلّقه بمعلّمته الفرنسية سوزان، و ما جدّ من معارك المقاليع بينه و بين أنداده من أطفال الحي.كلّ هذا و يتواتر ذكر الأم         و تذكّرها في كامل مسار الرواية، إلى حدّ يتحّول معه فعل التذكّر هذا إلى نوع من اللازمة الإيقاعية التي تكشف البعد الدرامي للشخصية. وهو تذكّر يقترن بتذكّر بيتهم الريفي. و مقابل هيمنة حضور الأم المكّثف يضمر حديث الذات الساردة عن الأب ، حيث تختزل شكل وجوده ونهايته في هذا المقطع : "قد نصحني الوالد مرّة : التاجر فاجر. المسكين أبي عاش و ليا من غير كرامات وكانت أرضه شحت و حيلته كمّت فقضى غمّا"(67)، في حين يتعلقّ بعضها الآخر بجوانب من المراهقة يلوّنها العاطفي، ومن الشباب تكشف عن بعض مناخاته و طقوس ممارسة الوجود "زمن الخوذات و الليكس، القمنة و القعدات طويل الرقبة و الأنيزات"(68).

 و تبقى استعادة الذات الساردة لوقائع محنتها مطلع التسعينات و ما كان من رحيلها عن الوطن إلى المغرب فتونس طلبا للأمن وقد صار وجودها مستهدفا و مهدّدا، هي الحكي المركزي و الإطار  الذي يحوي سائر ذكرياتها الأخرى المتّصلة بمراحل حياتها السابقة منذ الطفولة إلى الكهولة. وتتأكّد مرجعية هذه التجربة /المحنة التي تشكّل القصة الإطار /و مدار حكي هذه الرواية، من خلال الفضاءات المعلنة في كلّ من الجزائر و المغرب و تونس، و التي تمتلك وجودها الحقيقي، و كذلك من خلال الشخصيات التي تعمد هذه الذات الساردة إلى ذكرها و تتميز هي الأخرى بحقيقة وجودها الواقعي أسماء وألقابا و أدوارا اجتماعية و ثقافية.

5- الرؤية السردية و تعدد الأصوات

تعدّ الرؤية السردية/أو وجهه النظر (Point de vue) المكوّن الثالث الذي يسهم – إلى جانب الزمن و الصيغة – في تشكيل أنساق الخطاب السردي و بلورة جماليات بنيته. و قد مثّلت –     و لا تزال- إحدى القضايا الأساسية التي شغلت كتّاب الرواية و نقّادها على حدّ سواء، ممّا يعلّل كثرة الجدل حولها، و من ثمّ تعدّد المقاربات المفهومية لها، و تشعبها، بسبب اختلاف المرجعيات المعرفية التي يشكّل في ضوئها هؤلاء تصّوراتهم النظرية لها، على الصعيدين الإبداعي و النقدي في آن(69).

فقد اكتنف هذا المصطلح نوع من الغموض و الالتباس، باعتبار تعدّد الدلالات المتّصلة به، إلاّ أنّ ذلك، لا يحول دون التأكيد على أنّ مدار "الرؤية" في مجال النقد الروائي يتمثّل في تلك "العلاقة بين المؤلّف و الراوي و موضوع الرواية"(70).و هي العلاقة التي يمثّل فيها موضع السارد/و صوته محور الرواية، إذ "بدون سارد لا توجد رواية"(71)،كما أنّه بدونه" سيبقى الخطاب السردي في "حالة احتمال"، و لن يتحوّل لحقيقة مادمنا لا نستطيع تصوّر حكاية بدون سارد"(72).

غير  أنّ ما يجدر الإلماع إليه – في هذا السياق – هو أنّ "السارد" ليس أبدا الكاتب، و لكنّه دور مخلوق و متبنّ من طرف الكاتب. شخصية من خيال مسخ فيها الكاتب"(73). فيكون تبعا لذلك تلك الشخصية التي يتوسّل بها المؤلّف لتشكيل عالمه الحكائي.

و تتميّز بنية الخطاب السردي لرواية :"تماسخت دم النسيان"، بقيامها على نوعين من الرؤية السردية، تتجاوران و تتداخلان وتتراوحان داخل أنساق الخطاب : أولاهما الرؤية من الخلف     و ينجزها راو كلاسيكي عليم، يعكس انفصال الكاتب عن شخصياته "ليس من أجل رؤيتها من الخارج، رؤية حركاتها و الاستماع إلى أقوالها، و لكن من أجل أن نعتبر رؤيته موضوعية         و مباشرة لحياة شخصياته النفسية"(74). و يصوغ حكيه بضمير الغائب من خلال تركيزه على الشخصية المركزية للرواية. و هي شخصية كريم. و نمثّل لهذا النوع من الرؤية السردية، بهذا المقطع :" وجد نفسه في العراء يعسوبا، كأنّ حركة المنتظرين المحمومة لا تشمله،و في الظهر برودة تجتاحه إلى قفاه، و في مشّمة وقف متلمّسا ذاته في فراغ من حوله يمتدّ بلا نهاية"(75).

أما ثانيتهما فهي الرؤية مع التي تهيمن على الخطاب السردي. و هي نفس رؤية الشخصية المركزية، "وهاته الشخصية" مركزية "ليس لأنها ترى في المركز، و لكن فقط لأننا من خلالها نرى الشخصيات الأخرى، و معها نعيش الأحداث المروية"(76).

و تأخذ هذه الرؤية التي تصوغها شخصية كريم المركزية بعدا ذاتيا، حيث يعرض فيها العالم التخييلي من منظور ذاتي داخلي، و ذلك باعتبار أنّ شخصية كريم تمثل البؤرة السردية الأساسية من بداية الخطاب إلى نهايته. و هي لا تقدم لنا منظورها من الداخل فقط و لكن خلال تمركزها على ذاتها. فكانت موضوع التبئير (la focalisation) و السرد معا و كذلك ذات كليهما في آن، مما يعلّل هيمنة الحكي الداخلي، الذي تتولىّ شخصية كريم نظمه، عبر استخدامها ضمير المتكلّم المفرد "أنا"، بالأساس، و نمثّل له بهذا المقطع : "... البارحة رأيت أمي، غير أني لم أعد أذكر بيتنا، ربما ضللته كصراط، أما النجوم فلم تكن في السماء فتحندست عني المسالك. دخلت البيوت التي جميعا سكناها، فلا أحد فيها غير برنوس أبي اتخذ في كل غرفة لون صوف كانت لأغنام توحّشت فنبتت لها أنياب بفعل ما تهجنّت من الماعز و من الذئاب أو الكلاب البرية"(77)، كما بعمد إلى استخدام ضمير المتكلّم الجمع : "نحن"، ليؤكّد على تفاعل الأنا/و الآخر، الذاتي/و الجماعي، يقول:"حياتنا نعيشها بخياراتنا و حين نساوم عليها لا يبقى لنا سوى المواجهة:"(78)، و ذلك إلى جانب استخدامه ضمير المخاطب" أنت"، في صوغه لمقاطع الحوار الداخلي ممّا يكثف البعد الذاتي للخطاب السردي / عامّة و الرؤية السردية خاصّة، كما في قوله : " و كم هاجت رغبتك أجتاح فيها ثغور جسدها، و طوح حصونها المرابطة فيها دون شرف دم الخطيئة المقدّس.فقدّمت عيناها مراسم الإجلال لنظراتك النشوى بمذاق دم التفاحة .. ثم أغمضت لك لسريان ألم اللدغة لذة الاختراق"(79).

و تتداخل هذه الضمائر السردية: أنا / نحن / أنت في مقاطع كثيرة لتكشف أنّ الناظم و المبئرّ للسرد واحد : هو كريم، و أنّ ما يتغيّر هو السرد و التبئير. و هو ما نمثّل له بهذا المقطع :"إنها تخجلني، كلّما بحثت عنك لأراك من خلالي عكستني بوجه كالح و ملامح منهزمة، فتضحك مني هازئا و لا تأخذك شفقة بي ..."(80).

و أنتجت هاتان الرؤيتان السرديتان : "من الخلف"، و "مع"، نوعين من الخطاب السردي : خارجي للأولى، و داخلي للثانية، يتجاوران ويتناوبان، و يتداخلان، لكون الشخصية المركزية التي تمارس التبئير والسرد هي المحور الأساسي للقصّة. فشخصية كريم تمارس الكتابة، وبالأساس الرواية، و من خلالها نتعرف على جوانب مهمّة من قصة حياتها، سواء عندما تركّز على ذاتها أو على محيطها، باعتبار تفاعل هذين العنصرين في عملية الكتابة و تكاملهما.

و قد أسهم هذا التعدّد في الرؤيات و الأصوات السردية إلى حدّ كبير في جعل الحكي يقدّم لنا من الداخل، كما أنّه أضفى على بنية الخطاب السردي لهذه الرواية قيمة جمالية.

تتميّز بنية الخطاب السردي لرواية "تماسخت دم النسيان"، للكاتب الحبيب السائح بطابعها الحداثي الذي تجلّى في تعدّد الأزمنة و تداخل أنساقها و إن كانت الهيمنة للزمن الاستذكاري بسبب اشتغال الكاتب على فعل التذكّر في استعادة مراحل من تاريخ أناه الوجودي الذي يتعالق و أناه الجماعي لتاريخ الجزائر الحديث و المعاصر، ممّا كشف عن تعالق الميثاقين الروائي/التخييلي، و السيرذاتي/المرجعي و تفاعلهما في تشكيل عوالم الحكي. كما يكّرس تعدّد صيغ الخطاب        و تنوّع أنساقها هذا الطابع الحداثي، حيث أنتج تنوّع الصيغ خطابات متعدّدة يتقاطع فيها الذاتي  و الموضوعي، الروائي و التاريخي، المتخيّل والمرجعي، الواقعي و العجائبي، الشعري و الصوفي.    و هي خطابات أغنت بنية خطاب هذه الرواية جماليا و دلاليا و شكّلت تنويعات له. وقد تجلّت في ثلاثة أنماط من الصيغة هي: الخطاب المسرود و الخطاب المعروض والخطاب المنقول، مع هيمنة للخطاب المسرود الذاتي باعتبار اشتغال الكاتب المكثّف على الذاكرة فضلا عن كون الذات تشكّل موضوع التبئير و السرد في آن. و قد وسم التعدّد و التداخل الرؤية السردية التي انبنت على نوع من المراوحة بين الرؤية من الخلف، و الرؤية مع، و إن هيمنت هذه الأخيرة فبسبب هيمنة شخصية كريم،التي تمارس التبئير والسرد معا، فضلا عن تشكيلها الموضوع الأساسي لكل منهما.

كلّ هذا، يكشف أن جماليات بنية الخطاب السردي لرواية "تماسخت"، لا تتأسّس على منطق التعاقب و إنما على منطق يستمدّ نظامه من فوضاه السردية، علامة دالّة على فوضى جزائر التسعينات و قد سادتها أجواء الفتنة و مناخات المحنة.

 

 

تحميل المقال

Appel à communication