January 2017
S M T W T F S
1 2 3 4 5 6 7
8 9 10 11 12 13 14
15 16 17 18 19 20 21
22 23 24 25 26 27 28
29 30 31

روايات الطاهر وطار بين قيود الأدلجة و حداثية الكتابة

 

نورة بعيو

جامعة تيزي وزو(الجزائر)

 

إن معالم/ملامح الحداثة في روايات الطاهر وطار لا يمكن حصرها في جانب محدد، وذلك بسبب تفرع هذه الملامح في كل نص روائي جديد يكتبه، ففي كل مرة كان وطار يجرّب طريقة جديدة في الإبداع الروائي، ويفاجئنا بالمغاير والمختلف، وهنا مكمن الحداثة عنده. إلاّ أن هذا التمظهر اتّضح أكثر على مستوى المنظور/ الرؤيوي والإيديولوجي مقابل المستوى التقني والجمالي الذي انصب هو كذلك في أطر محددة مثل: التلاعب بالزمن وتغريب المكان، وتوظيف مختلف الأشكال التعبيرية الأدبية وغير الأدبية، وكذلك اللجوء إلى تقنية التناص والمناص، وأخيرا اشتغاله المميز على اللغة الروائية وخاصة في روايته الأخيرة "قصيد في التذلل".

ولتحليل هذه العناصر والتدليل عليها بشواهد مناسبة ارتأينا أن نقسم الموضوع إلى عنصرين بارزين هما:

أولا - رؤية الواقع والتوجه الإيديولوجي في نصوص وطار الروائية:

إن العديد من المصطلحات والإجراءات النقدية المعاصرة قد ارتبطت بشكل واضح ومستمر بجنس الرواية مثل: المرجعية- السياق- الإيديولوجية- السرد- التعددية الصوتية- المؤلف الضمني- سوسيولوجية المضامن... الخ فالمتتبع للكتابة الروائية الوطارية يلاحظ أنها تتناسب ومراحل تاريخية معينة، فانطلاقا من السبعينيات إلى أواخر التسعينيات، نلمس هيمنة النقد الاجتماعي، الذي كان مهما في مرجعية الكتابة كمنطلق وكهدف في الوقت نفسه.

ولربما هذا ما يجعل أجيالا متعاقبة تقرأ هذه الروايات قراءة مختلفة، ذلك أن جيل بداية الألفية يقرأ رواية "اللاز" أو "الزلزال" كما قرأهما جيل السبعينيات، والأهم هو أنها تقرأ، لماذا؟ لأن هنالك تقاطعا بين الأجيال يعود إلى العنصر الجمالي المؤثر في هذه النصوص، والذي قام على العنصر الاجتماعي- التاريخي المفعّل لجمالية النص الروائي.

لقد تميّزت المرحلة الأولى لكتابات وطار بانتشار الفكر الاشتراكي الواقعي في الأدب الجزائري بكل أبعادها الإنسانية، وهذا ما أسهم في تعميق التفاعل الإيجابي بين الإبداع الروائي والمحيط الخارجي، وهكذا يتطور النقد الجمالي من منطلق جدلي وكأن الخارج-نصي بكل تناقضاته وصراعاته هو الذي يحقق المتعة الجمالية، وبالتالي فكل ما هو جمالي إيديولوجي.

لقد اهتم وطار بالمكون الإنساني والاجتماعي المليء بالنقائص والتغيرات، باحثا عن طرائق تجاوزه كإيقاظ الضمير الجمعي لأن التغير إلى ما هو أفضل حلم الجماعات الكادحة والمحرومة في المجتمع، فهذا الاهتمام دفع بوطار إلى استثمار بعض التقنيات الروائية لخدمة المنظور الإيديولوجي، كالشخصية الحكائية التي لا تعود قيمتها الفنية إلى موقعها الاجتماعي التاريخي بل إلى قدرة المؤلف وذكائه في تحديد ملامحها المعنوية والإيديولوجية كما أكد ذلك الناقد الروائي وسيني الأعرج، بل إن وطار يقولب مختلف شخصياته ضمن مبادئ الواقعية الاشتراكية ليحقق جماليتها « ففي رواية "اللاز" يجعل الشخصية المحورية تتحمل كل أعباء وهموم الجماعة / الشعب الجزائري عندما يصور بعمق وقدرة فنية فائقة مختلف العلاقات القائمة بين الشخصية والمجتمع ».

وعليه فإن جمالية الكتابة الروائية عند وطار تختزل في قدرته على هضم المضامين الاجتماعية بكل صراعاتها وسلبياتها وفق منظور الواقعية الاشتراكية، وخصوصا في فترة هيمنة الحزب الواحد « فالروائيون الجزائريون في هذه المرحلة كانوا على الصعيد الإيديولوجي أبناء عصرهم في الغالب يساريين متشعبين بقيم الفكر الاشتراكي، التي لم تكن ملكا للمبدع وكان يوظفها في خطابه السردي الموجه للمجتمع ». الأمر الذي يجعل القارئ لروايات وطار يقف عند بعض الإجراءات النقدية التي تتناسب وهذا التوجه الفكري والإبداعي عنده، ولعل الإجراء الأنسب في رأينا هو مصطلح رؤية العالم الذي اعتمدته سوسيولوجيا النقد الجدلي من خلال منهج البنيوية الشكلانية للوسيان غولدمان، الذي ذهب إلى أن رؤية العالم في أعمال كاتب/ مبدع معين هي عبارة عن مجموع الأفكار والأحاسيس التي تهيمن على فئة بشرية تعيش أوضاعا اقتصادية واجتماعية متشابهة هي بمثابة موقف إيديولوجي يتعارض مع فئة أو فئات أخرى.

         وللكشف عن هذه الرؤية في كتابات وطار يمكن العودة إلى المرحلة التي أُبدعت فيها –بداية السبعينات- وأواخرها أي من "اللاز" إلى "الزلزال" و"الحوات والقصر" ووصولا إلى "عرس بغل"، ففي رواية "اللاز" يرتكز حلم الطاهر وطار على ضرورة تغيير الأوضاع عبر تلك القناعة الفكرية والإيديولوجية التي سيطرت على "زيدان" وأتباعه بشكل متباين، ربما بسبب تفاوت درجة استيعاب كل واحد للموقف الإيديولوجي الذي تأكد في العبارة التي كان يرددها "حمو" و"اللاز": "ما يبقى في الوادي غير حجاره." ودلالتها توحي جزئيا بانتشار الوعي الطبقي بين الأوساط  الشعبية المحرومة والمهمشة، مستفسرة عن مصير هاته الفئات بعد الاستقلال.

علما أن الرؤية عنده أو لنقل في رواياته الأولى هذه قد أخذت منحى إيديولوجيا في "الحوات والقصر". ينطلق وطار من الحاضر المتعفن والمزيّف إلى عالم تخييلي يرتكز على الأسطورة والحلم بهدف الحرية والتغيير لذلك يجعل أبطاله يتجاوزون كل العقبات، رافضين مختلف أشكال الفشل والاستسلام مثلما فعل في هذه الرواية –الحوات والقصر- فالبطل "علي الحوات" يقود مسيرة باتجاه قصر السلطان الذي يرمز لتطلعات الجماهير الكادحة، فهو ذهنيا يحمل مشروعا للوحدة الشعبية ضد الاستلاب الفكري والقهر الاجتماعي.

أما في رواية "الزلزال"، فيصور الروائي الجزائر بعد الاستقلال، بطلها إنسان عاقر، يرفض قانون الثورة الزراعية، سلاحه في ذلك الشرعية الدينية. لقد عايش "بولأرواح" انهيار عالم وقيام آخر جديد، فيشعر بزلزال نفسي عنيف إثر الصراع الذي يستجد بينه وبين قوى معارضة له / أي بين الحاضر الغريب المفروض الذي لم يعرفه، وماضٍ رجعي ولى، يفشل في تقبل هذا الوضع الجديد، يدعو لأن تُصاب مدينة قسنطينة بزلزال يأتي على كل شيء، كما يفكر في أن يقذف بنفسه من أعلى الجسر.

إن خطاب الزلزال يقرّ بنهاية طبقة الإقطاع وملاك الأراضي، فهي عقيمة لا يمكنها أن تستمر مع الأجيال الصاعدة المبشرة بوعي جديد. وفي أواخر السبعينات ومع إبداع رواية "عرس بغل" ينتقل وطار من البطولة الجماعية/ الوعي الجمعي إلى البطولة الفردية التي تتواجد في ذاتية شخصية "الحاج كيان" وليس كموقف من المجتمع. يكوّن لنفسه عالمًا خاصًا به عندما يتردد على المقبرة ويعيش عزلة واضحة عن وسطه الاجتماعي في بحثه الدؤوب عن الحقيقة يحاور الموتى بواسطة استحضار بعض الرموز التاريخية العربية كالمعتصم والمنتصر وخولة أخت سيف الدولة وغيرهم.

بهذا يهرب "الحاج كيان" من واقعه المأساوي المتأزم إلى الماضي بطريقة ساخرة موازيا بين ماضٍ مستقر مجيد وراهن فوضوي متدهور، يقول السارد: « ملايين البشر يقفون على حافة الجرف، الأجراف تهوى هم أيضا يهوون، المواقع تختلف، بعضهم يغمره التراب، بعضهم في أسفل السافلين... الجميع في الهاوية، والجميع ضد الهاوية.» إن عمق الرؤية في "عرس بغل" تكشف قساوة المجتمع الجزائري وتصدع بنيته، مدلّلة على ذلك بالهلاك والاندثار اللذين تتعرض لهما أغلب الشخصيات.

في رواية اللاز / الكتاب الثاني يواصل الطاهر وطار تجربته في تحديث الكتابة الروائية حاملة الرؤية التي بدأها في نص "اللاز" / الكتاب الأول، وذلك عندما يتطرق إلى وضعية الثورة بعد الاستقلال من خلال بروز الحركة الطلابية ذات القناعة الإيديولوجية مُمثلة "بجميلة" الطالبة الشيوعية و"ثريا" اليسارية المتطرفة مقابل الفكر الديني المتعصب الذي حاول أن يجهض مبادئ الثورة الزراعية التي استلهمت أسسها الإيديولوجية من الفكر الاشتراكي، يقول السارد على لسان جميلة: « إنك يا جميلة منتصرة، قهرت الظروف والمحيط والذات، انعتقت تمامًا، حتى بلغت حد النضال من أجل إعتاق غيرك، إعتاق الجزائر من هيمنة الإقطاع وتسلط الاستغلاليين. إعتاق الجزائري من الاستغلال والظلم والعنف.

« مناضلة، إنك مناضلة، مناضلة رفيقة يا جميلة...لها الشجاعة الكافية، لترفع عقيدتها بلا تردد ولا خوف ولا خجل:  إيه شعبية ثورة زراعية

إيه شعبية تسقط الرجعية

إيه شعبية ثورة اشتراكية

ما أروع ذلك، آه ما أروعه».

وأخيرا هناك نقطة، ربّما شكلت همزة  وصل أو محطة رابطة وقف الطاهر وطار فيها ليودع ولو نسبيا تجربته الأولى حيث هيمن المضمون الإيديولوجي الاشتراكي على أغلب نصوصه، فكان المنطلق خارج نصي، أما في أواخر الثمانينيات، وبإبداع رواية: "تجربة في العشق" حاول أن يمارس نوعا خاصا من  الكتابة تعتمد المنولوج كقناة لإرسال خطاب معين والتعبير عن رؤية / رؤى تخص الراوي / البطل عانق من خلالها الأسطوري بالتاريخي والإيديولوجي وكل هذا بالإشاعات والمغالطات في ظل مطلقية زمنية للحاضر. وكأن بالطاهر وطار يدرك  أن الراهن الجزائري، ولا سيما بعد أحداث  خمسة أكتوبر 1988 لم يعد يفرق بين الحقيقة والوهم، وبين الخطأ والصواب، ثم بين الوطني الحقيقي والوطني الهجيني... الخ من المفاهيم التي أضحت غير مقنعة لجزائر حققت العديد من المكاسب بعد الاستقلال. لذلك نجده عاشقا من نوع مغاير على صعيد الحب والإبداع وكذلك الكتابة. مما يصعب على قارئ "تجربة في العشق" الإمساك بكل خيوط القصة.

إذن بدأت خيوط الرؤية الأولى تتلاشى عند وطار، حيث صار يتعامل مع معالم أخرى فوق واقعية وإن كان الواقع المعيش وفي كل مرة يتخفى وراء عتبة العنوان تارة، والأسطورة والأجواء الصوفية وكل ما يمكن استلهامه من المصادر التراثية والشعبية المحلية والعربية وكذا العالمية تارة أخرى.

ونلاحظ هذا التوجه مع بداية العشرية الحمراء والسوداء من القرن الماضي، وذلك في نصه "الشمعة والدهاليز" التي اعتمدت المراوغة الفكرية ولجوء الكاتب إلى عالم الصوفية عبر جدال عميق بين مشاعر مثقف ومهندس مختص في النفط وهو قيادي إسلامي. ولربما كان هدف وطار من هذه المناظرة البحث عن مصداقية قناعات كل طرف على حدة حتى يتوقف جريان بحر الدم في جزائر التسعينيات وإيجاد حلول  منطقية وواقعية تقتنع بها كل الفئات الشعبية ويتجسد الأمن الاجتماعي لكل الأفراد.

وإن وسع وطار رؤيته السابقة، بإضفاء البعد القومي والإنساني، وذلك لما يستشرفه مستقبلا من تحولات محلية وعالمية يقودها الاشتراكيون أو المعسكر الشرقي كما أكدت ذلك شخصية "عبد الرحيم" من واشنطن بعد خطاب مليء بالاستياء حول مصير العرب والأوروبيين والأمريكيين، لأن المستقبل للعملاق الأصفر « سيداتي سادتي، وردنا قبل قليل أن وزراء دفاع الصين وكل الدول الأسيوية مضافا إليها روسيا، شرعوا في اجتماعات تكتنفها السرية التامة.

ومعلوم أن العملاق الأصفر لا يهمله الألمان من حساباتهم السياسية، لم يعلن عن موقفه مما حدث ويحدث بعد ويرى المراقبون في هذا الاجتماع خطوة نحو تشكيل جبهة شرقية تتمتع بكل إمكانات الردع والدفاع والهجوم ».

ومن يمكن تأكيد هذه الملاحظة هي أنّ الروائي الطاهر وطار بقي متشبثا برؤية تفاؤلية أقامها على مبادئ الفكر الاشتراكي الذي يحقق العدالة لكل البشر والمناهض للفردانية والظلم والتمييز الاجتماعي، لذلك نجده يلجأ إلى عوالم غير واقعية يلتمس فيها طهارة النفس الإنسانية باحثا عن مصادر الحب النقي، داعيا الله أن ينجي العباد من كوارث على وشك أن تقع وخاصة في روايته "الولي الطاهر يرفع يديه بالدعاء" « يا كافي الألطاف نجنا مما نخاف».

ومن هنا يمكن للقارئ أن يستجمع الروايات الثلاث: "الشمعة والدهاليز" و"الولي الطاهر يعود" و"الولي الطاهر يرفع يديه بالدعاء" ويقرأها على أنها ثلاثية، حيث أن التوجه الإيديولوجي للطاهر يصب في الإطار نفسه، هو القراءة النقدية للراهن المحلي والإنساني بهدف تعريته وتغييره، وسيلته في ذلك العزلة والاختلاء مع الذات للتأمل والدعاء. وإذا توقفنا عند التقنيات التي اعتمدها الروائي من أجل إيصال خطابه، فإنه يمكن القول إنها تندرج في الخط الحداثي الذي حاول أن يجد ملامح / شعرية خاصة بالإبداع الروائي الجزائري المعاصر، أي هل حاول وطار مع غيره من المبدعين إبداع شكلٍ يرتبط بكتابة الرواية الجزائرية، ومن ثم التأكيد على هوية هذه الرواية وشروط انتمائها؟

إن الإجابة بنعم لا تعني أن الروائي الجزائري كان همه الواقع المعيش وقضاياه المختلفة، أو اللغة الموظفة في الإبداع، بل يعني أن هذين العنصران غير كافيين للتوقيع على أصالة وهوية الرواية الجزائرية، لأنها كتابة لم تخرج عن الواقعية النقدية والرواية الجديدة.

إن المقصود من هذا الطرح هو كتابة رواية جزائرية حقيقية، أي إيجاد شكل يحقق لها محليتها وطنيا ومغاربيا على الأقل، بتوظيف كل المكونات المرتبطة بالجنس الروائي.

يقول الروائي إبراهيم سعدي: « يبدو أن الشكل في الرواية أقل ارتباطا بواقع الكاتب، بالقياس إلى مكونات الرواية الأخرى، مثل الموضوع والحكاية والشخصيات والزمان والمكان. الرواية الجزائرية لم تبلور بعد، مدرسة سردية محلية خاصة... باستثناء بعض المحاولات الجادة ولكنها قليلة مع ابن هدوقة والطاهر وطار...»

فعندما نتلقى روايات وطار هل نتحسس أننا بصدد قراءة أن المجتمع الجزائري نعرفه بماضيه وحاضره، ونتقاسم معه مستقبلا مرتقبا جديدًا، أم أننا نقرأ مجتمعا غريبا عنا، كتب بطريقة فولكلورية فرضت علينا استعاريا بمبرر المثاقفة والانفتاح على الآخر، فعلا ولكن أن يتجسد هذا المنطق وفي حدود التأصيل التميّز؟

من هذا المنطلق، وبهدف الوصول إلى مختلف العناصر الحداثية التي ميّزت روايات وطار، يجدر بنا تسجيل ملاحظة مفادها أن الكاتب وفي أغلب نصوصه اشتغل على موضوع اللغة، أي سجل موضوعات محددة حملت رؤية واحدة أو رؤى تصب كلها في المنبع نفسه، هو التوجه الإيديولوجي الاشتراكي، الأمر الذي جعله يؤدلج مختلف المكونات الفنية كالشخصية الحكائية والزمن الحكائي، زمن السارد ولغة الرواية، والكل كان يتحرك بيد المؤلف الضمني ويُراقب بعين القناعة الإيديولوجية للمبدع الطاهر وطار، ومع ذلك فيمكن أن نكشف عن بعض الإمكانات الحداثية في إبداع وطار تتناسب وقدرته الفائقة والذكية في الاستفادة من مكونات هذا الجنس النثري، وتكييفها مع ما يلائم الإستراتيجية التي خطط لها والمقصدية التي ترصدها في كل مرة، لذلك يمكن القول إنه أحيانا كان يشتغل على اللغة، أي البحث عن صورة اللغة وتشخيصها عبر الكلمة الروائية كاستعمال المحاكاة الساخرة والمشترك اللفظي، وعبر استثمار تقنية الكتابة الروائية المعاصرة كاللجوء إلى توظيف التناص، والميتناص، والمناصات المختلفة بالإضافة إلى اعتماد ثنائية السوابق واللواحق، وتغريب المكان... الخ

التناص / الوحدات المتخللة. Genres intercalaires

يتعالق النص اللاحق (أ) مع النص السابق(ب)، فيتفاعل ويتداخل ، ليحوله (أي أ) إلى نص جديد تتراكم فيه مجموعة من النصوص المتشابكة والمتداخلة يشكل كل نص وحدة / قطعة على حسب تعبير "جوليا كريستيفا" ليصير قطعة فسيفسائية.

والروائي يلجأ إلى إدخال هذه الأجزاء النصية الأدبية والنصف أدبية والخارج أدبية لتحقيق قصدية معينة، بواسطة الاقتباس الحرفي أو التضمين أو التلميح. وقد انحصرت الوحدات التي تخلّلت أغلب نصوص "وطار" في النماذج الآتية:

أ‌-   توظيف المثل الشعبي:

إن إدراج المثل الشعبي في الرواية يغني عالمها الدلالي بحسب السياق النصي الذي يموقع فيه هذا المثل أو ذاك، كما أنه بنية صغرى يمكن أن تسهم في عملية التشكل السردي Romanisation ليصير جزءا من جنس الرواية باعتبارها بنية كبرى منفتحة على كل الأجناس والخطابات.

لقد وُظف المثل في "اللاز": « ما يبقى في الوادي غير حجاره » ليعلن عن المغزى العام للخطاب ككل في مواقف عديدة ومواقع متباينة على لسان السارد تارة وعلى لسان إحدى الشخصيات تارة أخرى.

لقد أدرك المؤلف القدرات العديدة التي يمكن أن يتوفر عليها هذا المثل الذي رجع إليه حتى في رواية لاحقة "العشق والموق في الزمن الحراشي / اللاز الثاني" من تكثيف المشهد السردي وإضفاء الصيغة المحلية على الخطاب الروائي، لأنه الحامل للتصورات التي سادت في حقبة تاريخية معينة، وفي مواقف ماضية تتكرر في الحاضر مع مجموعات اجتماعية أخرى، ومبرر ذلك هو العنصر الحجاجي والإقناعي الذي يمنح المثل مشروعية في أن يؤكد المتكلم أو ينفي موقفا اتجاه محيطه الاجتماعي، دون إغفال الحمولة الإيديولوجية التي يضعها الروائي في بنية المثل لتخدم نواياه الخاصة من جهة وتؤثر في نفسية المتلقي من جهة ثانية.

وإذا نظرنا إلى أهمية المثل الشعبي في التنوع الكلامي والأسلوبي حيث تتضح فنية المثل أكثر في جانبه الإيقاعي والموسيقي، من خلال  الفواصل المسجوعة والتقابل اللفظي المتوفر فيه كقول المتكلم في "اللاز" « سال المجرب ولا تسال الطبيب »، كما أن الأمثال في روايات وطار تباينت من حيث الإيجاز والطول تحقق المتعة الروحية والجمالية للخطاب السردي، دون إغفال جانبها الدلالي المتمثل في إسقاط الواقع الاجتماعي والسياسي الجزائري أثناء الثورة وبعدها.

ب‌-     توظيف الخطاب القرآني والديني:

لقد جعل الطاهر وطار النص القرآني بخاصة والخطاب الديني بعامة يتخلل السياق الروائي بمستويات متباينة بحسب طبيعة الموضوع المطروق والرؤية التي يحملها النص، حيث كان نادرا في رواياته الأولى وتكثّف بشكل واضح في رواياته الأخيرة ولا سيما في "الولي الطاهر يعود" و"الولي الطاهر يرفع يديه"، سواء بشكله الحرفي أو الضمني كما تؤكده هذه الشواهد وغيرها التي اقتبست من النص القرآني اقتباسا حرفيا كقول السارد في رواية "الولي الطاهر يعود": « فلا تعمى الأبصار وإنما تعمى القلوب التي في الصدور ». 

وقد يكون ضمنيًا كقول إحدى الشخصيات: «إنه من نار فكيف يكون له جنس» وغيرها في الرواية نفسها(*)، بالإضافة إلى تكرار الأدعية المختلفة يُلاحظ كذلك توظيف الخطاب الديني في روايته الأخيرة "قصيد في التذلل" ولا سيما شكله الضمني كما جاء في رد حوار لأحد الشخصيات: « ... تتحدث عن الحب وكفى الله الشعراء الكذب » و« دعك منه، الشعر كدعوة الشر، يقام من تلقاء نفسه ويُصيبك من حيث لا تتوقع...»، حيث يمكن إرجاع منبع هذين الملفوظين إلى قوله تعالى: ] والشعراء يتبعهم الغاوون في كل واد يهيمون يقولون ما لا يفعلون، إلاّ اللذين... [. ولا يمكن أن ننكر العمق الدلالي في هذا التوظيف الساخر لموقع الشاعر في المجتمع المعاصر مع كل القيمة التي حظي بها في العصور الماضية، وإن كانت حسب السياق النصي منحصرة في جانبها المادي أكثر، حيث يتذكّر الشاعر بنصه الشعري مقابل مقدار من المال.

وفي "اللاز" / "العشق والموت في الزمن الحراشي" يستلهم "وطار" من سورة الكهف فكرة النقاش حول مدى بقاء الشباب المؤمن داخل الكهف، والأمر نفسه يحدث للناس عندما يتجادلون حول مسألة هوية "اللاز" يقول السارد: « اللاز بقي في بطن أمه عدة قرون. لا تسع سنين، لا سبعا...».

 

ج- توظيف الخطاب الخرافي وأسطرة السرد:

يتحقق هذا التوظيف دائما في إطار الممارسة التناصية بهدف تعميق الفعالية الإبداعية وكذلك مساجلة ومعارضة ومراجعة الكثير من القناعات الثابتة والوثوقية، فيبتعد عن سلبية الراهن محاولا تجاوز عالم البشر إلى عالم أعلى وأمثل.

ففي رواية "تجربة في العشق" يلجأ وطار إلى الأساطير الإغريقية والفرعونية معمقا حركة الصراع الذي نشأ في المحيط الاجتماعي بين الوزير ومساعديه والهيئة الاستشارية يقول الناقد "عاطف جودة نصر" « وبذلك صارت الرواية عالما حيويا بصراع الأرباب والآلهة والقوى الكونية المتشاحنة».

كما يتأسطر السرد بكثافة في روايتي "اللاز" / "العشق والموت في الزمن الحراشي" و"الولي الطاهر بعود إلى مقامه الزكي" يقول السارد: « اللاز له سفرة كل ليلة جمعة وكل عيد يُسافر سيّدنا إلى حيث لا يعلم أحد، يترك جثته في منعرج ما من منعرجات القرية...».

 د- توظيف الخطاب التاريخي والتوثيقي:

نظرا لأهمية التناص التاريخي نجد العديد من الروائيين العرب المعاصرين يعتمدونه لأهداف دلالية وأسلوبية لغوية كثيرة، فالروائي لا ينسج الوثيقة التاريخية بل يعيد قراءتها من خلال استحضار مجموعة من الشخصيات التاريخية التي عاشت مواقف جد مؤثرة، كما كان الحال مع حركة القرامطة التي قام  "الطاهر وطار" بإسقاطها على الحركات الثورية المغدورة والمختطفة في عالمنا العربي، يقول السارد معلقا على بعض ما قرأه في المجلات التاريخية الرسمية: « أيها التاريخ لست سوى ما يكتبه الأعداء المنتصرون عند الخصوم المنهزمين ».

إن الروائي يراوح بين الوقفات التاريخية القديمة ومواقف الواقع الاجتماعي والسياسي الذي يعيشه الجزائريون بخاصة، والعرب بعامة، فيلجأ مثلا إلى تعرية المنظومة الثقافية والعلمية الجزائرية، منتقدا بعض السلوكات السلبية التي يمارسها موظفو وزارة التعليم العالي فيما يتعلق بتبذير أموال الدولة / الثورة الجزائرية كإطار محلي في رواية تجربة في العشق. بينما وبفكرة الاختلافي سيعرض مآسي الأوضاع الاجتماعية والسياسية في بعض البلدان العربية معتمدا على طريقة التقارير والوثائق التاريخية الرسمية بأسلوب فيه الكثير من الاستياء والسخرية، ولا سيما في الحوارات المختلفة التي تتخلل سرد الأحداث في رواية: "الولي الطاهر يرفع يديه بالدعاء" حيث يحاور الشخوص في قضايا خطيرة تهم المشرق العربي ومغربه انطلاقا من حرب العراق إلى سوريا إلى منظمة الدول العربية، والبلدان النفطية، وكأن بالمبدع وعبر كل هذه الخطابات التاريخية التوثيقية المعاصرة يعمق رفضه لفساد الأنظمة العربية سياسيا وفكريا، فالأزمة هي أزمة رجال وليس أزمة مساحة جغرافية، أو ثروات طبيعية أو كفاءات بشرية، حيث لا نعثر على بلد عربي ينعم أفراده بالأمن الاجتماعي أو الاستقرار السياسي أو الانفتاح الإعلامي، فالفساد والتدهور في كل مكان.

هـ- توظيف الأجواء الصوفية وخطاب المقامات:

إن محاولة تجاوز مظاهر الفساد واختلال الموازين في المنظومة القيمية للمجتمع، وتكرار التفاصيل اليومية وآثارها النفسي والذهني عبر آلام وفواجع "الحاج كيان" في نص "عرس بغل"، يدفعه كل ذلك إلى عوالم المتصوفة في المقامات وبين الأضرحة، وكأنه يبحث عن مراجعة ذاته ومصارعتها بطريقة إشراقية واضحة، يقول البطل "الحاج كيان":

« غرباء وسط الفراغ والعدم

 نتلقى الأبعاد كلها ويتشكل البعد

الكلي في الزمن الكلي

 وفي الكائن الكلي

ما اليوم ما الليلة؟ ما الشهر والسنة؟

ما القرن والدهر

لولا خدعة الموت لما كان لذلك معنى

الموت نفسه لولا خدعة الرؤية الفردية

لما كان له معنى في آخر البعث، ليس هنالك سوى الكائن الكلي...».

فقبل نهاية العشرية السوداء يواصل "وطار" عملية استقراء الحلول حتى تحقن دماء الجزائريين، فيستعين بالولي الطاهر الذي يعتقد أن الحل لأزمة الجزائر أو الوباء كما جاء على لسان إحدى الشخصيات، يتوافر في عوالم التطهير وصفاء النفوس هي للكرامات التي يمتلكها الولي الطاهر وهو يحاول استعادة مقاومه الأول / الزكي، يقول السارد "رابح الولي الطاهر" ينادي بأعلى صوته: « يا من هنا، يا من هناك، أنتم يا معشر المريدين والمريدات، أنا شيخكم، الولي الطاهر صاحب المقام الزكي أعلمكم بعودتي».

ويتذكر "الولي الطاهر" صوت المرأة التي قالت للناس يوما: « لولينا الطاهر كرامات، كثيرات، فلم السؤال عني يكون إحراجا... ».

والملاحظ أن "الطاهر وطار" بدأ يستغني عن مثل هذه الأجواء والخطابات وتفسير ذلك ربما يعود إلى تغيّر الظروف الأمنية وتعدد القناعات الإيديولوجية في المجتمع الجزائري، وبخاصة في نصيه الولي الطاهر يرفع يديه... وقصيد في التذلل. حيث انشغل الكاتب بقضايا أخرى، وكأن تحذيرات الولي الطاهر أخذت طريقها إلى الممارسة ونظيف إلى هذا الملمح الحداثي في روايات "وطار" المرتبط بظاهرة التناص، ظاهرة أخرى نوّع فيها كثيرا وخاصة في أعماله المتأخرة جدا، تتعلق بالمناص والعتبة النصية، وذلك بمنظارين:

-   الأول يتعلق بصفة التحوّل التي ميّزت تفاعل المؤلف مع فصول كل رواية، حيث نجده في "الولي الطاهر يعود إلى مقامه الزّكي" يعتمد عتبة الإهداء وكلمته الخاصة المثقلة بالرؤى والمواقف المختلفة تجاه العديد من المسائل والمسلمات، ويختم نصه بهبوطات متباينة على شاكلة الخواطر وبين البداية والنهاية نجد عنوانين يتفرع كل واحد منهما إلى مجموعة أعداد متقاربة.

-   أما ما نقرأه في "الولي الطاهر يرفع يديه بالدعاء"، مجموعة من العناوين تتباين من واحد إلى آخر من حيث عدد الصفحات تماشيا لطبيعة محتوى السياق النصي فمثلا: "التأرجح المتقاذف" أصغر حجما بكثير من "رسالة من تحت السواد الدامس" بالإضافة إلى عتبة الإهداء كما فعل في نصه السابق، ونفس العتبة يستثمرها وطار في آخر رواياته: "قصيد في التذلل"، وما يلاحظ أنه مع كل إهداء، فإنه يهديه إلى النخبة العربية من مثقفين ومبدعين ومفكرين ونقاد، فمن "حسين مروة" إلى الروائي الليبي "إبراهيم الكوني".

ولهذا الانتقاد من لدن المؤلف دلالة واضحة هي قناعته المتضمنة ثقته الكبيرة في المثقف العربي الحقيقي، المثقف المسؤول والواعي لأي حراك اجتماعي محليا وقوميا وكذا عالميا.

وربما عتبة الإهداء في نص "قصيد في التذلل" هي التي جعلت الروائي يعالق بين عنوان القسم الأول من المتن "الرهن" وعنوان القسم الثاني منه "البيع" ذلك أن المنطق السليم يستوجب للشراء بعد تأكيده إجراء الرهن كضمان للشخص، أما أصحاب العقول الضعيفة، فإنهم يوقعّون خطوة "الرهن" ليبيعوا أنفسهم. فماذا يبقى؟!!

والمنظار الثاني يرتبط بتعالق عتبة العنوان في بعض الروايات وبعض التحليلات والتعليقات التي نقرأها على ألسنة السارد أو بعض الشخصيات الحكائية، مثلما يلاحظ القارئ في رواية "اللاز" / "العشق والموت في الزمن الحراشي" وخاصة في كلام المتحاوين، إذ يستفسر أحدهم عن قصدية هذه العبارة "الزمن الحراشي" وذلك عبر صفحات متتالية: «- ما هو الزمن الحراشي"

آه، ذلك اصطلاح، لن تدركيه يا جميلة إلاّ إذا اصطحبتني يوم الجمعة القادم إلى سوق الحراش

...آه هذه هي إحدى حقائق الزمن الحراشي.

...بشكل أو بآخر، إنهم إطارات ولصوص الأمة، يأتون إلى هنا ليمتزجوا بالزمن الحراشي»

والتقليد نفسه مارسه "وطار" في "قصيد في التذليل"، مستشهدا بشاعرية أبي الطيب المتنبي تارة على لسان السارد الذي يكرر عتبة العنوان كلية في قوله: « لو أن الإمارة تمنح للشعراء، أيها الشعراء، لكان أبو الطيب المتنبي، أول أمير، فقد سعى إليها بكل جهد وإخلاص، نظم ألف وألف قصيد في التذلل ولم يصدقه أحد، من يصدق الشاعر، وأعذب الشعر أكذبه...» أو يكرر جزءًا منها كقول أحد المتحاورين مستهزئا: « وإلاّ كيف يكون التذلل» أو « وهذا التذلل المتحفظ» فعلا لو كان التذلل يغني صاحبه لكان قد توّج المتنبي بإمارة الشعر، وحجة ذلك أن ذهنية الفرد العربي تدرك أن الشعر نفاق وكذب، والمثقف / الشاعر لا يزيده التذلل إلاّ تهميشا وتجاهلا. لذلك ما قيمة التذلل؟!

المشترك اللفظي:

وهو مصطلح شكلاني يندرج ضمن المحفزات اللغوية، حيث نقرأ تكرارات كثيرة لبعض الملفوظات كالأدعية والأمثال كما كان الشأن في روايات اللاز / العشق والموت في الزمن الحراشي، وأيضا في رواية "اللاز" التي احتل فيها المثل الشعبي فضاءً واسعا. فهو مشترك لفظي، باعتبار أن دلالته تتغير من سياق نصي إلى آخر. يقول السارد ناقلا أحد الحوارات: « علق الشيخ الربيعي في نفسه على ما التقطت أذناه من تأوهات شيخين وغيرهما كانوا واقفين في الصف الطويل أمامه...إننا كما عرفنا أنفسنا منذ خُلقنا ... ليس لنا من الماضي إلا المآسي... تتآكل كالجراثيم.

وملأ صوت صادر من خارج القاعة

"ما يبقى في الوادي غير حجاره »

لقد حمل المثل هنا دلالة كلها ظلامية ورؤية سلبية تشاؤمية، التي عبر عنهما الشيخ الربيعي الناقم على الوضع الذي آلت إليه البلاد بعد أن ضحى من أجلها خيرتها من الشباب والشيوخ  لتنعم بالرفاهية والحرية والاستقرار، ولكن الحقيقة صواب والكذب لا ينفع أحدا. وفي سياق مغاير، وعلى لسان شخصية "حمو" مخاطبا "اللاز" بعده وصايا: وجب أن أختفي من القرية، تخلفني أنت، إنك تعرف كل شيء عن تهريب الجنود الجزائريين من الثكنة، سيأتيك الأخ المناضل المكلف بهم ... كلمة السر بينك وبين المناضل هي: ما يبقى في الوادي غير حجاره، يقولها ثلاث مرات.

إن دلالة المثل هنا إيجابية، ارتبطت بالروح الوطنية وعمّقت صلة التضامن والوفاء بين الإخوة الثوار وفي سياق نصي ثالث يدل المثل نفسه على المأساة التي يعاني منها بعض الثوار الذين يُفترض أنهم عماد الجزائر المستقلة، في حين أنهم صاروا يتعرضون للتصفية الجسدية، وكأن المبادئ التي آمنوا بها شعارات فارغة... الخ من السياقات التي كشفت أنه من في كل مرة تتغير دلالة المثل تناسبًا والرؤية التي يحملها المتكلم في موقع ما.

والظاهرة ذاتها يمكن الكشف عن وظائفها وأبعادها في خطاب "الولي الطاهر يعود إلى مقامه الزّكي" أين يتكرر الدعاء: "اللهم يا ذا خافي الألطاف نجنا مما نخاف" ويرتبط دلاليا بالسياق السابق واللاحق خدمة لرؤية المؤلف وطبيعة الموضوع الذي طرحه في الرواية.

 

تقنية الفضاء الحكائي والشكل الكرونوتوبي:

إن ما يمكن قوله في نصوص "وطار" المختلفة وفيما يخص هذه التقنية الروائية، هو تعامله الذكي، من حيث تعدد الأمكنة  وتنوعها من جهة، عندما يتعلق الأمر بتعرية الواقع الاجتماعي المحلي وغيره، وتغريب الفضاءات المكانية عندما يفرض السياق النصي المرتبط بالموضوع كروايتي: "الحوات والقصر" و"الولي الطاهر يعود إلى مقامه الزّكي" مثلا. وسنتوقف عند نص "الزلزال" حيث فرض معمارية مميزة للفضاء المكاني، فالمكان الجغرافي هنا هو مدينة قسنطينة كمركز، أما الجسور السبعة الموزعة على فصول الرواية مثل: باب القنطرة، سيدي راشد، جسر المصعد، جسر الشياطين...الخ، فضلا عن مكان الصخرة والوادي الذي يقسم المدينة إلى جزأين.

إن علاقة البطل "بولأرواح" بالمكان علاقة معقدة ومؤثرة جدا، تسهم في خلق نوع من الكرونوب / العلاقة الزمكانية حسب تعبير ميخائيل باختين، عندما يتحول الزمن إلى بعد رابع للمكان، من خلال الأثر النفسي للمرحلة الزمنية التي أجبرت البطل أن يتعايش معها.

فالمكان بالنسبة له مجموعة من ردود الفعل المترتبة عن رؤية تلك الصخرة التي تقوم عليها قسنطينة، ففي كل مرة وكأن زلزالا سيقع، ويتمنى أن يحدث فعلا "جميل جدًا أن تتحرك هذه الصخرة، فتذوب بمن عليها، ولا تجد الحكومة لمن تعطي الأراضي" لأنه كان يخاف من عملية تأميم الأراضي لصالح الفلاحين في ظل قوانين الثورة الزراعية. ويستوقفنا كذلك نص "الولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي" بكرونوتوب المقام، حيث كان الولي الطاهر يقف متأملا ثبات المقام في المكان، ولكنه ذهنيا كان يتحرك متنقلا عبر الأزمنة من الحاضر إلى الماضي إلى المستقبل، فالثابت يتحرك ليؤثر في نفسية الولي الطاهر وردود أفعاله، وكذا نمط تفكيره. إنّ شدة تأثير المكان هنا كانت جد مؤثرة حتى أنّ العلاقة بين الزمن والمكان واهية لا تكاد تظهر.

روايات الطاهر وطار والتوجه الحواري:

مبدئيا يجدر بنا طرح السؤال الآتي: هل حققت الحوارية في نصوصه؟ والإجابة عن هذا السؤال يجب أن نفرق بين الرواية المنولوجية التي تقابل مصطلح الرواية الحوارية المتعددة الأصوات، والمنولوج كتقنية في الكتابة الروائية ولكنها يمكن أن تسهم في إشاعة الطابع الحواري التعددي في الرواية، كما يبيّن ذلك صاحب النقد الحواري "ميخائيل باختين" في رواية "البعث" لتولستوي، فقد حلّل حوارية الفكرة والكلمة وكذلك المنولوج ويقدم لنا نصًا متعدد الأصوات والإيديولوجيات المتناقضة والمتصارعة فيما بينها، لأن كل متكلم يتمتع باستقلالية مطلقة يتضاد من خلالها مع متكلمين آخرين.

لقد هيمن ضمير المتكلم على العديد من روايات وطار مثل "الحوات والقصر"، "اللاز"، "الزلزال" و"تجربة في العشق" إذ نجد أن الراوي يسيطر على الأحداث ويتتبع حركات الشخصيات فيهمشها ويغيّبها عن المسار القصصي، مما أدى إلى إنتاج خطاب إيديولوجي أحادي الصوت تطابق فيه صوت المؤلف الضمني مع الأصوات الأخرى في النص الروائي.

فالرواية تتسم بالطابع المنولوجي وإن تنوعت الموضوعات وتعددت أشكال الرؤى التي أسهمت في توزيع الرؤية الأحادية المهيمنة، التي تحاول الرواية الكشف عنها عبر تعددية المعاني التي تخدم ملفوظا آمرا سلطويا هو: « هاه يمكنك الحضور حالا ». والطريقة نفسها لوحظت على رواية "قصيد في التذلل" وإن طرحت الرواية قضايا مختلفة وناقشت أوضاعا خطيرة ارتبطت بالراهن المتعفن واختلال المنظومة القيمية للمجتمع الجزائري بخاصة والعربي بعامة، إلا أن كل ذلك احتكره صوت واحد وموقف واحد يعودان إلى المؤلف الضمني الذي يتوارى وراء المؤلف الأصلي للعمل.

وعليه فيمكن أن نقول إن روايات "الطاهر وطار" غلب عليها الطابع المنولوجي وليس الحواري، لا سيما إذا أضفنا آليات أخرى تدعم حوارية الرواية، وقد غابت عن هذه الروايات المحاكاة الساخرة والأسلبة والشعرية وكذا التهجين باستثناء قصيد في التذلل(**) ذلك أن وطار كان محكوما بضابط الأدلجة أكثر.

وختام القول إن الروائي "الطاهر وطار" يبقى من أبرز المبدعين الجزائريين الذين حاولوا أن يقدموا الأفضل للفن الروائي باستحداث تقنيات وأشكال حداثية قد تسهم في تطوير هذا الجنس المنفتح على كل الفنون والخطابات، من جهة، وتؤصل للرواية الجزائرية من جهة أخرى.

 

 

تحميل المقال

 

Appel à communication