January 2017
S M T W T F S
1 2 3 4 5 6 7
8 9 10 11 12 13 14
15 16 17 18 19 20 21
22 23 24 25 26 27 28
29 30 31

ظاهرة التعلق النصي في روايات الطاهر وطار

رواية الولي الطاهر يعود  إلى مقامه الزكي_  نموذجا

 

نجوى منصوري

جامعة تبسة(الجزائر)

 

تعتبر المادة التراثية بما تحمله من زخم معرفي ثقافي و فني أدبي، أهم رافد يتكئ عليه الخطاب الفني المعاصر عموما والسردي منه على وجه الخصوص؛ فباعتباره نتاج حقبة زمنية ماضية فهو يعكس سياقات فكرية تتنوع بين الفلسفية و الدينية، اللغوية و الأدبية...مما قد يحقق له صيرورة الانفتاح على أزمنة لاحقة تخلقها عقول تعي ضرورة تأصيل الحداثة بالعودة المستلهمة لما صلح من التراث.

من هنا يكتسب كل موروث صلاحية مطلقة يتجدد شكلها بتجدد الوعي و الاستخدام أو التوظيف الفعال . وعلى هذا النحو تتمايز الاستخدامات داخل الموروث نفسه ، فيصبح جاهزا لكل التطورات و الرؤى التي تمتد إليه لتلتقط ما يناسب مذهبها و توجهها المعرفي الفني.

لقد كان الروائي المبدع " الطاهر وطار" ،رحمه الله، أكثر المتعاملين مع التراث دينامية و تحررا وذلك من خلال انتباهه إلى العديد من الحقب التاريخية المهملة، كما أنه اهتم اهتماما بالغا باليومي و مختلف أنماط الحياة الشعبية و مختلف تجسيداتها (1) وهذه الصلة التي حققها المبدع الروائي من العوامل التي تجعل التراث يُبعث من الأحقاب الزمنية التي أنتج بها ليكون – بحق – موروثا تتناقله الأجيال الأدبية .

1- الرواية والموروث السردي:

ظهرت السرديات الحديثة في مرحلة الإنعتاق من أسر الفكر التقليدي الذي ساد الثقافة العربية ردحا من الزمن، وأنتجت الكتابة الإبداعية الجديدة التي روت عطش المثقف وقربت الإبداع من طموح الكاتب والقارئ معا ؛فقد أثبتت البنى السردية قدرات إبداعية هائلة في طرح أزمات تجمع الكاتب وقراءه من إشكاليات الفكر وصراع الأيديولوجيات وحوار الأنا والآخر ...فأصبحت بعد ذلك كله "ديوان العرب"(2) المحدثين .

لقد أنجبت السرديات الحديثة فن الرواية الذي اكتسب منذ نضوجه عبر القرن والنصف قرن في عالمنا العربي وظائف فنية ومعرفية أثبتت قدراتها على الخوض في أخطر القضايا الفكرية والاجتماعية والسياسية ...بعد أن كبّرت صوت الجماعة وعبّرت عن أزمة الإنسان المعاصر،فقد غدت<< الشكل التعبيري الأقدر على التقاط صور وعلامات التحولات ، من خلال كتابة التاريخ العميق الخفي الممتزج بالزمن المعيش، وبأسئلة الإنسان العربي داخل تاريخه الحديث المتسارع الإيقاع ،المزدحم بالأحداث والهزات والحبوط ...وشيئا فشيئا أصبحت الرواية العربية ،ونقصد نماذجها الجادة الواعية لخصوصيتها الأستيتيقية ، مجالا لمكاشفة الذات واجتراح الحوار وطرح الأسئلة الصعبة عبر الرصد التفصيلي لتغيرات المجتمع والإنسان والفضاء >>(3)

لقد تجلى أن الكثير من كتاب الرواية قد سبحوا ضد التيار وسعوا إلى تغيير الواقع << من خلال نصوص سردية ، هي بطبيعتها حمالة أوجه، تناقش قضايا المجتمع الساخنة وأزماته الحادة عن طريق سرد يعتمد الكناية والرمز والدلالات البعيدة >>(4)

فإذا ما تعلق الأمر بالإرث الثقافي(أدبي، تاريخي، فلسفي...) في علاقته بالجنس الروائي و جدنا أن الروائي العربي ينطلق من وعي جاد بحقيقة الانتماء و ضرورة احتواء الماضي الإنساني لأجل تحقيق إستراتيجية في الإبداع و خصوصية في الكتابة ، فقدم ما أمكنه من قراءات خاصة للتراث يبرز بها هذه الخصوصية . انطلق في ذلك وهو مطمئن إلى أن << التراث بمختلف جوانبه جزء من مقوماتنا الحياتية والوجودية والحضارية ، وعلاقته بواقعنا علاقة امتداد واتصال >> (5).

عبرت الرواية الجزائرية المعاصرة – منذ السبعينات – عن روح الشعب الجزائري وتوغلت في فضاءاته المعرفية باتساعها وعمقها وغموضها أحيانا . ولما كان تعلق هذا الشعب بموروثه المتشكل من مراحل تاريخية بعينها أهمها حرب التحرير الوطنية وكذا موروث الأمة العربية والإسلامية << أصبح توظيف التراث ينحو منحى جماليا بما ينطوي عليه  هذا التوظيف من بعد أيديولوجي سياسي . وانطلاقا من القراءة التي يتبناها الكاتب وظف التراث المتعلق بحرب التحرير ثم التراث العربي الإسلامي ثم التراث السردي >> (6)

لقد شكل طور الحداثة ( modernism ) وما بعدها عود حميد للأشكال السردية التراثية التي بات التعامل معها و بها داخل الرواية ضرب من الإستراتيجيات الجديدة في الكتابة المعاصرة مما أوجد خصوصية في الأداء وتفرد في التشكيل فتورطت الرواية الجديدة في الوقوع في حتمية الإفادة من مكون نصي ( سردي) تراثي يضمن سمة الاستقلالية بالقياس مع نصوص تشاركه الجنس وتختلف عنه في طبيعة المعالجة (7)

ومنه غدا استلهام الموروث السردي في الرواية الجزائرية المعاصرة أداة جمالية تقدم معرفة مثقلة بروح التساؤل عن وجود الإنسان ، وأزمة التاريخ ، وهوية الأنا وحوار الأنا والآخر، وصراع الأيديولوجيات ... ولهذا بدا الانفتاح على الإرث العربي الإسلامي وكذا العالمي سمة هذا النوع من التشكيل الإبداعي الذي اصطلح على تسميته في الدراسات السردية المعاصرة : " التعالق النصي "

وحتى يكون الاشتغال بالموروث الفني ( السردي) فعل استراتيجي حداثي؛ عمد الروائي إلى استحداث آليات فنية لقراءة النص التراثي وتوظيفه، فتم تحويل الحكاية القديمة شعبية كانت أم تاريخية أم أدبية لتتناسب ومجريات الواقع الذي يعيشه المبدع والقارئ على حد السواء أو لتعبر عن رؤية أيديولوجية أو اجتماعية تاريخية أو عن منظور فني إبداعي خاص  لإنتاج خطاب روائي متعلق(متفاعل) بالنص التراثي القديم دلاليا وفنيا جماليا .

 

2- التفاعل ( التعلق) النصي: (   Hyper textualité )

التعلق النصي أو التفاعل بين النصوص؛ هو الاصطلاح النقدي الذي يترجم حركة النص الأدبي وانفتاحه على غيره من النصوص السابقة لوجوده سواء انتمت إلى زمن سحيق أو زمن ماضي قريب أو زمن معاصر بعيد . فهو يجسد ( أي التعلق النصي) العلاقة القائمة بين خطابين متكاملين، أولهما سابق (   Hypotexte )  والثاني لاحق (  Hypertexte ) (8). فإذا ما اعتبرنا النص على اختلاف جنسه أو نوعه يقيم حتما علاقات أو تفاعلات مع نصوص سابقة له، يمكننا القول بأن الرواية كجنس أدبي حديث لن يخرج عن هذه الحتمية التي تحكم عالم الكتابة ، فالأجدر بها التواصل مع نصوص سابقة لتحقيق غايات نصية: دلالية وجمالية .

لأجل ذلك اعتبر باختين أن الحوارية القائمة على أساس التداخل النصي مبدأ قاعدي  يحكم نصوص العالم ،ولا يستثني باختين منها سوى خطاب آدم عليه السلام . يقول : << وحده آدم الأسطوري، وهو يقارب بكلامه الأول عالما بكرا لم يوضع بعد موضع تساؤل، وحده آدم ذاك المتوحد كان يستطيع أن يتجنب تماما هذا التوجه الحواري نحو الموضوع من كلام الآخرين، وهذا غير ممكن بالنسبة للخطاب البشري الملموس التاريخي >>(9).

إن تجسيد هذا المظهر الحواري التواصلي سيفتح مجالا أمام القارئ متلقي النص الجديد ( الرواية ) ليتعرف عليه ويكشف إنتاجيته،على افتراض أن القارئ عالم بوجود مظاهر نصية سابقة في النصوص اللاحقة .واستعراض إنتاجية النص يمكّن القارئ من تحقيق عملية التواصل التي ستقوده إلى اكتشاف الخصوصية التي يتمتع بها كل نص ويتميز بها عن غيره من النصوص التي تفاعل معها أو استدعاها ثم تجاوزها.

فالنص الأدبي لا يأتي من العدم، بل يقوم على قاعدة يستند عليها ليبني كيانه الجديد، واستدعاء النص السابق بالنسبة للرواية الجديدة متكأ تراثي معرفي وجمالي يحقق مهد النمو والانطلاق ثم التجاوز.  فالمعول عليه في التراث هو مادته الجوهرية الثابتة عبر التاريخ والتي تبعث في النص الجديد روح الأصالة، وأما عملية التجاوز التي تحدث على مستوى آليات الكتابة الروائية الجديدة فهي إضفاء لطابع المخالفة بعد الائتلاف لأجل أن يعبر النص اللاحق عن واقعه وظروف إنتاجه، وما ذلك إلا انعكاس لقدرة المبدع على قراءة التراث و استدعاء ما يمكن أن يناسب الإبداع الجديد.

فاستمرار النوع الأدبي الموروث وتفاعله مع النص الجديد يؤكد أن هذا التفاعل النصي أو التعلق أو ما يصطلح عليه – بشكل أكثر تحديدا- ب "التناص" قد أخذ << بعدا سكونيا يتمثل في كون العلاقات النصية حافظت على البنيات الكبرى للنص، ومارست نوعا معينا من العلاقة مع النصوص السابقة الشيء الذي يجعل قوانين التحول ساكنة وشبه ثابتة، وعلى العكس من ذلك نجد التناص في حال التقطع يأخذ بعدا حركيا ونقيضا للبنيات الكبرى للنص السابق، فيتأسس النص الجديد من خلال علاقة خاصة من التفاعل يأخذها النص اللاحق من النص السابق >> (10). 

وعلى هذا المستوى يكشف لنا سعيد يقطين شكلين أساسيين يجسدان العلاقة التي تربط النص الروائي العربي المعاصر والأشكال التراثية السردية؛ أولهما << الانطلاق من نص سردي قديم كشكل واعتماده منطلقا لإنجاز مادة روائية. وتتدخل بعض قواعد النوع القديم في الخطاب فتبرز من خلال أشكال السرد وأنماطه أو لغاته ...[ وأما الثاني فيتم] بالانطلاق من نص سردي قديم محدد الكاتب والهوية وعبر الحوار أو التفاعل النصي يتم تقديم نص سردي جديد ( الرواية ) وإنتاج دلالة جديدة لها صلة بالزمن الجديد الذي ظهر فيه النص >>(11)

في ضوء هذه الرؤية الجديدة التي تمتعت بها الرواية دون نظيراتها من الأجناس الأدبية الأخرى يتضح بأن هذا الجنس الأدبي قد استوعب الموروث بلغته وأدواته وأنواعه بطريقة خاصة يحدث على مستواها التواشج والتجاوز معا لتصبح الرواية – بعدها- كتابة على كتابة، تحمل تنويعات نقدية تتماشى ومستجدات الإبداع الروائي الجديد .

ولهذا اعتبرت الرواية العربية عموما والجزائرية خصوصا والتي انطلقت إلى الوجود منذ أزيد من خمسين سنة من الإبداعات التي وعت الموروث وأبدت قدراتها على احتواء نصوصه وتحويلها إلى عالم جديد حتى تتناسب ومستجداته. وقد حدث هذا الاستدعاء بعد هزيمة 1967 التي طرحت أسئلة حضارية متكررة ومتوالية مفادها أسباب الانهزام ودواعي التأخر والانفلات، ثم البحث في تلك الأسباب وإيجاد الحلول .

فقد كان العود إلى الموروث من الحلول التي ارتآها بعض الروائيين في نصوصهم الابداعية الباحثة عن الأصالة لا لغرض اجترار الماضي ومحاكاة ابداعاته، وإنما لغرض تثبيت الهوية والانطلاق من جديد نحو العالمية بالتعبير عن آلام الشعوب وآمالها، فالتفاعل مع التراث << لا يمكن أن يكون منتجا إلا إذا كان يتفاعل تفاعلا إيجابيا مع واقعه ( بمعناه العام) أي الواقع الذاتي الذي لا يزال يتفاعل مع التراث باعتباره امتدادا ثقافيا وروحيا، ومع الواقع العام أي العصر الذي تنتج فيه متفاعلات نصية جديدة ومستمرة >> (12).

أما على مستوى الخطاب الروائي المستلهم للموروث، فيتم فيه الاستحواذ على المادة الحكائية التراثية وعرضها بالاعتماد على مبدئي المعارضة والتحويل؛ فبعد أن يتلبس النص الجديد بالمقومات الجمالية التي يتمتع بها النص القديم يقوم المبدع بعرض أسلوب جديد يحوّر فيه ما كان قد استحوذ عليه، ولما كانت المتفاعلات النصية غير منسجمة من حيث طبيعتها ومحتواها، فالنص الروائي كان يفرز ما هو إيجابي منها، فيدعمه ويدافع عنه، ويمارس النقد على ما لا يتماشى وطبيعة النص الجديد فيقدمه عن طريق المعارضة أو السخرية أو التحويل (13). 

وتحديد معنى الأسلوب الذي يختاره المبدع في نصه الذي تفاعل مع النص السردي الموروث يقودنا إلى الحديث عن الصيغة في السرد الأدبي عموما والسرد الروائي على وجه الخصوص؛ فالصيغ تحدد بمجموع الطرائق السردية التي يعتمدها الروائي لنقل الواقعي إلى تخييلي. وصيغ السرد، على حد قول تودوروف ( Todorov)، تتعلق بالكيفية التي تعرض بها القصة في الرواية قبل السارد.

يتم نقل القصة في الخطاب باعتماد صيغتين أساسيتين تتمثلان في "العرض" و"السرد"، فالخطاب تشكيل إبداعي يزاوج بين النقل الحرفي للأقوال وبين التجاوز الجمالي التخييلي لكل ما هو واقعي ضمن مجال العرض، ويختص السرد بتعاقب الأحداث وتتالي الحكي السردي مجردا من الحوار والمشاهد التعليقية، وبتفاعل العرض والسرد تتفرع صيغ خطابية أخرى يتميز بعضها عن بعض من حيث طبيعتها وعلاقاتها ببعضها، ويتحدد دورها وشكلها في الخطاب الروائي بحسب المتطلبات الدلالية للرواية واحتياجاتها الجمالية، فأحداث الرواية- تبعا لعملية التفاعل تلك- وبمساعدة التنوع الزمني (استذكار – استشراف) تعمل على تحطيم مبدأ أحادية الصيغة، فيتعدد كلام الراوي ويتنوع خطابه بين المباشر وغير المباشر، وتنشأ صيغ مختلفة من حيث تعاقبها وتركيبتها وحضورها، لتشكل بنيات خطابية تحدثها الشخصيات والزمان والمكان والأحداث مما قد يعطي مجالا للنص الروائي حتى يتسع لمعطيات النثر السردي بمميزاته الجمالية وأشكاله ونماذجه المتعددة .  

وفق هذا التصور الثنائي الذي يجمع الخطاب الروائي ومتفاعلاته النصية مع الأشكال السردية التراثية السابقة له والمتميزة بطابعها الدلالي والنوعي، نستطيع القول أن اقتراب النص الجديد بالنص القديم هو عملية إرثية أفادت الرواية من الطابع العام الذي يميز النصوص السردية قديما وحديثا وهو صفة القصصية والسردية باعتبار الرواية جنسا أدبيا سرديا، كما أفادتها بمجموع الصيغ الخطابية التي تتمتع بها النصوص السابقة كبنيات حققت نوعية جمالية تدعم القيم الجمالية داخل النص الجديد، وهي ما تعلق ببنية السرد والعرض على حد السواء ( بنية الشخصيات، الأحداث، الزمان ، المكان... بالإضافة إلى البنية اللغوية والإشارية ) ، دون أن ننسى دلالات الخطاب الموروث عبر الزمن التاريخي والتي استطاع النص القديم من خلاله الولوج إلى الزمن الحديث المقرون بزمن الخطاب الروائي الجديد لأجل التعبير عنه أو انتقاده.. مما أكسب النص الجديد أبعادا دلالية أيديولوجية وتاريخية واجتماعية خاصة.  

وعلى ضوء ما سبق ستأتي هذه الدراسة المتعلقة بالتفاعل النصي بين الرواية والأشكال السردية الموروثة حول  الإطار العام الذي سيقت فيه روايات الطاهر وطار بتوظيف أنواع مختلفة من النصوص السردية التراثية حسب ما يتلاءم والتجربة الروائية الجديدة المنتجة تحت ظروف معينة ارتبطت بالواقع المعاش ومتطلبات الحياة المعاصرة، كما سينحصر البحث في التفاعل بين النصوص  على نظرية "التناص(Intertextualité) كمفهوم عام تجلت من خلاله تلك الأشكال السردية الموروثة في النص المدروس .

حد التناص:

يستمد التناص قيمته كدراسة إجرائية تبحث في الانسجام الداخلي للنص وإحالته إلى نصوص سابقة ساهمت في إحداث ذلك الانسجام، من كونه مؤشرا على كل ما هو خارج نصي يتحكم في إنتاج النصوص وتوالدها المستمر بوصفها كتابة إبداعية فنية، وفضاءات لغوية رمزية (14).

وأساس هذه الكتابة الفنية الترميزية المتداخلة، ذلك الخلق اللغوي الذي يقوم عليه النص باعتباره مجموعة من الأبنية تعمل اللغة على إمكانية وجودها؛<< فكل ما تنطوي عليه اللغة بالمفهوم السوسيري لابد أن يكون قد ظهر أولا في الكلام، لكن اللغة هي التي جعلت الكلام ممكنا، وإذا ما حاولنا أن نأخذ أية عبارة أو نصا على أنه لحظة الأصل فسنجد أنهما يعتمدان على شفرة سابقة. وعملية خلق النظام الشفري يمكن خلقها فقط إذا ما كانت متضمنة في شفرة سابقة، أو ببساطة، فإنه من طبيعة الشفرات أن توجد دائما وأن تكون ذات أصول ضائعة >> (15).

تتجلى اللغة في النص على أنها نظام متجانس من الكلمات الحاملة للثقافات الملتصقة بفترات تاريخية سابقة للنص الجديد المستثمر لها، << فالكلمات علامات على نصوص أخرى، ومن خلال تغير الكلمات ومواقفها يتضح شيء غير قليل من أطوار الثقافة >>(16) وعليه تصبح إمكانات النص المترجم لغويا عبر تلك الكلمات المعرفية، قيم نصية ملقحة ومنفتحة الآفاق على نصوص أو مؤلفات ماضية وهذا ما يزيد من إنتاجية النص الجديد.

إن اللغة ههنا مصاحبة لمعنى الخطاب الأدبي ما دام النظام اللغوي أبنية نصية تلتقي فيها مستويات الإبداع الأدبي لأجل تحقيق منتج معرفي وفني خاص، ولهذا  يكون البحث في إمكانيات التداخل والتفاعل بين النص المنتج وغيره من النصوص السابقة، كشف للمظاهر البنائية والدلالية نصيا . وهذا ما يجعل من التناص، كإجراء باحث في هذا التداخل، مرتبة من مراتب التأويل على حد قول ريفاتير(17)

فتكوين الخطاب دلاليا وتركيبيا أو أسلوبيا معتمد على اجتياز بيئة من التعبيرات والنبرات الأجنبية على حد تعبير باختين، بحيث يقيم علاقات وئام مع بعضها، واختلاف مع بعضها الآخر، وهو مبدأ حواري لا يخلو منه خطاب في العالم مهما كان نوعه، يقول باختين: << إن الاتجاه الحواري للخطاب هو، بطبيعة الحال، ظاهرة خاصة بكل خطاب. إنه التثبيت الطبيعي لكل كلام حي، وعلى كل الطرق التي يسلكها نحو الموضوع، وفي كل الاتجاهات، يصادف الخطاب موضوعا آخر "أجنبيا"، لا يستطيع أن يتجنب تفاعلا حيا قويا معه >> (18).

وعلى هذا الأساس تأتي صورة الخطاب الروائي الذي يتبنى تلك الحوارية تلقائيا وبصفة اقرب إلى الكمال إذا ما قورن بالخطاب الشعري. فنظرا لطبيعة النثر – عموما – باعتباره أكثر الأجناس الأدبية تعاطيا مع خطابات الحديث اليومي والسياسية والاقتصاد وعلم الاجتماع، فهو الأقدر على احتضانها والتحاور معها، ناهيك عن تعاطي الخطابات الأدبية من الأجناس الأخرى. ولذلك نجد  الناثر الروائي: << يستقبل داخل عمله الأدبي التعددية اللسانية والصوتية للغة الأدبية وغير الأدبية، بدون أن يضعف عمله من جراء ذلك. بل إنه يصير أكثر عمقا ...إن الناثر لا ينقي خطاباته من نواياها ومن خبرات الآخرين، فلا يقتل فيها أجنة التعدد اللساني والاجتماعي، ولا يستعبد تلك الوجوه اللسانية وطرائق الكلام، وتلك الشخوص الحاكية المضمرة التي تتراءى في شفافية خلف كلمات لغته وأشكالها؛ وإنما يرتب جميع تلك الخطابات والأشكال على مسافة مختلفة من النواة الدلالية النهائية لعمله الأدبي >> (19).

واقتران العمل الروائي دلاليا وفنيا بما سبق من طرائق الكلام ينحصر في نوعين من العلاقات الرابطة بينهما: فهي تعاضدية أو تنافرية . أما العلاقة الأولى فتحمل معاني التبجيل والوقار والاحترام مما قد يوجد أشكال التضمين والاقتباس... وما ينضم إليهما من أنواع الاتلافات بين النصوص، وأما العلاقة الثانية فهي التي تشكل مفاهيم الاستهزاء والسخرية أو الانتقاد والتحويل(20).

3-  مظاهر التعلق النصي في الخطاب الروائي الوطاري ( تجليات الأشكال التراثية السردية)

أ – الأسطورة وألفة الاقتراب النصي :

الأسطورة نص إبداعي مدون يضم في ذاته مجموعة من الخصائص التي تربطه بالأدب ارتباطا وثيقا؛ ذلك لأنها نشاط فكري  يحاول  كشف صلات الإنسان بمحيطه  عن طريق التحليق في عوالم المحسوسات والتحرر من سطوة الواقع لأجل البحث عما قد يحدث تغييرا فيما أفسدته بعض مظاهر العيش الواقعية ، إنها باختصار نتاج تخيلي يبحث في الواقع دون امتثال لقوانينه الموضوعية وأعرافه المادية (21). هذا إلى جانب كونها شكل قصصي أو حكائي يلتقي مع الحكاية الشعبية أو الخرافية والحكاية البطولية الملحمية والطوطمية ... فالأسطورة كلمة مشتقة من الأصل اليوناني Muthos وتعني قصة أو حكاية، وقد استعمل الفيلسوف أفلاطون ملفوظ "  Muthologia " للإشارة إلى فن رواية القصص (22).

ارتبطت الأسطورة بالآداب الشعبية المنبثقة من وجدان الجماعة لأنها << من بقايا المعتقدات الشعبية، كما أنها بقايا تأملات الشعب الحسية، وبقايا قواه و خبراته، حينما كان الإنسان يحلم لأنه لم يكن يعرف، وحينما كان يعتقد لأنه لم يكن يرى، حينما كان يؤّثر في ما حوله بروح ساذجة غير منقسمة على نفسها>> (23). إنها خلاصة تجارب إنسانية لشعوب عريقة وأزمنة بدائية تشرح مظاهر التضحية ومشاعر الرغبة في التفوق على الطبيعة ولذلك اكتست طابع الانفتاح اللانهائي على الأزمنة اللاحقة وأصبحت المعين الذي لا ينضب السائر في رحاب البشرية بقدرة هائلة على التغيير والتجديد والخلق.

لقد أصبحت الأسطورة ،كشكل أدبي ونتاج تخيلي له قدرات إيجابية وطاقات رمزية حيوية، مادة جد خصبة استغلها الأدباء والشعراء في بحثهم الحثيث عن مصدر فني إلهامي يترجم تجاربهم الإبداعية ويصعد بها نحو التجديد والخروج عما كان مألوفا ، فكان له أن استدعى ذلك الموروث العجيب المشحون بظلال وأحداث بسيطة وجماليات فنية سحرية و عجائبية  قابلة للتلاقح مع مستجدات العصر وما يحمله من تصورات ورؤى عصرية وكذا  جماليات نصية منفتحة على كل ما يلبي احتياجات النص الجديد ، وعليه صاغ في كتاباته التجريبية نسيجا يتيح لـه أن يصور ويثبت أو ينفي ما شاء من مضامين العصر وفق وجهات نظره الخاصة .

ولهذا فإن استلهام الأسطورة بوصفها موروثا حكائيا لا يعني العودة إلى عصوره ولا إلى نظم تلك العصور التي خلت، ولكنه يعني التزود من المنبع  باعتباره منهلا زاخرا بالرموز وحافلا بالإشارات والإيحاءات وكذا الطاقات الخارقة العجائبية القادرة على احتواء التجارب المعاصرة واستيعاب اشكالياتها والتعبير عنها .

لقد استعار الروائي الجزائري تجارب البدائي في أساطيره واستفاد من المقومات الأساسية التي يحملها نصه التراثي باعتباره مادة حكائية عجائبية تستطيع الاقتراب بلطف من قضايا عصره ومحاولة تأويلها في إطار نصاني جديد يندمج فيه ،بألفة حسية شديدة،  المعقول وللامعقول . ولعل من المفيد هنا أن نستعيد قول الطاهر وطار:<< وإذا سألنا ما هي الصلة بين اللامعقول والواقع، فإن الجواب مفجع. أنا أقول: إنهما على صلة حميمة، حيث إن واقعنا في العالم الثالث واقع لا معقول. وإلا ما معنى أن نسمع مثلاً أن رابطة من الضباط في بلد عربي تحرق ملايين الكتب، لتضع كتيباً صغيراً لا معنى لـه بديلاً لكل المعاني؟ هذا الواقع كنا نقرؤه في الميثولوجيات الرومانية والإغريقية. كنا نعرفه عن كاليغولا أو قاراقوش أو غيرهم. وها نحن نعيش ذلك اليوم في القرن العشرين، فبأي شيء أعبر عن اللامعقول إذا لم أوظف اللامعقول نفسه؟>>(24) .

لقد انفتحت الرواية الجزائرية المعاصرة  مع" الطاهر وطار"على هذا العطاء الفني ،فاستحضرت زخما من الأساطير الخالدة وأثثت عوالمها السردية  بجملة من المقومات التي تستند في معظمها إلى التخييل الأسطوري ضمن دقائق وتفاصيل لا تنتهي عند حد المماثلة أو المحاكاة،  بل تسبح في لغة الترميز والقناع فكان سرده يتوسل الشعرية وينوء بزوايا الضبابية والعتمة مما ينم عن خبرات شتى في ميدان  العجائبي والغرائبي من التراث الأسطوري الشفوي والمكتوب.

العود الأسطوري بين " الولي الطاهر" و"أوديسيوس" :

لقد جسدت رواية "الولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي" للطاهر وطار أنموذجا روائيا حاول استقطاب الأسطورة باعتبارها أقدم رؤيا للمستقبل (25) ، ولما تحمله من جماليات مستعارة من كمال البدايات التي تقدم في كل نص تأويلا جديدا للوجود، لقد مثلت هذه الرواية بث المقدس في العالم الدنيوي .

اجترح المكون الأسطوري الفضاء السردي للرواية فغذاها بإيحاءاته وإيماءاته، كما أضفت الأسطورة على الرواية رغم جذورها الميثولوجية أبعادا واقعية تعكس المعاناة الإنسانية وآمالها وتطلعاتها نحو المستقبل، فهي ليست  مجرد قصة خرافية تروي أحداثا عن شخصيات تخييلية عاشت الزمن الميتافيزيقي لأجل تحقيق غرض وجودي أو مغزى أخلاقي مرفوقا بتعبير جمالي عجائبي، إنها تتخطى حدودها الأولى للتحول إلى مؤشر حضاري يتعامل مع الوجود الإنساني عبر تطوره التاريخي .

إن الروائي من خلال ارتداده إلى الماضي الأسطوري، يستمد رؤية جديدة للواقع تمتد في الحاضر وتستشرف المستقبل دون أن تفقد انسجامها وتلاحمها الممثلين في هويتها الأولى التي وردت فيها، كما يحرص على إضاءة بعدها الحضاري والإنساني فيزيل عن أبطالها زمانهم الميثولوجي ويلقي بهم في معترك الراهن بما يحمله من تناقضات وانزياحات أخلاقية واجتماعية وأيديولوجية ...

استقطب الطاهر وطار في روايته "عودة أوديسيوس" ، وقد برز ذلك من خلال فعل العود الذي مارسه "الولي الطاهر" والمتجلي في نمائه عبر أحداث الرواية ، لقد أصبح هاجسه الوحيد الذي يرمي إلى تحققه؛ يقول :<< أنتم يا معشر المريدين والمريدات، أنا شيخكم الولي الطاهر صاحب المقام الزكي، أعلمكم بعودتي>> (26).

يمثل أوديسيوس البطل الأسطوري لأوديسة" هوميروس"، وهي ملحمة تجسد مرحلة تاريخية أسطورية تكمل أحداث الإلياذة التي صورت الحرب الطروادية وسيطرة اليونان بعد انتصارهم في ميدان الحرب . فالأوديسة تعرض الجانب الآخر الممثل في البطولة الفردية المجهزة بمقومات المغامرة والذكاء والحيلة وحسن التصرف في مجابهة قوى الآلهة المسيطرة والقاهرة لإرادة الإنسان وهذا لتحقيق العودة إلى الوطن والأهل بعد التيه في البحار والظلمات .

وأما عن رحلة الولي الطاهر فقد كانت بدايتها تحليق أسطوري وسمه الروائي ب"التحليق الحر"، ليحمل دلالة الانعتاق والتحرر من القيود والأشراط، وقد انتفت الوجهة في رحلة البحث عن المقام الزكي فبدت غيبية غير محددة المعالم . ثم تسمو رحلته لتصبح مغامرة " العلو فوق السحاب" وهي مرحلة ثانية تبدو أكثر ضبابية وهشاشة مما سبقتها، فقد تحولت أحلام الولي الطاهر إلى كوابيس مرعبة يخوض فيها معارك وحروب دامية ... وعلى هذا النحو من اللامعقولية والغيبية والعجائبية تتجلى رحلة الولي الطاهر التي تشبه رحلة أوديسيوس ، فقد لاقى من الويلات والمهالك والمصاعب ما يجعل منه بطل أسطوري .

لقد تحقق فعل العود عند أوديسيوس ، وها هو يتحقق مع الولي الطاهر في الزمن الحاضر  بعد أن لاقت رحلة عودته من الأهوال والمصاعب ما لاقى أوديسيوس في عودته الأسطورية ، يقول وهو يصف بعض معاركه العجائبية اتجاه القتلة الذين صادفهم في رحلة عودته إلى مقامه الزكي:<< ...أحسست لحظتها، أنني خرجت من واد غزير الماء قوي السيلان، من وسط كر وفر، بين قوم يتشابهون في ألبستهم وفي لحاهم وفي رائحة العطر التي تعبق منهم. كان علي، أن أتدخل. ضغطت على زناد المدفع الرشاش الذي كان بين أحضاني، فراح يهمهم متوثبا في حمية وصرامة. – خيانة.غدر. الانسحاب زحفا. ظل المدفع الرشاش يهمهم، وظللت أغير مواقعي... قررت أن لا انسحب حتى تنجلي المعركة . فالذين انسحبوا، لم يفطروا في انتشال جثث موتاهم، وأكيد أنهم سيعودون>> (27). 

إنه يواجه بفكره الأيديولوجي المقنع بالستار الأسطوري والعجائبي من اصطلح الخطاب الروائي على تسميتهم بهواة السياسة وغواتها؛ يقول:<< لا تنتظر – مطلقا – من هواة السياسة وغواتها، عندنا، ومن شايعهم من "المثقفين الإداريين"، أن يخرجوا جماهير الناس من حالة البداوة و "الأعرابية" إلى قيم المجتمع المدني الحقيقي، لأن هؤلاء وأولئك ما تبوأوا  ما تبوأوا إلا بفضل أخلاق البداوة، من عشائرية، وروابط قبلية و جهوية، وولاءات طائفية، وعصبيات أسرية، وحميات جاهلية مقيتة >> (28).

لقد سعى الولي الطاهر  في رحلته الأسطورية إلى تحقيق هدف سامي يبوح به في ثنايا الخطاب الروائي المجعد بالوقفات التخييلية، المزكى بالشخصيات الملحمية، الغابر في القدم بما استدعاه من أحداث تاريخية و شخصيات أسطورية ، إن هدفه يتضح في قوله: <<  فما على المثقفين الأحرار، إلا أن يناضلوا على اختلاف مواقعهم... من أجل التأسيس لمجتمع راشد، يقوده الحق إلى العدل، في فضاء من الحرية، مستقر في ثوابته، نام في مداه، ولا خوف على جماهير الناس حينها، لأن جدلية السنن المودعة في أعماق الحياة، ستدفع بهذه الجماهير نحو الكلمات المثلى، حيث يريد الله سبحانه>>(29).

ب‌-     توظيف السرد التاريخي:

تعتبر المادة التاريخية من أهم الروافد السردية التراثية المتعانقة مع النص الحداثي وخاصة الروائي، إنها تحدث متفاعلات نصية تاريخية تقدم الوقائع المترامية عبر الأزمنة القديمة والساحقة في شكل مكون نصي تخييلي قابل للقراءة والتأويل، عالمه الإشارات التاريخية والشخصيات والأحداث... وغيرها مما قد يشترك فيه الخطاب التاريخي والخطاب الأدبي.

 بين الخطاب التاريخي والخطاب الأدبي:

الرواية سرد قصصي قوامه الخيال الذي يعتبره الكثير من الدارسين نتاج موروث إنساني ذو طابع تاريخي عميق، ولأن الرواية الجديدة تحاول التنكر للواقعي التاريخي؛ فهي تبرز الجانب الإنتقادي التخييلي الذي يعمل فيه الروائي على استحضار الخطاب التاريخي لمواجهة الواقع المعاش وانتقاده ف << الحديث التاريخي من هنا، يواجه الواقع الذي مضى بواقع الحاضر، مغذيا تطور حديثيته انطلاقا من إعادة تكوين الواقع بمادة رمزية كتابية >>(30).

 لأجل ذلك فإن التاريخ يخضع للرواية وتقنياتها الجديدة التي تسترجع كل ما يناسب الحاضر وتستغله لأجل أن يخدم أغراضها الأيديولوجية والفنية، ولهذا يغدو التاريخ<< مادة طينية، تأخذ كل الأشكال التي يمنحها تخيل الكاتب إياها . والتاريخي من هنا لا يقوم إلا بالخضوع للكتابة التخييلية مما يفتح مواجهة بين الواقعي والتخيلي بالرواية والأمر إذن يتعلق بمهنية الروائي، حيث تتواجه المعرفة التاريخية والمعرفة الروائية >>(31).

فبتداخل الرواية والخطاب التاريخي يتولد سرد تخييلي حامل لمعنى جديد يتمتع بدفقة إبداعية جريئة تتسع حدودها لتشمل الزمن الماضي الذي يمتد في الحاضر ويتواصل إلى المستقبل . تلك الجرأة الإبداعية مؤشر على قراءة نمطية للتاريخ يتم على مستواها انتقاء المادة التاريخية القابلة لاحتواء معطيات الأزمنة اللاحقة .

 

فالتاريخ – إذن- لا يمثل قطعا أثرية شامخة تحتفظ في ذاتها بجمالها ومكوناتها ومدلولاتها الخالدة ، لقد تحول معنى الخلود بعد تداخل السرد التاريخي والسرد الروائي إلى البقاء عن طريق التجديد، وذلك باستثمار المكنونات الثمينة التي يتمتع بها الموروث السردي التاريخي  بتحويل المعاني الأزلية والخصائص الأثرية إلى معطيات جمالية ودلالية تبرز بشكل جديد في النص الروائي بحسب قدرات الروائي في مجال الإجراء التناصي.

إن الرواية من هذا المنظور التوظيفي للموروث التاريخي، لا تعتني بالفوضوية أو المثالية، بل ترغب في القصدية التي تميزها عن الشطط الفني من جهة والمباشر القولية من جهة أخرى. تلك القصدية تختار للسرد طرقا في الكتابة يكون فيها القناع والرمز والاستخدام غير المباشر للإشارات التاريخية مرتكزا لبناء الأحداث والوقائع الروائية ورسم الشخصيات وصنع المواقف ضمن أطر زمكانية خاصة تتراوح بين التاريخي والواقعي من جهة والفني الخيالي من جهة أخرى .

إن العودة إلى التاريخ في النص الروائي الجزائري المعاصر قد أوجدت ظاهرة سلوكية مرتبطة بالظاهرة الإبداعية و تعرف ب " الظاهرة السيكولوجية الأوتوبيوغرافية"* وقد برزت في الإبداع الروائي في فترة ما بعد الاستقلال، وهي اقتحام سلوكي إبداعي يقوم به المبدع الروائي اتجاه الظواهر الاجتماعية والتاريخية، يحكي من خلال هذا الاقتحام مغامراته المعرفية الحاملة لأفكاره الأيديولوجية ضمن إطار فني سردي تتماهى فيه شخصيته مع شخصية البطل الروائي، ولذلك تبدو الأعمال الروائية ذات الطابع الأتوبيوغرافي حقيقية لصعوبة الفصل بين البطل والكاتب (32).

تمتد هذه الظاهرة بسبل إبداعية مختلفة عند الروائي الجزائري المثقف باعتباره فردا اجتماعيا يحمل في ذاته، أكثر من أبناء بيئته، هموم واقع الاجتماعي وحاضره المادي؛ فالمثقف بحكم خوضه في المعارف الماضية التي حملها التاريخ الإنساني ( التجريدي) واطلاعه على المعارف الجديدة التي يحملها الواقع الحياتي ( المادي) اكتسب رؤية خاصة وجهة نظر مزدوجة تجعله قادرا على تصنيف القيم الماضية والحاضرة إلى قيم إيجابية وسلبية، وعلى هذا الأساس يتم الحكم على الماضي والحاضر والتمييز بينهما .

تلك السمة التي ميزت الروائي المثقف دون أبناء جيله من طبقات المجتمع قد انعكست في إبداعه الروائي الجديد الذي أصبح، بالفعل، أدب النخبة بالنظر في مستوى الكتابة الإبداعية التي فاقت أفق انتظار القارئ البسيط، رغم كون الإبداع منبثق في الأصل من عبقرية الطبقات الشعبية، فعلى الرغم << من أن الكتابة قد تولدت داخل الشعب، فإنها تحولت إلى متاع خاص للصفوة مع تحول المجتمع، مما أعطى للكتابة الانتشار الواسع >> (33).

-تكسير قالب التاريخ الإسلامي:( تحويل الحكاية في عودة الولي الطاهر)

 لقد تعمق "الطاهر وطار" من خلال هذا العمل الروائي في التاريخ الإنساني، ونسج بخيط رفيع جدا حبل وصال بين الماضي والحاضر عن طريق التماهي في النتاجات الماضوية ونقل الوقائع الراهنة من ظواهر سياسية واجتماعية وعقائدية . وهو تجسيد فني للمقولة الفكرية "التاريخ يعيد نفسه" .

إن حركية التاريخ لا تسمح ( حتى وإن أعيدت أحداثه ووقائعه) أن تعاد الحادثة كما هي، فالإنسان (المبدع ) في هذه الحالة له مطلبان: إما أن يجدد وإما أن يتبدد.

من هذا المنطلق بنى "وطار" روايته على حادثة تاريخية هي قتل "خالد بن الوليد" "لمالك بن نويرة" واختلاف " أبا بكر الصديق" و"عمر بن الخطاب"،رضي الله عنهما، بشأن ذلك ، وهي حادثة تمثل الخطيئة في التاريخ استدعاها الروائي حتى يسقطها على ما هو كائن أو واقع في مجتمعه وزمانه. وقد تم هذا الإسقاط عن طريق عملية تحويل جرت على المستوى الفني الإبداعي من خلال الشخصيات والفضائين: الزماني والمكاني، وعلى المستوى الدلالي المرافق للنتاج التحويلي الجمالي وقد تم فيه إظهار التوجه الأيديولوجي المسيطر على مجريات الأحداث وتحويلها بين الزمنين.

لقد تم له ذلك من خلال توظيفه مقاطع من أقوال الزعماء عبر التاريخ تتضح من خلالها أسماء بارزة مستدعاة من عمق التاريخ ميزها المبدع عن الشخصيات المشاركة في القصة لتكون شاهدا على رؤاه ووجهات نظره ، ومن تلك الأسماء "أم متمم" أو"ليلى الجميلة"التي تزوجها خالد بن الوليد بعد أن قتل زوجها "مالك بن نويرة" لإعادة حب قديم كان في الجاهلية.

ولإقناع قارئ النص الروائي بوجهة نظره أدخل الشخصية الروائية ضمن الإطار التاريخي الذي استدعى فيه الشخصيات والأحداث لتشاركه الرؤية وتعمق الدلالة المرجوة من هذا الاستدعاء؛ فقد جاء في الرواية قول الراوي : << مالك بن نويرة سيد بني يربوع وكل حنضلة، الذي قتله سيدنا خالد بن الوليد في حرب الردة، يثير هذه الأيام، اهتمام الطلبة والطالبات >> (34)...<<اتفقت الطالبات على أن أم متمم بالإضافة إلى جمالها الفتان الذي ربما لم تعرف جزيرة العرب مثله، هي صاحبة شخصية قوية ... فوق كل ذلك اكتسبت ثقة خالد بن الوليد، بسرعة خارقة>> (35) <<لقد انسجمت أم متمم بسرعة حسب سياق الأحداث التاريخية، مع سابيها، قاتل زوجها >> (36).

لقد استطاعت شخصيات الرواية بتحركاتها ومواقفها وتوجهاتها الفكرية إثبات الرؤية الأيديولوجية التي أسكنها الروائي عالمه التخييلي وكان مظهرها التاريخي أن جهاد "خالد بن الوليد" جهاد مادي ومصلحي، لأنه قد ثأر لحبه ولم يثأر لدينه بعد تعلقه بأم متمم التي نعتبرها رمزا : << من رموز القصية المتصارع عنها وجانب من جوانبها >> (37).

إن هذه الحادثة المعول عليها في الرواية تجعل موازين القارئ تختل وتتأرجح؛ فصدق هذا التصور ( المنبعث عن قناعات أيديولوجية ) يقود إلى التفكير مليا في هذا الاسم المرتبط بالفتوحات الإسلامية وبطولاتها المجسدة فيما أطلقه عليه الصحابة  "خالد بن الوليد سيف الله المسلول"؛ فبدلا من أن يتم استدعاؤه ليكون ماضي الشهامة الذي يطل بحيرة على حاضر التنكر للقيم، يكون صانع الخطيئة التي أصبحت حلقة من حلقات التاريخ المفقودة والمثبتة في الرواية .

هذه الحلقة التاريخية المثبتة في الرواية كانت سبيل الروائي للجمع بين النص القديم والنص الحديث عن طريق آليات الاستدعاء التي يتم من خلالها تحويل حكاية الخطيئة من الماضي إلى الواقع ، ومن تلك الآليات نقل مقاطع  من الحكاية التاريخية على لسان الولي الطاهر بطل الرواية منها قول: <<... قال أبو قتادة: فجئته فقلت: أقاتل أنت هؤلاء القوم؟ قال نعم . قلت: والله ما يحل لك قتلهم، ولقد اتقونا بالإسلام، فما عليهم من سبيل ولا أتابعك على قتلهم ...قال أبو قتادة: فتسرعت حتى قدمت على أبي بكر فأخبرته الخبر، وعظمت عليه الشأن، فاشتد في ذلك عمر، وقال: ارجم خالدا، فإنه قد استحل ذلك . فقال أبو بكر، والله لا أفعل، إن كان خالد تأول أمرا فأخطأه >> (38).

إن "وطار" يعتقد أن القتل في التاريخ الإسلامي ( أيام حروب الردة) "فتاوى" مختلفة تنبع من تكيف المجتهد مع الحادثة ، وأن هذا المتكأ أصبح يسيطر على من اتخذوا القتل سلاحا للوصول إلى غايات معينة، فالجهاد في العصر الحالي شبيه بجهاد الخوارج الذين أشاعوا الرعب وأعملوا القتل وأهدروا الحريات وفرضوا التعذيب ومارسوا التنكيل، وأشاعوا الاغتيال باسم الإسلام وهو منهم براء(39).

إن ما حدث في الجزائر كان سببه ظهور جماعات متطرفة شبيهة بالخوارج، حملوا فكرا دمويا قاتلا وتفسيرا خاطئا للجهاد، خرجوا بذواتهم عن روح الشريعة وتداولوا ألفاظا وعبارات لأجل استغلال الدين وتحقيق أطماع سياسية، مشرعين باسم الله القتل والعنف والرعب(40) في أواسط الأمة؛ يقول السارد : << جمهور من المصلين بمسجد الخليل، يركعون ويسجدون خاشعين لرب العزة، متضرعين له، بأن يفرج كربتهم، فينصر دينه ويخلص بلاد الإسلام من البلاء الذي لحق بها ...فجأة انطلق مدفع رشاش يحصد. يحصد الراكعين الساجدين الداعين ربهم. يا خافي الألطاف نجنا مما نخاف. لقد امتلأ مسجد خليل الله بدم عباد الله، باسم الله >> (41). 

هكذا انقادت رواية وطار والكثير من إبداعاته الروائية الأخرى المتماهية في الموروث والمستلهمة لقضاياه وأشكاله، لتجربته الجديدة في الكتابة، ورؤيته الأيديولوجية والاجتماعية لواقعه الذي يعيشه والذي يريد في الكثير من الأحايين الإبداعية الإجابة عن تساؤلاته.

ج‌- توظيف السرد الأدبي:  

 إن ما يمثل الموروث الأدبي هو النص الإبداعي الأدبي الذي يقابل النص الشعبي؛ وهو أدب ذاتي << يختلف بلا شك في شكله وتعبيره عن الأدب الشعبي >>(42) ذلك أنه نابع من ذاتية الفرد وتجاربه الخاصة، على خلاف الأدب الشعبي الذي تشكله خلاصة التجارب الجماعية باعتباره نابعا << من الوعي واللاشعور الجمعي >>(43).

والنص التراثي الأدبي هو النموذج السابق الذي يحمل ميزات فنية نموذجية أضاءت فترات زمنية ذهبية في تاريخ الإبداع الأدبي لا يمكن تكرارها إلا عن طريق المحاكاة أو التفاعل النصي أي التناص. فعلى الرغم من محاولات الدارسين – منذ زمن أرسطو- وضع حدود بين أنواع وأشكال التعبير والإبداع الإنساني الأدبية وغير الأدبية، إلا أنهم لم يستطيعوا الحزم بوجود نص مستقل بذاته خال من رواسب النصوص السابقة لوجوده؛ فالجنس الأدبي منذ الأزل ذو فاعلية انفتاحية ولا يزال إلى اليوم كذلك، بحيث يأخذ كل نص جديد العناصر التي تحدد هوية النص السابق المأخوذ عنه أو المتفاعل معه ثم تجعله على مسافة كافية منه (44)

من هنا يمكن القول بأن النصوص الإبداعية المتعالِقة أو ما اصطلح على تسميته سعيد يقطين ب "المتفاعلات النصية الأدبية" تدمج كل البنيات النصية المتصلة بالأدب شفويا كان أم كتابيا، ساميا أو منحطا، واقعيا أو متخيلا (45). ومادام موضوع الدراسة متعلق بالموروث السردي، فسوف يقتصر البحث في هذا الجزء الخاص بتوظيف الموروث الأدبي، على النصوص السردية الموروثة وحسب، سواء انتمت إلى تاريخ الإبداع العربي، المحلي أو العالمي الإنساني عموما .

ولأجل توضيح العلاقة القائمة بين النصوص الأدبية السابقة واللاحقة في إطارها الخاص العربي والعام الإنساني، يتدخل نص "الولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي" كنموذج تطبيقي يوضح كيفية توظيف النص التراثي العربي الممثل في حكايات "ألف ليلة وليلة".

- المفارقة الإبداعية وعجائبية السرد :

المفارقة ترجمة للمصطلح ( Ironie) في اللغة الفرنسية وتعني؛ الإجراء اللغوي القائم على الخروج التام عن اللغة المألوفة بطرائق تعبيرية يلتحم فيها الخطاب الأدبي بما هو غير أدبين مما يعطي فحوى اللامنطقية على مستوى السياق التركيبي واللانهائية على مستوى الدلالة .

تقوم المفارقة على مستويات لغوية عمادها الإنتقاد والتمرد والتعويض بأشكال بلاغية تعتمد ضروب المجاز والإستعارة والكناية والرمز وغيرها من الصيغ التي تتعمق في السياق لخلق علاقات ذهنية بين الملفوظات، تقول في ذلك نبيلة ابراهيم : إنها تعبير لغوي بلاغي << يرتكز أساسا على  تحقيق العلاقة الذهنية بين الألفاظ أكثر مما يعتمد على العلاقة النغمية أو الشكلية، وهي لا تنبع من تأملات راسخة ومستقرة داخل الذات، فتكون بذلك ذات طابع غنائي أو عاطفي، ولكنها تصدر أساسا عن ذهن متوقد ووعي شديد للذات بما حولها >>(46) .

يلجأ الخطاب الروائي الوطاري من خلال " الولي الطاهر " في محاولة مفارقته الواقع ولغة الخطاب السردي التقليدي إلى التعلق بكل ما هو صوفي وعجائبي عن طريق فرض لغة اللامعقول العجائبي لإخفاء المعنى المراد مما كان يسم سرد حكايات " ألف ليلة وليلة" .

فالعجائبي في لغة السرد الروائي يوحي بالقرب << من الذاكرة المتعالية التي تبدع صورا يستحيل إيجاد مثيل لها في الواقع من حيث التجسيد والمواصفات، كما هو قريب من الذاكرة العمودية التي تنطلق من الواقعي نحو المتخيل لتأكيد المفارقة  وإبراز المتناقض >> (47)

إذا ما اعتبرنا اللغة أو البناء المتعلق بالفانتاستيكي ( Fantastique) كذلك، فإنها تصبح- حينئذ- مجال لامتزاج << الواقعي باللاواقعي متناقضين يتصادمان صدام ثنائية الإيجاب والسلب – في تحديد نسبي- وليس الأساس من ينتصر، لكن الشيء المتعين هو تشخيص هذا الصراع والإقتحام وتصوير افرازاته المرحلية >>(48) .

يفوح الإستخدام الفانتاستيكي في الخطاب الروائي من خلال الوصف الذي يتخذ لغة خاصة تتميز بالمبالغات الأسلوبية والإنزياحات المؤسسة على بالغة التخييل وقوة الإيهام، وهو منطق خاص يحكم المحكي الفانتاستيكي بالدرجة الأولى ويدخل في << استراتيجية التجريب من جهة، كما هو محكوم بالتزام ما يصعد من أحداث فوق طبيعية من جهة ثانية >>(49) .

ومن الوصف العجائبي في الرواية ، قول السارد : << ...نزل من على العضباء ، ومال بربع دائرة، يمينا، قبالة قصر آخر، شبيه بهذا المفترض أنه المقام الزكي .صلى الركعة الأولى بالفاتحة... ما إن "حي وزكى" حتى داهمته حمى مصحوبة برعشة فوجد نفسه، يثب قافزا، يردد مع الأصوات المنبعثة من الداخل: يا خافي الألطاف نجنا ما نخاف. طاف بالمقام الزكي وهو كذلك سبع مرات، ثم سقط عند أرجل العضباء يتخبط مصروعا، مرفوع السبابة يتلو الشهادة. وجد نفسه عرض جبال لا يعرفها، تتخللها وديان، غزيرة المياه، قوية السيلان...>>(50) وقوله أيضا :<< أدركت العضباء مقصد الولي الطاهر، فاستدارت إلى اليمين، ربع دائرة، وانطلقت، تطوي الفيف، غير مبالية بالرمل، رخوه ويابسه. رفع الولي الطاهر، رأسه يتأمل السماء، فكانت الشمس كما هي منذ توقف عند الزيتونة اليتيمة، فوق التلة الرملية تتموقع وسطها، ورغم حدة حرارتها فإنها تبدو ذاهلة وبلهاء>>(51) .

يتعلق الوصف العجائبي أيضا  بتفعيل دور الشخصية البطلة للقيام بمهامها الموكلة إليها بحسب المكانة التي تبوأتها في الخطاب، وعادة ما تكون مهمة البطل هنا، تجاوز الواقع بمغالطاته والتمرد عليه والرغبة في التغيير بالاندفاع نحو المغامرة والتضحية مما قد يستلزم صفات خارقة تربطه بالتراث العجائبي.

فالولي الطاهر في الرواية شخصية بطلة احتاجت لخوض تجربة التغيير والإنطلاق نحو التحرر وابراز الذات إلى الكثير من الخوارق التي دعمتها عجائبية المتصوفة وكرامات الأولياء الصالحين مما أكسبه مصداقية التموقع الفعلي والصارم داخل الخطاب لتسيير الأحداث؛ يقول السارد وهو يرسم ملامح هذه الشخصية:<< قرر الولي الطاهر، بينما تتواثب إلى ذهنه ومضات من صور باهتة، لا يدري أهي ل "حالات" في الزمان أم لأخرى في المكان، قفز إلى ظهر العضباء، يتمتم كأنما يرجوها الإنطلاق:"باسم الله مجراها ومرساها". خفضت العضباء أذنيها أو بالأصح آذانها، وراحت تخب بحماسة وبلطف، كأنما هي تشفق على حمولتها الثمينة>>(52) ويقول الولي الطاهر : << ... وجدنا أنفسنا هنالك. في الذرى، عند كل نجمة، وعند كل مجرة، وفي كل كوكب، فوق كل كثبان رمل، وفوق كل تلة من طين أو من حجر ...نغوص في العمق ونعلو كل موجة >>(53) .

  لقد حقق المبدع الراحل تجربة إبداعية خاصة تروي عطش القارئ بما حملها من إمكانات فنية جمالية ودلالات جديدة تعكس وجهات نظره اتجاه الموروث في حد ذاته أو اتجاه الواقع الذي يعيشه، فغدا نصه، بذلك، مزيجا بين الأصالة والمعاصرة، بل وأصبح استلهام النص التراثي ، وفقها، من أرقى التقنيات الأسلوبية المستحدثة في عالم الكتابة الجديدة.

 

تحميل المقال

Appel à communication