January 2017
S M T W T F S
1 2 3 4 5 6 7
8 9 10 11 12 13 14
15 16 17 18 19 20 21
22 23 24 25 26 27 28
29 30 31

سيميائية اللغة والتكنيك الروائي في رواية الزلزال

(لفظة الجسر أنموذجا)

 

هايل محمد الطالب

جامعة البعث ( سوريا)

 

1-      مقدمة:

تأتي أهمية الطاهر وطار (أو عمي الطاهر كما يحلو لأشقائنا الجزائريين تسميته) من نواح عدة لعل أهمها:

1- أهمية لغوية فالطاهر يعد من أوائل الكتاب الجزائريين الذين أعادوا للغة العربية بريقها على صعيد الكتابة الإبداعية بعد سيطرة شبه كاملة للغة الفرنسية دون أن ننكر دور مجايليه، ولاسيما عبد الحميد بن هدوقة في رواية ريح الجنوب و زهور ونيسي وغيرهما. والحق أن لهذا قيمة ثقافية كبرى تضاف إلى القيمة الفنية للمنتج الروائي عنده، فهي قد فتحت المجال واسعا أمام الأجيال التالية للعناية باللغة العربية وسيلة تعبيرية، كما أنها قدمت خدمة وطنية كبرى في فترة ما بعد الاستقلال، وهي مرحلة إعادة الألق للغة  العربية، والحاجة إلى التعريب، والعناية باللغة  كعنصر أساسي من مكونات الدولة، وبذلك بدأت مع أمثال هؤلاء الكتاب مرحلة ما بعد اللغة الفرنسية في الكتابة الروائية دون إهمال للقيمة الفنية الكبرى للأدب المكتوب بالفرنسية مع كتاب كبار أمثال ( محمد ديب، وكاتب ياسين ، وأسيا جبار ، ومولود فرعون ، ومالك حداد وغيرهم).

2- الالتزام بقضايا الشعب والانحياز إلى صفوفه، إذ تكاد تكون كتابات الطاهر سجلا تاريخيا دالا على مسوغات الثورة، هذه الثورة التي تبرز بدلالاتها المختلفة في كتاباته، فالكاتب منحاز دوما للدفاع عن القضايا العامة التي تهم الشعب في خلاصها من المستعمر الأصغر الذي يمثله هنا الاحتلال الفرنسي والاحتلال الأكبر الذي تمثله بقاياه، والكاتب دوما يبطن مقولة مفادها أن الصراع مع القوى المستغلة والمعيقة لتقدم الشعوب ورخائها هو الصراع الأقوى والمستمر دوما، ومن هنا فتحت هذه الكتابة المحتفية بالثورة بابا واسعا في الكتابة الفنية الجزائرية تكاد تكون سمة مميزة لهذا الأدب طبعته بسماتها، فقلما نجت كتابة من الاحتفاء بالثورة بمعانيها المختلفة، فبرزت غالبا محرقا مولدا للكتابة والسرد واستمرت على ما يبدو حتى نهايات القرن العشرين، وهذا ما نلحظه مثلا عند أحلام مستغانمي في ذاكرة الجسد التي تعد أول رواية مكتوبة بالعربية (على صعيد الروائيات الجزائريات ) وربما لهذا الاحتفاء بالثورة ما يسوغه، فطول المدة الاستعمارية التي خضعت لها الجزائر طبعت الشخصية الروائية الجزائرية – على الأقل- بطابع ثوري صار يمثل رمزا إنسانيا للنضال والتضحية.

3- أهمية فنية متمثلة بالترميز، فالطاهر غالبا يعتمد في تكنيكه الروائي على الشخصية المتفردة التي تحمل النص الروائي، وهو غالبا مقل على صعيد الشخصيات، إذ إنه يعتمد على الشخصية القادرة على حمل النص الروائي بمقولاته المختلفة، لذلك على الرغم من واقعية شخصياته إلا أنها تُحمل أعباء ثقيلة على كاهلها تجعلها لا تمثل ذاتها، وإنما تمثل القيم الكبرى التي تعبر عنها، وبذلك يُشفّر الشخصية لتصبح رمزا مطلقا لما تدل عليه، ومن هنا نقرأ في شخصية اللاز في الرواية التي حملت الاسم نفسه  البطل الذي لا يمثل شخصية بذاتها، وإنما هو رمز للشعب ذاته وللثورة بتجلياتها المختلفة من خلال ما حمله الكاتب من مقولات وتحولات، ثم  ستبقى هذه الشخصة معبرة عن ذلك في رواية (العشق والموت في الزمن الحراشي) التي تعد تكملة للمرحلة التاريخية التي عاشتها شخصيات رواية اللاز (1)، وإذا كان الكاتب قد حمل شخصية اللاز كل سمات البطل الإيجابي التي يريدها، فإنه في رواية الزلزال سيحمل الشخصية الرئيسية عبد المجيد بو الأرواح كل سمات البطل السلبي، فيشفر الشخصية لتصبح رمزا لكل القوى الإقطاعية أو البرجوازية التي تستغل الشعب وتقف ضد الثورة بمفهومها الإيجابي الناصر لقيم الحق . وعلى هذا المنوال  يمكن النظر إلى هذه التقنية في كثير من المنتج الروائي الوطاري.

 

2-  رواية الزلزال:

تعد رواية الزلزال الرواية الثانية في المنتج الروائي الوطاري بعد رواية اللاز ، مع الإشارة إلى أنهما قد صدرتا في العام نفسه 1974(2) تعالج الرواية موضوع إعلان الميثاق الزراعي في الجزائر الذي بدأ تطبيقه في العام 1971،  كما أنها تصور في الآن ذاته جانبا من حياة المجتمع الجزائري بعد الاستقلال، يقدم الطاهر وطار صورة للمتضررين من هذا الميثاق عبر شخصية عبد المجيد بو الأرواح، وهو بدوره يمثل صورة نموذجية  للمستغلين الذين نموا من خلال استغلال الآخرين مستفيدين من الدين الذي يحضر دوما بصيغة تبريرية قائمة على المصلحة، فالدين تستخدمه هذه الشخصية لخدمة مصالحها فقط، يحضر بو الأرواح على كل صفحات الرواية، فهو مركز الأحداث ومنه تنطلق، وتبدأ الرواية بسماعه  أن الحكومة ستوزع الأراضي على الفلاحين، من هنا تبدأ رحلة البحث عن أقاربه الذين تخلى عنهم جميعا حتى يعينوه على بلواه، بحل خبيث يتناسب مع طبيعة شخصية بو الأرواح الجشعة ، فهو سيحاول الاحتيال على الحكومة عن طريق تسجيل أراضيه بأسماء أقاربه المفترضين على شرط عدم حيازتهم لها إلا بعد وفاته، وبذلك يتهرب من خسارة أرضه، التي كانت ستذهب إلى الفلاحين المعدمين حسب قانون الإصلاح الزراعي. بو الأرواح هي شخصية كانت خارج الجزائر أيام الثورة ، كان قد حصل على أراضيه بطرق متعددة مشروعة وغير مشروعة، لذلك فإنه كان يضمر في داخله حقدا كبيرا على الثورة، فالتغيير والعدالة الاجتماعية لا يفيدانه، من هنا كان يتمنى دوما أن يأتي زلزال كبير يحطم كل شيء ويأخذ هؤلاء الرعاع (حسب تعبيره) الذين يريدون مشاركته أرضه أو حتى أخذ القسم الأكبر منها، معبرا بذلك عن هؤلاء المستغلين الذين يمكن أن يضحوا بالأوطان في سبيل مصالح شخصية ضيقة، فالذين ينعتهم بو الأرواح بالرعاع هم  هؤلاء البسطاء والفقراء الذين حققوا الاستقلال مع جميع الفئات الأخرى من أحرار الجزائر، وبالتالي كان من حقهم على وطنهم أن ينالوا حقوقهم التي ضحوا من أجلها.

وتقدم لنا الرواية من خلال ثنائية الطبقات الاجتماعية، الحالة التي كانت معيشة في الجزائر أثناء الاحتلال عبر الخطف خلفا، وهما الطبقة المرفهة المالكة وتظهر صورتها عبر تذكر بو الأرواح للأيام الخوالي عبر مروره في كل مكان بنوع من الحنين، وتظهر الطبقة الثانية عبر ذم بو الأرواح لهؤلاء البسطاء الذين حلوا محل تلك الطبقة في المكان ذاته، وهذا ما كان مدعاة ترحم وأسى من قبل بو الأرواح، والمفارقة أن بو الرواح يعمل مديرا لإحدى مدارس العاصمة وبالتالي فهو يمثل حالة حب التملك فقط ،إذ لا يستطيع أن يفلح أراضيه، وبذلك فحب التملك هو الذي يدفعه إلى الحقد على المواطن الجزائري البسيط، هذا الحقد المحمّل بكم هائل من الكراهية يدفعه – بدم بارد- إلى تمني حدوث زلزال هائل يدمر ذاك المواطن و يريح المكان منه، ذاك المكان  الذي تبدل وبدأ يمتلئ بالروائح المقززة بعد أن كان حافلا بعطور الحسان الأوربيات والإسرائيليات، أمام هذه الرغبة بذاك الزلزال يلجأ بو الأرواح إلى الأولياء والصالحين كي يساعدوه في تحقيق مراده أو لنقل زلزاله، باختصار تمثل شخصية بو الأرواح الفئة البرجوازية التي تقف في صف أعداء الشعب وتقف مانعا في سبيل الانتقال إلى الاشتراكية. تنتهي الرواية بفشل بطلها في تحقيق هدفه، وتلقي الشرطة القبض عليه قبل أن ينتحر.

 

3- سيميائية العنوان:

لغة في الصحاح " زلل": زَلْزَلَ الله الأرض زَلْزَلَةً وزِلْزالاً، بالكسر، فَتَزَلْزَلَتْ هي. والزَلْزالُ بالفتح الاسمُ. والزَلازِلُ: الشدائد

وفي أساس البلاغة: " مادة زل": أصابته زلازل الدهر: شدائده.

وفي تاج العروس: الزلازل: البلايا والشدائد والأهوال

وفي لسان العرب: الحركة الشديدة (3)

المعنى اللغوي للعنوان الذي استخدمه الطاهر لا يخرج عن إطار دائرة دلالية واحدة بؤرها هي الحركة الشديدة، والمصيبة والبلايا والشدة، بمعنى أنها كلمة ذات بنية دلالية سلبية، هذا ما توحي به الكلمة قبل قراءة الرواية، لكن قراءة الرواية تزيد من وطأة هذا العنوان، إذ تضاف إليه  توظيفات الدلالة الدينية( إذا زلزلت الأرض زلزالها)، ليستخدمها بو الأرواح بالمعنى التدميري عبر تمنيه حلول الدمار على المكان الذي تحول من حالة تروق له زمن الفرنسيين إلى حالة لا تروق له بعد التحرير، وبالتالي يجعل ذلك من دلالات يوم القيامة. من هنا تكون كلمة الزلزال دالة على الرغبة في التدمير والموت على أبناء الجلدة الذين لا يروقون له، وهذه الثنائيات تظهر في صورتين: صورة القاع الذي يتفنن بو الروح في وصفها ليقدم لنا مسوغات زلزاله، كما نلحظ في الأمثلة الآتية:

= " ... لم أصل بالسيارة إلى هنا إلا بعد أن كدت أن أهجرها وسط الشارع، خشية أن يغمروها كالذباب كأنما هم في يوم الحشر! ما دهى هؤلاء الناس حتى يتدافعوا هكذا في حركة عشوائية، نازلين، صاعدين، مقبلين، مدبرين، خفافا، ثقالا، في هذا الحر" (4)

فالناس صاروا كالذباب للدلالة على كثرتهم والإنقاص من قيمتهم، وهم متحركون بعشوائية مفرطة ذات طبيعة فوضوية، وهذا ما يؤكده تلاحق ألفاظ الحركة معبر عنها باسم الفاعل بصيغة الجمع ( نازلين، صاعدين، مقبلين،...)

= ثم عبر نعتهم بالمتسولين و الأفاقين الذين يريدون الاستيلاء على المدينة، ثم عبر صورة درامية رائعة للروائح الجديدة التي حلت مكان العطور الفرنسية : " اصطخبت أصوات المتسولين في أذنيه، بينما اقتحمت أنفه رائحة التراب منبعثة من أجسامهم، إلى جانب رائحة شواء رأس، وزلابية حامضة مقلاة عدة مرات، إلى جانب عطر ياسمين، إلى جانب قشور ثمرة الصبار " (5)

وفي شاهد آخر: " الروائح قوية، رائحة التعفن تقطع أوصال قلب المرء" (6)

وفي مكان آخر " الحق . نصف مليون كثير جدا على هذه المدينة... حالة الوهن بادية عليها" (7)

ويسرف في إضفاء الصور القاتمة على هؤلاء الناس، لتتصارع هذه الصورة مع الصورة الثانية التي تمثل الزمن الجميل عند بو الأرواح والتي يمكن أن نقتطع شواهد دالة عليها بقوله:

= " المدينة انقلبت رأسا على عقب. زمن الفرنسيين كانت هادئة. هادئة بشكل ملفت للنظر. تدب  الحياة فيها .... تتألق الأنوار وتنطلق العطور، من الغاديات الأوربيات والإسرائيليات اللائي يملأن الشوارع كالحوريات ، بهجة وسرورا" (8)

ثم يوضح بو الأرواح السبب الرئيسي لزلزاله الداخلي الذي يتمنى أن ينفجر على هؤلاء الناس ، عندما يحدث نفسه بصوت مرتفع:

" تركوا قراهم وبواديهم، واقتحموا المدينة.. ماذا يريدهم أن يفعلوا في القرى والبوادي؟ أليسطوا على أراضي الملاك وينتزعوها منهم؟ إنهم كسالى  لم يعودوا يرضون بالعمل في الأرض... من واجب الحكومة ... أن ترسلهم إلى الخارج ، أن تفتح لهم مجال الخروج، الذي صار يتعذر يوما بعد يوم. لا. بدل هذا اتجهت أنظارهم إلى المساس بالصالحين الذين ورثهم الله أرضه." (9)

إن هذا المقطع يبين بصورة واضحة المسوغ الحقيقي لزلزال بو الرواح، فاستخدام الفعل( اقتحموا) في المقطع في معرض وصف الشعب الذي انتقل للعيش في المدينة بحثا عن الرزق يوحي بنقمة، فالاقتحام هنا له دلالة السطو والاحتلال وهذه لا تكون لأبناء البلد، فاستخدام هذا التعبير يوحي بشدة النقمة والحنق اللذين يدوران في داخل بو الأروح، وهذا ما يتفرع عنه نعوت دالة على ذلك ومؤكدة له، تتمثل في نعتهم بالكسل وبالعطالة عن العمل والحل يكون تهجيريا دالا على حب الخلاص ويتمثل في الطلب من الحكومة فتح باب السفر للخارج، وفي هذا ما يوتر الدلالة، فالحلول دوما إقصائية شديدة القسوة، فالإقصاء عبر الرحيل يبطن رغبة جامحة بالخلاص منهم بأية وسيلة ، ومادامت هذه الرغبة هي رغبة مشتهاة على صعيد التمني، لذلك كان الزلزال، فإذا لم يكن تحقق الأماني عنده قابلا للتحقق عن طريق الحكومة فلا بأس من اللجوء إلى الأماني والزلزال هنا بمعناه الدال على الموت والخراب أو حتى على قيام الساعة، هو بديل مقبول لديه . لاسيما أنه يخلق المبررات لنفسه ويحاول إظهارها بمظهر منطقي بل مدّعم بلغة دينية، فهو الرجل الصالح الذي ورثه الله أرضه؟؟

وبناء على ذلك تتضح لنا أسباب زلزال بو الأرواح، الشعور بفقدان الملكية للأرض، ثم إيمانه بطبقية الناس سادة ورعاع، حضر وريف مشتمل على البدو، عدم جدارة المدينة إلا بأبنائها لذلك يجب أن توصد أبوابها في وجه الوفدة المتخلفين، مما يعني أنّ فقدان الأرض  كان  المحرق المولد لكل هذا السخط على الشعب، وبذلك يظهر بمظهر العدو الناقم على أبناء جلدته الممثل لمصاصي دماء الشعب .

تبدأ دلالية الزلزال عندما يخلق لها الطاهر وطار مسوغها الفني، فبو الأرواح هو رجل معلم درس الدين، وينعت بالشيخ، دخوله المسجد، ليسمع حديث خطبة الجمعة عن الزلزال وعظمته والاستغراق في ذلك هو ما جعل بو الأرواح يستغرق في التفكير بحله الزلزالي للناس الوافدة للمدينة للخلاص منهم، وهنا يظهر المعنى الديني للزلزل ممثلا ليوم القيامة يوم ذهول المرضعة عمن أرضعت ووضع كل ذات حمل لحملها ثم تحضر دلالات ( الذهول، والهلع، وامتلاء النفس باللون الداكن) " وهي دلالات شاء  تعالى أن يخص بها الزلزال الذي استعاره سبحانه للتعبير عن قيام الساعة" (10)

لكن بو الأرواح حاله كحال كل المستغلين، سيوظف ذلك لمصلحته، فهذه التغييرات التي تصيب البلاد هي إذن علامة من علامات الساعة كما يمكن  أن نلحظ في المثال الآتي الذي يصف فيه حال أحد المطاعم كيف كان وإلام آل:

" المقاعد اختفت وحلت محلها مصاطب خشبية متداعية، والمناضد المستديرة، حلت محلها رفوف زنكية على الجدران. لا حول ولا قوة إلا بالله. أحقاً هذا هو مطعم بالباي الذي عرف الآغاوات والباشغوات والمشايخ، وكبار القوم، أصحاب الأرض والأغنام والجاه..* يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كلُّ ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى*" (11)

ثم ستصبح هذه لازمة يرددها بو الأرواح دائما عند كل مشهد لا يعجبه في قسنطينة المدينة التي جاءها باحثا عن أهله أملا في إيجاد حل لمشكلته.

 

4-   لفظة الجسر والتكنيك الروائي الوطاري:

ترد لفظة الجسر في الرواية  خمسا وستين مرة، وبدلالات متنوعة على المكان بمعناه الواقعي والمتخيل، وما سنقف عليه هو الدلالة الإيحائية لمفهوم الجسر وأثر ذلك في البناء الروائي، وبالتالي في إظهار التكنيك الروائي الذي اعتمده الطاهر وطار في روايته المدروسة.

ترد في بداية الرواية ( وتحديدا الصفحة السادسة)عبارة " جسور قسنطينة السبعة"

 ثم لاحظنا أن الطاهر قسم  روايته  أيضا إلى سبعة أقسام هي:

1-      باب القنطرة

2-      سيدي مسيد

3-      سيدي راشد

4-      مجاز الغنم

5-      جسر المصعد

6-      جسر الشياطين

7-      جسر الهواء

إن ما يمكن ملاحظته بناء على ذلك هو أن الطاهر قد ساوى بين الجسور ومحاور الرواية السبعة، وهذا كما أرى له دلالته المهمة، فسبعة الجسور  هي مداخل سبعة إلى المدينة، وهي التي سلكها البطل بو الأرواح في طريق بحثه عن أقاربه، وهنا تتحول الدلالة بين دلالة حقيقية للجسر، ودلالة مجازية إيحائية تمثل التكنيك الأساسي في بناء الرواية.

وسبعة الأقسام  في العمل الروائي هي سبعة فصول دالة، تمثل المراحل السردية للحدث الروائي،  وبالتالي هي الجسور الخفية للحدث بدءا من مراحله الأولى وانتهاء بإلقاء القبض على بو الأرواح على جسر الهواء الذي هو جسر النهاية.

نلاحظ أن الكاتب قد استخدم لفظة الجسر صراحة في ثلاثة عناوين، وقد كانت الدلالة الجسرية حاضرة في العناوين الثلاثة الأولى فكلها واقعة على جسور مؤدية إلى المدينة/ قسنطينة، وبالتالي كل منها تؤدي دلالة جسرية معينة.

وكذلك نلحظ أن تكرار لفظة جسر، قد تتالى في الرواية حسب ترتيب الفصول على النحو الآتي: (7، 2، 11 ، 6 ،7 ،7، 25 )، وبذلك كان الفصل الثاني هو أقل الفصول الذي وردت فيه هذه اللفظة، في حين كانت نسبة التكرار الكبرى لهذه اللفظة في الفصل الأخير (25مرة)، على الرغم من أنّ الفصل الأخير أقصر فصول الرواية، ومسوغ ذلك الدلالي هو أن كل الجسور ستجتمع في هذا الفصل، وستتضافر لتحقيق الزلزال، ذاك الزلزال الذي لن يصيب إلا صاحبه (بو الأرواح)، وبالتالي لأنه فصل مرتبط بدلالة الهاوية والموت التي تقدمها جسور الطاهر وطار في هذه الرواية.

وفي ما يلي وقوف عند التحولات الدلالية للفظة الجسر في هذه الرواية، وأثرها في التكنيك الروائي عند الطاهر:

4-1: الجسر الأول: (الفردوس المفقود)

وهو الفصل الأول من الرواية المعنون ب( باب القنطرة)، وهو جسر باب القنطرة. وهو الجسر الدلالي الأول للرواية و يمثل صدمة تغييّر المكان الذي يوحي أنّ كل شيء قد تغيير، ومن هنا يبدأ الكاتب بصدمة الرائحة عبر حاسة الشم التي ستصبح ملمحا أساسيا في التعبير عند الطاهر في هذه الرواية. وهي ستقدم الصورة السلبية للمكان/ المدينة بعد الاستقلال كما يراها بطلها السلبي بو الأرواح :

" حاسة الشمّ، تطغى على باقي الحواس، في قسنطينة، في كل خطوة، وفي كل التفاتة، وفي كل نفس، تبرز رائحة متميزة، صارخة الشخصية، تقدّم نفسها لأعصاب وقلب المرء"(12)

نلحظ أن الكاتب عبر بطله يبدأ بذم المدينة مستخدما الرائحة، فالرائحة التي تضرب الأعصاب والقلب، هي رائحة الوافدين الجدد إلى المدينة، الذين حلّوا محل الحضر، فغيروا سمات المكان.

تحضر لفظة الجسر،هنا، سبع مرات تتنوع دلالاتها على النحو الآتي:

-       الجسر عنصر طمأنينة، وخلاص من الهوة:

" هذا الجسر أفضل جسور قسنطينة السبعة، عريض وقصير سرعان ما ينسي الإنسان الهوة بينه وبين الوادي " (13)

-   الجسر كوّة على العالم عبر تجسير الهوة بين مكان مغلق، وآخر مفتوح، فيصبح وسيلة للانفتاح، من هنا يتّخذه  بو الأرواح وسيلة للتساؤل عن جدوى الانفتاح على العالم لمدينة منشغلة بنفسها:

" لِمَ اختار وادي الرمال فتْحَ هذه الثغرة في مدينة في قلب مدينة منشغلة بنفسها كهذه؟ " (14)

          ثم تحضر الدلالة الجسرية المعنوية عبر الثنائيات الضدية الآتية:

  • -حال المدينة زمن الفرنسيين  #  حالها بعدهم و تقاطر الريفيين إليها
  • -الروائح الطيبة زمن الفرنسيين #  الروائح العفنة  بعد خروجهم

 ( عطر الياسمين، عطر الحلم الذهبي...)   ( روائح الناس، الباعة،...)

  • -حضرية سكانها زمن الفرنسيين  #  ريفية السكان وتخلفهم لاحقا
  • -السكينة والهدوء       #   الصراخ الذي أتى مع العامة والدهماء
  • -تفاصيل المكان الأرستقراطية قبلا   #  تفاصيل المكان الشعبية لاحقا

         وهذه الدلالات كلها ستصبح عنصر تحريض جغرافي يتمثل بلفظة ( الصخرة)، فالمدينة (قسنطينة) قابعة على صخرة كبيرة تصلها الجسور السبعة مع العالم الخارجي، وغزو الريفيين للمدينة سيولّد في ذهن بو الأرواح دلالة شيطانية، مفادها تفجر هذه الصخرة هو الحل الوحيد للخلاص من هؤلاء الناس المرفوضين من قبله:

" تحملنا وإياكم صخرة، يعمل الماء فيها عمله من كل جانب، والله أعلم بما في باطنها من تجاويف، ومن أكلاس متذاوبة، يمكن في كل لحظة أن تعلن بطريقتها الخاصة عن استثقالها لنا . " (15)

ومن هنا سيرتبط مفهوم الصخرة بمفهوم الزلزال المدمر الذي يبحث عنه بو الأرواح.

4-2: الجسر الثاني: اللجوء إلى الأولياء (جسر سيدي مسيد)

الانتقال المكاني ل (بو الأرواح) يوصله إلى حي سيدي مسيد، وعلى الرغم من أنّ تكرار لفظة الجسر كان قليلا ( تكررت مرتين)، إلا أنها كانت المحرق المولّد للدلالة في هذا الفصل، فحيّ سيدي مسيد واقع على أحد جسور المدينة الذي يحمل الاسم نفسه، وفي هذا الفصل تحضر دلالتا القاع والموت . وهذا ما نلمحه في التوصيف المكاني لموقع الجسر، ولموقع الحيّ:

" القمم اللامتناهية الأشكال والأحجام، تتوغل في السحاب الأبيض تارة، وفي الأشجار الداكنة تارة أخرى.. تليها زاحفة نحو المنحدر تلال و رواربٍ، ... عند الأسفل تماما يبرز لسان من الجبل يتخطّى الوادي، هو جسر سيدي مسيد." (16)

فالكاتب يستخدم التوصيف المكاني، ليوظّفه لاحقا، فدلالات العلو الشاهق، الانحدار، كلها عوامل مكوّنة للموت الذي سيولّده انفجار الصخرة التي تقع المدينة عليها، ومن ثمة التوصيف يُشعر بفداحة ما ترمي إليه شخصية بو الأرواح، لاسيما عندما تتوقف عند حي سيدي مسيد، لتصفه في نجوى داخلية:

"  حي سيدي مسيد، يبدو كحيّ الجرابيع في أولاد حارتنا للكافر نجيب محفوظ الذي جبن المصريون عن قتله بسبب ما فيه من كفر وإلحاد، وسخرية بالأنبياء والمرسلين والملائكة" (17)  

ومن بعد، ستبلور شخصية بو الأرواح ، دلالة الموت الراغبة التي يرجوها لهؤلاء الناس  بمسوغات:

-  " تبدو أجساد شيطانية الحركة، تتطاول وتتقاصر، تذهب وتجيء، تلف يمينا وشمالا "( 18)

-  " من هنا من سيدي مسيد ، يكون الخراب"( 19)

من هنا يكون اللجوء إلى الأولياء لطلب الدمار والموت:

" ابدأ من هناك من الأسفل حيث لا يزال الزحف يتواصل وتتقاطر، ثم اصعد إلى قلبها وطهّره . يا سيدي مسيد . ولا تدعهم يخربون المدن لينطلقوا نحو البداوي . سلّط الخصي على رجالهم، والعقم على نسائهم، حتى ينقرض نسلهم، ولا يمكث إلا النصل الصالح " (20)

فالدمار والموت والثبور والحقد والدعاء بالعقم والثكل، هي وسائل بو الأرواح للتخلص من الوافدين إلى المدينة أو من الأحياء الشعبية التي ترهق صخرتها.

ويلاحظ أن وسيلته في كل ذلك هي الدعاء فقط، عبر اللجوء إلى الأولياء طالبا مساعدتهم، وهذا مظهر آخر من مظاهر العجز في هذه الشخصية،  على الرغم من أن ذاك الدعاء كان مغلفا بلبوس ديني زائف .وهذا ما كان ،دوما، يؤدي إلى المعادلة الآتية:

 ( كلما ازداد دعاء بو الارواح على الشعب = ازداد يأسه = انهياره )

وفق  معطى رئيسي دوما هو اليأس من قدرته على تغيير الوضع الجديد ، وهنا أيضا تبرز حاسة الشم دالة على المكان بمتغيراته الجديدة، فالشم في الرواية مكون برجوازي ، أو حتى أيديولوجي:

" واجهته قافلة من الروائح، استنشق رائحة أدمغة مشوية، ثم رائحة قشور الصبار، ثم رائحة بول، ثم رائحة عقاقير كيمياوية، ثم رائحة عطر، ثم رائحة أقدام نتنة ..." (21)

 4-3: الجسر الثالث: جسر سيدي راشد جسر التحولات وزلزال الأقارب

وهنا تبرز التحولات المفاجئة التي تنذر بانهيار بو الأرواح، تتجلى في تناقضات تحولات أقاربه ، فصهره الحلاق استشهد، والطاهر النشال المهرب ، كما يراه بو الأرواح، صار ضابطا، وعيسى المتصوف صار شيوعيا، وبالتالي هذه التحولات تعزز مفهوم الزلزال عند بو الأرواح، وهي تدفعه نحو الانهيار، وفي هذا الفصل تبرز لفظة الجسر التي تكررت إحدى عشرة مرة،  إذ يصبح الجسر حاميا من الموت، ولكنه يحمي الصالحين فقط من أمثال بو الأرواح من هنا يضفي عليه صفات خاصة، يقول:

" يبدو جزء من جسر سيدي راشد النائم فوق أقواس مضاعفة من الصخور والإسمنت المسلّح، يتحدّى العربات الضخمة والشاحنات الكبيرة، مهما كان هول الزلزال، ومهما كانت قوته وعظمته، فإن هذا الجسر لن ينكسر ."(22)

ثم يضفي عليه صفات  القوة والصمود والإصرار:

" إنه شحنة من إصرار الإنسان على التحدي والمكابرة . بل إنه رمز لطموح الإنسان والمساهمة في الخلق " (23)

ثم يجعل هذا الجسر هو العاصم والحامي من الموت الذي سينشره الزلزال:

" من يكون فوق الجسر في حالة اهتزاز الصخرة، و تذاوب المدينة، يكون حظّه  في النجاة كبيرا . لا ريب أن المولى بالتماس من سيدي راشد، سيلهم كل عباده الصالحين إلى (التواجد) فوقه، سيجد كبار ملاك الأراضي ، وأصحاب المصانع والمتاجر الكبيرة، وأئمة المساجد أنفسهم فوق جسر سيدي راشد لحظتها . " (24)

فيظهر الجسر في هذا الوصف هو الحامي للفئات التي يريد بو الأرواح نجاتها من زلزاله، وهو يعبّر عن نفسيتة الناقمة التي وصلت إلى حدّ اليأس، هذا اليأس الذي  يدفعها إلى نعت الجسر بالمشتهى و المُتمنّى عبر ربط الجسر بالزلزال المشتهى الذي ينجيه ، وينجي أمثاله من الملاك، يعزز ذلك ربط هذه الرغبة بالوسطاء وهم هنا الأولياء . ويمثلهم ، هنا، سيدي راشد الذي يمثّل الأمل الأخير ل(بو الأرواح) ، ولو كان سرابا، إنه أمل اليائس.

4-4: جسر مجاز الغنم و دلالة الموت:

وهذا الجسر أوهى الجسور، وتتكرر كلمة الجسر الدالة عليه ست مرات، وهو استمرار لبحث بو الأرواح عن أقاربه، وتحديدا عن عبد القادر الغرابلي الأمي الذي تعلّم في السجن وصار أستاذا في الثانوية، بو الأرواح يتفاجأ بتحوله إلى أستاذ. فيجعل الحديث عنه ضمن الحديث عن أوهى الجسور في تناسب دلالي بين حالة الشخصية، والحالة التي ترفضها برجوازية بو الأرواح، فتأتي دلالة الجسر مرتبطة بالضعف، وبالانهيار المتوقع في أية لحظة:

" الجسر يمتد في تواضع على طول عشرين مترا تقريبا، لكن الأهم أن واضعيه فكّروا في أنه وقتي ولا شك، فلم يجعلوا له أية قاعدة... هذه أصدق الجسور على الإطلاق ، إنه يومئ إلى إحساس القسنطينيين الدائم بأنهم محكوم عليهم بفناء عاجل، وبأنّ عليهم أن ينهبوا الحياة نهبا طيلة الدقائق المتبقية لهم . " (25)

4-5: جسر المصعد جسر التداعي (الخيانات):

ترد لفظة الجسر في هذا الفصل سبع مرات، تحضر الصخرة /قسنطينة التي خاطها الغرب بالجسور، و تحضر زوجات بو الأرواح والخيانات، فعائشة زوج بو الأرواح ماتت على يد أبيه بعد مراودتها، وخيانة بو الأرواح لأبيه مع زوجته، ويحضر منطق المستغل الذي يزرعه الأب بابنه:

" أن نكون جزائريين عظماء، خير من أن نكون فرنسيين عاديين" (26)

وتحضر الخيانات جسرا للانهيار، ماتت حنيفة زوجة أبيه الصغرى، وخيانة زوج بو الأرواح الثانية وهربها، واغتصاب بو الأرواح زوجة الخماس وابنته، وتخليه عن سارة زوجته اليهودية ، كل هذه الأشياء ستكون جسر تداعيات ما قبل الهذيان والانهيار لهذه الشخصية .

4-6: جسر الشياطين جسر الهاوية والجنون:

تحضر لفظة الجسر بتركيبها الإضافي (جسر الشياطين) سبع مرات، و بو الأرواح يسقط بهذا التركيب دلالة الشياطين على الوافدين الجدد – إن جازت التسمية- الذين غيروا الصورة السابقة للمدينة كما يريدها بو الأرواح، أي تحطيم الطابع البرجوازي ، وتبدأ ،هنا، بداية الهاوية عند شعور بو الأرواح أن كل ما رآه يقف ضده وضد تحقيق مشروعه، إنه حصار الشعب:

" لا شك أن النصف مليون ساكن سمعوا بقدومي، وخرجوا يعرقلون بحثي عن أقاربي لتنفيذ مشروعي العظيم " (27)

4-7: جسر الهواء جسر الهاوية حصار الماضي

تتكرر لفظة الجسر في هذا الفصل خمسا وعشرين مرة، والجسر يأتي دالا في تحولاته المختلفة على الحصار، الحصار المعنوي عبر تداعي ذكريات الماضي، وحصارها ل(بو الأرواح)، والحصار المتخيل عبر جعل كل هؤلاء الناس الذين مروا في شريط حياته يحضرون أمام ناظريه، إضافة إلى ناس قسنطينة الذين بدؤوا بالتقاطر عليه من جهتي الجسر، فلا يبقى لبو الأرواح إلا الهاوية:

" فتح عينيه، الجسر يتحرّك، الأخدود العظيم يفغر فاه، صراخ من في الأسفل لا يسمع، صراخ من في الأعلى أيضا " (28)

ثم تتداعى وتتكرر عبارة (الجسر يتحرك) في نوع من الهذيان الذي يعبّر عن الحالة التي وصل إليها بو الأرواح وصولا إلى الانهيار:

" فتح عينيه، الجسر يهتز ... مدخلا الجسر يمتلئان، إنهم يحاصروني " (29)

إنه حصار التاريخ المرّ لبو الأرواح ، وحصار الناس له وحصار الأقارب الذين ظلمهم.

ثم تأتي دلالة الجسر معبرة عن الهذيان عبر تمازج الأصوات المتخيلة التي تطرق أذني بو الأرواح، وتوحي بالانهيار والاستسلام(30)، يصل الانهيار إلى أقصاه عند قوله:

" الجسر يرتفع إلى فوق، يبتعد إلى الأعلى. الزلزال حدث " (31)

إنها لحظة النهاية، لحظة تخيل حدوث الزلزال، ولحظات التداعي الهذياني، وتخيل نجاة الأشراف، وموت الرعاع، حيث يحمل جسر سيدي راشد الأشراف، ويقدم طوق النجاة لهم، في حين يحمل جسر الهواء الهاوية والموت للآخرين . ثم تأتي لحظة الواقع ، لحظة قبض الشرطة على بو الأرواح قبل أن ينتحر . وبالتالي النهاية السعيدة التي تنشدها الاشتراكية التي يتبناها الكاتب بانتصار الحق على الظلم، وترك كوة النور التي تضيء طريق الشعب.

 

5-خاتمة:

يلحظ أن لفظة الجسر كانت حاملة دلالات عديدة كما لاحظنا نوجز أهمها:

-       باب القنطرة هو جسر العبور إلى الأحداث الأولى وبالتالي هو الجسر الذي يمثل الحالة الأولى للبطل في مواجهة المدينة.

-       الباب الثاني هو باب سيدي مسيد هو جسر اللجوء إلى الأولياء الصالحين ليغيثوه، وليساعدوه على تحقيق زلزاله.

-       الباب الثالث هو باب سيدي راشد، وهو جسر صدمة المكان وصدمة سكانه، ومتابعة اللجوء إلى الأولياء

-   الجسور الصريحة في الأقسام الأخيرة هي جسور الكشف ، كشف الأهل الذين يبحث عنهم بكل تغيراتهم، كما أنها جسور الصدمة بهذا الكشف، وكذلك هي جسور النهاية للبطل على جسر الهواء.

لا شك أن الطاهر وطار استطاع استخدام تكنيك عالي المستوى في خلق التوتر الروائي، لا سيما أنه يجب علينا أن نراعي زمن إنتاج الرواية، وهو بداية السبعينيات، والحق أنه تكنيك استطاع أن يبرز دلالات عبر فصول سبعة، هي جسور قسنطينة السبعة التي تصور المكان بأبعاده و تشظياته، عبر مداخله السبعة و هي جسور. استطاع بأسلوب مخاتل غير مباشر أن يمشينا على تلك الجسور لإيصال دلالاته، ولينقل لنا صورة الصراع الجديد في الجزائر عبر رمز متخيل للمستغلين جميعا هو عبد المجيد بو الأرواح، ذاك الصراع الطبقي بين فئتين مستغِلّة(بكسر الغين)، ومستَغلّة (بفتح الغين)، وربما ما يؤخذ على الرواية نتيجة تأثرها بالاشتراكية، في كثير من الأحيان هو المبالغة في النزعة التسجيلية التي تنحاز للواقع في إطاره المباشر، وبالتالي لم نلمح فلسفة عميقة للمكان، وهذا ما نلحظ أن بعض النتاجات الجزائرية اللاحقة قد تجاوزته(32)، لكن ذلك لا يقلل من قيمة الرواية الكبيرة في سياقها التاريخي الذي أُنتجت فيه.

تحميل المقال

 

Appel à communication