January 2017
S M T W T F S
1 2 3 4 5 6 7
8 9 10 11 12 13 14
15 16 17 18 19 20 21
22 23 24 25 26 27 28
29 30 31

 

بناء الشخصية المركزية وفضاء أسفل المدينة

قصة رمانة للطاهر وطار ـ أنموذجا

 

عبد الرحمان بن يطو

جامعة المسيلة(الجزائر)

 

1- أوليـات:               

ترتبط الرواية بالمدينة كنمط حياة، ولذا جاء السّرد كأنموذج تعبيري مدينيّ لما يمتلكه من ممكنات فضائية ودينامية في النصّ، فبمجرد أن تنطلق الشّخصيات في نشاطاتها داخل الفضاء النّصيّ، وهي تسعى طائعة أو مكرهة في هذه الحياة التي يصنعها العاديون من الناس.  لكن مخيّلة الكاتب ومن ورائها تجربته الإبداعية تضع من الأمر العادي المستنفد أمرا غير عادي لدرجة الدهشة، يدفعه إلى ذلك كشف المستور كما هو الحال في شخصية ''رمانة'' التي ابتكرها وصاغها حسب رؤيته والمواصفات التي يريدها، فكانت شخصية غير نمطية أو جاهزة، تصدم المتلقي العربي الذي لم يتعوّد على مثل هذه الشخصيات الروائية المختلفة عن الأخريات، وقد قال وطار عن هذه القصة: ''لا أزعم أنّ رمانة رواية، ولا أثق في أنها قصة قصيرة .. لكنني متأكد من أنها تمثل بالنسبة لي، فترة الانتقال، من لون أدبي إلى لون آخر، تمثّل نفساً جديدا وتطلّعا جديدا، وهيكلية فنية جديدة''(1).

لعلّ أعظم لحظة في هذه الرواية هي لحظة التّحول التي عرفتها الشخصية نتيجة التّحول في ظروفها الاجتماعية والتعليمية وكذا في وعيها الوطني الذي صادفته يوما في لقاء الرفيق (خالي) هذا التغيّير الذي أطال الشخصية في أواخر الرواية حوّلها من الشخصية السلبية المفعول بها إلى الشخصية الإيجابية الفاعلة، إذ دفعتها الأحداث إلى التعرف على هذا المناضل وهو في هيئة تمويهيّة خوفا من ملاحقة الشرطة وأخذت العلاقة بين الرجل ورمانة تنمو بتدرج حذر إلى أن تمكّن من الاستيلاء على عقلها وتوطّدت الثقة بينهما وصار محل احترام وتقدير في نظرها وصارت في نظره مؤهلة فكريا ونفسيا لقبول بدور ما في العمل السّري مع العناصر الثورية.

ولأن رمانة ومثيلاتها هنّ ضحايا هذا المجتمع الذّكوري الذي صنعهن وأهلهن لحاجاته الذّكورية الملحة كلّ ذلك من منظور استعلائي نحو هذه الفئة الهشّة من المجتمع، في إطار البنية الاجتماعية وما تحمله من اختلالات في موروثها الثقافي والتاريخي والديني.

وانطلاقا من مفهوم أنّ الشخصية حاملة لفضائها فإنّ الكاتب عمد أن تكون المدينة هي الفضاء الأنسب لشخصياته وكلّ ما يرتبط بها من أفعال وأقوال سلبية أكانت أم إيجابية، ولذا كان البغاء دوماً لعنة من لعنات المدينة الحديثة التي لا تكترث بالضعفاء  من المجتمع فيجدون أنفسهم أسرى الواقع بكل نتوءاته وقيمه المادية الشرسة إلا أنّ ما استحدثه وطار وهو يسعى إلى تشيّيد هذا الفضاء الروائي الموبوء بالمتاعب الاجتماعية والمكاره الاقتصادية والسياسية يتجلى أكثر في تأثيث الصّورة النسويّة للمرأة الجزائرية المقهورة في كرامتها، فراهن الكاتب على جرأته غير المسبوقة لكسر الطابوه (Tabou) والبوح بالمستور المندس في وعي الناس.

فبائعه اللذة تتحوّل إلى ثائرة وفق مزاج الكاتب على خلاف ما ذهب إليه بعض الروائيين الآخرين الذين يعاقبون شخصياتهم التي تضطلع بأدوار دونية رضوخاً لرغبة المجتمع ومعاييره الأخلاقية فـ ''حميدة'' مثلا في (زقاق المدق) تتلقى ضربة قاتلة مصوّبة نحو وجهها لتستهدف مصدر تفوّقها وجمالها، بينما نرى وطار يكافئ رمانة بانتسابها إلى الثورة مخالفا بذلك كل الأنساق الاجتماعية والثقافية والدينية المحافظة.

وقد تكون عتبات النص مدخلا إبستيمولوجيا آمنا لعوالم القصة وتحولاتها المثيرة، فما دلالة العنوان؟ وما علاقتها بلوحة الغلاف ؟.

2- عتبات النص،

2-1 العنوان:

لم تعد دراسة العنونة محل اهتمام الباحثين والدارسين إلا في أواخر القرن الماضي، بعد أن هيمن النص على عنوانه تاريخا طويلا كاد أن يلغيه من الوجود، فكانت العرب قديما لا تعنون قصائدها بل تكتفي ـ آنذاك ـ بذكر مطالعها للتمييز بين هذه القصيدة أو تلك، فمعلقة امرئ القيس يسمونها "قفا نبك" أو ينسبونها إلى حرف الروي الذي تقف عليه، فيقولون سينية الخنساء أو لامية الشنفرى، ولم يتوقف الأمر عند القصائد الشعرية بل تجاوزها إلى الدواوين الشعرية، فيلحق الديوان باسم صاحبه، فيقال "ديوان امرئ القيس"، ودام هذا الحال طويلا إلى أن انفتح العرب على غيرهم من الشعوب وتعرفوا على تقاليد جديدة من الكتابة النثرية، فأخذوا يُعَنونون أعمالهم والتي جاءت موسومة بلغة عصرهم ووعيهم الأدبي، فكانت عناوينهم بلغة مسجوعة تحمل في ثناياها نغمة الإيقاع التي تلازم العنوان العربي حتى أوائل القرن الماضي، فهي عناوين نثرية بلغة شعرية.

ويقترن تحرر العنوان من سطوة اللغة المسجوعة مع حركة التجديد في الأدب العربي التي ظهرت في المشرق العربي على يد محمد حسنين هيكل وطه حسين وغيرهما؛ وفي المهجر الأمريكي على يد الرابطة القلمية (1920)، وقد كان رئيسها جبران خليل جبران(1883-1931) من أكثر المبدعين عنونة لما تحمله عناوينهم القصصية من نبض شعري متفرد مثل "الأجنحة المتكسرة"، و"الأرواح المتمردة"..والتي لا يتأتى فهم دلالاتها إلا من خلال قراءة أفقية وفهم عمودي، فجبران مبدع عنواني غير مسبوق في اللغة العربية.

هذا في عالم الإبداع، أما في الجانب التنظيري للعنونة يمكن القول إن اهتمام الباحث العربي جاء في سياق اهتمام الفكر الغربي بهذا الحقل المعرفي وخاصة مع الفرنسي جيرار جنيت(G.Genette) الذي درسه في نطاق عتبات النص ومنحه فصلا كاملا ـ الفصل الثالث ـ في كتابه:" Seuils"(2) ويقصد به العناوين الرئيسية والفرعية والمقدمات والاستشهادات والحواشي والإهداءات، فمنذ أواخر القرن الماضي ظهرت أعمال جادة في الأفق تتبلور وتبشر بميلاد حقل معرفي مستقل يطمح إلى تأسيس علم جديد في المستقبل له أصوله ومناهجه "علم العنوان" (la Titrologie)

ولعل هذا الاهتمام بالعنوان متأت من رؤية استشرافية لمستقبل الإنسانية الخارجة من أتون الحرب العالمية الثانية والتي انتهت بدعوة إلى تحرير العالم من المركزية الأوربية، ففي سياق هذه الفلسفة الثائرة ظهرت نظرية التفكيك ( Déconstruction) التي يتزعمها الفيلسوف الفرنسي "جاك دريدا" (1930 ـ 2004) (Jacques Derrida) وقد جاء هذا التحول متلازما مع جملة التحولات التي أحدثتها نظرية التفكيك عند ظهورها في مطلع السبعينات من القرن الماضي ، حيث عملت على تقويض سلطة المركز ومرجعياته في الفكر الأوربي، مما أدى إلى إعادة الاعتبار إلى الهوامش وفي مقدمتها العنونة التي أخذت تحتل موقعا هاما في الدراسات اللسانية والسيميائية والنظريات الشعرية والنصية التي اهتمت بدراسة العنوان ووظائفه وشعريته نظرا لأهمية الوظيفة الاتصالية التي يضطلع بها بدلا من السياق( Contexte)، من خلال أولية موقعه بحكم وجوده في أعلى النص، ودوره في عملية الاتصال بالقارئ الذي يؤهله مسبقا لمعرفة النص(3).

فانطلاقا من هذا التوجه المعرفي بدأ الاهتمام  جديا بإستراتجية العنوان على مستوى النظري والتطبيقي كعلامة لسانية ملازمة، فلا عنوان بلا نص ولا نص بلا عنوان من جهة،ومن جهة أخرى عنوان في الأعلى يليه نص في الأسفل غير أن العلاقة بينهما علاقة تكاملية تابع ومتبوع نص ينسب إلى عنوانه أم عنوان يلحق بنصه، فإذا كان أحدهما يمثل الكل (النص) والآخر يمثل الجزء(العنوان) فأيهما له الأهمية على الثاني ؟ وقد يكون من الأهمية بمكان ألا نفاضل بينهما، فقراءة نص بمنأى عن عنوانه تبقى قراءة ناقصة غير تامة الملامح والرؤية، وقراءة عنوان بمفرده في غياب نصه تبقى قراءة مشوقة وملحة، لما يحيل عليه العنوان في تقاطعه مع نصه فالعنوان والنص مكونان أساسيان يلازمان بعضهما ولا يمكن الاستغناء عن أحدهما، فإذا قلنا عنوانا نعني بوجود نص، وإذا قلنا نصا نعني بذلك وجود عنوان فهو بمثابة الرأس من الجسد، وهنا يقول الدكتور محمد مفتاح ":إن العنوان يمدنا بزاد ثمين لتفكيك النص ودراسته، ونقول هنا أنه يقدم لنا معونة كبرى لضبط انسجام النص وفهم ما غمض عنه، إذ هو المحور الذي يتوالد ويتنامى ويعيد إنتاج نفسه، وهو الذي يحدد هوية القصيدة، فهوـ إن صحت المشابهةـ بمثابة الرأس من الجسد، والأساس الذي تبنى عليه، غير أنه إما أن يكون طويلا فيساعد على توقع المضمون الذي يتلوه، وإما يكون قصيرا، وحينئذ فإنه لا بد من قرائن فوق لغوية توحي بما يتبعه"(4)

ولكن ما يعنينا هو اختراق البنية السطحية المثقلة بالدلالات المتشظية في عمق قصة "رمانة" للروائي الطاهر وطار وملاحقة المعاني المتوارية بين تلافيفه، أولا فاختيار الكاتب لاسم " رمانة" عنوانا يعود لكونها الشخصية المركزية المهيمنة على السطح الروائي ومن خلالها تتقاطع الأحداث وتتأزم، غير أن لفظ رمانة يتأتى من حرص وطار على توظيف الأسماء ذات المعجمية الشعبية الجزائرية، ناهيك أن العرب قديما كانت تخصُّ بناتها ببعض الأسماء ذات الصلة بالحياة اليومية والمحببة عندهم كلفظ سُلافة الذي يعني الخمر أو بعض الفواكه(...)وما رمانة في حقيقتها إلا فاكهة من لحم.

أما لفظ رمانة في الأصل المعجمي منبثقة عن رمان بدون "تاء" التي جئ بها على سبيل الإلحاق  للدلالة على الوحدة وقد ورد ذكره في القرآن الكريم بهذا المعنى(5)، وفي هذا السياق أطلقت العرب لفظ التمر على المفرد والجمع معا، ولكن ما يعنينا هو "رمان" في صورته الصوتية وهيئته الصرفية المختومة بالألف والنون التي تكرس حالة التثنية في علم الصرف، وهذا ما ينطبق تماما على شخصية "رمانة" في مسارها الروائي إذ عاشت صنفين من الحياة إحداهما بائعة لذة والأخرى ما ألت إليه السياقات الروائية ومن وراءها الكاتب إلى مناضلة شريفة بعد أن اتصل بها أحد المناضلين في حرب التحرير واستدرجها طوعا للالتحاق برفاقها.

ورمانة جاءت بدلالة الإفراد لكونها وحيدة في هذه الغابة الاجتماعية تواجه قدرها الذي صنعه لها غيرها، وهي نكرة محرومة من "أل" التعريف لعدم حاجة الآخر لمعرفته بها ما دامت بضاعة تستهلك.

2-2 لوحة الغلاف:

فمن القراءة الأولى أن هذه الصورة الرمزية مستوحاة من عمق الثقافة الأمازيغية كمؤشر للهوية والانتماء تتشكل من أربعة أشكال في هيئة عمودية متفاوتة الأبعاد بطريقة تراتبية، فالشكل الأول البعيد لونه بنفسجي ناصح، والثاني أبيض مخدش بالبنفسجي والثالث شكل ثمرة حبة الرمان يتوسطها مربع بداخله مربعات صغيرة حمراء بعضها متهالك والصورة كلها تسبح في لون وردي يغطي الغلاف وفي أسفله اسم رمانة الموشح بالسواد.

ولاختراق شفرة هذه الخطوط وفكّ رمزيتها ودلالاتها المتشابكة يتبين لنا أن اللون البنفسجي الذي يعني في دلالته اللونية الرومانسية في صورتها الناصعة والمأمولة، وهي في كينونتها الحرية والانطلاق بأبعادها الفلسفية والاجتماعية والتي تتمثل في مستقبل الجزائر لاغير.

ويأتي الشكل الثاني رديفا للأول لكنه يختلف عنه في اللون الأبيض المخدش بالبنفسجي، فاجتماع البياض كرمزية للصفاء النقاء مع خدوش اللون البنفسجي توحي بالواقع وإكراهاته على نحو ما، إذن فالشكل الثاني يناظر الشكل الأول بمعنى تطلع الواقع الحاضر إلى إشراقة المستقبل الآتي، هذا الواقع الجاثم تتوسطه حبة رمان، وهي من الثمار القليلة في النبات التي تبدأ زهرة وتنتهي ثمرة، فجنيها يتطلب انتظارا وصبرا، وهذا ما لا يتعارض مع ما جاءت به سياقات الأحداث ويبقى المربع ذو المربعات الصغيرة والتي إذا فحصناها قد نحصل على ستة عشر مربعا غائرا بخطوطه الحمراء والأخرى باهتة، والعدد قد يتطابق مع سن "رمانة" التي كان عمرها ستة عشر تماما(6)

وهذا الشكل المركب يسبح في لون وردي وهو يرمز للحلم الجمعي الذي يتجاوز الحاضر إلى ما هو آت، ولعل استهلال الرواية واختتامها باللون الوردي يتجه في هذا السياق(7).

فمن خلال هذه المقاربة السيميائية يتضح لنا أن الواقع الناصع في تقاسيمه الجزائرية يمكن تحقيقه عبر الثورة فقط كفعل إنساني أبدي لأن الإنسان لم يولد حرا، ولكن ولد ليتحرر، وهو ما أقرته وقائع قصة "رمانة"في تواشجها مع لوحة غلافها الموقعة بريشة الرسام الجزائري (محمد خدة).

3- البناء المعماريّ للشخصيّة المركزيّة:

3-1- مفهوم الشّخصية الرّوائية:

إن لفظ الشّخصية في اللغة العربية هو ما يعادل مصطلح (Personality) الإنجليزية، أو (Personalité) الفرنسية، واللفظان معا مستمدان في الأصل من لفظ (Persona)، في اللغة اللاتينية القديمة؛ ويعني القناع.(8)

ويأتي الحديث عن الشخصية (Personnage)، ضمن مشكِّلات البنية الروائية وعلاقتها بالعناصر الأخرى كالمكان والزمان والحدث؛ فالذي يؤطر المكان هو الحدث، والذي وراء الحدث هو الإنسان؛ فالفضاء ليس مكانا شاغرا بل هو مملوء بتجارب وذكريات ومشاعر وانفعالات التي تشكّل  في المجموع بصمة الإنسان. أما استعمال البعض قولهم الشخص (Personne) كمعادل للشخصية؛ فإن المعجمية العربية قد فصلت في أمره، الشخص .. سواد الإنسان وغيره تراه من بعد، يطلق على الإنسان أيضا ذكرا أو أنثى.(9)

إذن يمكن القول أن المقصود بالشخص يتوقف أساسا على عنصر تجسيد الهيئة المادية عند الإنسان دون غيره من العناصر الأخرى. "فالشخصية، في تمثّل الكتابة الروائية التقليدية، تصادي الشخص الحقيقي المركب من لحم ودم وعظام؛ والحدث الروائي يصادي الحدث التاريخي الذي وقع فعلا يوما، على نحو ما؛ والحيز الروائي يصادي المكان الجغرافي الذي كان مسرحا للأحداث التاريخية التي وقعت فعلا، على نحو ما فيه. فهناك، إذن، أربعة عناصر، أو أربعة مشكّلات سردية، هي في حقيقتها خيالية، تصاديها، في البناء الروائي التقليدي، أربعة مشكلات أخرى واقعية أو حقيقية؛ الحيز يصادي المكان، والشخصية تصادي الشخص، والزمان يصادي التاريخ، والحدث الروائي (الأبيض) أو (الميت) يصادي الحدث التاريخي الحقيقي، أو الحي." (10).

ظلت الشخصية في الرواية التقليدية تتمتع بنفوذها إلى غاية ما بعد الحرب العالمية الأولى، إذ ظهرت أصوات تدعو إلى إعادة النظر في دور الشخصية الروائية انطلاقا من رؤية جديدة. وتعد محاضرة فرجينا وولف(1882- 1941)  (virgina woolf  ) دعوة صريحة إلى النقاد للاهتمام أكثر بالشخصية ووضعها في دائرة الدراسة والتحليل العميق لكونها تشكّل  عالما معقدا ومستقلا في ذات الوقت، واعتمادا على مفهوم اللساني للعلامة عرف فيليب هامون (Ph. hamon) الشخصية "بأنها مرفيم فارغ، أي بياض دلالي لا تحيل إلا على نفسها، إنها ليست معطى قبليا وكليا، فهي تحتاج إلى بناء، بناء تقوم بإنجازه الذات المستهلكة للنص زمن فعل القراءة. هذا المرفيم الفارغ يظهر من خلال دال لا متواصل ويحيل على مدلول لا متواصل. فكما أن المعنى ليس معطى في بداية النّص ولا في نهايته، وإنما يتم الإمساك به من خلال النص كله." (11)

وإذا كان هذا القول استوحاه هامون من المفهوم اللساني للعلامة عند دي سوسير في تعريفه القائم على اعتباطية الدال والمدلول، فإن الشخصية كعلامة سيميائية (Sémiotique) تمتلك معطيات ودلالات أيقونية كالاسم والهيئة والسلوك.. تطابق صاحبها خاصّة في المنظومة السرّدية عند وطار التي تغترف من الواقع الاجتماعي والتاريخي في آن واحد.

أما غالي شكري فيعرف الشخصية بقوله: "إن الشخصية الفنية هي الشخصية الحية في حالة فعل." (12)، وهذا الفعل لن يكون إلا بتفاعله مع بقية شخصيات النص الرّوائي؛ التي تحدد علاقاتها مع غيرها ومكانتها التي تتبوأها في النص، من خلال انخراطها في الأحداث الروائية، وفي شبكة العلاقات المتفاعلة فيما بينها. 

مشكّلة في نفس الوقت مع عناصر النص الأخرى ارتباطا عضويا لا فكاك منه، "فإن الشخصية لا تتحدد فقط من خلال موقعها السردي (فعلها) ولكن من خلال العلاقات التي تنسجها مع الشخصيات الأخرى." (13).

3-2- تقاسيم الشّخصيّة المركزيّة:

إن تصميم الشخصيّة الروائية الوطارية يخضع لبعض الاشتراطات المحلية فهي مستوحاة من عمق الواقع الجزائري في شكلها ومضمونها وحتى تطلعاتها وفي هذا السياق تأتي رمانة كواحدة ممن ثقلتهم متاعب الحياة وهيأتهم نفسيّا وماديّا وروّضت أجسادهن للاضطلاع بدور الشخصيّة المركزيّة في القصة حتى يتمكن الكاتب من تمرير خطابه الأدبي المؤطر أيديولوجيا ويمكن أن نجمل بعض المؤشرات الدالة على تقاسيم الشخصيّة الروائية عند وطار كما يلي:

-       فهي جزائرية الهوى والهوية.

-       وذات تقاسيم جزائرية بحتة في سلوكها وأفعالها.

-       يتيمة الوالدين(14) أي محرومة من السند العاطفي والمعنوي.

-       من الفئات العمرية الشبابيّة المتطلعة.

-       يحركها الفقر والشقاء الإنساني.

-       من المحيط الاجتماعي وليس من المركز(15).

-       إحساسها بالاغتراب النفسي والاجتماعي، نتيجة للتركة التي ورثتها عن والديها(16).

-       شخصيّة متحوّلة من السلب إلى الإيجاب.

-       حاملة لأيديولوجيا واضحة المعالم ومعادية للواقع المبتذل، أسداها لها الكاتب في آخر الرواية.

-       جميلة بطبعها إذ ورثت جمالها عن والدتها(17) .

كل هذه المركّبات التي أثّثها بها الكاتب تجعل منها متفرّدة عن غيرها من الشخصيات يضاف إلى ذلك اسمها الذي اختير بإمعان لما يحمله من مدلول محلي في الثقافة الشعبية الجزائرية، وبالمقابل فهو مفرغ من أيّة دلالة ثقافية أو دينية أو أخلاقية قد تكون هذه الفئة الاجتماعية المحرومة من الفواكه ترغب في هذا النوع وتودّ تحقيقه ولو على مستوى تسميته على إحدى بناتها.

أمّا ملامحها الاجتماعية تكرس فيها الفقر والبؤس بدءا بمسكنها فهي تسكن حيّا قصديريا بضواحي المدينة ''ونبتُ في حي قصديري''(18) وهي في الأحياء التي تطوّق المدن العربية حديثا وتصهر على خدمة المدن في آن واحد بما يسند إلى أبنائها وبناتها من أعمال وضيعة يترفع عليها أبناء المدن. ففي  هذه الأحياء يكثر الفقر والأمية والمرض بين أهلها وتصير حياتهم مرادفة للموت، وهو ما عبر عنه بوعلام يوما إلى رمانة ''الفقراء ميتون من يوم ولادتهم''(19) إذن فهي من منابت فقيرة ومعدمة، وظروف اجتماعية صعبة مع هيئتها الجسدية المغرية واندفاعها الشبابي والعاطفي إذ تبلغ من العمر ستة عشر عاما(20). هذا المجموع كفيل بأن يؤهلها لامتهان أقدم مهنة في التاريخ البشري، وتعمّد الكاتب على توصيف جسدها منذ البداية ليتفرّع إلى ملاحقة نشاطاتها من خلال السياقات الروائية فيقول: ''وهي جالسة على كرسي وثير، عارية الصدر، لا يغطي باقي جسمها سوى قميص نوم حريري أملس شفاف.

رفعت بصرها إلى المرآة، فقابلتها نفسها جميلة رائعة.. الشعر منسدل أسود ناعم، على عنق أبيض طويل، وعلى صدر مكتنز عريض، العينان لوزيتان عسليتان حالمتان، الأنف مستقيم لا يشوبه عيب متناسق مع الوجه المستدير والذقن الممتلئة الجميلة، والفم الصغير، تعبّر شفتاه القرنفليتان عن دعوة دائمة، لانتظار همسة دافئة منه.. المرأة ممتلئة بها طولا وعرضا..''(21).

يبدو بإمكاننا أن نتمثل هذه الشخصية إذا جمعنا أجزاء الصورة الموزعة على مساحة النص الروائي والتي أراد الكاتب من خلالها إحكام طوق الفساد من حولها بحيث لن تجد منفذا سوى الانخراط في عالم الرذيلة وبهذه التقنية الذكية يكون دورها في الحياة تحصيل حاصل تحت وطأة الفقر والحاجة وليس رغبة متأصلة فيها، ومن المواقف الواقعية التي تستوقفنا في الرواية هو موقف استظهار بطاقة التعريف الخاصة برمانة والتي قرأتها بصدق غير أنها حجبت عنا ذكر سنها وكأن الكاتب يريد أن يوهمنا بعادة شائعة عند الكثير من النساء الجزائريات وهو عدم رغبتهن في إظهار أعمارهن الحقيقية التي تبقي طي الكتمان في غالب الأحيان. ''الاسم: رمانة. اللقب: مشتلي. تاريخ الميلاد: (..؟) في الجزائر . علامات خصوصية: لا شيء. القامة: متر وثماني وستون''. (22)

ولا يمكن أن يكون لرمانة هذا الدّور إلا بتضافر أدوار أخرى ساهمت في تميّزها عن غيرها من الشخصيات المساعدة لها.        

4- أشكال الشخصية وأنماط التعبير الشعبي:

4-1 أشكال الشخصية في المتن الوطّاري:

وظف الطاهر وطار تشكيلة متنوعة من الشخصيات ذات الملامح الجزائرية الصّرفة، فهي قد تكون مختلفة في مشاربها وانتماءاتها الوظيفية في المجتمع، لكن يوحدها الفساد ويؤطرها سواد الليل لممارسة هذه الهواية الشاذة، إن انصراف بعض الناس إلى حياتهم الخاصةّ وسقوطهم بين أحضان النساء وشرب الخمر لا يمكن أن يفهم إلا كشكل من أشكال الإحباط الاجتماعي والسياسي الذي طال شريحة كبيرة من أبناء وبنات المجتمع، وهي في أوج عطائها العاطفي والجسدي أيضا، والتي لم تحالفها الظروف، فصارت تتقاسم مع غيرها من أبناء جلدتها شعورا خاصا بالغربة والضياع السياسي والاضطراب في الوعي الوطني والقومي، وهي ظاهرة تكرسها دائما عوامل العيش في ظل التهميش والإقصاء، وفي غياب أبوّة سياسية حقيقة تكون لهم سندا حقيقيا(Support) في مواجهة تحديات الحياة، وبالتالي يلجأون إلى تعاطي الخمر كملاذ آمن في اعتقادهم نحو واقع بديل عن الواقع الحقيقي.

ولذا نرى دائما هذه الشخصيات تتستر وراء ستار الليل لإخفاء أفعالها وممارسة نزواتها، تنفيذا لمشاريعها الانهزامية، وتلعب الفضاءات المناقضة دورا هاما في تجسيد الفارق الطبقي وبؤر الفساد، الحي القصديري والكوخ الذي تسكنه عائلة "رمانة" وما يقابلها من فيلات فخمة في الأحياء الراقية بالعاصمة، فتزداد الصورة وضوحا وتناقضا في آن واحد، تزيد من حيوية السّرد ومتعته.

وكانت الشخصيات الذكورية المتهافتة على طلب المتعة متنوعة ومتباينة، لكنها جزائرية الهوية وفاسدة الهوى، كما أنها مختلفة في الأدوار التي أسندت إليها، فمن الشخصيات النسوية الجارة "مباركة" الشريكة الحقيقية لرمانة في العمل والتي تجاريها في مشاريعها دون تردد، وقد حدد دورها الكاتب ليفسح المجال لرمانة وعملها الموروث عن والدتها، وهناك أدوار نسوية باهتة وعرضية كـ"رحيمة" زوجة القاضي و"سي قويدر" و "حلومة" زوجة الصديق المحترم(23)

وتعد شخصية بوعلام الانتهازي والمخادع، وصاحب التجارة المشبوهة أكثر حضورا في بداية الأحداث وتصفه رمانة بالشاب الأسمر المشعر(24)، وصاحب المغامرات الكثيرة مع شريكه وصنوه مجذوب.لقي كل منهما مصرعه على يد الآخر في أحد المراقص "في الساعة الخامسة من صباح يوم الأحد، وقعت مشادة في مرقص ليلي، ذهب ضحيتها السيد مجذوب الرحيمي صاحب المرقص، والسيد بوعلام حمادية من الوسط التجاري، استعمل الرصاص في المشادة والتحقيق جار"(25).

نلاحظ أن الكاتب سلط عليها عقابا قاسيا لتماديهما في ترويج الفساد واحتقار الآخرين.

ومن الأشكال التي تتردد على هذه الأمكنة ضباط سامون من البحارة الأجانب، فكلما سنحت لهم فرصة عملهم يقبلون على شراء لحظات من اللذة، ومن النماذج الساقطة سي قويدر القاضي "شخص أنيق في الخمسين، عليه علائم الاحترام، رمقني وخاطب بوعلام بصوت وقور"(26).

فلم ينج حتى هؤلاء المحترمون أو في حكم المحترمين والذين يتظاهرون أمام الناس بالاحترام والانضباط نهارا وهم غير ذلك ليلا، وما شخصية صالح إلا أنموذج آخر الذي صادفته "رمانة" ليلة هروبها من براثن بوعلام، وهاهو يقدم نفسه قائلا:" سيد محترم جدا، ليس تاجرا ولا عاملا، اسمه(صالح) في الخامسة الثلاثين، له طفل وبنت زوجته فرنسية، تشتغل في الإدارة وتتقاضى دخلا كبيرا، أمه تعيش معه وتربي ابنيه، يسكن في قصر ويستعمل هذا المنزل لما يصادف(27)

كل هذه الشخصيات تدحرجت نحو الهاوية والسقوط، الفاعلةُ منها والمفعول بها، وقد يكون الكاتب يريد من وراء هذه النماذج المختلفة من الشخصيات الساقطة أن يجعل منها مجرد لواحق(Accessoires) لإبراز شخصية "رمانة" ومواصفاتها المتفردة كشخصية مركزية تحظى باهتمام كبير على مستوى الأحداث الروائية.

وفي نهاية المطاف يفاجئ الكاتب قراءه بمنعطف مثير، يتمثل في الظهور المفاجئ لشخصية المناضل المتابع أمنيا والذي اختار لنفسه اسم "خالي" (28)وتبين فيما بعد أنه مناضل ومثقف يساري وطبيب أيضا "وذات أمسية، لفت انتباهي في نهج صغير، قليل الحركة والمتاجر، كهل بدوي رائع، طويل القامة، عريض المنكبين، أسمر غليظ الحاجبين، جميل اللحية، وطويل الشاربين، عليه برنس وجبة وعمامة، وفي يده حقيبة صغيرة على عينيه نظارات.."(29) هذا الرجل هو قدر "رمانة"، إذ بفضله تمكنت من الإفلات من طوق الفساد وأنقذها من جرائرها الاجتماعية والأخلاقية، وفك ضائقتها المالية، وصارت "رمانة" امرأة جزائرية مختلفة عن ماضيها الذي قد انقضى.

4-2 الشخصية وأنماط التعبير الشعبي:

أثبتت الدراسات الحديثة في الأدب الشعبي أن الأغاني والأمثال والأقوال الشعبية هي أصدق وأدق التعابير التي تعكس الوعي الجمعي، وأن الاهتمام بها وفحصها يمكن أن يفضي إلى نتائج تفصح عن الهوية الحقيقية للجماعة البشرية وتطلّعاتها وما المقولة الاستباقية التي كانت ترددها شخصية اللازـ مثلا ـ في رواية "اللاز" إلا نبوءة فذة لمستقبل الجزائر في قوله:" ما يبقى في الواد غير حجاره"، إذ عودنا الطاهر وطار أن يوظف حشدا من الأقوال الهادفة ذات الخصوصية الجزائرية وتأتي عادة على لسان شخصياته وتكون مناسبة لمستواها الثقافي وانتمائها الاجتماعي كهذه المقولة الباعثة على الاستسلام للأمر الواقع في قول أم رمانة لابنتها "قدر ربي يا رمانة العزيزة"(30) أو ما تسمعه في بعض الأغاني الشائعة في الشرق الجزائري وفي المجتمع التونسي كتلك الأغنية الغرامية التي ترددها أرملة البرادعي على إيقاع الطبل في قولها:" يا جاري يا حمود يا جاري دبّر عليّ، الناس تبات رقود، وأنا النوم حرام عليّ"(31)، وكان لرمانة نصيب من هذه الأغاني الشعبية حين استفردت بنفسها في عمل البيت وراحت تردد "أما وسيدي عابد ...أما يشعشع نوره." (32) لما يحظى به الأولياء من قيمة وجاه في وجدان المجتمع الجزائري، ومن الأغاني أيضا ما تردده شخصية (خالي) المناضل الطبيب المتابع أمنيا، حين كان يلاعب الطفلة فايزة أخت رمانة وهو يغني لها بصوت خافت " آش يا بغالي، وصّلّني لأخوالي، وأخوالي في توسة، ذبحولي فلوسة..." (33)، ومن العبارات المسكوكة ذات الدلالة الدينية ودأب على استعمالها المتسولون قولهم:" يا حباب سيدي عبد الرحمان"(34) وجاءت في سياق مموِّه للتواصل مع الثوار حتى لا يتفطن لهم المخبرون ومن الاستعمالات اللغوية المشفرة ما صدر عن ساعي البريد وهو يتسلم رسالة (خالي) من رمانة قائلا لها:" السماء صاحية"(35)، ثم انطلق ، بينما هي في الواقع مكفهرة، ولم تفهم الفتاة هذا المعنى إلا بعد أن فك لها (خالي) الشفرة ومعنى ذلك أن الأمور هادئة غير متوترة من جانب الشرطة والعسكر التي تطارد المناضلين في كل مكان.

فهذه المقولات الشفوية وُظفت في سياقها ولحاجة تقتضيها طبيعة موقف الشخصية المتلفظة بها من جهة، ومن جهة أخرى تعطي انطباعا آخر للمتلقي أنّ هذه الأحداث لها خصوصيتها الثقافية والتاريخية وحتى الجغرافية أيضا.

وفي الأخير نرى وطار يحتفي كثيرا بشخصياته ذات الملامح الجزائرية، ويؤطرها بكل ما يقتضي من مواصفات جزائرية أقوالا وأفعالا حتى تكتمل أجزاء الصورة في ذهن المتلقي العربي بكل أبعادها التاريخية والثقافية والاجتماعية.

 

تحميل المقال

 

Appel à communication