January 2017
S M T W T F S
1 2 3 4 5 6 7
8 9 10 11 12 13 14
15 16 17 18 19 20 21
22 23 24 25 26 27 28
29 30 31

 

المنهج الأنثربولوجي زالدراسات الميدانية : طرق وأدوات وإشكالات

د.أحمد قيطون

قسم اللغة والأدب العربي ـ جامعة ورقلة (الجزائر)

 

يعد المنهج أداة شغلت بال الباحثين في مجال البحث العلمي ، هذه الأداة التي فتحت نقاشا وجدلا كبيرا وواسعا منذ زمن بعيد ، وازدادت حدة النقاش حين بدأت بعض المعارف الانسانية في الظهور والبروز، ومحاولة أخد موقع لها بين العلوم التي سبقتها ، والتي وسمت أبحاثها بالعلمية نتيجة انضباطها بقوانين المنهج العلمي ، والذي هو  أسلوب للتفكير والعمل يعتمده الباحث لتنظيم أفكاره وعرضها ، وبالتالي الوصول إلى نتائج وحقائق معقولة حول الظاهرة موضوع الدراسة (1)، لهذا سعت الأنثروبولوجيا كغيرها من العلوم الانسانية إلى وضع منهج علمي يؤطر دراستها الميدانية ، تأطيرا مبنيا على أسس معرفية وعلمية خالية من الذاتية. خاصة ونحن نعلم أن الباحث الأنثروبولوجي في تعامله مع الأفراد والجماعات الحاملة لثقافة ما ، يجد بعض الإشكالات التي قد تعترض دراسته الميدانية ، لأنه يتعامل مع مشكلة في أساسها مشكلة انسانية

وهو ما يتطلب منه التمتع بقوة عالية من الذكاء في كيفية التعامل مع سلوكيات الأفراد ، لكن دون أن يحيد عن المنهج العلمي الذي يعطي لعمله الميداني سمة العلمية.

من هذا الباب للباحث الأنثروبولوجي منهج علمي مؤطر بطرق وأدوات ، نحاول في هذه المداخلة محاورة هذه الطرق وذلك بتبيان معالمها والوقوف عند بعض المحاذير التي قد تخرج البحث عن اطاره العلمي

لكن قبل أن نخوض في المسالك الوعرة لهذا المنهج لا باس أن نعود للوراء قليلا ، وبالضبط إلى البدايات الأولى للأزمة ، أي أزمة المنهج العلمي في الدراسات الانسانية والأدبية . فالأزمة هي وليدة الغيرة بين العلوم الانسانية والعلوم الطبيعية والعلوم الرياضية ، حيث أن هناك شبه اجماع  على أن العلوم الانسانية نشأت في القرن 19 لكن هذه النشاة لم تكن كاملة لأن الانسان لم يكن مفكرا فيه في المرحلةالسابقة  وهو ما يعني تعذر ظهور العلوم الإنسانية خلال تلك الفترة.وهذا ماجعل فوكو يربط ظهور هذه العلوم بنشأة المجتمع الصناعي ، وبالأخطار التي أصبحت تتهدد الطبقة البورجوازية، وبظهور الإنسان في الثقافة الغربية (2).

لكن إذا كانت هذه العلوم قد استطاعت ان تبرز من خلال الميادين التي تناولتها والتي فتحت شهية الباحثين ، إلا أنها وقفت حائرة في تبني المنهج الذي يضمن لها الاستقلالية والاعتراف بها كعلم له اسس وقواعد واساليب خاصة يتبعها الدارسون، لهذا بقيت ردهة تحت سيطرة مناهج العلوم الرياضية والطبيعية ، والتي فرضت عليها نوعا من التفكيرالذي ساوى بين المادي واللامادي ،وهو تفكير المنهج الاستنباطي والمنهج الاستقرائي ، الذي ترك العلوم الانسانية في حيرة

ففي الحالة الأولى تباينت مناهج الدراسات الإنسانية بين المنهج الاستردادي في التاريخ، إلى منهج التحليل النفسي في علم النفس، إلى منهج الملاحظة المشاركة في الأنتروبولوجيا، إلى منهج تأملي ذاتي في الفلسفة... وهكذا، والنتيجة أننا لسنا أمام منهج واحد. وفي الثانية حصلت الطامة الكبرى: تحويل الإنسان إلى مجرد رقم أو عدد أو قضية أولية أو ثانوية مما يمكن إخضاعه لمنهج استنباطي، أو إحالة الإنسان إلى مادة من مواد الطبيعة لمنهج استقرائي.(3).

هذه السلطة التي تبوءتها الفيزياء باعتبارها العلم الذي كان له المرجعية المعرفية، والتي كانت المعيار الذي تقاس به علمية العلوم المستحدثة في تلك المرحلة وهذا ما جعل محمد عابد الجابري يقول يمكن القول بصفة عامة إن الفكر العلمي بمختلف جوانبه ومنازعه – وكذا الفكر الفلسفي- قد بقي، طوال القرنين الماضيين، يتحرك داخل البنيان الذي شيده نيوتن، وذلك إلى درجة أن الأفكار والنظريات العلمية التي ظهرت خلال المدة المذكورة، لم تكن تقبل، أو على الأقل لم يكن ينظر إليها بعين الارتياح والرضا، إلا إذا كانت مندرجة في النظام العام الذي أقامه صاحب نظرية الجاذبية (4)وهذا يعني ان العلوم الانسانية لا تكتسب سمة العلمية إلا إذا نهلت من المنهج الذي سمح للفيزياء بالتطور وبالتالي يصبح النموذج المقتدى به في كل العلوم والافكار. وهذا ما ولد صراعا بين العلوم الانسانية والعلوم الطبيعية ، وفتح نقاشا واسعا بين دارسي العلوم الانسانية والآداب حول اشكالية المنهج في ميدانيهما .

فإذا أخدنا النص الأدبي الذي ثالوثه المؤلف والنص والمتلقي ، نجد انه قد جرب عليه اكثر من منهج ، فمن المناهج ما قبل النصية والتي تهتم بالمؤلف وتعطيه السلطة في تحريك دلالات النص ، إلى المناهج النصية والتي جعلت الخروج من النص الى غيره- طبعا لاجل فهم دلالاته- انقاصا من ادبيته، لنصل للمناهج التي تمجد القارئ وتعطيه المفتاح الذي به يلج مغاليق النصوص .

إذن نحن أمام عملية البحث عن ما يضمن للنص الأدبي علميته وأدبيتة، لكن هذه العملية نظن أنها لن تنتهي خاصة إذا وصلنا إلى المنهج الذي ينادي به البعض والمسمى بالمنهج التكاملي ، الذي يأخد من كل المناهج محاولا ارضاء الجميع.

هذا الوضع الذي وصله المنشغلون بالنص الأدبي ، ألا ينم عن أعادة تكرار بداية الازمة، او بتعبير آخر الدارسون تائهون مابين العقل والقلب

هذا الاضطراب والتداخل وجدناه كذلك متجليا بين الفولكلور والعلوم الانسانية ، فالفولكلور كان كالاخطبوط ميادينه منتشرة في جميع المعارف الانسانية

مما جعل استقلاله عنهايشوبه بعض الشوائب نظرا للتداخل الكبير بين الموضوعات ، والشيء نفسه نجده بين علم الفولكلور وعلم الأنثروبولوجيا لكن بنوع من التقارب ، فعلم الفولكلور هو فرع من فروع المعرفة الانسانية الذي يهتم بجمع وتصنيف ودراسة المواد الفولكلورية بمنهج علمي لتفسير حياة الشعوب وثقافتها عبر العصور كما كتب ذلك عبد الحميد يونس (5) أما الانثروبولوجيا فهو علم دراسة الانسان في أصوله التاريخية التي تمس جوانبه العضوية والاجتماعية والحضارية ، وتطور تلك الجوانب عبر الزمان والمكان ، وما تفرزه نشاطات الانسان من انماط وتراكيب ووظائف وعلاقات اجتماعية متباينة(6) . وعليه فكليهما يتناول الانسان وثقافته القديمة والحديثة لذا وجدنا هذا التداخل بينهما خاصة من تاحية المنهج فالفولكلوري يستعين بالمنهج الانثروبولوجي خاصة فيما يتعلق بالدراسات الميدانية لأن الفولكلور مكانه هو الميدان والوصول إلى جمعه لدراسته يحتاج إلى منهج ومنهجية حتى يوسم العلم بالعلمية وهو مانجده عند عبد الحميد يونس إذ يقول اما الذين يتخصصون في الجمع والتصنيف والعرض ، فإن المبدأ الأول الذي ينبغي أن يعتصموا به ، هو القدرة على تمييز المادة الشعبية من المادة المنحولة على الشعب ، مع العلم باساليب الجمع الميداني ومناهج التصنيف النوعي واعداد الارشيف (7)          

لهذا اساليب الجمع الميداني في الفولكلور هي نفسها الموجودة في الانثروبولوجيا ، وهذا ما يجعلنا نعود إلى تاريخ الانثروبولوجيا  خاصة الثقافية لنرى هل طبق الانثروبولوجيون الاوائل المنهج العلمي أم لا ؟ 

حاولت الأنثروبولوجيا أن تعطي لكتاباتها السبغة العلمية ، وذلك من خلال بعض الكتابات التي اجتهدت في الابتعاد عن تلك الافكار التي كان بعض الرحالة والمستكشفين يصفون بهاالمجتمعات التي يمرون عليها، وهذا ماجعل الكتابات الأولى تظهر الإنسان البدائي على أنه حيوان فظ متوحش يختلف عن إنسان أوربا والدول المتمدينة ،ثم ظهرت كتابات تالية تمثله إنسانا رقيقا مهذبا يعيش على الطبيعة في رخاء وسلام ودعة ،يظهر هذا التناقض في تاريخ الأنثروبولوجيا الثقافية فقد تصور مفكروا القرنين السابع عشر والثامن عشر الحياة البدائية على أنها   منعزلة فقيرة وحشية قاسية ،ويقول هذا الفهم على أساس المبالغة أو التخمينات وليس على أساس المنهج العلمي .وعندما زادت معلومات عن الشعوب البدائية في الفترة مابين منتصف القرن الثامن عشر ومنتصف القرن التاسع عشر تبين للمفكرين خطأ الصورة السابقة وشعروا بالجزم الذي اقترفوه في حق الإنسان البدائي ،وكنوع من التعويض اتخذو موقفا مناقضا للسابق فوصفوا الإنسان البدائي بالطيبة والرقة والخير وبأنه يحتاج إلى مساعدة الإنسان المتمدين ،ولا شك أن هذا الرأي كذلك لم يقم على أساس المنهج العلمي وإنما على تصورات ومبالغات غير واقعية واستمر الحال هذا إلى أن اكتشف العلماء في نهاية القرن التاسع عشر إمكانية تطبيق المنهج العلمي في الأبحاث الأنثروبولوجية عن طريق الدراسة الميدانية(8)، هذه الدراسات والتي كان الهدف منها أخد المعلومات من مصادرها الأصلية، حتى يتسنى للدارسين استنباط الأحكام والقيم وفق رؤية علمية ومعرفية ، إلا أن هذه الدراسة تحتاج إلى أدوات وأساليب نحاول ان نبين بعضها، والتي هي تقريبا متشابهة بين جل الباحثين الذين وقفنا على ابحاثهم، لذا سنكتفي بما أشار إليهاالباحث عاطف وصفي

فطرق البحث كثيرة ومتنوعة ، إذ كل ميدان منوطة به وسيلة معينة ومنهجية خاصة.   

أولا الملاحظة بالمشاركة(9)

مشاركة الباحث في الأنشطة الاجتماعية التي يمارسها أعضاء المجتمع قيد البحث ومن خلال تلك المشاركة  يدرس ثقافتهم .

شروط نجاح الملاحظة

- أن تسبقها مرحلة تخصص ودراسة نظرية كافية في الأنتروبولوجيا عامة والعلوم الاجتماعية وخاصة علم الإجتماع

 - معايشةالباحث فترة كافيةلأفراد المجتمع موضوع الدراسة

 -أن يكون الباحث طوال فترة الملاحظة على صلة وثيقة بالأهالي ويتم ذلك عن طريق اشتراكه في معظم جوانب حياتهم الإجتماعية

-         على الباحث أن يستخدم في حديثه مع أفراد المجتمع موضوع الدراسة لغتهم الوطنية

  - على الباحث أن يتخلى عن قيمه وثقافته بقدر المستطاع حتى يستطيع تحقيق الملاحظة الموضوعية.

- يحتاج الباحث لمهارة أدبية في نقل وصف وتحليل الثقافة المدروسة إلى لغة الباحث نفسه إذ عليه أن يبين ويشرح معنى الظواهر الإجتماعية والثقافية التي لاحضها

كما لاحظ الباحث عزام أبو الحمام المطوربعض العقبات التي تعترض طريق الباحث أثناء اعتماده على الملاحظةالمشاركةمنها:(10)   

1         إن بعض المفحوصين الملاحظين حين يشعرون بأنهم ملاحظون قد يغيرون من سلوكهم ولا يظهرون سلوكا حقيقيا

2         تتطلب الملاحظة وقتا طويلا فقد ينتظر الباحث فترة طويلة حتى يبرز السلوك الذي يلاحظه وقد تتدخل عوامل وقتية تؤثر على السلوك أثناء الملاحظة وبذلك يكون ما يلاحظه الباحث ليس صحيحا 

 تحيز الباحث الملاحظ ،وهي مشكلة تبني الباحث لمجتمع البحث بكل مافيه بقصد أو بغير قصد ،أي أن المجتمع البحث يتجسد في نفس الباحث مما يقلل من الموضوعية أحيانا لدى الباحث سواء من خلال الرضى التام .أوحتى المبالغة في وصف الحسنات مثلما فعل بعض الباحثين العرب أثناء وصف مجتمعاتهم أو على العكس المبالغة في وصف السيئات مثلما فعل بعض المستشرقين في المجتمعات العربية

 أما الطريقةالثانية فهي الإستبيان

  والتي كان لها انتشار واسع في حقل العلوم الاجتماعية  ، والتي تعتمد على أسئلة موجهة من لدن الباحث إلى المجتمع أو الفئة المعنية بالدراسة ، لهذا وجب على الباحث أن يضبط استمارته بكل دقةوعناية حتى يصل إلى الغاية المنشودة من وراء بحثه إذ  يقوم هذا الأسلوب على تحضير إستبانة  إستمارة تتضمن عدد من الأسئلة تهدف إلى جمع بيانات ومعلومات محددة

وعلى كل حال فإن الإستمارة هي أسلوب مهم للجمع والمسح والإستمارة في حالات جمع التراث وبياناته عادة ما تعتمد ليس على المستجيب وحسب أي بمعنى أن الإستمارة يجب أن تعبأ باشراف مباشرة من قبل الباحث أو من ينوب عنه من المؤهلين لذلك لأن تعبئة الإستمارة تحتاج إلى الكتابة بالطبع أو الإجابات الإنشائية ،مثل كتابة القصص أو الحكايات أو الأمثال أو المعتقدات ،وهذا الأمر لا يصح إلا بإشراف الباحث الذي سيقوم بتوضيح شروط واعتبارات الإستمارة للوصول إلى البيانات الصحيحة المطلوبة (11)

  أسلوب المقابلة

يعتبر أسلوب المقابلة من أهم الوسائل المستخدمة في جمع البيانات الفولكلورية وقد يجوز اعتباره أهم أسلوب على الإطلاق نظرا لطبيعة المواد التراثية التي يصعب الحصول عليها بغير استخدام أسلوب المقابلة ولذلك فإن أسلوب المقابلة سيكون من أنجح الأساليب المستخدمة في جمع البيانات الفولكلورية .(12)

هذه إذن بعض الطرق التي يعتمدها الباحثون الانثروبولوجيون في دراساتهم الميدانية، والتي تضمن لهم السمة العلمية لابحاثهم إن هم تحروا الدقة و تقيدوا بالشروط الخاصة بهذه الطرق

تحميل المقال

 

 

 

Appel à communication