January 2017
S M T W T F S
1 2 3 4 5 6 7
8 9 10 11 12 13 14
15 16 17 18 19 20 21
22 23 24 25 26 27 28
29 30 31

 

مناهج البحث في اللغة والأدب:التحليل اللساني للخطاب،  الوصف والإحصاء وأزمنة النتائج

د/عادل محلو

قسم اللغة والأدب العربي ـ المركز الجامعي بالوادي

     

 

    شكّل ظهور اللسانيات مُنطلقا جديدا لنظر إلى النصّ الأدبي وتحليله لما أمدّت به الدراسات النقدية والأدبية من مفاهيم أكثر دقّة وإجراءات أكثر انضباطا، وليس أدلّ على ذلك من انطلاق الدراسات الأسلوبية على يد أحد تلامذة مؤسس اللسانيات الحديثة وهو:" شارل بالي".

         إنّ هذا التجاوب المثمر  الذي سجّلتْهُ الدراسات الحالية بين اللسانيات والأدب قد أتاح للدارسين سُبلا أكثر وضوحا في تحليل الخطاب الأدبي؛ إذ حدّد أمامهم المكوّنات الأساس للبنى اللغوية لتلك الخطابات ومنحهم الأدوات ، ومهّد لهم مناهج التعامل العلمي كالوصف والإحصاء وغيرهما.

         ومن بين ثمرات ذلك التجاوب تحليل الخطابات الأدبية وفق مستويات التحليل اللساني المتعارف عليها:

v          الصوتي

v          الصرفي

v          التركيبي

v          الدلالي.

وفي هذه المداخلة سيتمّ النظر إلى نماذج من استغلال منهجيْ الوصف والإحصاء في تحليل الخطابات الفنيّة العربية من قرآن كريم وشعر ونثر، وذلك للكشف عن مفارقة تتكرّر في كثير من الدراسات والبحوث والمقالات وهي ضمور النتائج  في مقابلة الجهد الوصفي والإحصائي الذي يقوم به الدارس.

 

أوّلا: طريقتا التحليل اللساني للخطاب:

         تكاد تتمركز الدراسات التي تتوسّل المنهجين الوصفي والإحصائي للتحليل اللساني للخطاب حول طريقتين أساسيْن هما:

1ـ الطريقة الانطباعيّة:

وهي تلك التي تعتمد على انطباع الدارس وحدسه في وصف المكوّنات اللسانيّة الأبرز في الخطاب المدروس، أو التقاط تلك الأكثر تكرارا وتواترا دون أن يحصي كلّ تلك المكوّنات ثم يصل إلى أيّها أكثر حضورا.

ومن أمثلة ذلك مقال  د. بن صخرية عن " تفاعل الأبنية الشعرية في سينية ابن زيدون" الذي يصفُ تخفيف ابن زيدون الهمزةَ في سينيته كما في مطلعها:

ما على ظنّي باسُ

 

يجرح الدهر وياسو

وفي غيره من الأبيات، معتبرا ذلك ملمحا صوتيا مركزيّا يحمل استغلالا جماليا لطاقة اللغة، معتبرا إياه تخفيفا دلاليا لا تخفيف ضرورة شعرية. وذلك دون تقديم تعدادٍ يُثبِتُ هيمنةً لهذا التخفيف في النصّ بل يستند في ذلك إلى الانطباع الذي تركتهُ القصيدة.

2 ـ  الطريقة التِّعْداديّة:

          وعمادها أن يقوم الدراس بإحصاء فئة المكوّنات اللسانية المستهدفة ـ فونيمات، مقاطع، موفيمات، تراكيب... ـ بشكل شامل داخل الخطاب المدروس، ثم يؤسس على النتائج الإحصائية اختياره أيّها أكثر تكرارا.  وممّا يُمثّلُ ذلك تحليل د.علي نجيب إبراهيم للمستوى الصرفي للآيات 18 إلى 25 من سورة القمر الذي يرتكزُ على تِعدادِ الصيغ الصرفية حين يقول:"... ولمّا لم يَرِدْ الوزنُ الربّاعيّ سوى مرّتَيْنِ يربطهما العطفُ فاللافتُ للنظر أنّ الخُماسي المتكرّر (18) مرّة، والمُوزّع أيضا على أربع حركات لفظية، يُفضي على النصّ نغمات طويلة نسبيّة تُسهِمُ في إبطاء سرعة الإيقاع أو تُمهّدُ للإيقاعات السريعة..." .

         ففي هذا التحليل تمّ تعدادُ الوحدات اللسانية المُستهدفة بشكلّ دقيق للوصول إلى تحديد درجة حضورها في الخطاب المدروس، وقد أضاف لذلك تحديدا أدقّ حين قارن بين تعداد الرباعي والخماسي.

وتبدو الطريقة الانطباعية ضربا من المغامرة التي يمكن أن تصيب كما يمكن كذلك أن تخطئ، وهي طريقة لا تؤتي أكلها إلا إذا طبّقها دارس ذوّاقة ذو خبرة عميقة بالخطابات الفنيّة العربية من حيث الأساليب والمدارس، وبخصائصها في كلّ عصر من عصورها المديدة . أمّا الطريقة الثانية فأكثر علميّة وأقرب إلى تجسيد التكوين اللساني للخطاب المدروس، كما أنها تطالُ كلّ المكوّنات اللسانيّة المستهدف تحليلها.

 

ثانيا ـ الانزياح والمعيار في التحليل اللساني للخطاب:

إنّ كلتا الطريقتين المذكورتين تعتمد ضمنيا مفهوم الانزياح الذي تحكم من خلاله على أحد المكوّنات اللسانيّة للخطاب بأنّه:"الأكثر تكرارا" من نظرائه في خطاب أو خطابات أخرى.  ففي الأولى يعمل حدس الدارس ،المتكئ على ثقافته واطلاعه وذوقه، على تقدير تلك الدرجة العليا من التكرار، أما في الطريقة الثانية فإنّ النتائج الإحصائية تفرز تراتبا واضحا يُبرز المكوّنات الأكثر تكرّرا لمساعدة الدارس على الحكم على أحدها ـ أو أكثر ـ بأنه منزاح عن درجة مثوله في خطاب أو خطابات أخرى .

          ومن جهة أخرى فإن هذا التعامل الضمني مع الانزياح هو في الوقت نفسه اعتراف ضمنيّ بوجود معيار يقاس إليه حضور المكوّنات اللسانيّة في الخطاب الشعري لينتج عن مخالفته الانزياح الذي يظهر من أحد المكوّنات تفوّقا على نسبة حضوره التي يوحي بها المعيار.

          إن الاعتماد على الانطباع الذي يتركه الخطاب في الدارس أو على ذلك التراتب الذي يبرزه الإحصاء معيارا يقاس إليه انزياح أحد المكوّنات ـ أو أكثر ـ يحملان معطيات اللغة اليومية في درجة الصفر ولغة الإبداع المنزاحة معا، مما يجعل حكمهما يفتقد إلى قدر هامّ من الدقّة فيترتّب عنه استنتاج بعيد عن الطبيعة الإبداعية للغة الخطاب.

          فما هو المعيار الذي يقاس إليه حضور المكوّنات الصوتية في الخطاب الشعري؟   

          لقد حاول جون كوين أن يعتمد النثر معيارا. ولكنّه في هذه الفكرة بالذات يطرح مشكلة منهجيّة غاية في الأهميّة؛ يقول:" تبقى أمامنا مشكلة منهجيّة أخيرة، نحن نريد مقارنة الشعر بالنثر، ونحن نعني بالنثر ـ مؤقّتاـ اللغة المستعملة، أي مجموع الأشكال الأكثر تردّدا من الناحية الإحصائيّة في لغة جماعة ما".

          ثمّ يجد حلاّ لمشكلته المنهجيّة هذه باعتماد لغة العلماء التي تمثّل نثرا يُكتب بأقـلّ قدر من الاهتمـام الجمـاليّ؛أي ـ بلغة جاكوبسون ـ تلك الخطابات التي لا تحتلّ فيها الوظيفة الشعريّة مكانة مركزيّة أو مهيمنة.

          إلا أنّ الحديث عن نثر علميّ يؤخذ تكرّر المكوّنات اللسانية للخطاب فيه معيارا لا نضمن تطبيقة دائما؛ إذ هناك خطابات شعرية عربية تأتي من العصر الجاهليّ الذي لا نمتلك شواهد كافية على الكلام غير المُنزاح فيه، ويكاد ينسحب ذلك حتى على العصر الأمويّ.

          وقد اقترح د.محمد بونجمة أن يكون أسلوب القرآن الكريم معيارا بديلا للنثر العلمي، وذلك بالاعتماد على الاحصاءات  التي أُجريَتْ لتحديد تِعداد الوحدات المشكّلة للمستويات اللسانيّة المختلفة. و هذا اقتراح يفتقر إلى قدر من الدقّة لأنّ لغة القرآن الكريم تحقّق انزياحا عن لغة الكلام اليوميّ، كما أنها تأتي من عصر مختلف جدّا عن عصر كثير من الخطابات المدروسة التي يدرسها؛ إذ يجب أن تكون المدوّنة والمعيار متزامنين حتّى نحصل على نتائج مثمرة.

          ويقول د.بونجمة أيضا إنه يستأنس  ببعض الدراسات التي قامت أحصت تكرار مكوّنات لسانيّة في ألفاظ معجم تاج العروس للزبيدي، و هذا الاستئناس ليس على قدر كاف من الدقّة أيضا لأنّه يعتمد على إحصاء لغة الكلام اليوميّ في عصر مختلف عن عصر خطاباته التي يطبّق عليها.

          والذي يبدو أقرب إلى الدقّة هو الاعتماد على الخطاب نفسه، وذلك باعتباره معيارَ ذاته من خلال إحصاء مكوّناته اللسانيّة لاستنباط النسبة العامة لمثول كلّ منها فيه ككلّ، ثم إحصاؤها في الوحدات التي يقسّم إليها الخطابُ واستنباط نسب انزياحها في كلّ وحدة عن النسبة العامّة.

          إنّ الاعتماد على الخطاب معيارا لنفسه يبعدنا عن الخلط بين لغة الكلام اليومي ولغة الإبداع، كما يجنّبنا الاعتماد على معيار من خارجه كالإحصاءات التي تناولت الخطاب القرآني أو المعاجم أو أشعارا متنوعة من عصور مختلفة، وما ذلك إلاّ لأن الخطاب الأدبي ـ كما يقول د. عبد السلام المسدّي ـ: " يُفرز أنماطه الذاتيّة وسننه العلاميّة والدلاليّة فيكون سياقه الداخلي هو المرجع لقيم دلالته حتّى كأن النصّ هو مُعجمُ ذاتِهِ"

 ثالثا ـ نماذج من التحليل اللساني للخطاب:        

         سيتمّ هنا عرض نماذج من مختلف مستويات التحليل اللساني ومن بحوث ودراسات متعدّدة للنظر في مدى الاستفادة من الأدوات اللسانية لتحليل الخطابات الفنيّة.

1 ـ  المستوى الصوتي:

         من نماذج ذلك التحليل الوصفي لصوت الميم في إحدى الدراسات؛ حيث يقول الباحث:

" الميم: شفويّّ مجهور، متوسّط، جسّد صورة من صور البطش، كقوله:

سقينا بالرماح بني قشير                          ببطن الغنثر السُمَّ المُذابا

كما وُظِّف للدلالة على الطاعة والانقياد:

أمرتَ ـ وأنت المُطاعُ الكريم ـ                    ببذل الأمان وردِّ السَّلَبْ"

         ومن ذلك أيضا تحليل قصيدة الخنساء التي مطلعها:

جلدٌ جميل المحيّا كاملٌ ورعُ   وللحروب غداة الرّوع مسعارُ

إذ يردُ فيه إحصاءُ وتحليل استخدام صوتيْ اللام والراء فيها كما يلي:"بدا استخدام صوت اللام مكثّفا في الشطر الأوّل (18 مرّة) وصوت الراء في الشطر الثاني (14 مرّة)، ممّا أحدث إيقاعا نغميّا... فكان لهم وقعٌ مميّزٌ في النفس"

2 ـ المستوى الصرفي:

         من نماذج الوصف في المستوى الصرفي دراسة المحاذاة الصرفية في نماذج من القرآن الكريم التي يقول فيها صاحبها:"... وكذلك قوله تعالى (والملائكةُ بعد ذلك ظهيرٌ)، وكان القياس يقتضي جمع كلمة ظهير جمعا سالما أو مكسَّرا على:ظهيرون، أو ظُهراء، ولكنّه استغنى بالمُفرد عن الجمع لتحقيق المحاذاة")؛ أي التوافق مع الفاصلة في الآية السابقة : (قال نبّأني العليمُ الخبير).

3 ـ المستوى التركيبي:

         وبالنسبة لتحليل المستوى التركيبي نأخذ أنموذجا من دراسة عن الجملة في الأمثال العربيّة وهو أنموذج يتّبع المنهج الإحصائي، ففي تناول التقديم والتأخير  جاء ما يلي:"الأصلُ في المبتدأ أن يتقدّم على الخبر وللمبتدأ الصدارة في الجملة الاسمية، وقد احتلّ مكانه في المثل العربيّ القديم في ستّ مائة وسبعين جملة(670) أي بنسبة:88% ، بينما تقدّم الخبر في اثنتين وثمانين جملة(82) أي بنسبة 12 % ... وقد أفاد تقديم الخبر تخصيصه وحصرُهُ لأهميّته في المعنى".

 رابعا ـ  التحليل اللساني ونتائجُه:

         من خلال النماذج المذكورة أعلاه نتبيّن توجُّهين في استخلاص نتائج من استغلال التحليل اللساني للخطابات من قرآن وشعر ومثل وهما:

1 ـ اتّجاهٌ يظلّ أسير المعطيات اللغوية ولا يتجاوزها إلى تحليل حقيقي للنصّ واستنطاق جمالياته ممّا يكاد يجعل منه تناولا قابلا للإسقاط على كثير من النماذج الأخرى وكأنّما حضور الخطاب المدروس لا أثر له.

           ففي النموذج الوصفيّ  من التحليل الصوتيّ يتمّ التعليق على حضور اللام بكثافة في صدور أبيات قصيدة الخنساء مقابلة بالأصوات الأخرى وحضور الراء في أعجازها مقابلة ببقيّة الأصوات فيها بأنّه أحدث إيقاعا نغميّا، وهي نتيجة لا ترقى لمستوى الجهد المبذول في استنباط الملاحظة القيّمة لموقعيّة اللام والراء في القصيدة، ولا تتّسق وطبيعة الخطاب الشعري الذي تُهيمن فيه الوظيفة الشعريّة؛ لأنّ هذا البحث اتّخذ لنفسه البحث في بلاغة التكرار هدفا.

ولكن كان من الممكن التوجّه إلى البحث عن علاقة وفرة اللام في الصدور التي تتحدّث فيها الخنساء عن الفقيد مقابلة بوفرة الراء في الأعجاز التي تتحدّث عن العادات الكريمة للمرثيّ كقولها في المطلع:

جلدٌ جميل المحيّا كاملٌ ورعُ   وللحروب غداة الرّوع مسعارُ

ففي اللام سمة مميّزة وهي الانفلات؛ أي انفلات الهواء من جانبي اللسان وهو ما يقابل الفقد والموت، وفي الراء سمة التكرار التي تقابل اتّسامَ المرثيّ بعدد من السمات عُرف بها لطول ما لزمها وكرّرها كالشجاعة والكرم وغيرهما.

         وهكذا عبر مثل هذا التحليل يمكن أنْ نربط خصائص الخطاب المدروس ودلالاته بحضور اللام والراء المكثّفيْن، ومن خلاله نستطيع تقديم نتيجة موازنة للجهد المبذول في الإحصاء والتحليل اللساني.

         وفي النموذج الوصفيّ الذي يتناول المستوى الصرفيّ يتكرّر الأمر ذاته؛ حيث لا يُربط فيه بين دلالات الخطاب وبين المحاذاة الصرفيّة، فليس مجرّد التناسق بين :"ظهير" و :"الخبير" هو الذي فرض وجود الأولى، ففي الآية اللاحقة لا نجد محاذاة مع ظهير.

         وإنْ كان نفيُ المحاذاة ليس ممكنا لأنّ الخطاب القرآني يستجمع للّفظة فيه كلّ مواطن الجمال والبلاغة، إلاّ أنّ جمالية لفظة ظهير لا تتوقّف على ارتباطها من حيث الشكل بفاصلة الآية السابقة بل تمتدّ إلى دلالتها مقارنة بما يمكن أن يكون بديلا لها : "ظهيرون ـ ظهراء"؛ ففي كلمة "ظهيرا" وحدةُ صفّ وتكتّل للملائكة. وهذا التكتّل من الملائكة في كلمة :ظهيرا" يقابله التفرقّ بين المرأتيْن في "تظّاهرا".

وهناك علاقة لآية سورة التحريم هذه بآية في سورة النبأ تجعل كلمة ظهيرا أوْلى بموضعها ذلك بعيدا عن المحاذاة. ففي سورة النبأ يقول الله تعالى: (يوم يقوم الروح والملائكة صفّا لا يتكلّمون إلا من أذِن له الرحمن وقال صوابا). ففي كليهما يقف الملائكة صفّا واحدا لا يُشقّ كجدار متماسك وهو ما لا يمكن أن تؤدّيه لفظة تدلّ على الجمع. وبينهما تقابلٌ  في البنية اللسانية يجعلهما متقابلتان دلاليا كما يلي:

 

آية التحريم

آية النبأ

ـ إن تظّاهرا عليه

ـ فالله موليهُ

ـ وجبريل

ـ وصالح المؤمنين

ـ والملائكة

ـ بعد ذلك ظهير

 

 

 

ـ يقوم الروح

ـ

ـ والملائكة

ـ صفّا

ـ لا يتكلّمون إلاّ من أذن له الرحمن وقال صوابا

         ففي الآيتيْن حضور للملائكة بشكل صفّ موحّد  مع جبريل عليه السلام، وكلاهما مقام اعتراف وقول الحقّ أمام الله؛ ففي الأولى على امرأتيْن أن تقولا الحقيقة ولا تكتما الأمر وفي الثانية ألا يتكلّم الواقفون بين يدي ربّهم إلا بالصواب. والملائكة ظهير ونصير للنبيّ صلى الله عليه وسلّم في الدنيا وصفّ موحّد في الآخرة ليكونوا شفعاء لمن عمل صالحا في الدنيا.

         وبهذا يمكن أن نرتقي بمعطيات التحليل اللسانيّ للمحاذاة في الخطاب القرآني لتقدّم نتائج تعمّق فهم الخطاب، وتستجيب لوظيفة اللغة المهيمنة فيه.

2 ـ  اتجّاهٌ يحاول الخروج بنتيجة يربط من خلالها المكوّنات اللسانية للخطاب بوظيفة اللغة في النصّ بحيث لا يظلّ التحليل مجرّد تعريف بالمكوّنات. ومن ذلك النموذج الوصفي في المستوى الصوتيّ؛ حيت ربط الباحث صوت الميم في بيتٍ بتجسيد صورة من صور البطش، وفي بيت آخر بالدلالة على الطاعة والانقياد، وقد قام بالربط مباشرة دون توضيح العلاقة السببيّة بين الميم والدلالات التي أفاضها عليها من خلال البيتين، فهو لم يوظّف الخصائص الصوتيّة من مخرج وصفات ولم يحدّد علاقتها بالمعنى الذي يؤدّيه كلّ بيت منهما.

         فما علاقة الميم بالبطش والقوّة؟ وما علاقتها بالطاعة والانقياد؟ وكيف تأتّى لهذا الصوت الدلالة على هذين المعنيين المتضادّين معا؟  هي أسئلة لا يوضّحها الوصف الذي قام به الباحث.

         هناك نماذج كثيرة من الدراسات التي تتوسّل أحد المنهجين الوصفي أو الإحصائي في تحليل المكوّنات اللسانية للخطاب الفنّي القرآني أو الشعري أو النثري ولكنّها لا تستثمر المعطيات اللسانية لتستخرِج منها النتائج المناسبة لجهود الوصف والإحصاء التي يقوم بها الباحث، كما أنّها تقدّم تعليقات وتحليلات موجزة غالبا لا تُفيد في فهم العلاقة بين البنية اللسانية للخطاب وبين الدلالات التي يزخر بها ، ولا تأخذُ بعين الاعتبار الطبيعة الفنيّة للغة الخطاب المدروس التي تُهيمن عليها الوظيفة الجمالية.

         إنّ مثل هذه التحليلات تظلّ ناقصة وغير عاكسة لجهد الباحث حين تقف عند عموم ما تقرّه البلاغة أو النحو من مثل إفادة تقديم الخبر أهميَّتَهُ في المعنى، أو تقدّم عبارات عامّة وغير دقيقة كتحليل المعطيات الصوتيّة على أنّها أحدثَتْ نغما أو إيقاعا محبّبا في النفس.

 

         إنّ التحليل اللساني للخطاب وكشف الوحدات اللسانيّة المكوّنة لكلّ من مستوياته وحصر تلك المهيمنة مقابل الأخرى التي يقلّ حضورها لا تمثّل هدفا للباحث الذي يتعرّض لخطابات فنيّة؛ بل هي خطوةٌ أولى وتوصيفٌ يمكن القيام به آليا عبر برامج حاسوبيّة، وهو ممّا لا يُعجزُ حتى المجتهدين من الطلبة. إنّ تلك الخطوة لا بدّ أن تُتَّخذ على أنّها معطيات أوّلية يتمّ استغلالها للوصول إلى نتائج تضيف إلى الخطاب المدروس بُعدا لم يكن ظاهرا ،وتكشِفُ جمالياته التي تكتنزها بُناهُ اللسانية المتنوّعة.

 

تحميل المقال

 

 

Appel à communication